Menu

من كامب ديفيد إلى أبراهام: كان مسارًا طويلاً لدفن القضية الفلسطينية ولكنها ستدفنهم جميعًا

خاص بالهدف - أحمد مصطفى جابر

يمكن لأي متابع حتى اليوم أن يجد تقارير جديدة أسبوعيًا حول زيارة الرئيس المصير أنور السادات إلى القدس المحتلة، وكان ذلك حدثا تاريخيًا بالفعل، إن صح القول فمصر شاركت في جميع الحروب ضد الكيان، وانحفر تاريخ دموي بين الشعب المصري والكيان الصهيوني، وبقدر ما كانت خطوة السادات صدمة إيجابية للصهاينة فقد كانت على العكس تمامًا بالنسبة للمصريين في غالبيتهم العامة.

ولكن هذا لايمكن أن ينطبق عل "الفتح" الجديد لبنيامين نتنياهو، ولنتذكر أيضا أن بيغن كان منتصرًا داخليًا وبدون أي شكوك، وكان قد تمكن من طرد حزب العمل من السلطة، ثم إن السادات هو من جاء إليه، وكان هذا قال إنه مستعد للذهاب إلى نهاية العالم "على ما أذكر" لتحقيق السلام، ولكن نهاية العالم كانت بالنسبة له هي القدس المحتلة، بالذات، ونهايته هو كانت على منصة استعراض عسكري، لجيش جلب النصر وقدمه هو نفسه السادات للعدو وبالمجان.

هذا لا ينطبق أبد على محمد بن زايد ورئيس دولته، فلا هو السادات، ولا نتنياهو هو بيغن، فالأول شيخ صغير يبحث عن مكان لمدينة ملح تحت سقف العالم، مدفوعًا بروح استهلاك شرهة لكل شيء يمكن أن يحققه المال، أو تباع في أسواق نخاسته الكرامة، والثاني، أي نتنياهو، فهو وعلى احتقاره للإمارات، البلد الذي لايمثل شيئا في معادلات الحرب والسلام، فإن مدفوع بقوة الدفاع الذاتي، هاربًا من قضايا فساد بل وتهم انحطاط أخلاقي وممارسات مشينة له ولزوجته ولابنه تتسم بالعنصرية والغرور الطبقي، وفوق هذا ينظر إلى فوهة مدفع صدئ على بعد ألاف الكيلومترات، لأنه لايجرؤ على النظر إلى لمعان صاروخ قريب جدا.

في تلك الأيام، أي عندما وصل السادات إلى القدس المحتلة لم يكن "الإسرائيليون" ينتظرون من يقول لهم إنها "زيارة تاريخية"، بيغن نفسه لم يستخدم الكلمة، وزعيمة المعارضة السابقة غولدا مائير حضرت بروتوكوليا على مضض وبنفس الوقت تأكل أصابع الندم لأنها لم تتعامل جديا مع دعوات السادات عندما كانت رئيسة للحكومة.

وعلى شاشات التلفزيون، التي غلب عليها الأبيض والأسود، شاهد الصهاينة باب الطائرة ينفتح والسادات ينزل منها وكانت الأهمية التاريخية "بديهية على حد تعبير الصحفي ميرون رابابورت.

ولكن وحسب تقارير عديدة، يتساءل "الإسرائيليون: حول لماذا تعتبر رحلة إلى أبو ظبي "تاريخية" وكأن هذه الصفة هي إهانة كبرى لبيغن والسادات وانقلاب 1977، ناهيك عن ذكر بشير الجميل. وهذا ليس مضحكا في الواقع، فبشير الجميل كان أكثر أهمية بكثير من دول الخليج مجتمعة، وتحقيق اختراق في عمق الجبهة اللبنانية كان بالفعل يكاد أن يكون انتصارا تاريخيا للكيان الصهيوني لولا أن لبنان انتفض على الخيانة ولولا أن أطاح حبيب الشرتوني ونبيل العلم برأس الخائن وفجرا بيت الخيانة.

هذا الأسبوع ، في 31 أغسطس ، غادرت تل أبيب أول رحلة مدنية إسرائيلية على الإطلاق إلى أبو ظبي. ورافق الوفد الإسرائيلي الرسمي على متن الطائرة وفد أمريكي برئاسة جاريد كوشنر ، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره.

مع إقلاع الرحلة التي وللغرابة لم يكن بها أشخاص مهمين يتناسبون مع "تاريخية" تلك الرحلة، كانت العناوين الرئيسية في الكيان الصهيوني هي عن استقالة مدير كبير في وزارة المالية على خلفية وباء كورونا، الذي لم يتمكن محمد بن زايد من الإطاحة به من عناوين الأخبار، التالي في الأهمية كان العام الدراسي الجديد في ظل كورونا.

تأتي الزيارة بينما يحصي الكيان أكثر من 2000 حالة جديدة يوميًا ونسبة بطال تبلغ 21% وفشل شبكة الأمان التي توفرها الحكومة مقارنة بمثيلاتها حول العالم. ومنذ الإعلان عن ما يسمى "اتفاق سلام" بين الكيان والإمارات ، نقلت وسائل الإعلام عروضًا مطولة عن الفنادق الفخمة في أبو ظبي ودبي. في غضون ذلك ، يواجه "الإسرائيليون" العاديون مشكلة في دفع فواتيرهم.

سبب آخر كما يقول رابابورت هو حقيقة أنه من الصعب إقناع الجمهور "الإسرائيلي" باتفاق سلام مع دولة لم تكن في حالة حرب مع "إسرائيل"، ولا يوجد حدود مشتركة بينهما بل "إن الإمارات بعيدة جدًا"، وتستغرق الرحلة إلى أبو ظبي 3 ساعات و20 دقيقة، وهو ذات وقت الرحلة من تل أبيب إلى روما، والصواريخ جاءت من العراق الذي يبعد ساعة طيران، ومن لبنان حيث تقطع الحدود سيرًا على الأقدام!

يهرب نتنياهو من مشاكله الخاصة ليعلن فتوحًا في أفريقيا والإمارات و البحرين ، وخط تجاري يمر فوق مكة إلى الهند، كل هذا بانتظار لحظة انهيار الجبهة الداخلية المتهالكة والجيش المفلس العاجز عن القتال كما قال أمين مظالمه السابق، وبعد شهور في كانون الثاني (يناير) 2021 ستبدأ مداولات قاعة المحكمة في محاكمته بتهمة الفساد، وقد تضمنت الأسابيع العشرة الماضية مطالبات متكررة باستقالته وسط احتجاجات كبيرة في الشوارع خارج مقر إقامته في القدس.

ورغم أن استطلاعات الرأي تظهر أن الليكود وحلفائه اليمينيين قد يتمتعون بأغلبية إذا أجريت انتخابات اليوم، لكن الثقة برئيس الوزراء نفسه في أدنى مستوياتها، تقريبا أي شيء يفعله ينظر إليه من قبل شرائح كبيرة من الجمهور على أنه مجرد محاولة أخرى لعرقلة العملية القضائية ضده. وبالتالي فاتفاقه مع ابن زايد لاينظر إليه سوى كمحاولة أخرى للتفلت من السجن والهرب من العقاب، بغض النظر عن كل خطبه المليئة بالغرور والمغالطات ومحاولات الخداع لدرجة أنه في المؤتمر الصحفي الذي أعلن عن "حالة سلام" مع بلد لم يكن معها أي حرب في يوم من الأيام، لجأ إلى اقتباس طويل من كتابه "مكان بين الأمم".

ولكن نتنياهو يواصل خداع نفسه متمثلًا بمعلمه زئيف جابوتنسكي، صاحب "الجدار الحديدي الذي تم تبنيه لاحقا من اليسار واليمين، وهكذا ظن بيغن إن الاتفاق الذي رسمه مع السادات سيدفن الفلسطينيين وقضيتهم إلى الأبد، ولكن آماله كلها خابت، ناهيك أن تلك مصر بقوتها ونفوذها ومكانتها في الصراع. ثم تكرر الأمر في اجتياح لبنان وإحلال بيروت وتنصيب بشير الجميل، ونفس الوم كان يعمل بقوة، ولكن تم سحقه بقوة، من المهين أن يظن نتنياهو أن الفرصة مواتية اليوم لفعل نفس الشيء ولكن مع الإمارات.

باراك بدوره كما يسرد رابابورت كان على وشك التوصل إلى اتفاق مع الرئيس السوري حافظ الأسد في أوائل عام 2000 ، بهدف معلن من جانب باراك هو تهميش القضية الفلسطينية، وبالمثل ، فإن الاتفاق الذي وقعه رئيس الوزراء إسحاق رابين مع العاهل الأردني الملك حسين عام 1994 لم يذكر كلمة واحدة عن الفلسطينيين، وبالمناسبة ، اتفاقية السلام مع الأردن لم تطالب "إسرائيل" بإعادة الأراضي، كانت صفقة "سلام مقابل سلام". وبالتالي ، حتى في هذا الصدد ، فإن الاتفاقية مع الإمارات ليست مبتكرة. وكل شيء يبدو كمحاولة طويلة ومملة وبائسة لدفن الفلسطينيين وقضيتهم وتبين إنها في النهاية قادرة على دفنهم جميعا.

لكن يبدو أنه في الخلفية، للفرح الصهيوني بتجاهل الفلسطينيون وتركهم "خلف عربة التاريخ" كما تقول الصحافة اليمينية في الكيان وشقيقتها صحافة الخليج، يبدو أن "الصهاينة" ليسوا حمقى تمامًا، وقد أدركوا شيئا ما من صراعهم الطويل مع الفلسطينيين بأنه لا أحد يستطيع دفنهم وإنه هم فقط من يمكن أن يحقق السلام، وإن السلام لايكون له معنى إن لم يكن معهم بالذات، لن تفيد فتوحات نتنياهو بشيء ولا علاقاته مع السودان أو الإمارات أو البحرين أو السعودية، ولا زيارته الخاصة لسلطان كان خارج التاريخ قبل أن يموت في مسقط.