لقد ساهمت صفقة القرن في إخراج الحديث عن خصوصية العلاقة الأردنية-الفلسطينية من خانة العواطف الوطنية إلى واقع الارتباط المصيري، الذي يؤكد المقولة التراثية "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"، والثور الأبيض في هذه الحالة هم الفلسطينيون.
الأردن متربط مصيريًا ووجوديًا بقضية فلسطين. وحدة المصير والمصلحة المشتركة وغيرها من الشعارات التي يحاول العديد من السياسيين إطلاقها لوصف العلاقة بين الأردن وفلسطين، قد لا تكون بدقة وصحة شعار "وحدة المخاطر" التي يجسدها الخطر الصهيوني الإسرائيلي على كل من الأردن وفلسطين، خصوصًا بعد أن تم الإفصاح عن مكنونات وخبايا صفقة القرن التي تعطي مؤشرًا واضحًا على النوايا الخبيثة لإسرائيل تجاه كل من فلسطين والفلسطينيين والأردن والأردنيين.
الضعف العربي المتنامي سمح للوقاحة السياسية والعقائدية الإسرائيلية أن تطفو إلى السطح دون خجل أو مواربة، وقد تجلى ذلك بوضوح في تفاصيل صفقة القرن التي لا تسعى فقط إلى هضم فلسطين، ولكن أيضًا إلى البدء في زج الأردن كطرف في ذلك المسار؛ ليتحمل تبعات تطبيقه عوضًا عن إسرائيل ويقوم بدفع الثمن المطلوب بالنيابة عنها. وهذا يعني أن الأردن كدولة وكيان سياسي في المنظور الإسرائيلي جزءًا من مخطط استعمار فلسطين وامتدادًا له دون أي اعتبار لسيادة الأردن ومصالحة الوطنية.
وحدة المصير بين الأردن وفلسطين والقائمة على وحدة الأخطار القادمة على كليمها، ووحدة مصدر تلك الأخطار وهي إسرائيل، تبقى في أصولها ظاهرة سلبية؛ لأنها لا تُبرر الجانب الايجابي في هذه العلاقة بين الأردن وفلسطين، بقدر ما تعكس جبروت واستفراد إسرائيل في علاقتها مع كلا الطرفين، وفي كيفية استعمالها لتلك العلاقة بما يخدم مصالحها حصرًا.
لم تساهم صفقة القرن في التخفيف من العلاقة المعقدة التي تربط الأردنيين والفلسطينيين معًا أو في جعلها أكثر سلاسة، فهذه العلاقة التي مرت بمراحل متعددة أصبح مُقدرًا لها أن ترتبط أكثر فأكثر، من خلال تبعات أي تسوية تسعى إليها إسرائيل، ولم تعد بالتالي مرتبطة بما يريده الأردنيون والفلسطينيون حصرًا. وإذا كان هذا هو الواقع المُر، فمن الخطأ الشديد أن يحاول الأردنيون إلقاء اللوم على الفلسطينيين أو الفلسطينيون على الأردنيين، وهذا يتطلب وضوحًا في الرؤية وشجاعة تسمح لكلا الطرفين بالتصدي لإرادة الاحتلال وجبروت قوته العسكرية، مع أن هذا على ما يبدو أمرًا تفتقر إليه القيادات في البلدين.
عزف الأردنيون والفلسطينيون ألحانًا غريبة كتبها الآخرون، وهم بذلك كانوا يمهدون الطريق لمسار لا يخدم المصلحة الأردنية أو الفلسطينية؛ فالحديث من قبل بعض الأردنيين مثلًا عن خطر الوطن البديل، كان يتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم هم الخطر، وكأنهم بذلك يعتبرون المناداة بالوطن البديل مطلبًا فلسطينيًا، وليس باعتباره انعكاسًا لسياسات إسرائيلية مفروضة بالقوة والممارسات الجائرة والقمعية على كافة الأطراف، وأن الفلسطينيين أكبر المتضررين من الوطن البديل، باعتبار أن تحقيق وتطبيق ذلك البرنامج معناه أن الفلسطينيين قد خسروا كل شيء، حتى حق الإقامة في وطنهم فلسطين.
الشتات الفلسطيني خصوصًا في الدول العربية المضيفة جعل من أي تسوية للقضية الفلسطينية أمرًا يصب مباشرة في صميم الاهتمامات المشروعة لتلك الدول المضيفة، ومن ذلك هنا تصبح "صفقة القرن" غير محصورة ومحددة بالفلسطينيين والإسرائيليين، بل أيضًا بكل الدول العربية المضيفة وبالعالم العربي بشكل عام، باعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية. وفي هذا السياق، فإن الأمر لا يعني ولا يجب أن يعني اقتصار الموقف العربي على القبول بما تلميه أمريكا، أو ما ترغب به إسرائيل، بقدر ما يجب أن يسعى لحماية الحقوق الفلسطينية؛ لأن في ذلك فقط حماية المصالح الوطنية لكل الدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين، من خلال حماية الحقوق الفلسطينية ومنع تفريط أي جهة، بما في ذلك القيادة الفلسطينية بأي من تلك الحقوق.
خصوصية العلاقة الأردنية-الفلسطينية لا تكمن فقط في القرب الجغرافي والعلاقات الوحدوية والترابط الاجتماعي، ولكن أيضًا بحكم تأثير ما يجري في كل منهما على الآخر شعبًا ووطنًا.
التحديات التي تجابه الأردن وفلسطين كثيرة ومتعددة ومتنوعة وخطورتها تكمن في كونها تحديات مصيرية، وهي بذلك أكبر وأكثر أهمية من قيادات كلا البلدين وحساباتهم الأنانية الضيقة. ولعل في خطورة هذه التحديات ما يدفع إلى استعمال العقل في إدارة العلاقة بين الأردن وفلسطين والأردنيين والفلسطينيين، وبما يحفظ مصالح الطرفين، حيث أنها مترابطة ومتوافقة وغير متناقضة، إلا عندما تفقد خاصية كونها علاقة مباشرة، وتصبح علاقة عبر العدو الإسرائيلي، عندها تصبح مُحصّلة لما يريده ذلك العدو.

