Menu
حضارة

تأنيث القمع لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية

نزهة جابري

كنعان الاكترونية

لم تدخر النظم السياسية الرأسمالية الطبقية أي جهد في استثمار قضية المرأة، وتوظيف الأنوثة، أو التأنيث، من حيث هي هندسة اجتماعية وإيديولوجية طبقية، في تثبيت الوضعية الدونية للنساء، ومن تم تكريس البطريركية كمنظومة شديدة التماسك ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. حيث تتزاوج سلطة الذكورة بسلطة الرأسمال، وحيث تقوم المرأة ذاتها بدور حيوي من أجل ضمان استمرارية آليات الهيمنة وتناقلها داخل إطار الأسرة التي تُعتبر أهم ركائز الذكورية، والنواة الأساسية لتقسيم الأدوار الجندرية كونها -الأسرة- أحد أجهزة الدولة الإيديولوجية التي لعبت دورا كبيرا في التكوينات الاجتماعية الرأسمالية بشكل يضمن إعادة إنتاج علاقات الإنتاج الاستغلالية. (1)

ولم تقتصر ميكانيزمات وآليات الهيمنة الذكورية في تمفصلها مع السيطرة الطبقية على تأنيث المرأة فقط، واختزالها ضمن نموذج أنثوي غير مكتمل إنسانيا، تنحصر مهمته في ضمان التكاثر البيولوجي وفي العمل المنزلي والعناية بالأطفال ورعاية الرجال المنتجين، أو في تخزينه كمصدر سهل للعمل الرخيص وكجزء من الجيش الاحتياطي للعمل، يتم سحبه إلى مواقع الإنتاج متى كان هناك نقص في اليد العاملة، وتسريحه متى انتفت الحاجة إليه(2). بل عملت كذلك على تذكير المرأة بمعنى إسباغ طابع الذكورية عليها، وتحويلها طوعا إلى درع نسو-ذكوري (3) تحتمي خلفه دوائر الحكم الطبقي الرجعي، بهدف تمرير أشكال جديدة من القمع الناعم، وتقديمه ملفوفا بغلاف إنسانوي/أنثوي، لتمريره دون اعتراض أو مقاومة، مستغلة في نفس الوقت التنميطات الثقافية السائدة في المجتمع، و التي ترى أن المرأة -أي امرأة بغض النظر عن موقعها الطبقي والسياسي- بطبعها الأنثوي الأمومي "العطوف والحنون"، لا تنتج العنف بل تكون مضمونا وعرضة له فقط.

هكذا وفي سياق عام مرتبط أساسا بعملية "التمكين" السياسية والاجتماعية للمرأة التي انتعشت كثيرا في أدبيات الخطاب الحقوقي البرجوازي في العقود الأخيرة (4)، تزامنا مع تغول علاقات الهيمنة والسيطرة الامبريالية -العولمة/النيوليبرالية- والتي ساهمت في تشديد القبضة الطبقية أكثر مما ساهمت في تمكين وتقوية المرأة ذاتها.(5) وفي سياق خاص مرتبط بتفجير الأزمات ، حيث تزايد توظيف الإرهاب واستثماره بأشكاله المختلفة، مع ما رافق ذلك من إذكاء حالات الرهاب المرضي التي يتم تصعيدها والنفخ فيها إعلاميا، لتتضخم فقاعتها سريعا بحكم الشعبوية الطافحة في منصات الخطابة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي... جرت عملية تظهير نساء السلطة -القايدات المغربيات- في الأزمة الوبائية الأخيرة تحديدا، إذ تم تسليط الأضواء عليهن من طرف إعلام السلطة ذاتها وأبواق الدعاية المأجورة لديها، بشكل متعمد ومبالغ فيه، والذي قابلته بدورهن بحدة في تفعيل إجراءات حالة الطوارئ.

لقد ساهم تأنيت مفاصل السلطة في إنعاش وتقوية ضروب من الوعي النسوي المزيف، والذي انخرط في جوقة التطبيل له وتصويره كإنجاز مهم على طريق "الحداثة" كما تفهمها الرجعية! وذلك بإقحام هاته العناصر النسائية في مجال يعتبر تاريخيا حكرا على الرجال، خصوصا في المنظومة القمعية المغربية ومثيلاتها التي تعتمد على المرأة في تنفيذ الأدوار والمهمات القذرة. وهكذا انخرطت جوقة الكتبة والمثقفين المأجورين ومسوخ اليسار المتمركس والمتلبرل، في كيل المديح للسلطة الجديدة بنسائها، بل قامت باستحسان القمع ما دام قد جاء في صورة أنثوية جعلته مبررا ومستساغا، فأشادوا بتليين مظهره وتغيير آلياته متناسين أن وضع المرأة في مفاصل السلطة، تحت تصرف نظام حكم أوتوقراطي ما هو في حقيقة الأمر إلا إسهام في إذكاء القمع الطبقي الجاثم على الطبقات الكادحة رجالا ونساء. وإن اعتبرن بروز النساء "القايدات" إنجازا واختراقا نسائيا لمجال الرجال بشكل يتوافق مع منظومة ومفهوم "تمكين المرأة"، فهو أولا وأخيرا إدماج للنساء واحتوائهن في بنيات وأجهزة الدولة القمعية التي تسهر على تثبيت النظام الطبقي الذكوري وتأمين الظروف السياسية لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج الرأسمالية التبعية، بكل رواسبها الرجعية التي لا تستثني رحاها في دورتها، أي فرد من الطبقات الكادحة إناثا وذكورا. من هذا المنطلق يحق لنا أن نتساءل: هل تثبيت القمع عبر موضة التأنيث وقاطرة الأنوثة يجعله أخف وطأة وأقل وحشية على المقموع؟! وهل تمرير الاستغلال بغلاف أنثوي يجعله أقل وحشية وأقل بشاعة على المستغَل (بفتح الغاء) ويحول بشاعته نعومة؟!

استغلال وقمع في لبوس الأنوثة:

السائد في التحليل النسواني البرجوازي أن يتم حشر النساء قسرا في كتلة إجتماعية واحدة، بحيث تبدو استنادا إلى هذا الخطاب الإيديولوجي المضلل، متجانسة وموحدة المصالح والأهداف، بل وتذهب جل الأطروحات المنبثقة عنه إلى اعتبار النساء طبقة قائمة الذات، وهذا تصور مغرق في المثالية. إذ ينفي كل التمايزات الطبقية والسياسية والاقتصادية التي تخترق النساء ويذيبها على مستوى الجنس، كأن المرأة كائن جنسي فقط! وبالتالي غير اجتماعي، لأنه متجرد من كل الانتماءات الاجتماعية والسياسية...؛ بالإضافة أن مفهوم الطبقة لا يتحدد بالجنس، أو العرق.. مهما كان مضطهدا (بفتح الطاء)، بل بالموقع الذي يحتله الفرد في نظام الإنتاج الاجتماعي، وبأهمية نصيبه من الثروة الاجتماعية التي يتوفر عليها، وكذا بعلاقته بوسائل الإنتاج كما يوضح ذلك لينين . وانطلاقا من هذا التصور الكتلوي الواحد الموحد للنساء، والذي يتنافر بالمطلق مع التحليل الطبقي(6). يتم تسويق تفوق امرأة معينة وإحرازها قدرا من النجاح الاجتماعي في المجتمع الطبقي، على أنه انتصار ثمين لجميع النساء سواسية، بغض النظر عن موقع تلك المرأة الطبقي ومسار توظيفها لذاك النجاح والتفوق، وآليات ووسائل تحقيق ذلك، وكمثال على هذا التماهي المموه نسوق نموذج رئيسة الباطرونا المغربية (مريم بن صالح)، فوفق النظرية "الكتلوية التوحيدية " نجاح هاته السيدة وتربعها على قمة السلم الطبقي هو نجاح اجتماعي لكل النساء المغربيات، وتعبير عن طموحاتهن في المساواة والاستقلال الاقتصادي، وعن قدرتهن على صنع المستحيل! فانجازات هذه المرأة البرجوازية المغربية التي جرى توشيحها بأوسمة من الإمبرياليتين الفرنسية والإسبانية: وسام جوقة "الشرف" من درجة فارس للجمهورية من قبل سفيرة فرنسا بالرباط (هيلين لوغال)، ثم وسام المكافأة "الوطنية" من درجة ضابط، ومن إسبانيا وسام الصليب الأكبر للاستحقاق المدني، لا تحسب لها وحدها انطلاقا من هذا المنظور البرجوازي، وإنما تصب بموشور يعكس الرؤية مقلوبة في صالح خندق النساء بشموليتهن وكتلويتهن الواحدة الموحدة! حيث يعتبر المسار المتميز للسيدة البرجوازية كونها المديرة الإدارية لمجموعة هولماركوم، ونائبة الرئيس المدير العام لشركة المياه المعدنية ولماس، موديلا نسائيا محطما للمحرمات والتنميطات الثقافية السائدة عن المرأة، نجح في كسر الهوية الذكورية للمناصب العليا، فاتحا ثغرة يتسرب منه ضوء المساواة في نظام الهيمنة الأبوية!

وهكذا بدل تسليط الضوء على حراك العطش الناجم عن استغلال مياه منطقة اولماس، يتم الحديث عن الحراك الذي يخلقه هذا النموذج النسوي المتفرد في الذهنية الذكورية النمطية. وعوض أن يقترن اسمها بكسر احتجاجات وإضرابات العمال فهو مقترن حسب نسويات "التمكين" والكوطا بكسر الهوية الذكورية للمناصب العليا، وعوض استنهاض وعي النساء بخطورة الاستغلال الذي يتعرضن له من خلال استنزاف ماء منطقتهن حيث سيتحملن بالدرجة الأولى ضريبة هذا التفقير الممنهج، يتم طمس وعيهن من خلال دفعهن للالتفاف حول هاته الشخصية النسائية باعتبارها مفخرة لبنات جنسها رغم تناحرها الطبقي معهم.

منظور يهتز مع طرح حزمة أسئلة: كيف يستوي الرأسمال بالعمل المأجور في مجتمع طبقي تحتجز التبعية تطور؟ وكيف تقترن مصالح سيدة صنعت ثروة إمبراطوريتها من نهب فائض القيمة، ومن استغلال ماء منطقة جفت آبارها وهلك زرعها بمصالح النساء عامة والعاملات خاصة؟ وهل يا ترى اغتنت نساء منطقة والماس -جماعة قروية تستنزف منها المياه المعدنية للتصدير- واستفدن اقتصاديا، وحققن مكتسبات اجتماعية بنجاح السيدة (بنصالح) كنموذج يتم تسويقه إعلاميا، باعتباره رمزا للمساواة في مركز القرار؟ أم أن العكس هو الحاصل، حيث تضررت نساء هاته الجماعة كثيرا من الاستنزاف والنهب المهول لما تبقى من الفرشات المائية من قبل شركة والماس للمياه المعدنية الأمر الذي يؤدي إلى انقطاع الماء الشروب باستمرار عن الساكنة، في تناقض صارخ مع وصول هذه السيدة إلى قشدة المجتمع البرجوازي، واستعانتها بقوة الدولة التي تحمي نفوذها وتحتمي هي بسلطتها، لقمع إضرابات واعتصامات الطبقة العاملة (رجالا ونساء) في العديد من المحطات النضالية، أبرزها قمع إضراب 1999...؟ ونفس الشيئ ينطبق على أخريات ضمن هذا المثال الذي يوصف بأنه "رمز القوة الهادئة للأنثى" ضمن إطار ما يسمى في دعاية الطبقة الحاكمة: مخطط التمكين/ التمثيل الإقتصادي للمرأة".

إن هذا المثال الصارخ على "التفرد النسوي" تم استغلاله إعلاميا وثقافيا، في تسييد الاستغلال وتبرير القبول به من خلال مسوغات تأنيثه، حيث استخدمت الجنوسة، أو المقاربة الجندرية، من أجل تمرير مشاريع ومخططات التحالف الطبقي المسيطر، وتنعيمها في صيغتها القمعية المباشرة (استخدام القوة المادية، الأوامر الإدارية التسلطية، أشكال الرقابة المفتوحة) (7).

وفي التقاط ذكي من النظام الرجعي لمفهوم الجنوسة والتعاطي معه من موقع توظيفه لتكريس الوضع القائم، تم استخدام الحمولة الرمزية لثنائية الذكورة والأنوثة كهندسة طبقية اجتماعية، تم تطعيم مفاصل أجهزة السلطة والتي ترمز ثقافيا للخشونة والذكورة، بعناصر أنثوية في استغلال لرمزيتهن كنساء، وأسبغ عليها غطاءا ناعما وهو بذلك لم يفرغها من حمولتها القمعية الطبقية بل فقط موهها. هاته العملية التأنيثية للقمع مكنت دولة الكومبرادور من تمويه إجراءات العسف والتنكيل الخطيرة التي نجمت عن إطلاق العنان أكثر لأجهزته القمعية في تعنيف وقمع أبناء الجماهير علنا ماديا ومعنويا، بمباركة من أبواق دعايته على اختلاف تلاوينها. وجاء كلامها في هذا الوارد تنميطا سطحيا لأنوثة المرأة وذكورة الرجل، كما صاغها المجتمع الطبقي/ البطريركي، حيث الخشونة والإقدام والمبادرة والمواجهة والعنف... من قيم الرجال، وحيث النعومة والليونة والتمويه والمهادنة والسلمية والسلبية... من شيم النساء. وهل يكفي مثلا، أن تجنح القايدات للمودة والوداعة وحتى إلى توزيع الابتسامات في التعامل مع الناس لتفرغ سلطة الدولة الطبقية من حمولتها القمعية؟بالمطلق لا. بهذا التأنيث الشكلي للسلطة والقمع، اختلطت الأوراق مرة أخرى من جديد على نسويات "التمكين والكوطا" الزئبقيات اللائي ينتمي جزء كبير منهن إلى يسار الشراكات والتمويلات... فعوض تسليط الضوء على الاختلالات الاجتماعية الفظيعة والتي عرت أزمة كورونا فظاعتها بشكل أكبر، جرى الحديث عن حنكة وقدرة (القايدات) المغربيات كنموذج نسائي أثبت جدارته في اقتحام مجالات الشأن "الأمني" إلى غير ذلك من الكلام الاستهلاكي الجاهز. وبالموازاة كذلك مع بطولات وعنتريات (القايدات)، كانت ترزح في الدرك الأسفل ومن وراء الجدران المنزلية شريحة هامة من نساء الطبقات الكادحة المفقرة التي عانت من وحشية العنف الأسري، والذي تفاقم بشدة في ظل إجراءات الحجر الصحي، فالمنزل يُعَدّ من أكثرالأمكنة التي تتعرّض فيها النساء المغربيات للعنف، بنسبة 52 في المائة -6.1 ملايين امرأة- .هذا التباين الكبير بين وضعية المرأة في الأسرة وبين وضعية (القايدات) في كنف السلطة يعكس حقيقة سطحية وزئبقية كل الخطابات الإصلاحية التي تروم تحسين وضعية المرأة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بمنآى عن تغيير مجتمعي شامل وبمنأى عن المدخل الطبقي المناسب لفهم الجنوسة والتعاطي معه (8).

اشتراطية المدخل الطبقي:

لقد تضررت قضية المرأة كثيراً بسبب غياب الأداة الثورية التي تعترف بمركزيتها في النضال السياسي الثوري، في ارتباط مباشر مع المشروع السياسي للتغيير الجذري، وحده القادر على استيعاب قضية المرأة وتحررها في مجرى نضاله العام من أجل الثورة، بنفس القدر الذي تضررت به من البنيات التقليدية والخطابات الرجعية الظلامية. مما فتح المجال أمام النظام السياسي الطبقي والأبوي إلى تجريب عدد هائل من الوصفات والمقاربات الملفوفة حقوقيا، والتي أسهمت بشكل كبير في تمييع قضية المرأة وتأزيم أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، فتحولت إلى موضوع للاستهلاك الإعلامي والاسترزاق السياسي في المحافل التي ترعاها الدول الامبريالية، ولاستقطاب و كسب الأصوات النسائية في انتخاب المجالس الصورية، ومدخل يتم من خلاله تجديد شرعية النظام الطبقي الأبوي وطنيا ودوليا. إن تأنيت الاستغلال وتمرير أشكال من القمع بغطاء الأنوثة هما أحد الآليات الخطيرة التي تتجدد بها الممارسة القمعية لدولة التحالف الطبقي المسيطر، والتي تسعى من وراء مختلف ممارساتها للصراع مع نقيضها الثوري، إلى تأبيد علاقات الانتاج الاستغلالية التبعية.

هوامش:

1 - لوي ألتوسير، الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية، الجزء 2، ترجمة: عمرو خيري، 1970.

- 2  كارل ماركس، الرأسمال، المجلد الأول.

3 - عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء "المرأة مبتدأ كل نقد وتخط"، صفحة 30 ، 2010.

4 - عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء "المرأة مبتدأ كل نقد وتخط"، صفحة138 ، 2010.

5 - عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء "المرأة مبتدأ كل نقد وتخط"، صفحة140 ، 2010.

6 - عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء "المرأة مبتدأ كل نقد وتخط"، صفحة 63 ، 2010.

7- لوي ألتوسير، الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية، الجزء 2، ترجمة: عمرو خيري، 1970.

8 - عادل سمارة، تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء "المرأة مبتدأ كل نقد وتخط"، صفحة 68 ، 2010.