Menu

فلسطين وسط عواصف التحولات الكبرى:

المقاومة بين مواصلة الاستنزاف والحرب الحاسمة

محسن النابتي

نُشر هذا المقال في العدد 14 من مجلة الهدف الرقمية

 

محسن النابتي

الناطق الرسمي باسم التيار الشعبي - تونس

إن الصراع العربي الصهيوني هو قلب الرحى من الصراع العالمي منذ أكثر من سبعة عقود، ولذلك لا يمكن استشراف مآلاته دون إدراك مستقبل الصراعات الدولية، خاصة بعد المستجد كورونا، الذي ضرب بقوة جل المراكز الاقتصادية الكبرى في العالم؛ بدءًا من الصين والاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

احتدام الصراع الدولي

تشير كل الدلائل إلى تصاعد الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، والتي قد تتطور إلى حروب محدودة تنتهي بتسوية أو اتفاق بين الطرفين، قد يفضي إلى قيادة مشتركة للعالم وإنهاء الانفراد الأمريكي به وإرساء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

الحركة الصهيونية متفطنة لهذا الأمر بشكل جدي، وحددت رؤية لكيفية التعاطي مع هذا الصراع تقوم على "منع حدوث أزمة جدية مع الولايات المتحدة حول علاقات إسرائيل بالصين، عبر الحوار الاستراتيجي ومراجعة السياسة التجارية مع الصين، وتقوية آليات إدارة المخاطر في مثلث العلاقات الإسرائيلية الصينية الأمريكية"[1]، وهذه الدقة في التعاطي، راجع إلى كون كل المؤشرات تقول أن الصين ستكون أول المتعافين من الكبار من أزمة كورونا، وهي تشن حملة علاقات واسعة لتقديم نفسها كقائد للنظام العالمي الجديد.

الوطن العربي واستمرار الفوضى

إن شراسة وثقل التدخلات الخارجية في الوطن العربي التي تفوق كثيرًا ما يحصل منها في بقية العالم، يرجع إلى الأهمية القصوى لموقعه الاستراتيجي في قلب العالم، ليس فقط لما يحتويه هذا الموقع من معابر ومضائق مفصلية في طرق التجارة والمواصلات الدولية، وثروات يتربع النفط على رأس القائمة منها باعتباره "سلعة إستراتيجية" والدم الذي يتدفق في شرايين اقتصاديات العالم، بل باعتباره أيضًا نقطة ارتكاز ومفصلاً رئيسيًا في صراع الغرب مع أوراسيا[2] (الاتحاد السوفيتي سابقًا، والصين وروسيا اليوم). هذا يفسر الاحتضان الشامل من طرف القوى الاستعمارية للمشروع الصهيوني، الذي يشكل احتلاله ل فلسطين رأس الجسر لإدامة مشروع الهيمنة على الوطن العربي ومقدراته، وهو ما يجعل من الوطن العربي مسرح الصراع الرئيسي في كل مراحل المرور من نظام عالمي إلى أخر.

سيكون للتحولات الذي سيشهدها مسار الصراع العالمي إذن تأثيره على منطقتنا وعلى القضية المركزية فيها، فإما أن قوى المقاومة ستستغل التناقضات على المسرح الدولي لتعزيز صمودها والانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر فاعلية للنضال العربي، وإما أن الحركة الصهيونية والإمبريالية الأمريكية سيشنان أقسى الهجمات ضد الأمة العربية - إذا تمكنوا من المحافظة على التوازنات الدولية في صالحهم - بغية تحقيق الأهداف الإستراتيجية التي يعملون عليها منذ السبعينيات إلى اليوم، وهي تفكيك الدول العربية أو "إعادة رسم الخارطة السياسية للشرق الأوسط بشكل ملحوظ "، على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد[3]، وفرض الاستسلام النهائي على الشعب العربي، وذلك عبر:

  • إدامة الأزمة السورية من خلال التدخل التركي وتغطيته صهيونيًا وأمريكيًا، واستمرار الدعم للأكراد ومنعهم من تحقيق أي تقدم في علاقتهم بالدولة السورية، والأخطر هو قانون قيصر الذي سيكون بمثابة خنق كامل للدولة السورية عبر تشديد العقوبات وتأبيدها.
  • إحياء داعش أو أخواتها من الجماعات الإرهابية واستغلالها في العراق؛ لإدامة أزماته ومنعه من الاستقرار.
  • استمرار حرب اليمن بشتى الطرق لتحقيق هدفين: الأول، تفكيك الدولة اليمنية نهائيًا. والثاني مزيد من استنزاف السعودية وتعميق تبعيتها لواشنطن.
  • استعمال "الإخوان المسلمين" في الجزيرة العربية، وخاصة في السعودية في صراع إخواني وهابي، هدفه واضح، وهو أنه لا مبرر لوجود دولة بذلك الحجم بعد انتهاء دورها الذي لعبته على الأقل منذ الخمسينيات في مواجهة حركة التحرر العربية. ففي الولايات المتحدة التي عادت لتصبح من أهم مصدري النفط، بدأت شركات الطاقة ولوبياتها المرتبطة خاصة بالحزب الجمهوري؛ تعيد حساباتها في ما يتعلق بالمملكة النفطية، وانطلق بعض أعضاء الكونغرس في مراجعة أسس العلاقة التي تربط واشنطن بالرياض، معتبرين أن القصر الملكي "أخطأ في حساباته هذه المرة"، في إشارة إلى ترفيع إنتاج النفط، بما سبب أكبر انهيار لأسعاره في التاريخ، ويرددون أنهم لا يفهمون كيف أن "أمريكا تخسر الأموال في دفاعها عن حليف لا يتصرف معنا كصديق"[4].
  • استمرار الضغط على مصر من خلال إشعال سيناء، وإدامة الأزمة الليبية، ودعم إثيوبيا وتركيا لمزيد من الضغط وفق إستراتيجيا شد الأطراف.
  • بالنسبة للمغرب العربي لن تسمح الحركة الصهيونية باستقرار ليبيا مجددُا؛ فمن ليبيا تتمدد الجماعات الإرهابية في الصحراء الكبرى، ولن يطول مقام هذه الجماعات هناك، حتى تصعد شمالاً باتجاه الجزائر وبقية الدول المغاربية. ومن ليبيا يتم استنزاف مصر والجزائر، وفي هذا الإطار جاء التدخل التركي الذي تتعامل معه أمريكا وبريطانيا وإسرائيل بنوع من اللامبالاة، برغم قلق بقية حلفائهم في الاتحاد الأوروبي والمنطقة. أما بالنسبة لتونس سيستمر الأمريكان والبريطانيين ومن ورائهم الحركة الصهيونية في توفير الغطاء للإخوان، ممثلين في حزب حركة النهضة الحليف الموثوق أكثر من غيره وأكثر الفصائل الإخوانية التزامًا بتعهداته، وسيكون الدعم بشكل مباشر وغير مباشر من خلال تركيا وقطر خارجيًا، ومن خلال إيجاد حلفاء له في كل مرة في الداخل (التكتل والمؤتمر 2011 ونداء تونس 2014 والتحالف الحالي الناتج عن انتخابات 2019، والذي يضم مكونات لا يجمعها إلا قرار خارجي)، والهدف هو إدامة الأزمة؛ فتونس أهم موقع استراتيجي في المغرب العربي، ولذلك ستكون أمام أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية كبيرة إلى جانب تسلل التطبيع بشكل واسع.

محور المقاومة بين مواصلة الاستنزاف والحرب الحاسمة

ستتسبب أزمة كورونا في أكبر انكماش اقتصادي يعرفه العالم منذ سنوات طويلة، وطبعًا سيكون لذلك مفاعيل وتأثيرات اجتماعية هائلة، خاصة على منطقتنا التي تشير أغلب الدراسات إلى أنها ستشهد كوارث إنسانية لا سابق لها، خاصة في مناطق الأزمات (اليمن، سوريا، ليبيا ...)، وفي ظروف كهذه، سيكون على محور المقاومة تحمل عبأ إدارة أزمة مركبة، تتفاعل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية بشكل خطير ومتفجر، وعلى هذه الإدارة يتوقف مآل مشروع المقاومة، وما يقع التحضير له من تصفية للقضية الفلسطينية بمباركة رسمية عربية.

ويمكن الاعتماد على توصيات تقرير "معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني" المشار له سابقًا، لمحاولة فهم الإستراتيجية الصهيونية في علاقتها بالصراع مع محور المقاومة،  حيث تشير كل المعطيات إلى أن كيان العدو سيحاول أن يمشي على حافة الهاوية مع السلطة الفلسطينية في رام الله؛ للحيلولة دون تقويضها أو اندفاعها بعيدًا في المواجهة. أما بخصوص حماس فإن خيار الهدنة طويلة الأمد هو الخيار الاستراتيجي للكيان الصهيوني معها، مع استمرار الحصار وضرب بقية الفصائل من حولها على غرار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجهاد الإسلامي.

أما بخصوص الجبهة الشمالية التي تعتبرها إسرائيل التهديد الرئيسي في الوقت الحاضر، والتي تضم سوريا وإيران وحزب الله وكل فصائل المقاومة، فهدف الكيان الصهيوني هو منع اندلاع حرب شاملة مع مواصلة استنزاف سوريا، وتقليص الوجود الإيراني، والضغط على لبنان اقتصاديًا وسياسيًا لإدامة الأزمة؛ لتفكيك البيئة الداخلية من حول حزب الله، وربما الإقدام على ضربات موضعية دون الانجرار معه في مواجهة شاملة، في انتظار تهيئة المسرح بشكل أفضل، بما يناسب كيان العدو.

فلسطين أولاً وأخيرًا

من كل ما سبق دوليًا وعربيًا وإقليميًا تبقى فلسطين منطلق الصراع ومكان حسمه إقليميًا ودوليًا، فهي بؤرة الصراع وقلبه، ففيها وعليها تتشكل وتتشابك محاور الاشتباك الاستراتيجي بين قوى التحرر العربية وقوى الهيمنة ووكلائها المحليين، الذين يلعبون معًا دورًا أساسيًا في إعادة إنتاج التخلف والاستغلال والفقر والبطالة، ومنها ستتحدد هوية العالم الجديد: إما عالم تقوده أمم قوية وذات سيادة وتحترم سيادة الأمم الأخرى وتقر حق تقرير المصير وتنتهي بالتالي سيطرة النموذج النيوليبرالي المتوحش، الذي قاد العالم أحاديًا لأكثر من ثلاثة عقود، وتسبب في حروب مدمرة ومجاعات وكوارث بيئية تكاد تعصف بالوجود البشري نفسه، وإما إعادة إنتاج الهيمنة والاستغلال بثوب جديد، وفي كل الحالات فإن مصيرنا كعرب؛ متوقف على حسن قراءتنا للوضع الدولي الجديد، وحسن التموقع فيه، لتحقيق أهدافنا القومية الكبرى. ونفس الشيء بالنسبة لعدونا، الذي يحاول بكل إمكانياته قراءة مستقبل الصراع العالمي، ويعمل على التأثير في أحداثه وتوجيهها لمصلحته، ويبقى الفارق النوعي هو وحدة القيادة والإمكانيات والأهداف عند عدونا، وتشتت القيادة والإمكانيات والأهداف عندنا في حركة التحرر العربية.

 

 

[1]INSS/Updated Strategic Assessment for Israel for 2020 and Recommendations for the New Government – May 12,2020

[2]يعتبر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبغنيو بريجنسكي من أبرز من كتب في أهمية السيطرة على أوراسيا لتأبيد مكانة أمريكا وتفوقها.

[3] « Strategic thoughts » Memorandum for the president – September 30,2001

[4]Foreign Policy / How the bottom fell out of the US.-Saudi alliance – April,23 2020