Menu

نهار اخر .. اثنان وسبعون عامًا على النكبة…”فلسطين قضيتي” 1-5

رضي الموسوي

مرت الذكرى الثانية والسبعون على نكبة العرب في فلسطين، دون أن تنبس أغلب الأنظمة العربية ببنت شفة، وكأن الأمر لا يعنيها، وكأن فلسطين ليست جزءًا من جسد هذه الأمة المثخنة بجراحاتها وبإخفاقاتها التنموية والسياسية والاجتماعية بسبب غياب المشروع النهضوي العربي وبسبب الهروب الفردي للأنظمة العربية من الاستحقاقات الكبرى، حتى أن البعض صار يتندّر على أيام الاستعمار الغابرة من كثرة الهموم والفشل الذريع في إدارة الدولة وعدم الاقتراب من المبادئ الرئيسية مثل العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة واحترام حقوق الإنسان.

 وفي هذه الذكرى التي تحل في الخامس عشر من مايو/أيار من كل عام، وحيث أن جائحة كورونا تجثم على العالم، فقد كان العالم الافتراضي هو الملجأ، وقد شاركت في ندوات (إنترنتية) أولها بتنظيم مشترك للجمعية البحرين ية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني وجمعية الشباب الديمقراطي مساء التاسع من مايو الجاري، والتي تم إلغاؤها بقرار رسمي بعد نصف ساعة من بدئها، الأمر الذي لم يتسنَّ لي ولزملاء آخرين تقديم أوراق عملنا. كما شاركت في ندوة التيار العروبي (الكويت) بمعيّة الأمين العام للتيار الأستاذ فهد العجمي والأستاذ محمد الشحري من سلطنة عمان، وذلك مساء الثالث عشر من مايو، بينما جاءت الندوة الثالثة بتنظيم من حزب الحركة القومية في الأردن، وشارك فيها أيضا الأمين العام للحركة ضيف الله فراج، والأسير السوري المحرر الذي قضى في سجون الاحتلال الصهيوني إثنين وثلاثين عامًا الرفيق صدقي المقت، والمحلل السياسي والكاتب الأستاذ عبدالستار قاسم. ارتأيت أن أنشر فحوى أوراق العمل التي قدمتها في هذه المقالات المتسلسلة من “نهار آخر”. 

أولا: مقدمة تاريخية

لم تهدأ الحركة الصهيونية لحظة واحدة منذ مؤتمر بازل الذي عقد في 1897 بزعامة تيودور هرتزل، بل وضعت هدفها الأول إقامة وطن لليهود، واختار المؤتمر فلسطين، فتغيرت حركة التاريخ نحو المآسي وحمامات الدم التي تسبب فيها الاستعمار الإنجليزي والحركة الصهيونية العالمية. وكان من الأهداف الرئيسية لمؤتمر بازل تشجيع الهجرة اليهودية لفلسطين، وتنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية، وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة تيودور هرتزل وتشكيل الجهاز التنفيذي “الوكالة اليهودية” لتنفيذ قرارات المؤتمر ومهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال المهاجرين اليهود لإقامة مستعمرات في فلسطين.

تناغمت أهداف مؤتمر بازل الصهيوني مع سياسة الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس، بريطانيا، التي تقاسمت مع فرنسا النفوذ في المنطقة العربية على حساب الدولة العثمانية المريضة، تحت يافطة اتفاقية سايكس بيكو في عام 1916، وبعدها بعام واحد أصدر آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطاني وعده المشؤوم في 2 نوفمبر 1917 والذي نص على: “تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ، و ستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”.

على هذا الأساس وانطلاقا من ذلك كانت الحكومة البريطانية تعمل على تجسيد هذا الوعد على أرض الواقع، بل زادت عليه من خلال تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، حيث كان اليهود يشكلون 3-5 بالمئة من سكان فلسطين في سنة الوعد المشؤوم، وإقدام الجنود الإنجليزعلى ارتكاب جرائم حرب ضد المواطنين الفلسطينيين في مختلف أرجاء البلد. ويوثق كتاب “فلسطين الشهيدة”، بالصور بعض فظائع الإنجليز والصهاينة في قرى ومدن فلسطين في الفترة ما بين 1921 – 1938، ويبدأ بثورة يافا (1921) التي واجهها الصهاينة باستخدام ماء الفضة لحرق وجوه الفلسطينيين، بينما كان كان الإنجليز يسوقون الأسرى الفلسطينيين للمستوطنات الصهيونية لكي يتم قتلهم بدم بارد. وفي الفترة مابين 1921 و1929 اندلعت ثورة البراق، وأقدم الإنجليز على تعليق العديد من الفلسطينيين على أعواد المشانق ومنهم فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير. وفي عام 1933 اندلعت انتفاضات وثورات في القدس ويافا احتجاجا على تضخم الهجرة اليهودية لفلسطين والاستيلاء على مناطق شاسعة من أرض فلسطين، وقد قتل عشرات الفلسطينيين في هذه الأحداث وجرح الكثير منهم. أما الثورة الكبرى في عام 1936 فقد وصف كتاب “فلسطين الشهيدة” جرائم الإنجليز بالصور، وسجل تهديم أكثر من ألف منزل، ونسف مناطق وقرى وأحياء بأكملها بالديناميت كما هو الحال في يافا القديمة وجنين. كان الإنجليز يعبِّدون الطريق للصهاينة من خلال بث الرعب والخوف في نفوس الفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل عن مناطقهم، فكانوا يحرقون ويدمّرون البنَى التحتية والمصانع ومخازن السلع في الأسواق وينسفون المساجد والطرق. وفي 1936 تم نسف عدة مناطق منها اللد ونابلس والكفرين وقولية، وفي يوليو / تموز 1938 أحرق الجيش الإنجليزي قرية كوكب أبو الهيما كلها ودمَّرها.

ومما سجله الكتاب الصادر في 1938، أن الإنجليز مارسوا فظائع يومية من التعذيب والتفتيش المهين والمذل والقتل خارج القانون. كانوا يدخلون البيوت والحوانيت والمحال التجارية فيخربونها وينهبون مارتصل إليه أيديهم ويسرقون النقود والحلي والأشياء الثمينة. كان الإنجليز يأخذون رجال القرى والمدن ويفصلونهم عن النساء وينكِّـلون بهم وبالأطفال ويعتدون على النساء ويقتلون المواشي ويصادرونها وقت الحاجة. هذه الفظائع أجبرت الأهالي على النزوح والخروج من ديارهم إلى المدن التي اكتظت بهم فأقاموا في الحوانيت والكنائس والمساجد، وكانت المحاكم العسكرية الإنجليزية تصدر أحكام الإعدام بحق المقاومين، حيث تم تنفيذ حكم الإعدام في الفترة ما بين 1936-1938 بحق أكثر من 65 فلسطينيًا. كان الصهاينة يختبؤون وراء الإنجليز ويمارسون فظاعاتهم ومجازرهم تحت حماية الانتداب البريطاني الذي كان ضباطه يدربون الصهاينة على التصويب في المستعمرات التي أقاموها على أنقاض القرى والمدن التي أجبر الفلسطينيون على مغادرتها بعد تدميرها وحرقها.

كانت الحركة الصهيونية تنفّذ قرارات مؤتمر بازل من خلال الجرائم التي ترتكبها مع الجيش الإنجليزي، حتى جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181  لسنة 1947 والمتعلق بتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية ومساحتها أكثر من 55 بالمئة من أرض فلسطين وأخرى عربية مساحتها اقل من 45 بالمئة من مساحة فلسطين. وقد رعت هذا القرار كل من بريطانيا والولايات المتحدة والدول الاستعمارية الأخرى، وتواطأت وتخاذلت بعض الأنظمة العربية، ليجيء يوم 15/5/ 1948 يومًا لنكبة فلسطين والأمة العربية.

 وقد وضعت الحركة الصهيونية مخططاتها لإقناع العالم بالدولة العبرية، فسيطرت على مراكز الإعلام العالمية ونشرت الروايات المزوّرة عن فلسطين وأحقيتها بها، رغم أن الحقائق دامغة، حيث كان عشية النكبة 1.4 مليون فلسطيني يعيشون في فلسطين بينما كان عدد اليهود الذين زادوا بالهجرة يبلغ 600 الف نسمة بما لا يزيد عن 30 بالمئة من السكان مع المهاجرين الجدد، وأن 93 بالمئة من مساحة فلسطين كانت تعود ملكيتها للفلسطينيين، إلا أن قانون القوة الاستعماري فرض معادلته الظالمة على الشعب الفلسطيني، فكانت النكبة والرحيل الكبير تحت زخّات الرصاص والمجازر التي كان ينفذها الصهاينة والإنجليز.

المصدر: دلمون بوست