Menu

‫اجتماع الأمناء العامون: قصة قديمة جديدة

مصطفى ابراهيم

يسعى أطراف المعادلة الفلسطينية الظهور بصورة الحريص والمتفائل بقرب الوحدة، والأجواء الاحتفالية، ويحاول كل طرف من أطراف المعادلة تحويل هزيمته من خلال الكلمات الافتتاحية التصالحية من المنتظر إلى منتصر، مع أن المتتصر منهم ومنا مهزوم، وهم يدركون أن الاجتماع هو اجتماع الضرورة تحت ضغط احتياجاتهم ومصالهحم، وأن تصفية القضية الفلسطينية وسحقهم مطروح على طاولة أطراف دولية وإقليمية، في ظل تبلور ووضوح الصراع الإقليمي وأجنداته.

لم يحاول أطراف المعادلة خاصة الطرفان الرئيسيان الإقرار بالهزيمة ويأسهم وعدم قدرتهما على تحقيق أي من أهدافهما، وإفرازات الانقسام الكارثية وأنهما وصلا لطريق مسدود، ولا سبيل إلا الشراكة السياسية الحقيقية، والاعتراف علناً أن الهزيمة طالت الكل الفلسطيني وقضيتهم. ولم يعد يعنيهم الاعتذار للشعب الفلسطيني وإجراء مراجعات نقدية للتجربة الفاشلة والمأساوية والتأسيس لمرحلة جديدة وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وبناء منظمة التحرير ومؤسساتها.

يبدو أن الجميع لم يدرك قدراته وإمكاناته ونقاط ضعفه، وأن هناك متغيرات متسارعة تجري؛ أطراف عديدة لديها القدرة على التأثير في مجريات الأمور، ويعيش الناس أجواء من الحيرة والبلبلة السائدة على مصير المصالحة والخوف من الفشل، ويتراجع يقينهم وثقتهم بأطراف الانقسام، خاصة وأنه لا خطوات عملية على الأرض تعيد للناس ثقتهم بطرفي الانقسام.

 مع تمسك كل طرف برؤيته السياسية ولا يوجد مؤشر حقيقي على إتمام المصالحة على أساس الوحدة الوطنية، وفتح ورشة عمل كبيرة وحقيقية لإعادة بناء المشروع الوطني وترميم الشروخ الكبيرة الذي صدعته، والاتفاق على إستراتيجية وطنية على أساس كفاحي مقاوم للاحتلال، وإعادة الاعتبار للمجتمع الفلسطيني الذي تمزق نسيجه على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية، وفقد الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني والقائمين عليه.

قد يكون حظر التجول المفروض لمواجهة كورونا قد أجبر الناس لقضاء وقت مستقطع من الملل الوطني العام، ومتابعة المهرجان الخطابي، وهم يوجهون الأسئلة الكبيرة، ولم يتفاعلوا بشكل جدي مع نتائج المؤتمر، عندما  يتعلق الأمر بتشكيل اللجان، ويتساءلون عن مدى جدية الطرفين، وهل ستعالج كل القضايا الوطنية وإعادة الاعتبار للحركة الوطنية وأن للفلسطينيين حركة تحرر وطني وليس سلطة لم تميز نفسها عن أي نظام عربي مستبد؟! وما هو مصير السلطة الوطنية والقدرة على الفصل بين مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير؟ وكيف ستجرى الانتخابات؟ وأي انتخابات؟ وهل الانتخابات للسلطة أم في جميع مؤسسات الشعب الفلسطيني التمثيلية؟ وأي برنامج سياسي؟ وأي مقاومة؟ وهل سيمنح الفلسطينيون فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ما دمره الاحتلال، والتفكير بصوت عال ومراجعة حقبة من الزمن أرهقتهم، وأثخنتهم قتلاً وجراحاً لم تلتئم؟ وهل ستبقى غزة الجبهة الوحيدة لمقاومة الاحتلال وبآلياتها النضالية والقذائف الصاروخية؟ وهل ستبقى غزة حقل تجارب لكل شيء؟ ولماذا لم يتم حتى الآن اتخاذ خطوات عملية لإنهاء الانقسام والإفراج عن المعتقلين السياسيين؟ ولماذا الاستمرار في تقييد الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير واحترام حقوق الإنسان الفلسطيني؟

الإجابة على الأسئلة وعدم الهروب منها وتأجيلها، هي خطوة أولى على طريق إتمام المصالحة والوحدة الوطنية، ومواجهة الاحتلال وإقامة دولتهم من أجل الحرية والاستقلال، ووهم القرار المستقل الذي عانى الفلسطينيون كثيراً، ولم يستطيعوا التمسك به جراء تحالفاتهم وثقتهم بوعود دولية وإقليمية مزيفة، ورهنوا أنفسهم بأنظمة باعت شعوبها من أجل مصلحة حكامها وأجنداتهم الشخصية، وارتباطهم بالمشروع الأمريكي الإسرائيلي.

مواجهة التحديات الداخلية التي ستجابه الفلسطينيين، قبل الخارجية المتمثلة بصفقة القرن وتصفية القضية، والتهديد والابتزاز الأمريكي والإسرائيلي والانقسام العربي، وتخاذل وجبن الموقف الأوروبي.

الأسئلة كثيرة ولم يملك أي منا تقديم حلول جامعة، في ظل مرحلة طويلة من الترهل وحالة التهميش والإقصاء وغياب القيادة الجماعية وتراجع العلاقات الوطنية وتشكيل الاصطفافات والولاءات والتفكير الجماعي الناقد، وتقديم رؤية سياسية وطنية تعمل على تفكيك العلاقات الانقسامية وتحديد رؤية توازن بين الممكن وغير الممكن، في ظل الواقع العربي والفلسطيني المأزوم والعلاقات الدولية والإقليمية ومواجهة التحديات داخلياً وخارجياً.

اجتماع الأمناء العامين قصة قديمه - جديدة لم تتغير، ولم يغير شيء، ولم يطرح القضايا المركزية للنقاش الجدي، والخوف قائم من بقاء طرفي المعادلة وأنهما هم من يحددا مسار المصالحة، إن تمت! الأهم هو البدء فوراً اتخاذ خطوات حقيقية لبدء المصالحة الحقيقية المبنية على الحقيقة والمصالحة والمكاشفة، والأهم حفظ كرامة الناس وصيانتها واحترام حقوق الإنسان الفلسطيني وإعادة الاعتبار له.

معيار نجاح المؤتمر ومخرجاته هو البدء فوراً في العمل، فمن غير المعقول الانتظار كل هذه الفترة من الزمن، والعودة مرة أخرى لتشكيل لجان كانت شكلت في السابق، وتم الاتفاق على وضع الأسس لها، فالأصل البدء فوراً التخلص من تركة الانقسام ونتائجه.

الانتظار لبدء عمل اللجان، فهذا لا يبشر بخير، يجب إقناع الناس بجدية الفصائل والقيادة من استمرار الاعتداء على الحريات واستمرار الاعتقالات وعدم الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين، وقمع الناس من التعبير عن أرائهم بحرية من خلال التجمع السلمي والاعتصام والتظاهر.

إن امتلاك اللحظة والحس الوطني والبدء بالتطبيق الفوري للاتفاق، لتوفير طاقات الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال ودحره، وصولاً للحرية وعودة اللاجئين والاستقلال وإقامة الدولة بمشاركة الكل الفلسطيني، هي نقطة البدء المطلوبة.