Menu

حظر التجوال في عهد الكورونا وعهد الاحتلال: بين إرادة السلطة وامتثال المواطن "واقع وحلول"

د. شاكر جودة

فرض منع التجول والتجوال - حظر التجول - منع الخروج من البيت - الإلزام القسري بالبيوت كلمات لها مدلولها السلبي المتراكم والراسخ في النفس البشرية لدى الشعب الفلسطيني، منذ تاريخ الاحتلال الأسود على فلسطين؛ فمنهم من عاش تلك الحقبة ومرارتها، ومنهم من وردت لأسماعهم حكايات وقصص تلك الحقبة بالتواتر من أشخاص عاشوها وتميزوا في رواياتهم لحكاياتها عن قصص منع التجوال وما أحاط بها من آلام و معاناة من جهة، وبطولات من جهة أخرى.. حقيقية ومن نسج الخيال أيضًا في كيفية رفضهم لمنع التجوال والتمرد عليه، وطرق خرقه تعبيرًا عن رفضهم للاحتلال وإجراءاته، وهناك من كان يمعن في سرد تفاصيل أدوار بطولة لمناضلين أبطال كسروا حظر التجوال،  وكيف كان المناضلين من الشباب يتسللون خفية للمساعدة في جمع المعونات الغذائية وإيصالها للمحتاجين، إضافة لمساعدتهم للمواطنين في قضاء حاجاتهم وتوفير الحماية لهم.. وهناك من كان يمعن في سرد قصص وحكايات شخصية لهم ولجيرانهم، كيف كانوا لا يمتثلون لقرارات حظر التجوال، وذلك لقضاء حاجاتهم وتسلية أوقاتهم، وكيف كانوا يتسللون خفية من بين الشوارع تارة وقفزًا على الجدران الفاصلة بين بيوتهم تارة أخرى، للخروج من بيوتهم والتجمع في بعض بيوت الجيران لتجاذب أطراف الحديث ولعب أوراق الشدة والسيجة، ولقضاء أوقاتًا ممتعة مع بعضهم. ومن الواضح للعيان أن التجمع في تلك المرحلة كان هدفًا وعنوانًا لكسر إرادة الاحتلال وعدم الانصياع لأوامره؛ هدفا تحقيقه محفوفًا بثلاثية من المخاطر لا رابع لها، إما أن تؤدى بمن يخترق منع التجوال للاستشهاد، أو الاعتقال والزج في المعتقلات، أو لتكسير العظام بحدها الأدنى، لكن وبالرغم من قسوة تلك الاجراءات القمعية لم تثنِ الجماهير الرافضة للواقع المفروض عليها والإبداع في أشكال وطرق رفضه لها، بل وشكلت بطولات لرفضها للإذعان لقرارات العدو الصهيوني.. ولا أعتقد بأن أحد سيختلف معي بأن كل ما جاء في تلك المرحلة من خرق لمنع التجوال كانت تعد بطولات لأصحابها محمودة، بالرغم كل ما صاحبها من خطورة وألم، وستبقى نقاط مضيئة في تاريخ شعبنا وطننا النضالي.  أما في الحالة الأخرى القائمة حاليًا؛ حالة فرض حظر التجوال والإغلاق على مناطق قطاع غزة وبدرجاته المتفاوتة؛ بسبب انتشار فيروس كرونا من قبل حكومة غزة، والذي جوبه بالاستهجان والرفض من البعض، وعدم الامتثال من قبل الجماهير معللة عدم تقبلها لفكرة رواية انتشار المرض  في بدايتها، انطلاقا من عدم ثقتها بالإعلام الفئوي الحكومي على اعتبار أنها أزمة تفتعلها الحكومة لإدارة أزماتها من خلالها؛ الأمر الذي ساهم في عدم امتثال المواطنين لأوامر فرض حظر التجوال، ومع تطور الحالة وتسارع وتيرتها وبدء توجيه الاتهامات من قبل حكومة غزة  للجماهير باللامسئولية، إضافة لزيادة الطين بلة بعملية استخدام القوة المفرطة وبوسائلها المتنوعة من قبل قوات الشرطة غير المؤهلة للتعامل الإنساني مع الجماهير بدون عنف، حيث أساءت استخدام السلطة الممنوحة لها، وتباينت تلك الاساءة بين عدة أشكال بين الصراخ والشتم والضرب وتوجبه الإهانات واعتقال كل من تطاله أيديهم وإلقاءهم فوق بعضهم مجتمعين على أرضية سيارات شرطة كبيرة وبأعداد كبيرة من البشر، دون الاخذ بالاحتياطات الخاصة بمنع انتشار الفيروس، وهذا السلوك يتنافى كليًا مع فكرة منع التجوال للمحافظة على صحة الناس، ومنع انتشار الفيروس, وما هو إلا تأكيدًا على قدرة الحكومة على فرض النظام بالقوة المفرطة، واستعراض لعضلات الحكومة على المواطنين. ولتعذرني الداخلية وشرطتها في ربطي للأحداث، بأن هذا السلوك المشين للشرطة كان يحاكي سلوك شرطة وجيش الاحتلال في فرضها لتطبيق نظام حظر التجوال، والذي أعاد للذاكرة الجمعية همجية سلوك الاحتلال في تطبيق اجراءات المنع، والذي كان له الدور الكبير في حفز الذاكرة الرافضة لهذا السلوك المشين ومقاومته بكل الوسائل.
عمومًا لم يكن هذا الأمر هو الوحيد المؤدي لزيادة رفض الانصياع لحظر التجوال والتحدي له، بل جاء إضافة للتراكمات الكمية للسلوك الحزبي الفئوي للحكومة وعملية قمع الحريات وتكميم الأفواه و فرض الضرائب واستئثار عناصر الحركة وحكومتها بالمناصب والوظائف حتى وظائف بنظام المياومة والبطالات منها، ناهيك عن التفرد بالحصول على كل ما يصل للقطاع من تبرعات وهبات ومعونات، إضافه لممارسات عنصرية أخرى لا يتسع هنا المجال لاستذكارها.. وجميع هذه المسلكيات العنصرية للحكومة أدت إلى رفع درجة شعور المواطن بأنه ليس شريكًا في هذا الوطن، بل هو مستغل ومن الدرجة الثانية في المجتمع؛ الأمر الذي أدى إلى عدم التزامه بتعليمات الحكومة.
عموما أعتقد بأن الغالبية ستتفق معي بإيجاد بعض العذر لمسألة عدم الالتزام في البدايات لعدم إدراكنا بحجم الخطر، أما اليوم فإن عدم الامتثال لحظر التجوال وعدم التزامنا بالبيوت وبالتعليمات الخاصة بالسلامة المجتمعية مهما كانت المبررات تعبر عن اللامسوؤلية الأخلاقية والوطنية تجاه شعبنا وأمتنا، فمن يحرص على الحفاظ على الوطن ومقدراته فليحرص على الإنسان وحياته كأهم مقدرات الوطن لتتمكن من الإبقاء على قضية الوطن وتحريره قائمة. وهنا يبقى التساؤل المهم في هذا الموضوع: هل سنقف منقسمين على أنفسنا كعادتنا مجموعة تكيل الاتهامات بارتباط المخالف مع جهات خارجية تعمل ضد الوطن ومجموعة أخرى تبرر هذا العمل المخالف وتعزوه لتراكمات سلوكيه عنصريه لدى الآخرين؟!! أكيد لا وألف لا..
إن امعاني في الوصف التاريخي للتشابه في بعض دوافع الرفض لدى الجماهير في حالتي منع التجوال؛ بسبب الكورونا وحالة منع التجوال بسبب التظاهرات ضد الاحتلال جاء بهدف تصوير الحالة التي تعصف بنا اليوم بشكل حقيقي للوصول الى الاسباب الحقيقية دون تحيز من وجهة نظري، والتي قد يختلف معي فيها البعض وربما الكثير،  لكنني أكاد أجزم، بأنه لن يختلف معي أحد في أننا جميعا نهدف لتحقيق مصلحة شعبنا ووطننا. ولا شك بأن الزيادة المضطردة لعدد المصابين بفايروس كورونا في قطاع غزة تعد مؤشرًا خطيرًا، وتؤكد على أن الاجراءات الحكومية وحدها لم تعد كافية لمحاصرة التفشي الخطير للوباء، من دون توفر درجة عالية من المسئولية المجتمعية وتضافر الأفراد والقيادات المجتمعية الشابة الحقيقية والمؤسسات الأهلية والشعبية على قاعدة الشراكة الحقيقية المجتمعية، وأهم ما نحتاج إليه هو الوعي المجتمعي لدى الأفراد  بضرورة  الالتزام بالبيت وأخذ الاحتياطات الصحية اللازمة لمنع تفشي المرض. وهذا ما دعاني لكتابة هذا المقال حرصًا منى على تقديم العديد من الاقتراحات والتوصيات للحكومة صاحبة القرار وللمواطن بشكل أساسي لأنه حجر الأساس في إنجاح عملية الالتزام بالتعليمات الصحية والأمنية للخروج من هذه الأزمة مجتمعين سالمين.
بالنسبة للحكومة بأجهزتها الأمنية والصحية والاغاثية والإعلامية نقترح التالي:
•        احترام عقلية المواطن عند تزويده بالمعلومات الضرورية للحفاظ علي نفسه أولًا، ثم على تعزيز دوره في حماية المجتمع، فإشراكه وتعزيز دوره في المحافظة على المجتمع يحفز الكامن لديه للدفاع عن مجتمعه.

•        تزويد المواطن بمعلومات حقيقة صادقه في مضمونها متجددة في توقيتها وموثوقة في مصدرها للتغلب على الإشاعة وإفقادها جدواها.
•        تزويد المواطن بإحصائيات حقيقية واقعيه عن توزيع عدد المصابين وخرائط الانتشار في المناطق بشكل دقيق، وعلى سبيل المثال "عملية ربط عدد المصابين في هذه الفترة القصيرة التي لا تتعدى شهر داخل قطاع غزة، لا يمكن ربطها بفترة ظهوره عالميًا؛ لأنها حتمًا ستؤدي لنتائج غير منطقية".
•        يجب بث برامج توعيه صحية ومجتمعيه للتأكيد على الالتزام عبر الفضائيات والمحطات المتلفزة والإذاعية والمكتوبة، وليست كالتي تبث حاليًا مع شخصيات سياسية ودينية مجتمعية ارتبطت بالسياسة وتلوثت بحزبيتها وفقدت تأثيرها وأهميتها، وتستبدل بعناوين جديدة لهذه البرامج؛ من قيادات محلية مجتمعية ولو حتى شخصيات مناطقية مغمورة ممن يقتنع بهم الشباب من أصحاب التأثير في المجتمع، ويفضل البعد كل البعد عن الشخصيات الحزبية جميعها لأنها فقدت تأثيرها المجتمعي ولم تعد أهلًا لثقة المجتمع.
•        رفع درجة إشعار المواطن بالشراكة المجتمعية والمساواة في الحقوق لكي يتنامى لديه الشعور بالالتزام بالواجبات، وهذا يحتاج من الحكومة إعادة دراسة احتياجات المجتمع الحقيقية بعيدًا عن الفئوية، وإعادة توزيع المنح والهبات بشكل يضمن وصولها لكل بيت دون الاستثناء.
•        إعادة النظر في عدالة الضرائب المفروضة والمخالفات وتلزيم الأسواق والأماكن العامة ومواقف السيارات بشكل يشعر المواطن بالعدل والمساواة.
•        رفع درجة الوعي السلوكي لدى أفراد قوات الأمن وإعادة تشكيل الوعي لديهم، بأنهم في مثل هذه الظروف يتعاملون مع أهلهم وليسوا مع أعداء الوطن، وعليه يفضل أن يكون على رأس كل مجموعة ضابط حكيم متخصص، ويفضل اصطحاب أحدًا من أهل الحارة المؤثرين مع الشرطة عند التجوال في حالات تطبيق فرض منع التجول.

•        يفضل أن يستعين جهاز الشرطة  ببعض من القيادات المجتمعية الشابة، ومن جيل الوسط لتشكيل جيش مدني للقيام بالمهمات الجماهيرية المجتمعية مثل التوعية وإقناع الجماهير للحد من رفض الانصياع لتطبيق فرض منع التجوال.
•        التعامل برفق واحترام بالغ الأهمية مع المصابين بالمرض عند استدعاء طواقم الصحة وقوات الأمن والاستعانة بخبراء نفسيين لتهدئة روع المصابين وطمأنة أهاليهم.
•        التعامل مع المريض عند احتجازه وحجره في البيت باحترام والنظر لاحتياجاته وتوفيرها بسرعة، كي لا يشعر بأنه مجرم ومعاقب هو وأهله،  حيث يجري التعامل مع من سبق كأنهم مجرمين تحت طائلة اللوم هم وأهلهم، بل ويشهر بهم، ويتم التقاعس عن تلبية طلباتهم.
•        يجب التعامل مع المريض الذي يتم حجره في المشفى بنوع زائد من الاهتمام، فهو ليس مجرم ولا معاقب، والجميع يدرك بأنه ليس هناك دواء لعلاج هذا الفيروس سوى تقوية المناعة، وأهم علاج لتقوية المناعة بجانب بعض العلاجات هو تحسين الحالة النفسية للمريض، ليس كما يجري مع المحجورين وفق رواياتهم؛ "إن ما نسمعه من بعض المرضى بأنهم محجورين في مدارس بجوار المشفى الأوروبي دون اهتمام".
•        تشجيع المواطن المصاب على الإسراع للاتصال بالأرقام المعلنة من قبل وزارة الصحة والداخلية لفحصه وأخذ عينة منه، وذلك من خلال رفع درجة شعور المواطن المصاب بالأمان له ولأهله في حال اكتشاف المرض لديهم.
آملين أن تسمع مقترحاتنا آذان المسئولين لما فيه مصلحة مجتمعنا ووطننا.
بالنسبة للمواطن:
إن كل هذه الإجراءات والتعليمات وحظر التجوال والجهود المبذولة هي للمحافظة فقط عليك وعلى صحتك، يا من ترفضها وتتمرد عليها احتجاجًا على ظلمك وانتهاك حقوقك ومصادرة رأيك، فهل يعتقد من يرفض الالتزام بالتعليمات احتجاجًا بأن هذا الاحتجاج سيكون ذو فائدة بعد دوره السلبي في سرعة تفشي المرض المؤدى للموت المحقق للجميع؟!! الاجابة أكيد لا ..  لذلك يا ابن وطني احرص على أن تبقى حًيا، كي تطالب بحقوقك وتعزز دور الجماهير من حولك، فالوطن وديمومة قضيته في أمس الحاجة لبقائك مع كافة مقدرات وطنك؛ فاحرص على البقاء حيًا في وطنك، وعزز حرصك بالالتزام بتعليمات الصحة والسلامة؛ التزم في البيت ولا تغادره، إلا مضطرًا، وشجع الجميع البعد قدر الإمكان عن التجمعات العائلية في البيوت لأنها الشرارة التي تساهم في الانتشار السريع للوباء.
أبناء وطني.. حافظوا على أنفسكم وما تبقى من امتداد نسلكم لأجل حرية وطنكم؛ إنه مسؤولية وطنية وأخلاقية جماعية.