المناشدات المتكررة التي تطلقها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) حول أزمتها المالية، لا تلقى آذان صاغية لدى الدول المانحة والمؤسسات الدولية المعنية وعموم المجتمع الدولي، وبينما تشتكي أونروا من عجز في موازنتها لهذا العام يفوق ٣٥٠ مليون دولار، ذلك باعتبار إمكانية تنفيذ الدول المانحة لتعهداتها كاملة، في حين أن الوقائع تشير لتملص عديد من هذه الدول من تعهداتها ومن بينها الدول العربية التي كانت قد تعهدت في مرات متعددة خلال السنوات الماضية، بسد العجز الذي خلفه حرمان أونروا من المساهمة المالية الأمريكية.
هذا الواقع يعكس بالأساس الوجهة السياسية لدى الإدارة الأمريكية بتصفية دور ووجود أونروا كجزء من مساعيها لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهو أمر لا تخفيه هذه الإدارة، بل عبرت عنه بوضوح؛ مؤكدة ميلها لتحويل ملف اللاجئين الفلسطينيين لمفوضية اللاجئين لدى الأمم المتحدة، بكل ما يعنيه ذلك من انتقاص من خصوصية وضع اللاجئين الفلسطينيين والدور المنوط بأونروا وحيثيات القرار الأممي الأساسي بإنشاء هذه الوكالة أعقاب النكبة الفلسطينية. رهان الإدارة الأمريكية وحليفها الصهيوني هو على تصفية دور أونروا من خلال الضغط المالي، وتقليص سلة الخدمات، بل والمساس بقدرتها على الحفاظ على هيكليتها الرئيسية، ويتلاقى مع ذلك المانحين الناكصين عن التعهدات والمحجمين عن تغطية النقص الكبير في موازنة الأونروا.
في ضوء ما سبق، فإن المطلوب من الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة أن تعمل على خلق آليات ملزمة للدول المطلوب منها استحقاق مالي لهذه المؤسسة الدولية التي أنشئت لرعاية مصالح اللاجئين الفلسطينيين أثر النكبة عام 1948، بقرار أممي، وعدم التغطية على دور الدول التي لا تقدم الالتزامات التي عليها أن تؤديها تجاه مؤسسة الأونروا.
إن الالتزام الجذري بحقوق اللاجئين الفلسطينيين السياسية والإنسانية، كما الالتزام بحقيقة جوهرية حول الإنسان وحقه في العيش الكريم، يقود بالضرورة لرفض هذه السياسات التي ترمي لتصفية عمل الأونروا، والعمل ضدها بكل قوة ودون مواربة، والسعي لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته وتحت ضغط حقيقي يتم تشكيله على أساس تضامن الشعوب ومواقفها المناصرة لحقوق اللاجئين الفلسطينيين.
قضية تمويل أونروا وموازنتها ليست قضية مالية، تعالج وفقًا للمفهوم التقني الإداري، ولكن بالأساس قضية حقوق تعالج في إطار الاستحقاق الإنساني والسياسي. فلا يمكن أبدًا التجاوز عن أن دور الأونروا يتعلق بالواقع المؤقت للاجئين في المخيمات ومناطق اللجوء، فيما المعالجة الأساسية تتعلق بعودتهم لقراهم ومدنهم التي هجروا منها، وإذا كان الأسرة الدولية تعلن فشلها عن إعاشة هؤلاء اللاجئين، فإن الواجب الحالي هو إعلان هذه الحقيقة، وإشهار البديل الوحيد الممكن وهو عودتهم لقراهم وبلداتهم التي هجروا منها وتغريم العدو الصهيوني نظير معاناتهم واستخدامه أملاكهم وأراضيهم طيلة السنوات الماضية.

