Menu

المغرب الكبير في عين العاصفة

محمد صالح التومي - المعروفي

خاص بوابة الهدف

أصبح المغرب العربي أو المغرب الكبير مستهدفًا جهارًا على أيامنا هذه، وذلك بعد الفشل النسبي للحملة علي المشرق العربي، حيث تحطمت هذه الحملة على أسوار المقاومات في بلاد الشام، ففي ليبيا تتمركز جيوش قادمة من كل صوب، كما عليها تتوافد جحافل المرتزقة والإرهابيين، مدفوعي الأجر من قبل الحالمين بإحياء الحلم العثماني...       ومن هم هؤلاء الحالمون؟      
إنهم الأتراك بالأساس المنتمون إلى الحلف الأطلسي والمرتبطون بالحجج الدامغة بأوثق العلاقات مع كيان الصهاينة، ولكن هم كذلك أنصارهم في المجتمعات المغاربية الذين لا يرون في الحلم العثماني أي طابع استعماري، بل يبشرون به كإحياء لخلافة لم تكن في يوم من الأيام عادلة، بل امتازت على الدوام بالمظالم الجبائية الاستنزافية وبالعقوبات الوحشية التي سجل التاريخ مدى بشاعتها، بما لا يترك سنوحًا لذكرها في هذا المجال.

وما ليبيا بعد هذا وهي المنهوبة خيراتها جهارًا منذ 2011، إلا نقطة الارتكاز لاستهداف المغرب العربي أو المغرب الكبير، وذلك في قلبه النابض، ألا وهو ال قطر الجزائري، بما فيه من غاز ونفط وخيرات يسيل لها لعاب الطغم المالية العالمية وشركاتها متعددة الجنسيات،
وسيشكل استهداف الجزائر فرصة للمرور عبر أو نحو بقية أقطار المغرب العربي، ونعني بذلك تونس والمغرب الأقصى وموريتانيا؛ فكلها في دائرة الاستهداف سواء وَعت نخبها في هذه اللحظة بذلك أم لم تعِ.

ومن باب التحضير لهذا الاستهداف انطلقت بعض الأقلام المأجورة لبعض العربان أو قل الأعراب - الذين ما أبعدهم عن العروبة الحقة بانية الحضارات المتعددة  - للمناداة بطرد المغرب من انتمائه العربي، فأصبحوا يشحذون أقلامهم الصدئة ويشنون حملة واضحة في هذا الاتجاه قائلين إن ساكنة المغارب ليسوا عربًا، وإن تكلموا باللسان العربي... فكأنهم يملكون مفاتيح إسناد هوية العروبة، والحال أن انخراطهم بغتة في مثل هذه الحملة وفي هذا التوقيت بالذات؛ يدل على أنهم مأمورون بذلك من قبل دوائر الإمبريالية المتصهينة، فيكون من باب ضياع الأوقات محاولة الرد عليهم أو محاججتهم فهم لا يستأهلون ذلك.

والأنكى أنه أوحى أيضًا إمبرياليًا إلى بعض الأفارقة السود، بأن ينخرطوا في هذه الحملة على أساس أن حل تناقضهم مع النهب الاستعماري المتواصل لخيراتهم، يكمن في غزوهم لشمال إفريقيا، وطرد البيض منه وإحلال سود البشرة مكانهم، لأن سود البشرة هم الأولى بأفريقيا، حسب هذه المزاعم، ناسين أن اسم القارة مأخوذ في الأصل من اسم تونس التي كانت تسمى إفريقية، وأن سكان شمال الصحراء هم جيرانهم منذ أبد الآبدين، ولم يكونوا أبدًا من الوافدين الجدد على المنطقة، وأن اختلاف لون البشرة بين المجموعتين، إنما يعود إلى التموقع إزاء خط الاستواء الذي كثف اللون الأسود لديهم وترك هذه البشرة فاتحة ونسبيًا فقط لدى الآخرين، فلا يجب اتخاذ هذا العامل المناخي حجة على المزاعم التي أوحى لهم بها فجأة من يستعبدونهم فعلًا، ومن ينهبون خيراتهم بدون رحمة من طغم رأس المال الأوروبي والأمريكي الذين يدفعونهم بخبث إلى هذه الحلول العبثية والمنحرفة، والفيديوهات متداولة في هذا الشأن، ويمكن الرجوع إليها، وهي ولئن كانت لأصوات ناشزة اليوم، فإنه يخشى من انتشارها إذا ما وجدت عقولًا ساذجة تتبناها.

ولكي تكتمل الصورة، فإن وسائل الدعاية الإمبريالية الجبارة قد عملت أيضًا - وإن كان هذا يتم منذ سنين والحق يقال - على إسقاط بعض إخواننا من الأمازيغ في الفخ، فهذه الوسائل الإمبريالية تعتبرهم بمثابة حصان طروادة؛ فترى إخواننا اليوم بفعل هذه التأثيرات يطالبون بإخراج المغرب من دائرته التاريخية، رافضين حتى تسميته بالمغرب ومنادين بتسميته بشمال إفريقيا. وهذه التسميات الجغرافية هي التي تشجع عليها دوائر الاستعمار في كل مكان.. فتلك الدوائر تسمي الأماكن بأسماء الشرق الأقصى والشرق الأدنى وشمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء وغير ذلك من التسميات المبتدعة، وذلك قطعًا لعلاقة الأرض بالأقوام التي سكنتها، وهي العلاقة التي نحتت عبر الزمن التضاريس الثقافية للأرض وغيرت حتى بعض تفاصيلها الجيولوجية بالجهد العضلي في نطاق العلاقة الجدلية بين الأرض والإنسان.

إن الأمازيغ هم قطعًا من ساكنة المغرب العربي أو المغرب الكبير، ولهم مميزاتهم الثقافية والألسنية والغنائية والتراثية.. وهي مميزات ثرية ومن الواجب الاعتراف بها، ولكن النقاش حول أصولهم ما زال متواصلًا ولم تحسمه البحوث، وهي بحوث فيها من تعتبرهم وبالوثائق أحيانًا عربًا قدامي. وهم أي إخواننا الأمازيغ في واقع الأمر أصحاب لهجات متعددة لا يجمع بينها رباط واضح على غرار اللهجات الشاوية والبربرية وغيرها، وليست الأمازيغية غير لهجة فقط من لهجاتهم، أما حروف التافيناغ، فكثير منهم يجهلون أن كلمة تافيناق: تعني الفينيقية، وهي ناشئة من تلاقحهم تاريخيًا مع الفينيقيين القادمين من منطقة صور اللبنانية – العربية. وهكذا فإن مطالبهم هي مطالب ديمقراطية يمكن الاعتراف من خلالها بمميزاتهم داخل تنوع الساكنة المغاربية، فلا يجوز إطلاقًا إعطائها طابعَا وطنيَا كما تدفع إلى ذلك قوى الاستعمار؛ لأنه إذا أخذت مطالبهم هذا الطابع الخاطئ تصبح انفصالية، وهو انفصال لا يتم إلا بالاحتراب والتطهير العرقي نظرًا للتمازج بين السكان. فهو أي هذا الانفصال، يدخل إذن في دائرة المؤامرة الإمبريالية المتصهينة التي تريد ل مصر أن تكون قبطية وفرعونية، وللمغرب الكبير أن يكون بربريًا، ولفلسطين أن تكون يهودية... على أن ينحصر الوجود العربي في شبه الجزيرة، أي بالوادي غير ذي زرع الذي تاه فيه بعض العرب بعد أن تحطمت حضاراتهم السابقة العماليقية والبابلية والآشورية والحميرية والتدمرية، فكانت أرض الجزيرة أرض انحطاطهم في واقع الأمر إلى أن دفعتهم الرسالة المحمدية إلى الخروج من التيه وإبداع الحضارة العربية – الإسلامية.        وهكذا فإن هذا الانفصال المستحيل والإجرامي هو مما يخدم مؤامرات الأعداء الرامية في نطاق مشروع الشرق الأوسط الجديد إلى التفتيت والكنتنة.

وهنا فإنه لا بد في هذه اللحظات التاريخية إذن من يقظة وطنية متواصلة بكافة دول المغرب.
ولا بد من تفاهمات مع إخواننا الأفارقة السود. ولا بد كذلك من نقاش صريح مع المكون الأمازيغي لمغربنا، وذلك من أجل وضع النقاط على الحروف وإرجاع كل الأمور إلى نصابها، وهذه مهمة كل المعادين لمخططات الإمبريالية المتصهينة.