تمثل عمليات الاستيلاء على الأرض وطرد السكان المسار الرئيسي والجوهري، للمشروع الصهيوني منذ بداياته الأولى، كجهاز استعماري يمارس عملية التطهير العرقي على نحو منظم وممنهج، ولا تختلف بذلك مساعي الضم الحالية لأجزاء من الأرض الفلسطينية، ولكن القفزة في خطورة المسعى الصهيوني المدعوم غربيًا، والذي يحظى بتواطؤ عربي رسمي، تتمثل في إطلاق آليات تنفيذية لشطب الحقوق الفلسطينية كافة، والقضاء على أشكال الوجود والفعل السياسي للفلسطينيين، داخل وخارج الأرض المحتلة.
لكن جوهر الخطر الذي يداهم الشعب الفلسطيني اليوم لا يتمثل في مخططات عدوه فحسب، فطالما طور العدو مخططات مماثلة، لكن الشعب الفلسطيني وبدعم جاد من أصدقاءه وبالتفاف شعبي عربي استطاع ردعها وإسقاطها، فيما يبدو العجز الرسمي الفلسطيني، والتآمر من عديد من النظم الرسمية العربية، كأداة إحباط للنضال الشعبي الفلسطيني، وكوابح تعيق تطويره وتوسيع انتشاره وتعميق مفاعيله.
ومما لا شك فيه أن السنوات الطوال في ظل الظروف والتراكيب التي استحدثتها اتفاقية أوسلو، ساهمت بضرب حواضن الصمود وروافع النضال الفلسطيني، واستحدثت مسارات قمع واضعاف للبنى الفصائلية والمجتمعية التي تشكل أدوات ضرورية لحمل مشروع وفعل المواجهة مع المحتل.
ورغم أهمية وجود قرار سياسي بهذه المواجهة من المؤسسة الرسمية الفلسطينية، يبقى الأساس والعنصر المحوري هو وجود إرادة فعلية باستعادة المشروع الوطني التحرري، والقطع التام مع مفاعيل الاستسلام الذي مثلته اتفاقية أوسلو، والقيمة الأساسية لهذه الإرادة في كونها تخلص أي قرارات سياسية من التحول لأدوات لمناورات سياسية تكتيكية ضيقة، ويفتح الباب أمام وحدة شعبنا بكافة مكوناته، واستعادة وتفعيل وبناء الأدوات والروافع المجتمعية والسياسية لمشروعه النضالي التحرري.
إن مشروع التصفية لا تتحقق مواجهته بأدوات التسوية والتفاوض، وآليات مرحلة الاستسلام السياسي التي قادت شعبنا لهذا النزيف الكارثي في خزان حقوقه وصموده، بل بالأساس بإعادة الاعتبار لوحدته ومؤسساته الوطنية، وتاريخه النضالي، وأدوات مقاومته، أي أننا كمجموع بشري بحاجة لإعادة تمثيل وتجسيد كل ما يجعلنا شعب يخوض معركة استقلاله الوطني، وهو ما يقتضي تغييرات جذرية على مستوى البنى والمؤسسات الوطنية من أعلى الهرم إلى قواعده، بما يتلاءم مع إرادة شعبنا في خوض نضاله ضد مشروع التصفية.
ومن الضروري التأكيد، بأن استعادة المشروع الوطني التحرري وأدواته وروحية وفلسفة عمله، هي فقط ما يكفل التصدي للهجمة الصهيونية التصفوية، وأكثر من ذلك؛ إن هذه الاستعادة هي الممر الوحيد الممكن والضروري وصولا للاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني، وإنهاء المشروع الصهيوني الاستعماري عن أرض فلسطين.

