Menu

غياب الحضور ضمن الأجندات الإعلامية العالمية 

شادلي عبد الحق

خاص بوابة الهدف

تمهيد

يعد الإعلام من أهم الوسائل فاعلية في يد الشعوب المقهورة، ومن بين أهم الأسلحة المستخدمة في الكفاح والنضال ضد الاستعمار، لما له من أهمية بالغة في نشر الصورة الحقيقية لظلم المستعمر واستبداده، ومن جهة أخرى يمثل كذلك من أهم الأسلحة فتكًا في يد الغزاة والمستعمرين، لما له من قدرة على تجميل صورة الظلم والاستبداد وإعطائه صفة الشرعية والحق، وذلك بالتأثير على الرأي العام وكسب تعاطفه.

فقد لعب الإعلام دورًا مهمًا في تكريس العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، في ظل تماديه في ارتكاب المجازر واغتصاب الأرض والمقدسات، وجعل من الإعلام أهم المنابر لتوطين وجوده الغاشم على الأراضي الفلسطينية، وإيهام العالم بأنه صاحب حق في الدفاع عن عدوانه، ونشر المعلومات المضللة في حق الشعب الفلسطيني المدافع عن أرضه وشرفه، وعن مقدسات الأمة العربية والإسلامية الموجودة على أرض فلسطين.

وبالتالي لبس العدو الصهيوني لباس الضحية أمام العالم، بتزوير الحقائق وتحريفها، والسعي الدائم إلى طمسها وحجبها بالتواطؤ مع الحكومات الغربية الكبرى؛ من خلال طرح أجندات إعلامية عالمية، وإعطائها أهمية كبيرة على حساب القضية الفلسطينية، والتستر على الجرائم الصهيونية على الأرض، ومحاولة حجب كل المساعي الإعلامية لفضحها وتنوير العالم حولها، مستخدمة العديد من الوسائل والطرق قصد تحقيق ذلك.


1-    محاولة تغييب القضية الفلسطينية عن الساحة الإعلامية العالمية: 

يحرص العدوان الصهيوني والغرب بشكل عام إلى تغييب القضية الفلسطينية عن الساحة الإعلامية العالمية، وذلك بإعطاء الأولوية لبعض القضايا المطروحة في الساحة العالمية، وجلب أنظار الرأي العام العالمي لها، وإبرازها على أنها قضايا تستحق المتابعة والنقاش والاهتمام، ويستخدمون في ذلك أسلوبًا يعتمد على التضخيم الإعلامي لمثل هذه القضايا، وربطها بمصير العالم، وهذا سعيًا من الإعلام الغربي إلى التلاعب بالعقول ومحاولة تغفيلها عن ما يحدث على الأراضي الفلسطينية من جرائم الكيان الصهيوني الذي يسعى بكل الطرق إلى إهلاك الحرث والنسل. كما أصبح الإعلام الغربي يتعاطى إعلاميًا مع القضية الفلسطينية على أنها صراع بين طرفين (فلسطيني-إسرائيلي)، ويعطي الحق في الكثير من الأحيان للطرف الإسرائيلي بأن جرائمه في حق الشعب الفلسطيني ما هي إلّا حق مشروع في الدفاع عن النفس، كما يعطي أهمية بسرد التفاصيل عن قتلى الطرف الإسرائيلي، أما عند ذكر الشهداء الفلسطينيين فيعتبرهم مجرد أرقام فقط.

وقد شهدت الساحة الإعلامية العالمية منذ الاستيطان الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية لأول مرة مساعي حثيثة لتغييب كفاح الشعب الفلسطيني وانتفاضته، وفي الفترة الراهنة هناك تغييب إعلامي شبه كلي للقضية الفلسطينية خصوصًا مع انتشار وباء كورونا، وإعطائه الزخم الإعلامي العالمي الكبير، وانشغال كل الدول بمتابعة أخباره ومستجدات انتشاره وتداعياته، مما جعل قضية الشعب الفلسطيني تقبع آخر طابور الأجندات الإعلامية العالمية، خصوصًا مع مساعي الكيان الصهيوني والغرب إلى توطيد صفقة القرن على أرض الواقع ببنودها المجحفة في حق الفلسطينيين.


2-    التلاعب الإعلامي بالصورة:

هذا العنصر لا يقل خطورة عن محاولة التغييب الإعلامي للقضية الفلسطينية عن الساحة العالمية، بل يعد من أهم مداخله، لما للصورة سواء الثابتة أو المتحركة من أهمية في التلاعب بالعقول والتأثير على الرأي العام، ويسعى الكيان الصهيوني والغرب إلى صناعة صورة نمطية عن الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة للعدوان الإسرائيلي، باستخدام سلاح الصورة لتأطير الرأي العام العالمي، وتوجيهه خدمة لعدوانه.

والغريب في الأمر هو الدور الخطير الذي يلعبه الإعلام في قتل التعاطف والتضامن مع القضية الفلسطينية، من خلال الصور التي تنشر لأول مرة عن انتهاكات العدو الصهيوني على الأرض، إذ يعمل الإعلام على تكرارها بشكل متعمد إلى درجة أنها تصبح مألوفة لدى المشاهد ويحاول بذلك تجنب مشاهدتها، محاولاً قتل الإدراك والوعي والتعاطف والتضامن مع الفلسطينيين وما يتعرضون له من جرائم على الأرض، وهذا الأسلوب يعد من أخطر الأساليب المستعملة في ترويض الصورة قصد التلاعب بمشاعر المشاهدين.

3-    الانتهاكات المتكررة ضد الإعلاميين على الأرض: 

وتعد من بين أهم السياسات القمعية ضد الإعلام والإعلاميين الساعين إلى نقل جرائم الاحتلال الصهيوني عبر عدسات الكاميرات، وهذا ملاحظ من خلال المضايقات التي يتعرض لها رجال الإعلام من قبل الجنود الإسرائيليين قصد منعهم من ممارسة مهامهم الرامية إلى نقل الحقيقة بعينها للجمهور، وكثيرًا ما تعرض الإعلاميون لموجة من الاعتداءات والانتهاكات غير المشروعة، والسجن، والقتل، كل هذا قصد حجب جرائم العدوان في حق الفلسطينيين.

إضافة إلى طمس حقيقة بشاعة الإجرام الصهيوني وسعيه الحثيث لتكريس توجهه الاستعماري، محاولاً بذلك تغييب مبدأ حق الإعلام في نقل ما يعانيه الشعب الفلسطيني من ويلات الاستعمار الاستيطاني.

4-    الاعتماد على سياسة الإعلام الاستهلاكي الموجه: 

ويظهر ذلك جليًا من خلال المضامين الإعلامية الرامية إلى الجماهير عن متابعة القضايا المهمة التي تهم الرأي العام، وإعطاء الأولوية للمضامين الاستهلاكية والترفيهية، في إطار ما يسمى بالهيمنة الإعلامية والتحكم في البرامج المعروضة؛ إذ أن هذه الظاهرة أصبحت سمة الإعلام العربي كذلك، الذي بات يعطي أهمية للبرامج المبتذلة، ويقصي في الكثير من الأحيان القضايا التي تهم الأمة ومصيرها.
       والملاحظ إقصاء تسليط الضوء على القضية الفلسطينية وعدم إعطائها الأهمية الإعلامية اللازمة، خصوصًا مع مساعي العدوان الإسرائيلي إلى تهويد القدس ، وتفاقم الانتهاكات الإسرائيلية العنصرية على الشعب الفلسطيني؛ إذ إنه من الضروري للإعلام العربي أن يجعل القضية الفلسطينية على رأس سلم الأولويات؛ لأن الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الكل العربي.

ولمجابهة أساليب تغييب القضية الفلسطينية ضمن الأجندات الإعلامية العالمية، يجب الاعتماد على أساليب بديلة لجعل القضية الفلسطينية ضمن أولويات القضايا العالمية المهمة.

1-    الاعتماد على الإعلام الإلكتروني المقاوم:

لقد أصبح الإعلام الجديد من بين أهم الوسائل تأثيرًا على الجمهور، ومنبرًا من منابر المقاومة ضد الاستبداد والظلم، لذلك يجب استثمار هذا الفضاء للوقوف أمام الأساليب الرامية إلى حجب القضية الفلسطينية عن العالم، وذلك بــ:

أ‌-    تكريس مبدأ صحافة المواطن عبر مواقع التواصل الاجتماعي:

وهذا الجانب يعد تعويضًا لما يتعرض له رجال الإعلام من انتهاكات ومضايقات من طرف العدو الصهيوني، من خلال العمل المشترك بين الشباب الفلسطيني على نقل القضية الفلسطينية إلى العالم، وذلك بالبحث عن السبل الكفيلة بذلك، خاصة فيما تعلق بنقل جرائم العدوان الصهيوني على الأرض، وكذلك مساعيه النضالية للتصدي له من خلال استثمار منصات مواقع التواصل الاجتماعي، لنقل تقارير و مقابلات إعلامية، وفيديوهات، تصف بطش الإرهاب الصهيوني، ومعاناة الفلسطينيين من ذلك.

كما يجب التنويع في هذه الرسائل وبكل اللغات لتصل لكل العالم، وذلك بالتصميم المُحكم لها على شكل حملات إعلامية تضامنية نضالية في إطار مجموعات تواصلية، بالاستعانة بخبراء تقنيين وأكاديميين لضمان نجاح هذه الرسائل في تحقيق أهدافها، كما يجب الاعتماد في ذلك على نقل الواقع المُر من الأرض؛ من خلال روايات تصف جرائم العدوان الصهيوني الغاشم واستعماله في ذلك القوة العسكرية المفرطة.

كما يجب نشر ثقافة صحافة المواطن، بين أفراد الشعب الفلسطيني والعمل الحثيث على تجسيد مثل هذا الوعي بينهم، لكي يصبح كل واحد منهم ناقلاً إعلاميًا للقضية الفلسطينية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ من خلال نشر الصور والفيديوهات والتعليقات وغيرها.

ب‌-    تكريس مبدأ كشف حقيقة العدوان الإسرائيلي:

من خلال العرض التاريخي لمراحل العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية والشعب الفلسطيني عبر قنوات الفضاء الافتراضي، وهذا بغرض كشف حقيقة هذا العدوان للأجيال الصاعدة، كما يجب العمل من خلال استثمار هذه المواقع على تبيان العدوان الصهيوني على أنه عدوان غاصب، منتهك لكافة حقوق الإنسان، وفي نفس الوقت تبيان أن المقاومة الفلسطينية مشروعة وحق من حقوق الشعب الفلسطيني للدفاع عن الأرض والشرف، يجب دعمها ماديًا ومعنويًا، لا كما يروج لها الإعلام الإسرائيلي على أنها عمليات وتهديدات إرهابية.

2-    الاعتماد على وسائل الإعلام التقليدي:

ويقصد بها الاعتماد على الطرق التقليدية الإعلامية والتكثيف من استخدامها، كالمعارض (الصور-الرسومات...)، والعروض المختلفة على هواء الطلق، وحتى الاعتماد على أسلوب المناداة في الشوارع قصد التعريف بالقضية الفلسطينية، وإبراز الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني، خصوصًا في البلدان الغربية؛ قصد كسب المزيد من التضامن والتعاطف مع القضية الفلسطينية.

إضافة إلى ضرورة الاعتماد على التنويع في نشر الصور التي تكشف همجية العدو الإسرائيلي وتوزيعها ونشرها بين أوساط الجمهور، لكي توثق وبشكل كبير ما يحصل على الأرض من جرائم، لتبيان الحقيقة للرأي العام العالمي، بأن القضية الفلسطينية قضية الشعب الفلسطيني، وأن الإسرائيلي ما هو إلّا مستعمر غاشم.