Menu

أسرانا أيقونة الصمود والتحدي وعهد الأوفياء

طارق أبو بسام

تزاحمت الأفكار في رأسي اليوم عندما فكرت أن أكتب، موضوعات عديدة وكثيرة وجميعها هامة؛
تساءلت، هل أكتب عن التطببع؟ وأين وصلت حالة الانحدار والسقوط لبعض الانظمة العربية؟!
أم أكتب عن اجتماعات القيادة الفلسطينية التي حصلت، وتلك المنتظرة؟ وماذا حققت؟ وأين نحن من جدية المواجهة في البرنامج والعمل؟ وأين الالتزام بما تقرر؟ هل أكتب عن الانتخابات الأمريكية والصراع الدائر بين قطبي المواجهة ترامب و بايدن، وعن رهانات بعض أصحاب القرار في منظمة التحرير والسلطة على ذهاب ترامب وقدوم بايدن؟ هل أكتب عن كورونا وموجتها الثانية وما حملته معها من حصد لمزيد من الأرواح والإصابات الكثيرة؟ هل أكتب عن الصراع الدائر في منطقة ناغورنو كاراباخ وأثاره في لعبة الصراع والنفوذ الدوليين؟
ورغم أهمية جميع هذه الموضوعات، وبعد حوار مع الذات، قررت أن أكتب عن موضوع ملح وخطير ويكتسب أهمية خاصة في هذا الوقت بالتحديد، بعد مرور 85 يومًا، على الاضراب الذي يخوضه البطل ماهر الأخرس عن الطعام مطالبًا بحريته، وبعد أن باشر العشرات من أبطال الجبهة الشعبية؛ خوض معركة عهد الأوفياء في دخولهم اضرابًا مفتوحًا عن الطعام تضامنا مع الأسيرين الأخرس ووائل الجاغوب؛ من أجل إطلاق سراحهم وكافة المعتقلين.
أكتب اليوم عن الأسرى في سجون العدو والذين قضى الكثير منهم؛ أكثر من نصف عمره وراء القضبان وتجاوز البعض منهم أكثر من 30 عامًا؛ أكتب عن عمالقة الصبر والتحدي والذين يعجز الصبر عن صبرهم ويعجز العدو عن تحدي إرادتهم.
إن ما يقوم به الأسير ماهر الأخرس ورفاق الجاغوب ليس غريبًا عن تاريخ الحركة الأسيرة ونشاطاتها في مواجهة إجراءات الدولة الصهيونية... إن تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية مليء بمثل هذه الوقفات، وليست هذه المرة الأولى التي يضرب فيها أسير عن الطعام أو تقوم مجموعة من الأسري بفعل ذلك.
إننا من موقع التضامن الكامل مع أسرانا الأبطال نقول لهم؛ التحية كل التحية لكم، والتقدير كل التقدير والدعم كل الدعم وأنتم من يستحق ذلك... لقد رفعتم رؤوسنا عاليًا بوقفات العز التي تمثلون، ونؤكد لكم أننا مقصرون معكم ومهما قدمنا لكم سيبقى أقل مما نستطيع وأقل مما تستحقون.
ومن موقع الصراحة المطلقة نقول، أن القيادة الفلسطينية قصرت معكم، ولم تعطِ هذا الموضوع حقه أثناء مفاوضاتها مع العدو، بل إنها لم تتكرم حتى بالإشارة لهذا الموضوع؛ انظروا ماذا قال شمعون بيرس رئيس الوزراء السابق في دولة العدو ومهندس اتفاقية أوسلو وعرابها؛ ففي مقابلة تلفزيونية مع القناة الإسرائيلية الثانية، في عام 2003، بمناسبة الذكرى العاشرة لتوقيع اتفاقيات أوسلو قال: "جئت للمفاوضات وللتوقيع على اتفاقية أوسلو وأنا أحمل ملف الأسرى بين يدي، وكنت أتوقع أن تتم إثارة  هذا الموضوع، إلا أن هذا الأمر لم يحصل، ولم يطالبنا أحد بذلك، ولو بالإفراج عن أسير واحد، رغم كوننا كنا مستعدين للإفراج عن كافة المعتقلين في السجون آنذاك".
ألا يدلل ذلك على حجم التقصير الكبير وعدم إعطاء هذا الملف ما يستحق، وللأسف الشديد أن هذا الملف ما زال يدار من قبل القيادة بطريقة خاطئة، ولا يوجد لديها برنامج لمتابعة ذلك، وأن ما تقوم به أحيانًا لا يعدو كونه رد فعل على اضراب هذا الأسير أو مجموعة من الأسرى عن الطعام أو استشهاد أحدهم في السجون نتيجة للتعذيب والإهمال الطبي، وبقيت التحركات القيادية والشعبية للتضامن مع الأسرى موسمية وبعيدة عن البرمجة والتخطيط، ولا توازي الحد الأدنى من تضحياتهم.
لقد عجزت القيادة الفلسطينية عن متابعة هذا الملف، كما أوصلت المواطن الفلسطيني إلى حالة كبيرة من الاحباط واليأس بفعل ممارساتها، وقد انعكس ذلك سلبًا على حركة الجماهير في الشارع، وهنا نسأل القيادة ماذا قدمتم للأسرى؟ إنه لمن المخجل والمعيب أن بعض القيادات تتضايق من الحجر الصحي لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع وتتناسى أن بعض الأسرى مضى على الكثيرين منهم سنوات عديدة في الاعتقال، ويعيشون في ظروف أسوأ بكثير وبما لا يقاس مع ظروف الحجر الصحي. عدا عن ذلك ورغم مرور 85 يومًا على إضراب البطل الأخرس عن الطعام، لم نسمع أن قيادة المنظمة والسلطة دعت للإضراب ولو ليوم واحد عن الطعام، تضامنًا معه، ولم نسمع أن فصيلًا فلسطينيًا دعا قيادته إلى ذلك، كما إننا لم نسمع بقائد فلسطيني واحد مارس ذلك وهذا أضعف الايمان!
أليس من المخجل أن تقوم  أجهزة السلطة الأمنية بدخول مقرات الصليب الأحمر في رام الله وجنين وطولكرم وتخرج منها المعتصمين المتضامنين مع الأسرى بالقوة وتعتدي عليهم وهم المعتصمون سلميًا؛ إن هذا الاعتداء لا يعدو كونه بلطجة، ولا يخدم سوى العدو ويسيئ للجهود المبذولة لاستعادة الوحدة الوطنية، فعلى هذه الأجهزة أن تكف عن ممارساتها القمعية التي تتناقض مع القوانين والأعراف الدولية، وكان الأجدر بهم أن يقوموا بحماية المعتصمين، بدلًا من التنكيل بهم، وفي هذه المناسبة ونحن نتحدث عن الأسرى في سجون الاحتلال لا يحوز أن ننسى الأسير البطل جورج عبدالله، والذي يقبع في سجون فرنسا منذ أكثر من 36 عامًا ورغم انتهاء محكوميته، إلا أنه لم يفرج عنه بسبب الضغوط الصهيونية.. وذلك في مخالفة صريحة للقانون، كما لا يجوز أن ننسى المناضل والناشط السياسي والمدافع عن الحرية وحقوق الإنسان على مستوى أوروبا والعالم الدكتور (الطبيب) عصام الحجاوي؛ المعتقل في سجون ايرلندا منذ 20 آب 2020، دون توجيه تهمة له، ويجب أن يرتفع صوتنا مع كل الشرفاء والأحرار؛ من أجل إطلاق سراحهم والعودة لحياتهم الطبيعية،
ولا بد بعد ذلك من الإشارة إلى بعض الأرقام بخصوص المعتقلين في سجون الاحتلال:
1_ بلغ عدد المعتقلين الذين دخلوا سجون الاحتلال منذ عام 1967 أكثر من مليون مواطن فلسطيني؛ من ضمنهم أكثر من 16000 امرأة وشابة، وهذا يعني أنه لا يوجد أسرة فلسطينية واحدة لم يعتقل أحد أفرادها.
2_ يبلغ عدد الأسرى المعتقلين الآن في السجون أكثر من 4400 وهذا الرقم يتصاعد يوميًا.
3'_ بلغ عدد المحكومين بالمؤبد أكثر من 500 أسير.
4_ بلغ عدد المعتقلين الأطفال أكثر من 155 طفلًا.
5_ بلغ عدد المعتقلات 39 امرأة.
6_ بلغ عدد المعتقلين الإداريين 350 معتقلًا.
كما تشير إحصائيات شهر أيلول من هذ العام إلى اعتقال 341 مواطن؛ من بينهم  32 طفلًا و 3 سيدات ويضمون 117 من مدينة القدس والباقي من المدن المختلفة. 
إن إصدار البيانات والخطب لم بعد يكفي، ولن تحرر أسيرًا واحدًا، كما علمتنا التجربة، وهذا بات يتطلب من القيادة الفلسطينية اليوم قبل الغد ولو بعد كل هذا التأخير والتقصير أن تذهب لوضع برامج عملية تمارسها على الأرض، وتخاطب من خلالها المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، كي تقوم بتحمل مسؤولياتها تجاه الأسرى ومن أجل تطببق معاهدة جنيف بهذا الخصوص.
لقد بات اليوم مطلوبًا اتخاذ مجموعة من الخطوات العملية لدعم معركة الأسرى منها أولًا: مطالبة القيادة الفلسطينية أن تضع ملف الأسرى على رأس أولوياتها، وفي مقدمة جدول أعمالها، خاصة أنها قضية تهم الجميع.. توحد ولا تفرق. وعلى القيادة أن تذهب بهذا الملف إلى الأمم المتحدة، وإلى منظمة حقوق الإنسان في جنيف، ومحكمة الجنايات الدولية، وتطالب بتطبيق القوانين وممارسة الضغط على حكومة الاحتلال؛ من أجل الالتزام بذلك، والمطالبة بفرض العقوبات عليها، رغم إدراكنا بصعوبة ذلك؛ بسبب الدعم المطلق لدولة الكيان من قبل الولايات المتحدة، ألا أن هذه المعركة لا بد من خوضها بكل قوة وليس مبررًا التقاعس عنها.
ثانيًا: نطالب الجماهير الفلسطينية بتفعيل نشاطاتها وتحركاتها في الشارع وبما يسمح به القانون واجراءات الحماية من فايروس كورونا، وهي قادرة على استنباط أشكال هذا التحرك... عبر البيان والرسالة والتظاهر والاعتصام.. الخ وحسب الممكن.
ثالثًا: التحرك مع كافة المنظمات الدولية والإنسانية عبر مخاطبتها من قبل المنظمات الحقوقية والمدافعة عن حقوق الإنسان في فلسطين والبلدان العربية، تطالبها بالتدخل لإنقاذ حياة الأسرى والعمل على تحريرهم.
رابعًا: الدعوة للاعتصام في مقرات الصليب الأحمر الدولي ومطالبتهم بالقيام بدورهم بشأن هذه القضية.
سادسًا: الدعوة للإضراب عن الطعام يشارك فيها بعض المنظمات الإنسانية والشخصيات الاعتبارية الوازنة كأعضاء البرلمان والكتاب والصحفيين والمثقفين وغيرهم، وذلك تعبيرًا عن التضامن مع الأسرى، إلى جانب ذلك لا شك أن هناك جانبًا من الإبداع، يمكن أن يتم عبر أية نشاطات أخرى وضمن حدود القانون.
آن الأوان أن ننتقل إلى حيز الفعل والعمل.. إن ماهر الأخرس ورفاقه أبطال عهد الأوفياء رموز من رموز التحدي وأسطورة في الصمود.. لا يدافعون عن أنفسهم وعن فلسطين فحسب، بل يدافعون عن شرف وكبرياء هذه الأمة، وعلينا أن نقف إلى جانبهم وندعمهم في معركتهم البطولية، بكل ما نملك من طاقة ومقدرة.. ونحن على ثقة أن تحريرهم بات قريبًا، وأن النصر قادم لا محال والاحتلال إلى زوال.. الحرية للأسرى والمعتقلين.. عاشت فلسطين حرة عربية.. وجنبًا إلى جنب ومعًا وسويًا من أجل تحرير فلسطين كل فلسطين.