Menu

الاختراق والتمزيق: رهان العدو الخائب

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

عبر التاريخ الاستعماري الطويل والمرير، حاولت منظومات الاستعمار تفكيك عوامل التماسك والصمود لدى الشعوب المعرّضة لسيطرتها، مستهدفة كل أشكال وأدوات الترابط ومكونات الهوية الواحدة الجامعة، من خلال تشغيل أدواتها في استثمار عوامل الجهل والرجعية وأيّة رواسب لها في البنية الاجتماعيّة للشعب المستهدف.

لم تكتفِ المنظومة الصهيونيّة بمحاولاتها الدءوبة لإحداث خروقات أمنية في جسد المجتمع والثورة الفلسطينية، بل حاولت وعلى نحوٍ دائم صناعة أرضيّة ملائمة وداعمة لهذه الاختراقات، وبما يتجاوز الغرض الأمني الاستخباري المباشر، باتجاه أهداف تتعلّق بخلق حالات من الشقاق الاجتماعي وبناء انحيازات ضيقة ومخاوف مصطنعة وانتماءات مختلقة، هذه الأدوات القميئة ذاتها التي راهنت عليها منظومة الاستعمار البريطاني في فلسطين، حين اصطنعت ما سُمي بفصائل السلام كأداة رئيسية لضرب ثورة العام ١٩٣٦ والبنى الاجتماعية الحاملة لها. هذه المنهجية كان نصيبها الفشل والهزيمة المتكرّرة أمام إصرار شعبنا على هويته الواضحة، واستحضاره الدائم لتناقضه الرئيسي مع الاحتلال ومنظومة القتل الاستعماري، وتسطيره لملاحم رائعة في مواجهتها، وقدرته على تنقية صفوفه من العناصر المتساقطة، ونبذ أي مسلكيّات وانحيازات راهنت على غير الهوية الوطنية، لتسقط مشاريع روابط القرى بصيغها المتعددة ومراحلها المختلفة، وتظهر استعداد واضح ومستدام لإسقاط أمثال هذه المشاريع مُجددًا، بما في ذلك تلك التي تحملها المؤامرة التصفوية الحالية للقضية الفلسطينية المسماة "صفقة القرن".

مما لا شك فيه أن عملية استئصال المرض والخرق الاستعماري تترك جروحًا في جسد الشعب الحي، وتورث أنواع من الآلام لا تقل عن المعاناة المترتبة على سياسات القتل المباشر التي يُمارسها المستعمر، وهو ما تطلّب باستمرار وقفات من الحركات الوطنية، للتعامل مع هذه الجراح، بمنطق المسؤولية الوطنية، التي ترعى وحدة المجتمع، وتحمل أفراده ومكوناته على تظهير معدنهم الطيب وانحيازهم الوطني الأصيل والعميق، وتلاقيهم ووحدتهم على مواجهة المستعمر، وإعطاء الأولوية الدائمة للتناقض الأساسي مع العدو الصهيوني، لكن هذه المعالجات تمت دومًا على قاعدة واضحة، هي الهوية الوطنية الفلسطينية، والقطع التام والحاسم مع أي سلوك خياني أو حالات سقوط، أو انحيازات خاطئة ومشوهة، وهو ما حافظ طوال الوقت على القيمة الخاصة لدور الحركة الوطنية الفلسطينية، كجسمٍ جامع لهذا الشعب، وبوتقة صهر نضالي لكافة مكوناته.

إن الانتماءات القبلية أو المناطقية لن تسعف شعبنا في مواجهة الهجمة العدوانية الصهيونية المتصاعدة، ولكن التشبث الصادق والجاد بالهوية الوطنية، وبإرث شعبنا النضالي، وتاريخ مجتمعنا الناصع في ردع العدوان الصهيوني، وتأديب حوامله، واستئصال ما استفحل داؤها منها واستعصى علاجها، والقيمة الأساسية لتذكر هذه الحقائق لا تتعلق بكونها تاريخ مشرق وقيم ايجابية وطنيًا، ولكن بطبيعة الهجمة الصهيونية الحالية، ورهانها على تفكيك معاني وحوامل الوطنية الفلسطينية وأدوات صمودها، لحساب بنى فرعية ضعيفة مستلبة الإرادة يتم إلحاقها بالمحتل وأدواته، وهو ما سيسقطه شعبنا بيقظته تجاه هذه المحاولات، وتمسكه بمشروع التحرير والاستقلال وتقرير المصير الوطني الجمعي، باتجاه واحد وواضح، لاستثمار التضحيات والصمود في انتزاع الحرية وإنهاء السيطرة الاستعمارية وكل ما يمثلها.