بعد غياب طويل وانتظار أطول استمر لسنوات، تم انعقاد هذا الاجتماع وبمشاركة جماعية واسعة شملت كافة المنظمات والفصائل الفلسطينية، وكما يقول المثل الروسي المعروف أن تأتي متأخرًا أفضل من أن لا تأتي، وبعيدًا عن سياسة أن كل شيء سيء وأن لا جديد، ورغم كوني من فريق المتشائلين، ليس رغبة مني، ولكن هذا ما علمتا إياه التجربة؛ أسجل الملاحظات التالية على الاجتماع وما دار به:
الملاحظة الأولى: لا بد من تثمين انعقاد هذا الاجتماع، وعلى هذا المستوى بعد هذا الوقت الطويل، خاصة بعد أن تكرست سياسة الانقسام في الساحة، وحلت سياسة التراشق بالخطابات والتصريحات الإعلامية؛ مكان الحوار، وأصبحت هذه السمة السائدة في الوضع الفلسطيني. إن مجرد انعقاد هذا الاجتماع يعتبر خطوة إيجابية على طريق كسر الجليد والخروج من المأزق، ولم يعد مقبولًا الاستمرار في سياسة الاستفراد وإدارة الظهر للوحدة الوطنية، كما لم يعد مقبولًا عدم المشاركة في منظمة التحرير؛ من أجل تطويرها واستعادة وحدتها التزامًا بميثاقها والتمسك بالثوابت الوطنية.
الملاحظة الثانية: لم أسمع في خطاب الرئيس أية كلمة عن اتفاق أوسلو، وهو سبب الكارثة التي حلت بنا، وكنت أتمنى (وأنا مدرك أن الأمور ليست بالتمني) لو أن السيد أبو مازن أعلن بوضوح وصراحة سحب الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني فورًا، وأعلن الإلغاء الكامل والقاطع لاتفاقيات اوسلو وملحقاتها.
الملاحظة الثانية: اكثار الرئيس من الحديث عن المبادرة العربية والرباعية الدولية، وهنا نسأل السيد الرئيس، ونقول له ومن معه بالله عليكم ماذا بقي من كل ذلك بعد أن أحكمت الولايات المتحدة سيطرتها علي الرباعية، وبعد أن ذهب الكثير من الحكام العرب للتطبيع...؟! لماذا المراهنة على نفس السياسة؟ ألم يحن الوقت للخروج من رهان فشل بامتياز، إلى رهان آخر أثبت نجاعته في كل تجارب وثورات العالم، وهو خيار المقاومة والوحدة الوطنية الحقيقية؟
الملاحظة الثالثة: من الجيد أن يتفق المجتمعون على تشكيل لجنة لإنهاء الانقسام وأخري لتفعيل المقاومة الشعبية، ومن الجيد أن يتم العمل على تشكيل قيادة موحدة، ونصارحكم القول أن هذا جيد جداً، لكن العبرة في التطبيق، خاصة أن التجربة السابقة، وحتى هذه اللحظة قامت على أساس القرارات في واد والممارسة في واد آخر فهل نغير؟! سؤال لكم برسم الإجابة عليه، حتى نصدقكم.
الملاحظة الرابعة: لم ألحظ في أغلبية الخطابات الدعوة لعملية فرز حقيقة بين العدو والصديق، وعلينا أن ننتقل من هذه الضبابية إلى الوضوح، علينا أن نرسم سياسة استراتيجية للمواجهة، تستند إلى الحليف الاستراتيجي وهو محور المقاومة الذى يقف بكل ثقله إلى جانب المقاومة، وهو الذي أحدث تغييرًا في ميزان القوى.
الملاحظة الخامسة: ساد اللقاء الكثير من المجاملات والمديح وصلت إلى حد الغزل، ولولا كورونا لكنا أمام القبل والضم بالأحضان، وساد منطق المسامحة بدلًا من منطق المصارحة، رغم ما تميزت به بعض الكلمات من صراحة ووضوح وتحديد لكيفية الخروج من المأزق وتستحق التثمين.
الملاحظة السادسة: تألمت كثيرًا وأنا أنظر في وجوه المشاركين في الاجتماع وأغلبيتهم يتربعون على عرش قيادة المنظمة والفصائل، وأمضى البعض منهم أكثر من ٥٠ عامًا في هذا الموقع، وبعضهم للأسف غير قادر على الحركة، والبعض الاخر غير قادر على الكلام. ومع احترامي لهم، وخاصة البعض منهم، ممن قدموا حياتهم للثورة وابتعدوا عن الامتيازات، وعدم احترامى لمن تسلق الثورة وكانت له عبارة عن امتيازات ومكاسب.
والسؤال أين التجديد في القيادة؟ وهل الشعب الفلسطيني أصبح هرمًا إلى هذا الحد تقوده قيادة هرمة متوسط أعمارها يفوق ال٧٠ عاما؟! إن نسبة الشباب في الشعب الفلسطيني الذين تقل أعمارهم عن ٣٥ سنة؛ أكثر من ٦٥%، أين تمثيلهم في القيادة؟
لقد شاخت القيادة وشاخت معها الثورة ونحن بحاجة إلى تجديد، ليس تقليلًا من دور المناضلين، وإنما من موقع أن نجاح أية قيادة يكمن في قدرتها على ايجاد البديل.
الملاحظة السابعة: ورد الحديث عن نظام سياسي واحد وسلطة واحدة ودولة واحدة وقانون واحد،
هذا ما نريده بعيدًا عن الهيمنة، وهذا ما يتطلب مشاركة الجميع وعدم إقصاء أي كان؛ فلسطين لنا جميعًا وليست ملكًا لهذا الفصيل أو ذاك، هي ملك لكل الشعب الفلسطيني، ويجب أن تبقى كذلك.
أصارحكم القول: إنني وفي ضوء ما سمعت من مداخلات وغزل بين فتح وحماس، أبو مازن وهنية، على طريقة عمر بن أبى ربيعة وكأنه لم يكن هناك انقسام في الساحة الفلسطينية استمر أكثر من ١٤ عامًا وكلاهما مسؤول عنه، وبت أخشى ما أخشاه أن ننتقل في المرحلة القادمة من هيمنة فصيل واحد إلى هيمنة فصيلين فتح وحماس!
شعبنا يريد وحدة حقيقية وشراكة حقيقية؛ يريد منظمة التحرير واحدة موحدة للجميع؛ يريد سحب الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني؛ يريد إلغاء اتفاقيات أوسلو وملحقاتها؛ يريد مواجهة صفقة القرن؛ يريد تفعيل خيار المقاومة؛ يريد الكثير ويستحق أن تستجيب القيادة لأماله وتطلعاته.. والسؤال هل تستجيبون؟ هل تستجيبون؟ بانتظار مواقفكم العملية.. وإن غدًا لناظره قريب.

