لا شك أن الأزمة التي مر بها العالم وما بينته الكورونا من فارق في تعاطي الدول مع هذا الخطر الوبائي الذي هدد البشرية، وبصرف النظر عن أسباب هذا الوباء إن كان مفتعلًا في سياق الحرب الكونية بين الطغم المالية أو نتيجة التقلبات المناخية التي كان من المتوقع حدوثها نتيجة اللعب الخطير في توازنات الطبيعة والانبعاثات التي تلوث الأجواء، والاستهتار العالمي خصوصًا من الدول الصناعية الكبرى بما يجري في هذا المجال وأضف إلى ذلك ما يجري في مختبرات هذه الدول من اللعب بالخرائط الجينية وتحويلها وتحويرها.
صحيح أن الكثير من العلوم أفادت البشرية من تحسين النوعيات وكميات الغلال الزراعية، أو تطوير وتحسين الجوانب الاستهلاكية للبشر، ولكن دائمًا هناك الجانب الخفي الذي يستغله أعداء الإنسانية في استثمار هذا التطور العلمي للسيطرة وامتصاص دماء الشعوب وهو الجانب السلبي للتطور العلمي الذي يخلق الأسلحة المتطورة وأسلحة الدمار الشامل من نووي وكيميائي وبيولوجي، الأمر الذي يهدد الكرة الأرضية برمتها في حال نشوب حروب بين هذه الدول مما خلق سباق خطير في التسلح وتطوير هذه الأسلحة الأمر الذي خلق ويخلق توازن إلى حد ما في مجال الرعب بين الأقوياء، وانسحاق وضعف وتابعية لدى الدول الضعيفة المغلوبة على أمرها، بما يعكس نفسه على حياة شعوب هذه الدول بمزيد من الفقر والانسحاق تحت وطأة هذا التطور العلمي.
ومن هنا نرى أول فارق بين الدول، دول تزداد سطوتها بما تمتلكه من تطور علمي يؤدي إلى قوة عسكرية واقتصادية، ودول تفتقر إلى هذا التطور العلمي فتظل ترزح تحت وطأة التبعية لتلك الدول المتطورة، بحيث لا تستطيع الدول الفقيرة الفكاك من فقرها وتبعيتها، ولا تسمح لها الدول المتطورة بالفكاك وإلا تعرضت للحصار والعقاب الاقتصادي وصولاً للضربات العسكرية، بل والاحتلال والتدخل المباشر والغير مباشر لتغيير الخريطة الجيوسياسية وحتى الديمغرافية التي تحكم توازناتها الداخلية إلى مزيد من التفتت والاضعاف والتخلف والفقر والاقتتال.
ومن ناحية أخرى، عند ملاحظة كيف تعاملت الدول مع خطر وباء الكورونا، فإن النموذج الذي مثلته الصين و إيران وغيرها من الدول التي تحملت المسئولية كدولة استطاعت الحد إلى حد كبير من خطورة هذا الوباء، وما يهمنا هنا أن نركز على طبيعة الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، فالصين بها نظام شمولي إن لم نقل نظام شبه اشتراكي متصالح إلى حد ما مع النظام الرأسمالي مستفيداً من قوانينه، ولكنه بشكل عام نظام يختلف عن النظم الإمبريالية، ويسيطر على الاقتصاد ويقوم بتوجيهه، وذلك ينعكس في نظام اجتماعي يوفر احتياجات الفرد في الصحة والتعليم والعمل بالمعنى المركزي.
وكذلك فإن إيران بها أيضًا نظام شمولي مسيطر وعليه تقع أعباء توفير الحاجات الإنسانية للإيرانيين من صحة وتعليم وتشغيل... الخ، وعلى الرغم من الحصار الاقتصادي إلا أن الدولة تقوم بواجباتها، وتجلت بشكل كبير في مكافحة الوباء وقدرتها على الملاحقة والعلاج، ولو لاحظنا أيضًا ما يجري في سوريا التي تتعرض لأبشع هجوم كوني من الدول الإمبريالية، إلا أنها ظلت بمنأى عن الوباء وإن وجد فهو أقل بكثير من الدول المجاورة لها، وعطفاً على أن سوريا بها نظام شمولي يرعى المواطنين، وبصرف النظر عما يمكن أن نشير إليه من سلبيات، إلا أن بقاء هذا النظام صامداً حتى الآن، بل وانتقاله على المستوى العسكري والسياسي إلى حالة الهجوم والتحرير من ناحية، وقدرته على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في أجواء عالمية مجافية إلى الدرجة التي يعتمد بها ميزانية عالية نسبيًا مع ملاحظة ديون صفر وقدرة الدولة العالية في إعادة الخدمات بسرعة مذهلة للأماكن المحررة. صحيح أنه من نافل القول أن هناك نواقص، ولكن الدولة تتعرض لكل هذا الدمار وتستطيع علاج أبناءها، وتعيد فتح المدارس، وتعيد البناء وتعيد الأمن... إلخ بسرعة أذهلت الأعداء قبل الأصدقاء.
بشكل عام، فإن أزمة الكورونا التي أصابت العالم لها ما بعدها وما كنا نراه في الأفلام وخصوصًا الهليودية، فإنها كانت تشير إلى احتمالات وتوقعات لمثل ما جرى، ولكن نرى ما يجري لشعوب هذه الدول وانعكاسات أنظمتها الرأسمالية على شعوبها، فما يجري في إيطاليا وغيرها من دول أوروبا، وما يجري الآن في أمريكا من استدراك لحالة الاستهتار التي عكسها النظام الإمبريالي الأمريكي بحياة البشر ومحاولته الاستثمار اللاأخلاقي في الأزمة، وحالة الاستدراك في تخصيص ميزانيات ضخمة لمحاربة الوباء لعلها من وحي اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية ومحاولات ترامب وخشيته من تأثير الأزمة على الناخب الأمريكي لظل يتعامل مع الأزمة بذات الاستهتار.
واضح أن ثمة فرق واضح بين الأنظمة وطريقة تعاملها مع هذا الخطر، أنظمة شمولية بها جزء من الاشتراكية وسيطرة الدولة تنجح في مكافحة الوباء، وأنظمة رأٍسمالية مستهترة لا يجد بها المواطن أية رعاية، فحتى المواد التموينية من غذاء وماء بت لا تجدها في الأسواق، ومن معه نقود يستطيع الذهاب إلى المستشفى ومن لا يملك فالموت والمرض والجوع في انتظاره، بالرغم من أن مستوى الدخل الفردي في هذه الدول أعلى بكثير عنه في الدول الشمولية.
ببساطة فإن الفروقات باتت واضحة، وقد فرزت الأزمة بين هذا وذاك، وباتت مسألة الاشتراكية وميزاتها هي الأفضل، والمكابرة والغطرسة للدول الرأسمالية والإمبريالية، ما عادت تخدع أحد، إلا من يريد تغطية الشمس بالغربال، فالأزمات الاقتصادية والانهيارات المالية التي ستعكس نفسها بمأساوية على سكان الكرة الأرضية جراء النظام الرأسمالي ستضع الشعوب أمام مفصل واضح لا لبس فيه، إما أن تعزز دور الدولة كنظام اجتماعي من مسئوليته رعاية مواطنيه، أو تذهب بنظام رأسمالي إلى الجحيم.
يبقى أن نقول، أن الغلبة للنظام الاشتراكي الذي يجب أن يستفيد من التجارب السابقة بتفعيل الديمقراطية ويوسع مشاركة الجماهير في القرار على قاعدة الحرية في الرأي والمعتقد، بحيث تكون المواطنة والمشاركة هي الأساس، بعيدًا عن البيروقراطية وتقديس النصوص ودكتاتورية الطبقة، أو السلطة الحاكمة.
إن صياغة نظام جديد يعتمد على المسئولية المركزية للدولة، واجبها رعاية المواطنين في جميع مناحي الحياة، وبنفس الوقت تتيح المجال لحرية الفرد ضمن سياق القانون الذي يساوي بين الجميع ويعترف بحقوق الإنسان وتوفيرها، بعدالة اجتماعية دون تمييز بات أهم مخرجات الأزمة التي مازالت تطحن الإنسانية وتشكل الخطر الداهم على البشرية ولا تميز بين فقير وغني ولا تعترف بالتمايز الطبقي أو الموقع الوظيفي أو المالي.

