Menu

بعد مرور 27 عاماً على اتفاقات أوسلو:

نحو استراتيجية فلسطينية تستجيب لتحديات مسلسل التطبيع الرسمي العربي وصفقة القرن التصفوية

عليان عليان

نُشر هذا المقال في العدد 18 من مجلة الهدف الرقمية

تحل الذكرى أل (27) لاتفاقات أوسلو، في ظل تطورات التطبيع المتسارعة مع العدو الصهيوني التي ابتدأت مؤخراً بتوقيع البيان الثلاثي الأمريكي الإسرائيلي الإماراتي، وتلاه البيان الثلاثي الأمريكي الإسرائيلي البحرين ي، ليصار ترسيمهما في واشنطن في سياق احتفالي وبهرجة إعلامية، على النحو الذي تم فيه التوقيع على اتفاقات أوسلو المشؤومة، في حين يعلن  الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ بأن اتفاقات قادمة للتوقيع مع (6-7) دول عربية أخرى تنتظر الدور، للدخول في حظيرة التطبيع، بأعلى درجاته مع الكيان الصهيوني.

وتأتي هذه الهرولة التطبيعية الرسمية العربية، في سياق صفقة القرن الصهيو أميركية السعودية، لتكشف (أولاً) أن هذه الأنظمة هي الحامل الرئيسي الإقليمي لتطبيق صفقة القرن التصفوية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثامن والعشرين من كانون ثاني (يناير) الماضي. و(ثانياً) لتكشف أن الجامعة العربية هي من توفر الغطاء السياسي لهذا التطبيع، بعد أن تراجعت عن مهزلة وكذبة "مبدأ الأرض مقابل السلام" الذي طالما وثقت  وتغنت به القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، حين صوتت معظم الدول العربية ضد مشروع الإدانة الفلسطيني لمسلسل التطبيع، بينما – وللأسف – راحت دول كنا نثق فيها لتعلن تحفظها فقط، مثل الجزائر- بلد المليون شهيد، ولبنان و العراق وتونس التي أشبعنا رئيسها خطباً في محاربة التطبيع.

العامل الفلسطيني ودوره في إفشال مؤامرة التطبيع الرسمي

أمام هذه التطورات ينتصب السؤال: ما هو دول العامل الفلسطيني منظمة وفصائل للتصدي لهذا التطور الخطير؟

وفي الإجابة على هذا السؤال، كان يجب على مؤتمر الأمناء العامين للفصائل (أولاً) إجراء مراجعة نقدية لتجربة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية على مدى (27) عاماً منذ  توقيع اتفاقات أوسلو، التي ألحقت أكبر الضرر بالقضية الفلسطينية. (وثانياً) ليصار بعد ذلك إلى  وضع استراتيجية كفاحية تستجيب لهذه التحديات، خاصة بعد الإعلان عن صفقة القرن في صيغتها النهائية، وبعد قرار حكومة العدو الصهيوني ضم ما يزيد عن (30) في المائة من مساحة الضفة الغربية.

لكن اجتماع الأمناء العامين للفصائل، لم يجرِ أي مراجعة نقدية جادة لتجربة منظمة التحرير الأوسلوية على مدى (27) عاماً، ومن ثم فإن بيانه الختامي رغم تضمنه نقاطاً إيجابية بشأن تشكيل لجان للمصالحة وترتيب البيت الوطني الفلسطيني وتشكيل قيادة موحدة للمقاومة الشعبية...الخ؛ إلا أن هذا البيان تجاهل قضايا جوهرية، وشكل هروباً للأمام بصددها، فهو لم يأتِ على ذكر الموقف من نهج التسوية، والرهان الجديد على الرباعية الدولية الذي أعلن رئيس السلطة الفلسطينية "أبو مازن"  تمسكه به في كلمته الافتتاحية، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى سحب الاعتراف بالكيان الصهيوني وحقه في الوجود، ولم يشر إلى قطع العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية معه، ما يعني أن جوهر اتفاقات أوسلو لا يزال قائماً.

 كما تجاهل البيان، حقيقة أن المقاومة بكل أشكالها وعلى رأسها الكفاح المسلح والفعل الانتفاضي الجماهيري، هو الذي يرفع الكلفة الأمنية والبشرية والاقتصادية للاحتلال، وهو الذي يفرمل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وهو الذي يضع العصي في دواليب التطبيع الرسمي العربي، وفي الذاكرة كيف أن انتفاضة الأقصى (2000-2005) لعبت دوراً مركزياً في فرملة التطبيع العربي الرسمي بعامة، والخليجي بخاصة.

كما لم يأتِ البيان، على الموقف من تطبيع السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني الذي وصل إلى مرحلة متقدمة، والذي سهل الأمر على القوى الرجعية لأن تتذرع به لتمارس التطبيع في أعلى مستوياته.

لقد تبارى الأمناء العامون ، في توصيف هرولة التطبيع بأنه خيانة وطعنة في الظهر والخصر ، باستثناء ما ورد في كلمتي أبو أحمد فؤاد – نائب الأمين العام للجبهة الشعبية، وزياد نخالة – الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي- اللذان أكدا أن جوهر المسألة هي اتفاقات أوسلو وما نجم عنها من الاعتراف بالكيان الصهيوني، وأنه بدون إلغائها لن تتم المصالحة ولن يستقيم النضال لحماية القضية من التصفية.

ولا أجافي الحقيقة إذ أقول، بأن كونفرنس الأمناء العامون "بيروت ورام الله"، هو محصلة اتفاق بين حركتي فتح وحماس جرى طبخه على نار هادئة، منذ اللقاء الأول الذي جمع جبريل الرجوب – أمين سر حركة فتح- وصالح العاروري – نائب رئيس حركة حماس - في الثاني من شهر تموز (يوليو) الماضي، بشأن تشكيل لجنة للمصالحة، ولجنة لترتيب البيت الوطني الفلسطيني، على قاعدة إجراء انتخابات للمجلسين الوطني والتشريعي وفق مبدأ التمثيل النسبي، تشارك فيهما  فصائل منظمة التحرير وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ومن ثم فإن حضور بقية الفصائل،كان بمثابة إخراج لهذا الاتفاق دون أن يكون لها دور في صياغته.

ما يجب الإشارة إليه، أنه رغم الزفة الإعلامية التي واكبت هذا الكونفرنس، ووصفه بأنه لقاء تاريخي؛ إلا أن طيفاً واسعاً من الشعب الفلسطيني، لم يعد يثق بالوعود والآليات الناجمة عنه وفي ذهنه سلسلة اتفاقات المصالحة: (القاهرة 2012)، (الدوحة 2013)، (مخيم الشاطئ 2014)، (بيروت 2017) التي وضعت على الرف، دونما تنفيذ، جراء صراع المحاصصة على كيان هزيل تحت الاحتلال، ناهيك أن العبرة – كما قال الرفيق أبو أحمد فؤاد - تكمن في التنفيذ.

مراجعة مكثفة لاتفاقات أوسلو : "الاتفاقات  محطة أولية لصفقة القرن"

كنا نتوقع من كونفرنس "الأمناء العامون"، أن يتم وضع عناوين للخطة الاستراتيجية  القادمة لمواجه تحديات المرحلة، وأن يجري عصف فكري حولها، تبدأ بمراجعة نقدية جريئة لمسار أوسلو التسووي، قبل وضع خطة المواجهة، لكنا سمعنا كلاماً وخطباً، لا  تسمن ولا تغني من جوع فحواها "بأننا لسنا معنيين بالعتاب وجلد الآخرين، وأننا أبناء اليوم ولا داعي للانشداد للماضي"، فمثل هذا الكلام الذي يصلح للعطوات العشائرية وتبويس اللحى، لا يصلح لقضية وشعب يعيش مرحلة تحرر وطني، ولا يصلح لشعب قدم آلاف الشهداء وما يزيد عن مليون أسير في سجون الاحتلال منذ عام 1967، إذ أنه بدون مراجعة تلك المرحلة البائسة، يصبح الحديث عن خطة استراتيجية مجرد ملهاة ونوع من الدوران في حلقة مفرغة.

ورغم أن الحديث عن اتفاقات أوسلو أشبع بحثاً على مدى (27) عاماً، فلا بأس من إجراء مراجعة مكثفة لهذا الاتفاقات، وما جرته على شعبنا وقضيتنا من مآسي، لنؤكد على مسألة أساسية لا يجوز إغفالها، بأن اتفاقات أوسلو ومشتقاتها من المنظور الصهيو أميركي، كانت المحطة الأولية لصفقة القرن، بحكم أن الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني وظفا هذه الاتفاقات لتهويد الأرض وزرع مئات المستوطنات، ولحصد المزيد من التنازلات، ما أغرى الإدارة الأمريكية لطرح صفقة القرن بالاعتماد على أدواتها الإقليمية، خاصة وأن أن قيادة المنظمة ترفض مسار المقاومة، وتضع كل البيض في السلة الأمريكية،
وبهذا الصدد أشير إلى ما يلي:


أولاً: أن قيادة المنظمة اعترفت في رسائل الاعتراف المتبادل (بإسرائيل)، وبحقها في الوجود وأعلنت عن تخليها عن المقاومة "نبذ الارهاب"، ما يعني ضمناً الإقرار بالرواية اليهودية الزائفة في فلسطين، ووصف مقاومة شعبنا على مدى قرن بالإرهاب.

 وفي إطار "اتفاقات أوسلو" المذلة، التزمت حكومة السلطة بنهج التنسيق الأمني مع الاحتلال ووصفته "بأنه مقدس"، وحالت لاحقاً دون اندلاع انتفاضات جماهيرية، مع ضرورة الإشارة هنا، إلى أن التنسيق الأمني منصوص عليه بعبارات مختلفة في اتفاقات أوسلو، وفي اتفاقي الخليل واي ريفر، وفي تفاهمات تينيت وميتشيل، وفي خارطة الطريق وتفاهمات أنابوليس.

ثانياً: انسجاماً مع نهج أوسلو، مارست السلطة الفلسطينية أعلى درجات التطبيع مع الكيان الصهيوني على الصعد كافة، وفي هذا السياق وقفت قيادة السلطة ضد حركات مقاومة التطبيع في الوطن العربي التي عملت على تجريم كل من يزور الأراضي المحتلة، بما فيها القدس عبر تأشيرة أو موافقة من العدو الصهيوني، حين دافعت عن مثل هذه الزيارات تحت مبرر زائف: "أن زيارة المسجون لا تشكل تطبيعاً مع السجان".

ثالثاً: وصل التمادي التطبيعي مع العدو الصهيوني، بأن قيادة السلطة والمنظمة شكلت لجنة تطبيعيه تحت مسمى "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي"، والأخطر من ذلك أن العديد من القيادات الفلسطينية بنت علاقات صداقة وشراكة مع مسؤولين إسرائيليين، ووصلت الأمور بمسؤولين في السلطة، أن يشاركوا في مؤتمرات هرتزيليا الصهيونية المعنية بوضع توصيات بشأن باستراتيجيات أمنية وتوسعية للكيان الصهيوني.

لا يتسع المجال هنا للتوقف أمام الأخطار التي لحقت بالشعب الفلسطيني وقضيته جراء اتفاقات أوسلو والاتفاقات المشتقة منها، فقط نشير أن أوسلو شكلت غطاءً للتهويد والاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وغطاءً للتفريط بحق العودة، عندما رحلت قضايا الحل النهائي المتعلقة بقضايا القدس واللاجئين والاستيطان، دون إسناده بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وتركت أمر البت فيها للمفاوضات ولميزان القوى الذي يميل بشكل صارخ لمصلحة الكيان الصهيوني.

المطبعون وشعار: لسنا ملكيين أكثر من الملك

يضاف إلى ما تقدم، فإن تداعيات خطيرة نجمت عن نهج واتفاقات أوسلو أبرزها:

أولاً: أن اتفاقات أوسلو، كانت بمثابة النكبة الثانية للشعب الفلسطيني بعد نكبة عام 1948، وإذا كان وعد بلفور "أعطى من لا يملك وعداً لمن لا يستحق" فإن اتفاقات أوسلو "أعطت من يملك وعداً لمن لا يستحق".

ثانياً: أن (إسرائيل )تمكنت من خلال هذه الاتفاقات، من تحقيق اختراق دبلوماسي وإنهاء العزلة عنها؛ إذ تمكنت من إقامة علاقات دبلوماسية مع عشرات الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بعد أن كانت هذه الدول ترفض إقامة علاقات معها.
كما أنها سهلت مهمة العديد من مفاصل النظام العربي الرسمي-
الوالغة أصلاً في التطبيع من تحت الطاولة وفق دورها الوظيفي- في إقامة علاقات دبلوماسية وتطبيعيه كاملة مع الكيان الصهيوني، دون اشتراط انسحاب الكيان الصهيوني من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة  ولسان حالها الزائف يقول: "لسنا ملكيين أكثر من الملك، ولسنا بكاثوليك أكثر من البابا".

ولم يقتصر الأمر على التطبيع في أعلى مستوياته، بل أن السعودية ومن يدور في فلكها في مجلس التعاون الخليجي، باتت تجاهر بالتحالف مع الكيان الصهيوني ضد عدو وهمي (إيران)؛ ناهيك أن مفردات وتفاصيل هذا التحالف، تصب في خانة التآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته، بهدف تصفيتها وفق الشروط الصهيو أميركية.

ثالثاً: إن التزام قيادة المنظمة وتغنيها بمبادرة السلام العربية "الأرض مقابل السلام"؛ سهلت مهمة العديد من الكيانات الوظيفية للدخول في معادلة "السلام مقابل السلام" أو " السلام مقابل الحماية"، وكان على قيادة المنظمة أن تدرك، أن المبادرة كانت بمثابة فخ منصوب للحقوق والثوابت الفلسطينية، لا سيما وأن السعودية وأدواتها خاضت معركة في مؤتمر قمة بيروت عام 2002 لشطب حق العودة، لولا تصدي الرئيس "إيميل لحود" الذي أصر على تثبيت هذا الحق رافضاً الضغوط الأمريكية عليه، ومع ذلك جاء النص الخاص بحق العودة هزيلاً على نحو "حل عادل متفق عليه مع (إسرائيل) وفق القرار 194"، ما يعني أن العدو الصهيوني طرف في تحديد عدد اللاجئين المسوح لهم بالعودة. ورغم ذلك كله رفضت حكومة العدو هذه المبادرة، سواءً في عهد شارون أو في عهد نتنياهو، واعتبرتها بأنها لا تساوي مداد الحبر الذي كتبت فيه.

رابعاً: أن مسلسل التنازلات الوارد في اتفاقات أوسلو وملاحقها، أغرى إدارة ترامب ونتنياهو لحصد المزيد من التنازلات، ولطرح صفقة القرن، ولا نبالغ إذ نقول أن اتفاقات أوسلو في المنظور الصهيو أميركي، شكلت المحطة الأولية ل "صفقة القرن".

اشتراطات تعجيزية وإذلاليه لقيام دويلة الأرخبيل

ما جاء في صفقة القرن من اشتراطات تعجيزية  ذات طابع تصفوي وإذلالي، لإقامة دويلة فلسطينية، على جزء يسير من الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد مرور أربع سنوات على الصفقة، تكون على شكل أرخبيل مقطع الأوصال، يمر خلاله الفلسطينيون من خلال جسور وأنفاق، تكون مفتاحيها بيد العدو الصهيوني، كان بمثابة جائزة الترضية المذلة للقيادة الفلسطينية المتنفذة؛ إذ اشترطت الإدارة الأمريكية: أن يقوم الجانب الفلسطيني الرسمي بما يلي: الاعتراف بيهودية الدولة/ الاعتراف ب القدس بشطريها عاصمة ( لإسرائيل)/ الموافقة على تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً بين العرب واليهود/ الموافقة على إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين/ القبول بعدم وجود سيادة للدويلة الفلسطينية على الأرض وفي البحر والجو/ عدم وجود حدود للدويلة مع الأردن/ القبول بضم منطقة المثلث الفلسطينية في مناطق 1948 للدولة للتخلص من الديمغرافيا الفلسطينية/ القبول بضم منطقة الغور وشمال البحر الميت (لإسرائيل )/ أن تعلن السلطة الفلسطينية الخروج من كافة الاتفاقات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، وأن لا تسعى للدخول لاحقاً في أي اتفاقية أو منظمة دولية  إلا بموافقة إسرائيلية/ وأن تتوقف نهائياً عن دفع رواتب الأسرى وأسر الشهداء... الخ.

ما العمل في مواجهة هذه التحديات؟

حسناً أن رفضت قيادة المنظمة والسلطة هذه الشروط التعجيزية، وحسناً أن حصل إجماع وطني فلسطيني على رفض هذه الصفقة جملةً وتفصيلاً، وحسناً هذا الموقف الجماعي الفلسطيني الرافض بقوة لقرار ضم ما يزيد عن (30) في المائة من مساحة الضفة الغربية، لكن التحدي الأخطر الذي يتكامل فيه دور الإمبريالية الأمريكية، مع دور الكيان الصهيوني مع دور الرجعيات العربية التي نقلت التطبيع إلى خانة التحالف ضد محور المقاومة وضد القضية المركزية للأمة العربية، يستدعي استراتيجية واضحة المعالم تقوم على ما يلي:

أولاً: مغادرة نهج التسوية نهائياً الذي جرى تكريسه ابتداء في مبادرة السلام الفلسطينية في الدورة أل (19) للمجلس الوطني الفلسطيني التي شكلت البوابة الرئيسية للعبور إلى اتفاقات أوسلو  في 13 أيلول ( سبتمبر) 1993.

ثانياً: إعادة الاعتبار للميثاق الوطني الفلسطيني الذي ينص على تحرير كامل الأرض الفلسطينية، والذي جرى إلغاء مواده الأساسية في دورة المجلس الوطني في قطاع غزة عام 1996.

ثالثاً: التأكيد على استراتيجية المقاومة بكل أشكالها وفي المقدمة منها الكفاح المسلح، وعدم الاكتفاء بالمقاومة الشعبية التي فرضتها القيادة المتنفذة في منظمة التحرير، بالتوافق مع حركة حماس في اجتماع أمناء الفصائل.

رابعاً: إعادة النظر بخارطة التحالفات، بعد انكشاف حقيقة الدول الرجعية وتحالفها العلني مع الكيان الصهيوني، بحيث يكون تحالف منظمة التحرير مع القوى الداعمة للنضال الفلسطيني وعلى رأسها (أطراف محور المقاومة) الذي يضع على سلم أولوياته دعم المقاومة الفلسطينية واستراتيجيتها الكفاحية التحريرية.

وتحضرني في هذا السياق، وأنا أتحدث عن التحالفات، استراتيجية الجبهة الشعبية عام 1969، التي أكدت على أن رسم استراتيجية التحرير، يجب وبالضرورة أن تستند إلى تحديد معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء، حين صنفت معسكر الأعداءبأنه يشمل قوى الاستعمار  والإمبريالية والصهيونية والقوى الرجعية.

خامساً: إعادة الاعتبار للعمق الشعبي العربي، وللتحالف مع قوى التحرر الوطني والقومي العربي، وإعادة الاعتبار للعلاقات التحالفية مع قوى التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتوطيد العلاقات مع كل القوى الدولية التي تؤكد على  الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وخاصةً (روسيا والصين)، رغم التباين معهما في العديد من الأمور التي تتصل بجذرية القضية الفلسطينية.

سادساً: التأكيد بقوة على أن الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس صراع حدود، وأن سمة هذا الصراع كانت وستظل معه سمة تناحرية بامتياز.

هذه العناوين في تقديري هي عناوين أساسية لمواجهة تحديات التصفية، بعد أن وضعت إدارة ترامب والكيان الصهيوني والرجعيات المطبعة السكين على عنق الشعب والقضية، وأما الحديث عن برنامج حد أدنى في هذه المرحلة، فإنه لا يستجيب لتحديات المؤامرة الكبرى على القضية الفلسطينية.

وقد يرد البعض في اليمين الفلسطيني وحلفائه من الليبراليين في بعض فصائل اليسار الفلسطيني، بأن هذه العناوين تنطوي على قدر من المغالاة ولا يمكن تنفيذها، وهذا أمر متوقع، لكن الرد عليهم يكون بطرح السؤال عليهم: ما البديل ؟ هذا السؤال الذي جرى طرحه على القوى الرافضة لاتفاقات أوسلو، عندما جرى توقيعها في باحة البيت الأبيض عام 1993.

وفي تقديري أن القوى المعنية بطرح البديل المقاوم، على قاعدة العناوين الاستراتيجية السابقة يتوجب عليها أن تشكل جبهة وطنية عريضة في إطار منظمة التحرير، لتحويل هذه العناوين إلى برنامج عمل تفصيلي، وأن لا ترتهن لطروحات اليمين والليبراليين، ولقوى الكومبرادور التي تشكلت في ظل اتفاقات أوسلو والسلطة الناجمة عنها.