(نشر هذا المقال في العدد الجديد من مجلة الهدف ويحمل الرقم (1486) في التسلسل العام، وهو العدد الثاني عشر في النسخة الرقمية).
تهديد غير مرئي بالعين المجردة يضع العالم أمام المجهول ويفرض على الجميع التعامل معه بحذر، بدءًا من رؤساء وقادة الدول، مرورًا بالوزراء والعسكريين والإداريين ورجال الأعمال والنخب بكافة أشكالها، وليس انتهاءً بغيرهم من عامة الشعب، فالجميع أصبحوا تحت الرصد الغير مرئي في حلهم وترحالهم ولا عاصم لهم اليوم من الخطر الداهم، الذي شل الحياة العامة وأغلق الحدود والمعابر والمطارات، وهجر الغالبية الأماكن العامة وامتثلوا للنصائح والارشادات للبقاء في البيوت، وغدت الحواضر قفارًا لا يسمع فيها إلا صوت الريح وآذان يرفع بدون إقامة صلاة، وجرس يقرع بلا تراتيل وترانيم، وأضحت دور العبادة خالية بدون سابق إنذار. وامتد التهديد ليضرب قطاعات التعليم والسياحة والتجارة التي خضعت للتعطيل حتى إشعارًا آخر.. وفرقت "الجرثومة" الغير مرئية الجمع، وبددت الشمل، وألغت اللقاءات والنشاطات بمختلف مجالاتها، وفرضت حظر التجوال والعزلة القسرية، وأمست المطاعم والمقاهي والنوادي خاوية على عروشها، مستسلمة لخسائرها المالية الفادحة، حتى أن العادات والتقاليد الاجتماعية لم تسلم منها، فتوقفت المصافحات وتبادل القبلات ومناسبات الأفراح والأتراح وساد الهلع والخوف أرجاء المعمورة.
وعلى إثرها حذرت منظمة الصحة العالمية من تفشي الوباء ووصفته "جائحة عالمية"، وشرعت وزارات الصحة في مختلف الدول والقارات بمحاربة الفايروس الذي تصدر الإعلام العالمي، وأضحى الحدث الأبرز لا ينازعه ما قبله من إعلان صفقة القرن ورؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحل الصراع في المنطقة، ولا تهديدات المتغطرسين بشن الحروب والعدوان هنا وهناك..
ومن الملاحظ، أن خطر "كورونا" لم يقف على حدود دولة معينة ينتظر إذنًا بالدخول، فقد اخترق أعتى الحصون، وجاب المحيطات، ولم يلقِ بالًا على مكانتها وعديد قواتها وقواها البشرية والعسكرية وما تملكه من ترسانات أسلحة الدمار الشامل، حتى أنه لم يكترث بتطور الدول الكبرى العلمي والتقني والطبي العاجز حتى اللحظة عن تقديم علاجات مناسبة للحد من انتشاره. ولسان حاله يقول للبشر: "إن كيانكم السياسي والاقتصادي وحضارتكم مهددة بأي لحظة"؛ ليضعنا أمام حقيقة مرة، بأننا لا زلنا نتشدق في غينا وطغياننا، عاجزين عن حماية أنفسنا، من كائن لا يُرى بالعين المجردة وبالتالي لسنا أحرار. وهذا دافع لأن نعيد إحياء القيم في حياتنا على قواعد أخلاقية، تنظم العلاقات في تعاملاتنا على أساس قيم العدل والمساواة، وضرب قوى الظلم والاستبداد، وأن تتوقف عمليات اضطهاد الشعوب وسرقتها والسطو على مقدراتها ومصائرها من قبل مراكز وطبقات الحكم والسلطة، وأن يترك للشعوب الحق في ممارسة حياتها الطبيعية وتطلعاتها وآمالها الوطنية. وهي دعوة للأثرياء وكبار رؤوس الأموال العرب بأن يعيدوا قراءة واقع الفقر والفقراء بين ظهرانيهم على أسس الدعم والمشاركة؛ لتخطي ضغوطات وصعوبات الحياة، وأن يخصصوا من أموالهم نصيبًا للبحث العلمي ومكافحة الأمراض المعدية، شأنهم شأن أصحاب الثروات في بقية دول العالم، الذين لم يبخلو على مجتمعاتهم بدعم مشاريع الخير والبحث والتطور العلمي.
وضمن أجواء الاطمئنان التي بثتها الدول لتعزيز الثقة بين مواطنيها وعدم الاستعجال باتخاذ القرارات الملائمة للوضع الراهن، سارعت وبدون سابق إنذار إلى سن حزمة من القرارات الفجائية المتسارعة، طالت إغلاق المرافق الحيوية وتعليق الدراسة وغيرها من الاجراءات التي تناقضت مع حالة الاطمئنان في البدايات، والتي كانت تشي بالسيطرة على الوضع بشكل عام في البلاد، وتعافي بعض المصابين الذين كانوا في الخارج بعد قضاء فترة العزل الصحي، ولكن ما الذي دفع دول المنطقة لأخذ قرارات فجائية متسارعة أثارت الهلع بين الناس في الكثير من جوانبها؟
غالبًا الدافع يكمن في إعلان منظمة الصحة العالمية أننا أمام جائحة عالمية، وربما من أجل درء الحسرة والندامة داخل البلاد في حال تفشى الوباء، فوجدت الحكومات أن الأفضل اتخاذ القرارات بسرعة طارئة، أيًا كانت كلفتها العامة، مقارنة بكلفة تفشي الوباء.
لا بد من الإشارة بكل وضوح وصراحة إلى أن كلفة الوباء باتت تداهم الكثير من دول المنطقة وتقض مضاجعها حتى لو لم يظهر الآن بشكل مباشر، بسبب توقف أغلب القطاعات الحيوية بشكل جزئي أو كلي، مما سيؤدي إلى نتائج معقدة وصعبة اجتماعيًا واقتصاديًا، وعلى الأرجح سنشهد فيما بعد حالات من الإفلاس وإغلاق المصالح التجارية والتعثر المالي، والتي ستنعكس سلبًا على عامة المجتمع، بسبب تأثيرات القرارات التي جاءت تخوفًا من تفشي الوباء، وهي كلفة تدفعها كل دول العالم.
ومن المعروف أن القرارات والإجراءات تؤخذ عادة بدون التسبب بحالة الهلع والذعر بين المواطنين، وأن يتم الإعلان بالتوازي عن دعم حزمة اقتصادية للتخفيف من آثار هذه الإجراءات، خصوصًا على صعيد الالتزامات الاقتصادية الاجتماعية الاستهلاكية للناس.
إن توقع حدوث إشكاليات اقتصادية ليس ضربًا من التكهن، بقدر كونه واقعًا قد يكون مقبلًا، إذا استمرت القرارات لفترة طويلة، مع الإشارة هنا إلى أن الاقتصاد العربي يتصل بروابط الجوار، وليس منفصلًا عن آثار ما يجري في كل دولة عن الأخرى، وعلى كافة المستويات، وبعضها يساند الآخر بدرجات متفاوتة. فانحسار التجارة الدولية وهبوط البورصات، والتداول الحذر، وخسارة معظم المستثمرين، والذي أدى إلى خفض برميل النفط لأقل من 30 دولارًا، ربما هي مؤشرات بداية لمقدمات انهيارات اقتصادية، تضع صناع القرار في المنطقة والعالم في مواجهة أسئلة كثيرة حول الكلفة الإجمالية في حال تواصلت هذه الإجراءات لمدة أسابيع أو أشهر، مع مرور مناسبات موسمية كشهر رمضان والحج والأعياد وغيرها.
ومن المتوقع أن نشهد سيناريوهات مختلفة بشأن الوضع السياسي للحكومات، وما يترتب عليه من استقرار لأوضاع مؤسسات وسلطات البلاد التشريعية والتنفيذية والأمنية والعسكرية والقضائية، وما يتبعها من أحوال الطلبة في المدارس والجامعات، المخزون الغذائي، قطاعات الاستيراد والتصدير، الزراعة، السياحة والتعاملات البنكية والمالية، بالإضافة إلى مستقبل الوضع الصحي، والذي بات على المحك، وهي مواضيع لها وزنها ووقعها على الحياة اليومية، لا يمكن لأحد أن يستبصر حجم تكلفتها إذا وصلنا إلى مستوى يفرض علينا أزمة طويلة الأمد في المنطقة والعالم، حيث ينشط هذا "الفايروس" في ظل أجواء دولية مضطربة تقف على شفا حفرة من الانهيار؛ بسبب الصراع على مصادر الطاقة والنفط، وتراجع التجارة والاستثمارات وتراكم الديون، مرورًا بكلفة الالتزامات المالية، من حيث تغطية فواتير العلاج، وحاجة الدول إلى المال للتعامل مع هكذا أزمة.
اختبار "كورونا" ليس سهلًا وبسيطًا، والنظام الصحي العربي والعالمي لربما يواجه أكبر تحدٍ في تاريخه، والمسألة ليست متعلقة بجرثومة فحسب، وليست حدودها مختبرات البحث العلمي، بل ما يتخذ من قرارات وإدارة للأزمة وحالة الطوارئ والجاهزية العامة. فالصين "انتصرت" على "كورونا" بالعلم والتكنولوجيا، والإجراءات الصينية أثبتت أن أجهزة الدولة على جاهزية عالية، وأن المجتمع متعاون ويتعاطى مع الطوارئ وفقًا لمنطق العلم والتكنولوجيا الحديثة، وأن التطور التكنولوجي ليس تنظيرًا ووهمًا بعيد المنال، إنما تنظيم المجتمع وبناء علاقة الثقة بالدولة وأجهزتها.
بينما في منطقتنا ما زلنا في مرحلة الاحتواء للفيروس، ولكن حركته وسلوكه تستدعي عالميًا اتخاذ مزيد من حالات الاستنفار والجاهزية والاستعداد لما هو أخطر.. فلم يشهد التاريخ البشري المعاصر مثيلًا له بسرعة الانتشار والعدوى.

