يوم 4/8/2020 فجعت بيروت بمشاهد انفجار "2750 طن من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار، كانت مخزنة في مرفأ بيروت منذ عام 2013.. سقط على أثرها حوالي " 177" شهيداً وأكثر من "6500 جريحاً", ولا يزال البحث يجري عن مفقودين, دُمّر المرفأ بشكل كامل, إضافة لتصدع وتضرر أكثر من " 3000 مبنىً سكنياً "بجوار المرفأ وتشريد أكثر من " 200,000 مواطن من قاطنيها".
"بيروت مدينة منكوبة ".. دمار هنا ومهجّرون هناك.. محاصرون بالخراب.. فماذا نقول؟ في الماضي لخص المتنبي مأساتنا، حين قال:
وسوى الروم خلف ظهرك رومُ فعلى أي جانبيك تميل
جروح وآلام اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين لم تعد تحصى, فمن الهمجية التي تنتقم من تاريخنا بتاريخنا, إلى الهمجية التي صدّرتها لنا العنصرية الأوربية على شكل ضحية تم تحولها إلى جلاد.. فسواء اتخذوا اسم "الدولة اليهودية " أم " الآفة الطائفية " لا فرق فنحن محاصرون من الجانبين, وخيارنا أن نحيا بكرامتنا.
توالت ردود الأفعال الدولية في اليوم الثاني وكان أول الواصلين إلى بيروت الرئيس الفرنسي ماكرون, فجال في شوارع المدينة وزار مكان الانفجار.. والتقى بالجموع الشبابية التي عبّرت له عن غضبها من الطبقة السياسية الفاسدة مطالبين بإجراء تحقيق دولي, ووعد ماكرون بعقد مؤتمر للمانحين لجمع المساعدات الطبية والغذائية والمالية.. كما وصل إلى بيروت وكيل وزارة الخارجية الأمريكية ديفيد هيل الذي أكد بدوره على ضرورة إجراء تحقيق دولي شفاف ونزيه, ثم تبعه وزيرة الدفاع الفرنسية السيدة فرانسوا كارلي, ترافقها سفينة حربية على متنها "700 جندي فرنسي" للتموضع في مدينة بيروت..
لعل أهم ردود الفعل الغاضبة كانت الحشود الشعبية التي ملأت الساحات والشوارع, فحاصرت المجلس النيابي, واقتحمت أربع وزارات "الخارجية, الاقتصاد, البيئة, والطاقة" مطالبة بإسقاط كل الطغمة الفاسدة بدءاً برئيس الجمهورية مروراً برئيس الحكومة وانتهاءاً بالمجلس النيابي, ودعا المتظاهرون إلى إجراء انتخابات مبكرة وصياغة قانون انتخابي عصري بعيداً عن المحاصصة الطائفية, إضافة لتشكيل حكومة كفاءات من المستقلين الذين لم يتورطوا بقضايا النهب والفساد وغسيل الأموال وتهريبها.
بتاريخ 17/10/2019 شهد لبنان موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية ضد نظام المحاصصة الطائفي وامتدت لأكثر من عشرة أشهر, وفي 4/8/2020 انطلقت مظاهرات شعبية جديدة تطالب بإسقاط ومحاسبة الطغمة الفاسدة المسؤولة عن هذه المآسي بما فيها تدمير مرفأ بيروت.. ملايين اللبنانيين أحسوا أنهم معنيون مباشرة بمواجهة الكارثة فنزلوا إلى الشوارع احتجاجاً وانتقاماً لأرواح الشهداء والجرحى والمهجرين الذين فقدوا أحباءهم ومنازلهم, وما جرى يمكن رؤيته كنوع من اللقاء بين سياق تراجيدي سوريالي لمعاناة شعب وبين حدث فجر الغضب الشعبي في لحظة تاريخية فكانت الانتفاضة "ذات الأبعاد الثورية"..
إنها اللحظة التي فتحت الطريق أمام الكثير من الطاقات والامكانيات, ومثل هذه اللحظات تتفرد دائماً بأشكال تبديها، بحيث أنها لا تكرر ما حدث في الماضي.. فالخصوصيات التاريخية والاجتماعية والسياسية تولد طرقاً متباينة في التغيير وفي الاحتجاج.. هذا بالرغم من القواسم المشتركة في الأهداف التي تسعى الشعوب من أجل تحقيقها.
حراك شبابي مستقل
لعب حراك الشباب اللبناني دور الصاعق في تفجير الغضب الشعبي.. ولعل أهم ميزات الحراك أنه لم يكن خاضعاً عند انطلاقته لوصاية القيادات الحزبية التقليدية, وبالتالي كان بعيداً عن حساباتها, ولم تكن له قيادات معروفة بل عدد من الأسماء المغمورة.
استطاع الشباب إثبات وجودهم على ساحة الفعل في بلدهم, ويمكن بهذا الصدد المقارنة مع ما كانت قد عرفته " كومونة باريس " عام 1871 التي استمرت ستين يوماً قام المعتصمون أثناءها ببناء نوع من الإدارة الذاتية للمدينة..
ما تثبته دروس التاريخ هو أن بناء أنظمة جديدة تحدث قطيعة نهائية مع المنظومات السابقة يجري في "الزمن الطويل" و ليس في "انقلابات سحرية" تغير طبيعة النظام بين ليلة وضحاها.. وليس هناك تحولات سريعة في التاريخ، فالجديد يولد بالضرورة من رحم القديم .. وهناك "فترة انتقالية" قد تطول بين الأفول التام للقديم والولادة الطبيعية للجديد.. ذلك أن هناك قوى سياسية محافظة "تقاوم"، أي انتقال حقيقي على خلفية قناعتها أن ذلك قد يكون بداية نهايتها, وبهذا المعنى يواجه الحراك الشبابي اللبناني آلام الولادة العسيرة لأفق تحرري هو بصدد محاولة التوجه نحوه, وسيكون عليه مهمات صعبة ليس أقلها صعوبة تعلّم ممارسة الديمقراطية في إطار بنى اجتماعية لا تزال تفعل بداخلها, بل ويحكمها إلى حد بعيد علاقات الولاء الطائفي والاثني والمذهبي والجهوي وما دون ذلك في أحيان كثيرة..
من أكبر المخاطر التي قد تؤدي إلى إجهاض الحراك الشبابي هو الاعتماد على الخارج والدخول في حسابات القوى الإقليمية والدولية التي لا تصب ولا يمكن أن تصب إلا في مصالح تلك القوى, فضلاً عن الشروخ التي قد تترتب على الدور الخارجي في تشتت الانتفاضة وبروز شخصيات مريبة تطمح بالوصول إلى السلطة.
لقد قالت جموع المنتفضين في وجه الطبقة السياسية الفاسدة والمستبدة: إن الشعب موجود وليس غائباً, كما أريد له, ولا شيء يمكن أن يمنع الشباب المنتفض من التعبير عن مواقفه وآرائه.. وكأن إثبات وجوده هو عنوان ديمومة انتفاضته.. وهناك ما يسمح بالاعتقاد الجازم أن الحراك الشبابي اللبناني ذو الأبعاد الثورية الذي بدأ في تشرين أول 2019 وتجدد في آب 2020 مرشح للاستمرار والتصاعد .
ما أثبتته هذه الجموع المنتفضة, وفيما أبعد من المسارات التي ذهبت إليها حركتها في مواجهة حسابات "أمراء الطوائف" وتلاعبها بالواقع وأشكال التدخل الخارجي, هو أن الشعب قادر دائماً على الفعل مهما كانت درجة النفاق والتدليس والقمع والتسلط التي تمارس عليه.. ومهما بلغت أدوات ذلك من سيطرة على الحياة العامة.
احتدام الصراع
بعد دماء كثيرة أريقت على الأرض العربية, بأيد عربية وبتحريض من دول عربية وإقليمية, بدأت ملامح مرحلة جديدة في بلدان "الموجة الثانية للانتفاضات العربية" .. فالإصلاح أو التغيير لا يستدعي هذا الكم الهائل من القتل المجاني الذي تقوم به "العسكرتاري" المتلحفة بالفاشية .
إنهم يستخدمون التصفية الدموية لمواطنين أبرياء بأساليب لا تقل بشاعة عن أساليب الفاشية والنازية, ويستوجب ذلك وقف حمام الدم في أكثر من بلد عربي, والدخول في مشروع إصلاحي متكامل تشارك فيه القوى الفاعلة من المعارضة والسلطة معاً, والتخلي نهائياً عن أسلوب العنف, وإراقة دماء العرب بأيد عربية.. ومن المثير للسخرية أن تفرض عقوبات اقتصادية من دول عربية على شعب عربي, أو تقطع الاتصالات والعلاقات الدبلوماسية والثقافية بين بعض الأنظمة العربية في وقت تبدو فيه معظم الدول العربية مندلقة على التطبيع مع العدو الصهيوني.. وكان أحرى بجامعة الدول العربية أن تدعو إلى التكاتف وتوحيد الطاقات والجهود في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية, لكن بعض الدول مستمرة في لعبة الدم التي تقودها رؤوس حامية متكسّبة من الفساد والاستبداد.. وتستدرج تدخلاً خارجياً لتنفيذ مشاريع سياسية تضر بمصلحة الشعوب.. بالمقابل يطالب عقلاء العرب ومتنوروهم بتفعيل النظام الإقليمي العربي, وتطوير برامج مشتركة في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعلمية.. وتراقب قوى التغيير الجذري بدقة القرارات التي تتخذها السلطات الانتقالية لمنعها من إعادة تشكيل دولة قمعية وفق صيغ جديدة.. فالقوى الشبابية المنتفضة التي أنتجت الموجة الثانية للانتفاضات العربية أخذت على عاتقها بناء دولة عصرية تقوم على التنمية والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة, ومنع قوى الثورة المضادة من وقف مسيرة الانتفاضة, رغم الدعم غير المحدود الذي تلقاه من جهات إقليمية ودولية.. فقد أسست الانتفاضات لحركة نضالية مفتوحة على جميع الاحتمالات, هدفها تمكين الشعب من الدفاع عن مصالحه بنفسه.. وهي تطالب بالخبز مع الكرامة إلى جانب نشر العلوم والتكنولوجيا المتطورة, واحترام الحريات الفردية والعامة, وبناء النظام الديمقراطي المستند إلى صناديق الاقتراع والنزاهة والشفافية, وتشكيل جبهة داخلية وطنية قادرة على حل مشكلات "الصحة, السكن, العمل, الأمية, الغذاء, الفقر, البطالة " وغيرها..!

