كثيرون فى العراق يعتقدون أن "التغيير" قادم لا محالة، ويرون أن الشارع السياسى العراقى، الذى استطاع أن يتحدى جبروت الميليشيات الرافضة وأن يصر على تمسكه بتغيير يضع نهاية لحكم "المحاصصة السياسية"، وأن يأتى على رأس الحكومة شخص من خارج "المعادلة السياسية" والطبقة الحاكمة المرفوضة والمتهمة بالفساد السياسى والمالى، يعتبر من أهم ضمانات حدوث هذا التغيير بشقيه: إنهاء حكم "الطائفية السياسية" وآلية المحاصصة وتغيير الطبقة الحاكمة الحالية، لكن، رغم رجاحة هذا التوقع أو "الحلم" الذى يراه آخرون "حلماً عبثياً" فى ظل ركيزتين أساسيتين تدعمان معاً الإبقاء على الواقع السياسى- الاقتصادى- الأمنى الردئ كما هو: توازن القوى الذى يحكم ويدير القرار السياسى داخل العراق من ناحية، وتوازن الاستقطاب وأحياناً "صراع الاستقطاب" لمقاليد القوة السياسية والأمنية فى العراق بين واشنطن وطهران.
التفاعل بين هاتين الركيزتين كفيل بأن يبقى العراق رهينة لواقعه المأزوم الذى بدأ مع الغزو الأمريكى للعراق عام 2003. التباعد بين هذين المنظورين يكشف مدى فداحة الثمن الذى يجب أن يدفعه العراق للانعتاق من واقعه المأزوم ويحقق التغيير المأمول.
البحث فى معادلة "الثمن الفادح" هذه يمكن أن تقدم تفسيراً منطقياً للسرعة التى جرت بها استجابة معظم القوى والأحزاب السياسية العراقية، والشيعية منها بالأساس لقرار رئيس الجمهورية برهم صالح ترشيح رئيس المخابرات العراقية مصطفى الكاظمى لمنصب رئيس الحكومة على العكس من موقفها الرافض لشخص عدنان الزرفى رئيس "كتلة النصر" البرلمانية (التى أسسها حيدر العبادى رئيس الحكومة السابق) محافظ النجف السابق، وقبله عرقلة التصويت داخل مجلس النواب (البرلمان) على الحكومة المقترحة من محمد توفيق علاّوى، عندما امتنعت القوى السنية والكردية وبعض الأطراف الشيعية من حضور جلسة التصويت اعتراضاً على كونه "مرشح إيران" لرئاسة الحكومة.
فالفترة التى سبقت ترشيح مصطفى الكاظمى كانت شديدة الارتباك والتعقيد. بدأت بحادثة اغتيال الجنرال قاسم سليمانى رئيس"فيلق القدس " بالحرس الثورى الإيرانى ومعه أبو مهدى المهندس نائب رئيس "الحشد الشعبى" بالقرب من مطار بغداد (3/1/2020)، الأمر الذى أربك كل مفاصل القوة فى العراق ابتداءً من حكومة تسيير الأعمال ورئيسها عادل عبد المهدى، الذى قدم مشروعاً أو توصية لمجلس النواب تقضى بإخراج كافة القوات العسكرية الأجنبية من العراق رداً على اغتيال الأمريكيين لقاسم سليمانى، وامتداداً إلى البرلمان الذى انقسم على التصويت على هذه التوصية حيث امتنعت الكتل السنية والكردية عن المشاركة فى جلسة التصويت على التوصية التى صدرت بدعم الأصوات الشيعية التى كفلت لها النصاب القانونى، وانتهاء بالانقسامات بين الميليشيات المكونة للحشد الشعبى حول قرار: إجبار الأمريكيين على الرحيل عن العراق بالقوة عبر ما أسموه بـ "خيار المقاومة". كل هذه الارتباكات عرقلت التوافق على مرشح لرئاسة الحكومة الجديدة فى ظل تربص قوى من مكونات "الحراك الشعبى" المتواجد فى الشارع العراقى لأى إخلال أو تسويف لمطالبه، بأن يأتى المرشح الجديد لرئاسة الحكومة من خارج الطبقة الحاكمة وألا يكون مزدوج الجنسية وغير متهم بفساد مالى أو سياسى، وهكذا سقط محمد توفيق علاّوى باعتباره مرشح إيران وبعده سقط ترشيح الزرفى باعتباره مرشح الأمريكيين.
هنا بالتحديد كان السؤال الصعب: إلى متى سوف تستمر هذه المعادلة: صراع المرشحين من جانب كل من واشنطن وطهران عبر لعبة "تبادل إسقاط المرشحين"، بعد أن تأكد أن لكل من واشنطن وطهران من القوى الداخلية الحليفة من لديه القدرة على إسقاط أى مرشح جديد لرئاسة الحكومة. طرح هذا السؤال فى ظل المتغيرات الصعبة الجديدة وبالذات مخاطر وتداعيات تفشى وباء كورونا الفيروسى فى العراق، ومعركة حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا التى هبطت بأسعار النفط وأصابت الخزانة العراقية بخسائر فادحة وضعت جميع الأطراف أمام خطر ساحق وجودى كى يتجاوز فى مخاطره خيار سقط الطبقة الحاكمة بكافة أطرافها إلى سقوط العراق نفسه، وجاء الارتباك الشديد الذى أصاب إيران أولاً والولايات المتحدة ثانياً من جراء ضغوط انتشار وباء فيروس كورونا، وإجباره قادة البلدين على "الإنكفاء الاضطرارى" على أولوية مواجهة التحديات الداخلية، وتجميد، أو على الأقل، تهدئة التحديات الخارجية لتساعد مجتمعة على توافق كل الأطراف الداخل مع توافق طهران وواشنطن على القبول بما يمكن اعتباره "مرشح الضرورة" أو "مرشح التهدئة" حتى لو كان هذا المرشح هو مصطفى الكاظمى. ويبدو أن "الحراك الشعبى" هو الآخر دخل اضطرارياً ضمن معادلة القبول بـ "مرشح تهدئة"، وهو الذى سبق أن رفضه مصطفى الكاظمى ومرشحين آخرين مثل فالح الفياض وأسعد العيداني وعلى شكرى ومحمد شياع السوداى، فى مرحلة تكليف رئيس الجمهورية برهم صالح لشخص محمد توفيق علاّوى بتشكيل الحكومة.
يبدو أن الجميع يعانى الآن من حالة "إرهاق" غير مسبوقة، وأن الجميع فى حاجة إلى مرحلة "التقاط أنفاس" لتجاوز أزمة فيروس كورونا وأزمة المخاطر الاقتصادية للتدهور الشديد فى أسعار النفط، وبعدها يكون لكل حادث حديث.
هذا يعنى أن مصطفى الكاظمى الذى مازال الكثيرون يتساءلون: كيف انتقل فجأة من عمل الصحافة إلى رئاسة المخابرات العامة العراقية، من رشحه لهذا المنصب ومن دعمه، ثم ترشيحه لرئاسة الحكومة وتوقف أطراف شيعية قوية عن معارضة ترشيحه رغم اتهامه من أطراف أخرى خاصة "حزب الله العراقى" بأنه ليس فقط مرشح الأمريكيين بل ومتهم بالتعاون استخباراتياً مع واشنطن فى عملية اغتيال قاسم سليمانى، أمامه فرصة تاريخية لتحويل المؤقت إلى دائم، أى أن يتحول من مجرد "مرشح مؤقت" لحين إجراء الانتخابات العامة المحتمل إجراؤها نهاية هذا العام إلى "بوابة التغيير" فى العراق، أى يكون على رأس قوى التغيير التى ستكون مخوَّلة بإحداث التغيير المأمول فى العراق كما يريده ويأمله "الحراك الشعبى" من خلال إدارة عملية انتخابات نزيهة يكون بمقدورها إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة وإنهاء حكم المحاصصة السياسية.
حتماً الإجابة على هذا السؤال تتوقف على مدى قدرة الكاظمى على تحقيق هدفين متعارضين أحدهما تريده واشنطن وعبر عنه صراحة الاثنين الفائت وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو وهو "حصر الأسلحة بأيدى الحكومة" الذى يعنى عملية محاضرة الميليشيات الموالية لطهران والتى توجه ضربات متتالية للقوات الأمريكية، والآخر تريده إيران وهو إخراج القوات الأمريكية من العراق، إلى جانبى هدفين آخرين جعلهما الكاظمى ضمن أولوياته ويحققان لها دعم "الحراك الشعبى": محاربة الفساد وعودة النازحين الذى يلقى دعماً قوياً من الأطراف السنية على وجه التحديد.
إلى أى حد سينجح مصطفى الكاظمى فى هذا الاختبار، عندها سيتحدد الثمن الذى تم دفعه لإحداث التغيير فى العراق.

