قرأت هذا العام ككل عام سابق منذ الاغتيال الغادر للرفيق أبو علي مصطفى الكثير مما كُتب في رثاء الشهيد وما يستحق من تقدير لالتزامه الوطني والقومي، وتمجيد لحماسه وجدّيته في الدفاع عن قضايا شعبه، ورفضه بل وتصديه لكل مشاريع الاستسلام والخنوع لتصفية القضية الفلسطينية، هذا إضافة لما يتميز به من قيم مناقبية ومسلكية أخلاقية.. له كل المحبة والاحترام في أوساط معارفه وجماهيره.
لكنني كرفيق وزميل للشهيد أكتب عنه كأحد الرموز القيادية المميزة، وكنموذج لما سُمِّي "التحول" في مسار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. فمع بداية تأسيسها ظهر في رأسها القيادي تياران: (هما امتداد لما كان يدور من حوار فكري داخل قيادة حركة القوميين العرب): الأول يقوده الدكتور جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يرى أننا كتنظيم ثوري، وفي ظل الواقع العربي وما فيه من تعقيدات، وما يحمل من ترسبات وتأثيرات لوجود الاستعمار لسنوات طويلة في المنطقة العربية، وبمراجعة تجربة الأحزاب في فلسطين العاجزة أو الموالية للإنتداب البريطاني، وعلى ضوء تجارب الثورات في العالم، فإننا بحاجة إلى الاستعانة بالنظرية الماركسية اللينية كأداة تحليل تساعدنا في فهم طبيعة التناقضات داخل المجتمع، وتحديد الطبقات ومصالح كل منها وموقفها من الثورة، والتي على أساسها يتم تحديد التحالفات المرحلية والاستراتيجية. وانطلاقاً من ذلك نربط بين النضال الوطني التحرري وبعده القومي وبين النضال الطبقي لإقامة نظام اشتراكي ديمقراطي.
هذا الطرح كان يستوجب طرح سؤال هل الجبهة الشعبية بفكرها القومي الموروث عن حركة القوميين العرب مؤهلة لأن تحمل النظرية الماركسية اللينية وتتحول من حزب قومي إلى يساري؟ وهنا ظهر فريقان: الأول يقوده جورج حبش جوابه نعم ممكن "التحول"، مستنداً إلى الحيثيات التالية:
اولاً: إن الأخذ بالنظرية الماركسية كأداة تحليل لا يلغي انتماءنا القومي، وليس على حساب هويتنا العربية.
ثانياً: التحولات الاشتراكية في مصر، ولاحقاً بعد الوحدة في سوريا، ولّدت مناخات تؤيد الاشتراكية وتستجيب لأي دعوة لها، باعتبارها تجسيداً للنظرية الماركسية التي تدافع عن حقوق العمال والفلاحين والمحرومين.
ثالثاً: (ربما الأهم) البنية الحزبية للجبهة وأطرها المحيطة هي غالباً من أبناء المخيمات الذين يعانون الفقر والاضطهاد الوطني والطبقي. من السهل أن يقتنع هؤلاء بالنظرية التي تعرِّفهم على مصالحهم، وترشدهم إلى خصومهم.
رابعاً: الفريق القيادي المتهم بأنه "اليمين" المعرقل لأي "تحّول" نحو اليسار، لم يكن ضد الاشتراكية من حيث المبدأ، وإنما: قسم منه يفضل "مرحلية " النضال بحيث تعطى الأولوية لمرحلة التحرر الوطني ثم الإشتراكية، وقسم آخر يقلل من أهمية الانشغال بالتنظير ويركز على العمل ثم العمل ثم العمل على كيفية مواجهة العدو.
الفريق الثاني يرأسه حواتمه: لا يرى إمكانية تحّول القيادات، ومن يؤيدها التي انتقلت من الحركة إلى الجبهة من فكر قومي يميني إلى فكر يساري متنوّر. ومن الأمثلة على الأسماء اليمينية التي يهاجمونها بقسوة تندرج قائمة طويلة منها (وديع حداد، أبو علي مصطفى، أحمد محمود/ أبو عيسى، حمدي مطر أبو سمير، أحمد اليماني، غسان كنفاني وغيرهم). وجميعهم مناضلون أشداء صهرتهم التجارب ومن السهل أن يدركوا حجم الترابط بين النضال الوطني والطبقي.
لا أريد أن أدخل بتقييم تفصيلي حول كيف انتهت الأمور، ولا بتفنيد الحيثيات التي أثبتت التجربة العملية صحتها.
يهمني، فقط، مما عرضت أن أستشهد برمزية الرفيق أبو علي مصطفى الذي كان أبسط ما يُقال عنه أنه جزء من فريق يميني فاشي ليصل إلى موقع الأمين العام لتنظيم يساري يسترشد بالفكر الماركسي ال لينين ي، ويدافع عن مصالح من ينتمي إليهم من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين، وأبناء المخيمات المقهورين والمظلومين.
وبرغم تعاطيه الإيجابي مع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه لم يغب عن ذهنه أبداً أن استمرار النهج اليميني البرجوازي على رأس الحركة الوطنية الفلسطينية؛ سيؤدي إلى تقديم التنازلات والدخول في صفقات سياسية على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وأهدافه الاستراتيجية، لهذا كان يحذر من استمرار الهيمنة والتفرد بالقرارات المصيرية التي أدت بالثورة الفلسطينية إلى هذه الدرجة من الهوان، ووضعت الوحدة الوطنية في مأزق يصعب الخروج منه؛ إلا بإعادة تقييم مسيرة الرهان على الحلول السياسية واستئناف المقاومة.
الرفيق القائد الشهيد أبو علي مصطفى نموذج مميز في الجبهة وخارجها، وهم كثر، أذكر منهم الأمين العام المؤسس جورج حبش الذي شكل سابقة بتخليه عن موقعه القيادي ليثبت قدرة الجبهة على إعطاء البديل، ولا يجوز أن تبقى القيادة حكراً على أحد مهما علا شأنه وبلغت مكانته. فكان الرفيق أبو علي قدر المسؤولية عندما أتى بديلاً للحكيم ليعطي نموذجاً من نوع آخر الالتزام والانضباط للقرار الحزبي من جهة وللواجب الوطني مهما بلغت مخاطره من جهة ثانية. لم يكن متحمساً للعودة ليس خوفاً من غدر العدو وحقده، وإنما حتى لا يسجل أنه عاد إلى وطنه تحت حراب عدوه وبإذن منه، وحتى لا يوصم بالشراكة في اتفاق استسلامي مذل، لكنه قبل العودة وبحماس عندما توصل ورفاقه في قيادة الجبهة إلى قناعة أن أوسلو سيصل إلى طريق مسدود وأن العدو سينفض يده منه، ما أن يحقق أغراضه بالقضاء على الانتفاضة واحتواء المنظمة (م.ت.ف)، وهذا يعني أن شعبنا في الداخل سيجد نفسه في لحظة ما في مواجهة أوسلو وإفزازاته، وهنا تأتي اللحظة التي تتطلب من قيادته أن تكون أمامه.
من هذا الموقع بالشعور بالمسؤولية اقتنع بالعودة وهو يدرك مخاطرها، ليس ليلتزم بشروط أوسلو التي تستوجب على كل من يقيم في مناطق السلطة الخضوع والاستسلام والتمتع بنعيم الإمتيازات، بل أخذ يعد للمرحلة المتوقعة للصدام بعد أن تتبيّن الحقائق بفشل الرهان على أوسلو. من هذا الإدراك العميق لمسؤوليته في العودة إلى أرض الوطن ووضع خطته التي تتضمن ثلاثة عناوين أساسية:
الأول؛ وهو الذي طغى على لسان الرفيق أبو علي ونال الاهتمام الأكبر "عدنا لنقاتل لا لنساوم".
الثاني؛ التحرك ما بين الضفة و غزة لإعادة لملمة أعضاء الجبهة وكوادرها وعدد من قياداتها الذين غادروها لأسباب ما في مرحلة سابقة. وحدة التنظيم وتماسكه وإعادة تصليب عوده شرط أساسي ليلعب دوره المبادر في مرحلة صعبة قادمة.
الثالث؛ في ظل حالة الانقسام التي ولّدها أوسلو يجب عدم ترك المسرح لقيادة السلطة لتدجين المعارضة الفلسطينية، بل يجب أخذ المبادرة فبدأ يعمل على تشكيل تيار ديمقراطي يجمع كل القوى والأشخاص الذين يُعارضون اتفاق أوسلو.
هذه المهمات الثلاث الهامة التي كان يعمل الرفيق القائد أبو علي مصطفى على إنجازها كافية، لأن تجعل منه هدفاً لإجرام العدو وشخص غير مرغوب فيه.
خَلفَه نموذج آخر الرفيق أحمد سعدات؛ لا يقل عناداً وتمسكاً بالثوابت والسير على نفس النهج الذي لا يساوم ولا يهادن؛ فهدد "الرأس بالرأس"وصدق وعده، فكان مصيره السجن الذي ألفه فلم يلن، ولم ينكسر، وأخذ من السجن ميداناً أخر لاستمرار النضال؛ حافظ على كبريائه وقوة عزيمته وإرادته.
هذه الجبهة التي أعطت نماذج مميزة من أمثال الحكيم وأبو علي وأبو غسان وغيرهم كثيرين، مطالبة وبإلحاح أن تأخذ منهم العبر، وتستخلص الدروس لإعادة تجديد نفسها وتصليب عودها. الوفاء لقادتها أن تبنى جيلاً معطاءً متفانياً، يمتلك الوعي ويقدر المسؤولية، وقيادة بمستوى المرحلة وتستجيب لمطالباتها.
الوضع الفلسطيني يحتاج إلى من يقرع الجرس؛ حاول الرفيق أبوعلي مصطفى فسقط شهيداً، فحمل الراية ومن بعده أحمد سعدات فأُخذ أسيراً؛ الراية تنتظر من يحملها؟

