Menu

النظام الدولي على بساط البحث

مهند عبد الحميد

نُشر هذا المقال في العدد 13 من مجلة الهدف الرقمية

نخبة فكرية ثقافية كانت تحذر من انتقال النظام الرأسمالي إلى التوحش الاقتصادي والسياسي والعسكري، وما يترتب على ذلك من كوارث للسواد الأعظم من شعوب ودول العالم. تحولات خطيرة  تفاقمت مع صعود الترامبية كظاهرة عالمية رجعية استقطبت أنظمة وأحزاب وأتباع  وقواعد شعبية، جرى تضليلها بخطاب شعبوي مليء بالأكاذيب والوعود، ولا يخلو من تقديم الفتات. في خضم هذا الاستقطاب دخل فيروس كوفيد 19 كورونا على الخط؛ ليقلب السحر على الساحر، ويكشف المستور للسواد الذي لا يعرف، وذلك بالتناسب مع انتشار جائحة كورونا وتهديدها للبشرية في كل القارات بتفاوت ما بين بلد وآخر.

ثمة علاقة بين انتشار ومركز الوباء والدول التي تسيطر على قراراتها بشكل وبآخر الشركات الاحتكارية العملاقة في الغرب. جائحة كورونا أدخلت العالم في أزمة حادة وعميقة، تنبئ بكوارث لا حدود لها، وخاصة في حالة انتشاره في البلدان الفقيرة. يجوز القول أن مئات آلاف وربما ملايين البشر ما تزال حياتهم مهددة، إذا لم يتم السيطرة على الفيروس، وإذا لم يُكتشف الطعم المضاد له.

إفلاس اللبراليين الجدد أخلاقيًا

خَذَلَ النظام الدولي الذي تحتكره أمريكا شعوب العالم، عندما انحاز لصالح أسواق المال والشركات والبنوك وأصحاب رؤوس الأموال، على حساب حياة الشعوب في بلدان المركز الرأسمالي النيوليبرالي، وفي البلدان التابعة وفي العالم. بسبب هذا الانحياز، تلكأت الحكومات في الاعتراف بوجود فيروس خطير، وفي اتخاذ الإجراءات اللازمة، وذلك من أجل استمرار النهب والربح، واستمرار معادلة "الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرًا".. إنه دَيْدن "اقتصاد السوق الرأسمالي" السائد في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. بعد الانتشار المريع للفيروس، وبعد استحالة التجاهل، قلل رؤساء في المركز الرأسمالي من خطورة المرض، وتعاملوا معه كمرض خاص بالصين، وإنه لن ينتقل إلى بلدان أخرى، وفي حالة انتقاله فإنهم سيعالجوه ويسيطروا عليه ببساطة؛ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال: "إن الفيروس سيختفي من تلقاء نفسه خلال بضعة أشهر"! والرئيس البرازيلي بولسونارو قال: "إن الوباء أسطورة أكثر من أي شيء آخر". وبعد ذلك بدؤوا يعترفون بخطر فيروس كورونا فقدموا خطابًا مذعورًا يفتقد إلى أي ذرة من الإنسانية، وذلك حين تنبئوا بموت مئات الآلاف. رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون بَشَّرَ الناس بأنهم سيفقدون أحبائهم من كبار السن! الشيء نفسه ردده وزراء إيطاليا وهولندا والسويد، وكان جون دان باتريك حاكم ولاية تكساس أكثر وقاحة عندما قال: عليهم الموت -يقصد المسنين- لحماية الاقتصاد! وكأنهم سلموا بموت المسنين وتنكروا لحقهم في الحياة بصيغة عنصرية وحشية.

هكذا، لم يكن اهتمام الحكومات بالحفاظ على حياة الناس، كبار السن وملايين العمال الذين فُرِضَ عليهم الاستمرار بالعمل واستخدام وسائل المواصلات الجماعية، دون الالتفات للتباعد الجسدي داخل المصانع، في الوقت الذي طالبوا فيه الناس الالتزام بالحجر والتباعد. 

كانوا يعرفون وتجاهلوا!

يقول المفكر الامريكي ناعوم تشومسكي: إن الوباء كان متوقعًا قبل وقت طويل، لكن قوانين السوق الليبرالية الجديدة حالت دون القيام بالإجراءات والاستعدادت اللازمة؛ لأن الشركات العملاقة لا تربح في منع الوباء ومن حدوث كارثة. ويضيف تشومسكي: حذر العلماء قبل سنوات، وتحديدًا بعد ظهور وباء "سارس "عام 2003 من حدوث جائحة. كان هناك فرصة لتطوير لقاح وعقاقير وطرق علاج ومبادرات وقائية، لكن ذلك لم يحدث. وكانت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية قد تنبأت بالمشكلة، وتعاقدت مع إحدى الشركات الصغيرة لإنتاج أجهزة تنفس صناعي غير مكلفة وسهلة الاستخدام، لكن سرعان ما قامت شركة كبرى بشراء الشركة الصغيرة مستفيدة من قوانين السوق، وقامت بإلغاء العقد المبرم مع وزارة الصحة، ولم تقدم بديلاً لذلك. كان هذا يعني تسليم عملية صنع القرار كاملة إلى الشركات التي لا يعنيها المصلحة العامة ولا تخضع للرقابة ولا يعنيها غير الربح، هذا يكشف وحشية النيوليبرالية.

مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس هو أحدث من توقعوا قدوم وباء خلال العشر سنوات التالية يشبه جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، وأكدا في العام 2015 أن على الحكومات الاستعداد له وكأنه حرب. وفي مناقشة أخرى بشأن الأوبئة استضافتها جمعية ماساتشوستس الطبية عام 2018، قال غيتس: إنه متشائم على غير العادة؛ لأن العالم لا يستفيد مما حدث في تاريخه، وأن التاريخ يؤكد أن مرضًا جديدًا قاتلاً سينشأ وينتشر في العالم. وكشفت صحيفة "واشنطن بوست"، أن المخابرات الأميركية نبهت في شهري كانون ثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين، بشكل سري، من تحول فيروس كورونا (كوفيد 19) إلى وباء عالمي، لكن الرئيس دونالد ترامب، استهان بذلك التحذير. وأضافت الصحيفة أن ترامب والمشرعين الأميركيين قللوا من شأن تحذير المخابرات، وأخفقوا في اتخاذ إجراءات من شأنها الحد من انتشار الوباء. ورغم ذلك يحاول ترامب تحميل المسؤولية عن انتشار فيروس كورونا للصين التي يتهمها بإخفاء معلومات عن الوباء وبعدم نشر الخارطة الجينية للوباء.

مظاهر التوحش الاقتصادي

لم يكن العالم مستعدًا للجائحة في ظل استقطاب اجتماعي اقتصادي وحشي، تأسس على تلاشي دور الدولة في الاقتصاد، مقابل إطلاق رأسمالية غير مقيدة ومتوحشة، حيث "تتركز الثروة العالمية في 2153 رأسمالي، يملكون أكثر من بقية سكان العالم بأسره". وفي رصد آخر، فإن 1% من الأسر الأمريكية -1.2 مليون أسرة تملك 35 تريليون دولار بحسب إحصائيات 2019، ويمتلك 1% من أغنى الرأسماليين في العالم 50% من الثروة العالمية في حين لا يملك 50% الأكثر فقرًا في العالم سوى 1% من إجمالي الثروة.

لقد اتخذ الليبراليون غير المقيدين؛ سلسلة من الإجراءات كتخفيض الرواتب وتهميش شرائح متزايدة من الطبقة العاملة التي لم يعد لها وظائف ثابتة وتحتاج لإيجاد عمل كل يوم، وازدادت البطالة بوتائر متزايدة. بحسب تقرير منظمة العمل الدولية قبل أزمة كورونا، بلغ عدد العاطلين عن العمل في العام 2018 حوالي 172 مليون شخص، أي ما نسبته 5% من مجموع القوة العاملة، مع الأخذ بالاعتبار أن النسبة تختلف بين دول العالم الأول ودول العالم الثالث والرابع، أو بين دول الشمال ودول الجنوب. ويوضح "مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2019" الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه في 101 دولة تمت دراستها (من بينها 31 دولة بدخل قومي منخفض و68 بدخل متوسط و2 بدخل قومي مرتفع)، هناك 1.3 مليار شخص يعانون الفقر "متعدد الأبعاد". وتشن الليبرالية الجديدة حربًا متواصلة على البيئة تسببت بالاحتباس الحراري ورفع درجة حرارة الجو وتلوث البيئة السام، وذلك بفعل سياسات إزالة الغابات في المناطق المدارية لصالح استثمارات أخرى. ما جرى في العام المنصرم من حرق غابات الأمازون بتواطؤ الرئيس البرازيلي " جايير بولسونارو "، الذي ينتمي للظاهرة الترامبية مع مستثمرين يعد نموذجًا لجشع الرأسماليين، ويساهم الاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية، والنفايات الصناعية، في مفاقمة تلوث البيئة. وكان التطور اللافت انسحاب إدارة ترامب من اتفاق باريس للمناخ، الذي يهدف إلى احتواء الاحترار العالمي من خلال انضباط الدول الصناعية للمعايير المتفق عليها. حدث الانسحاب الأمريكي مع أن الولايات المتحدة ثاني أكبر دولة منتجة للانبعاثات الكربونية في العالم بعد الصين، حيث إنها مسؤولة عن 14% من الانبعاثات الكربونية في العالم.  التوحش الاقتصادي شمل أيضًا ميزانيات الصحة العامة التي تعرضت لتخفيضات شديدة في موازناتها، وجرى خصخصة نظم المستشفيات في معظم دول العالم، حيث لم يعد هناك نظام رعاية صحية بعد انسحاب الدعم الحكومي، فقد تسببت عقود من "التقشف" في تدمير نظام الرعاية الصحية أو تقليص الدعم. وكان من نتائج ذلك انخفاض عدد اسرة المستشفيات ووحدات العناية المركزة وانخفاض العمالة في القطاع الصحي، بهدف دفع الناس للبحث عن بدائل علاج في القطاع الخاص، وتركت صحة البشر رهينة لمصلحة ربح المستثمرين الجشعين، فضلاً عن شركات الدواء الخاصة التي تحقق مستويات هائلة من الربح. ما عدا النمسا وبلجيكا وألمانيا ولوكسمبورغ لا تتوفر في سائر البلدان سوى 4- 11 سرير عناية مركزة لكل ألف مواطن". على سبيل المثال إيطاليا ألغت 46 ألف وظيفة في الجهاز الصحي، وفقدت المستشفيات 70 ألف سرير، ففي عام 1975 كان في مستشفيات إيطاليا 6-10 سرير لكل ألف مواطن، الآن يوجد 2-6 سرير لكل ألف مواطن. الشيء نفسه ينطبق على بريطانيا وكل الدول التي خفضت موازنة الرعاية الصحية الحكومية، وكان من نتائج ذلك تجاوز إيطاليا وفرنسا مقدرتهما القصوى في وحدات العناية المركزة.

بعض الدول عانت من نقص في أجهزة التنفس والقناعات، وظهر نقص في نسبة عدد الممرضات والممرضين منسوبًا لعدد المرضى، بما لا يقل عن 110 ألف، هذه المعطيات كشفت عن نقص فادح في موارد مواجهة جائحة كورونا؛ بسبب طغيان السعي للربح على حساب صحة وسلامة البشر، لذلك نجد الأطباء وجهاز التمريض يعملون أشغال شاقة حتى الانهيار، ونجد ارتفاع نسبة الإصابات في صفوفهم.

نتائج أولية

• النظام الصحي في معظم البلدان وبخاصة الأنظمة الشعبوية من الطراز الترامبي، يقف الآن عاجزًا عن إنقاذ النسبة الأكبر من المصابين والحفاظ على حياتهم، وكان من نتيجة ذلك زعزعة ثقة الشعوب بحكوماتها وبسياساتها الاقتصادية والصحية والبيئية، وزعزعة الثقة بشعارات الديمقراطية وحقوق المواطنة والإنسان، وبخاصة الحق في الحياة التي روجها الخطاب النيوليبرالي وانتهكها النظام السياسي شر انتهاك. إن إعادة الاعتبار للرعاية الصحية والاجتماعية يبدأ بوضع نهاية لخصخصة القطاع الصحي وإنهاء الاحتكارات التي كانت على حساب الأمن الصحي للشعوب.

• أظهر انتشار فيروس كورونا والعجز عن وقفه حتى الآن، كل تناقضات النظام النيوليبرالي العالمي التي عززت قناعة ضحاياه من الشعوب بعدم أهلية هذا النظام، وبضرورة التصدي للمخاطر الناجمة عن استمراره، وبخاصة الخطر الذي يتهدد حياة وعيش البشر، ولكن في غياب بديل حقيقي، فإن أزمة الثقة العميقة ستفتح الأبواب أمام نضال ديمقراطي عالمي على كل الجبهات؛ من أجل العدالة والحرية والديمقراطية والسلام بين الشعوب في مواجهة النظام النيوليبرالي المتغطرس، ومن أجل وضع نهاية لسياسة التوحش الاجرامية المهددة للإنسان والبيئة.  

• يعيش العالم أزمة اقتصادية عميقة، أسوأ من أزمة الثلاثينات من القرن العشرين. أسواق الأسهم تشهد انهيارًا، وأسعار النفط تنخفض، والغالبية العظمى من الشركات الصغيرة التي يعمل بها أكثرية العمال تفلس أو تتعطل؛ كقطاع السياحة والخدمات والبناء والنقل والفنادق والمطاعم، وارتفاع حجم الديون التي أصبحت عقبة كبيرة أمام النمو؛ وبفعل ذلك سترتفع معدلات البطالة، وسيضاف مئات آلاف العمال، وربما ملايين إلى جيش العاطلين عن العمل، وستتحول نسبة متزايدة من العمال إلى مياومين بدون عقود وبدون حقوق. وما يزيد الأزمة استفحالاً أن الأموال الضخمة المخصصة للإنقاذ، تذهب في معظمها لإنقاذ الشركات العملاقة وجيوب الرأسماليين،  بدلاً من استخدامها لإنقاذ العمال الذين لم ينلهم غير الفتات. مع العلم أن هذه الأموال ستضخم مستويات الدين العام، وهذا يؤكد فشل اقتصاد السوق في التعامل مع الازمات، وبخاصة عندما يكون المتضرر فيها عامة الناس. 

• مصير النظام السياسي النيوليبرالي الفاشل، أصبح مطروحًا على بساط البحث أثناء وبعد الأزمة التي تسبب بها فيروس كورونا. ثمة علاقة بين  نجاح الإجراءات والسياسات المتبعة في إنقاذ البشرية من الجائحة، وبين ما سيؤول إليه النظام الجديد. التغيير السياسي لا ينفصل عن مستوى النضال ومستوى الاستجابات، إزاء ذلك يصبح من المنطقي عزل وإسقاط الترامبية كظاهرة عالمية تعبر عن التوحش السياسي والاقتصادي والأمني. كما أن النظام العالمي  ومؤسساته، وبخاصة مؤسسة الامم المتحدة، الذي سيطر عليه النظام المتوحش كقطب واحد مطروح على بساط البحث؛ ومن المنطقي الانتقال إلى تعدد قطبي عالمي على قاعدة احترام حقوق الشعوب والتزام القانون الدولي والمعاهدات التي تحترم حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية، بعيدًا عن ديكتاتورية الأقلية التي يجسدها نظام الغيتو.

إن أي تقدم في تلك المجالات من المفترض أن يعزز القوى الاجتماعية التي تطرح الانتقال إلى نظام عدالة ليس له اسم غير الاشتراكية التي تجسد الانتقال من الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية بمفهوم يتجاوز الشمولية بكل عناصرها.