Menu

فلسطين: بين العدالة الإلهية والعدالة الإنسانية

حاتم استانبولي

الثورة الفرنسية 1789-1799 كانت حدثًا تاريخيًا مفصليًا في التاريخ الإنساني؛ أدت إلى إنهاء دور الدين المسيحي الكاثوليكي السياسي في فرنسا، ولاحقًا في أوروبا، وفتح الباب أمام الكثير من الإنجازات الحقوقية الإنسانية، وأهمها إعلان حقوق الإنسان والمواطن؛ الثورة الفرنسية وتعاليمها كان لها الأثر الأكبر في الكثير من الإنجازات الاجتماعية والحقوقية للإنسانية، وكان لها الفضل الأكبر في الفصل ما بين العدالة الإلهية والعدالة الإنسانية. ما قبل الثورة الفرنسية كانت العدالة الإلهية؛ توظف سياسيًا من أجل مصلحة فئة الإقطاع وتُجَمِل اضطهاد الفلاحين وتعتبره إرادة إلهية عليهم قبولها.

كافة المعتقدات الدينية منذ بداية الوعي الإنساني كانت تتمحور حول مفاهيم الفضيلة وشرورها وهي مفاهيم كانت متغيرة عبر الزمان والمكان وفرضت معاييرها المختلفة مستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات البشرية ومستوى تطور معرفتها الإنسانية. ما قبل الثورة الفرنسية كانت العلاقة بين العدالة الإلهية والإنسانية محسومة بالمطلق لمصلحة العدالة الإلهية التي كانت توظف بشكل مطلق لمصلحة الفئات المُسيطِرة في المجتمع، والتي كانت تملك القوة والنفوذ، وبذات الوقت كانت العدالة الإلهية مفهوم يخضع لمفاهيم فلسفية كانت سائدة في الظروف الزمانية والمكانية المختلفة.

على سبيل المثال، فإن العدالة الإلهية عند اليونان والرومان كانت تعكس مفهوم تعدد الآلهة التي كانت تختار ممثلين لها على الأرض من بين الفئة المُسَيطِرة، وكانت تُفَسِر الصراعات الإنسانية على أنها انعكاس لصراع الآلهة، والناظم لكل المعتقدات كان يحكمه مفاهيم الفضيلة وشرورها. هذا فرض شكلًا من أشكال المشاركة في السلطة بين الكهنة ورجال السياسة الذين كانوا يمثلون سلطة المال، هذه العلاقة التشاركية كانت تقوم على أساس تحقيق العدالة الإلهية وإقناع البشر أن كل ما يعانون منه؛ من شرور رجال المال الاقطاعي هو تحقيقًا لعدالة الآلهة واختبارًا لإيمانهم.

مع تطور العلاقات الإنتاجية ووسائلها وانتقال المجتمعات إلى الشكل الزراعي؛ أصبح هنالك ضرورة لمركزة إنتاجها وإعلان ملكية الأرض بمراسيم تشرع ملكيتها للآلهة ووممثليها على الأرض؛ من امراء إقطاعيون ورجال دين، في حين كانت السلطة الإقطاعية متعددة، وفي كثير من الأحيان تدخل في تعارض وتناحر على الأرض والرق، كانت السلطة الدينية أكثر وحدة، وهذا أعطاها ميزة الثبات والقوة والسيطرة، في حين كانت السلطة الإقطاعية يحكمها التغير نتيجة للصراعات، وبحاجة دائمة لشرعية العدالة الإلهية.

عبر الزمان ظهرت الضرورة التاريخية لوحدة الآلهة التي انعكست على وحدة السلطة السياسية ومركزة سلطتها في رمزية فردية (فرعونية أو امبراطورية أو ملكية)، وإعطاء الطابع الشمولي للمفهوم الإلهي الجديد عبر المجتمعات بغض النظر عن اثنيتها، ووجدت السلطة السياسية في المفهوم الجديد للعدالة الإلهية وسيلة للسيطرة على الوعي الإنساني بأقل تكلفة؛ من الحروب العبثية، وبذات الوقت كانت مصلحة لمركزة سلطة رجال الدين وللسلطة السياسية التي استمرت حتى الثورة  الفرنسية التي ترافقت مع الثورة الصناعية، هذه الثورة التي كانت نتيجة للإنجازات العلمية في حقول مختلفة؛ أبرزها المجال الصناعي الذي حقق إنجازات انعكست في التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ودفع إلى مركزة رأس المال الذي أخذ طابعًا قوميًا، وكان مدخلًا للحروب القومية الرأسمالية، وفي هذا الإطار أصبح ممثلو العدالة الإلهية؛ يخضعون لسلطة رأس المال، بل إنهم دخلوا في شراكة تابعة معه عبر توظيف رأس المال الكنسي، في حين أن الثورة الفرنسية فكت هذه الشراكة، بين رجال الدين والسلطة السياسية، وأصبحت العدالة الإنسانية هي التي تحكم الصراع بين الفئات الاجتماعية.

لم تكن المنطقة العربية خارج سياق العلاقة بين العدالة الإلهية والعدالة الإنسانية، بل كانت العلاقة أكثر تداخلًا، بل إن جميع الحروب خاضها الإسلام على أساس تحقيق العدالة الإلهية واعتبر تحقيق هذه العدالة يتضمن تحقيقًا للعدالة الإنسانية. ومع بداية القرن التاسع عشر وسقوط الخلافة العثمانية وخضوع المنطقة تحت سيطرة الاستعمار المباشر؛ أُعيد إنتاج طرح مفهوم تحقيق العدالة الإلهية لليهودية، هذه العدالة كان استحضارها لخدمة رأس المال اليهودي الصهيوني الذي التقت مصالحه مع حركة رأس المال العالمي، واعتبر تحقيق العدالة الإلهية لليهودية؛ هدفًا يحقق شرط العدالة المسيحية، حسب النص الإنجيلي في قيام المسيح أو المقولة الإسلامية في عودة المهدي المنتظر. وفي السياق هذا، اصطدم مفهوم تحقيق العدالة الإلهية اليهودية وقسمًا من المسيحية مع العدالة الإنسانية في فلسطين، وبدأ الصراع على المكان ( فلسطين الذي يشكل رمزية مكانية للعدالة الإلهية)؛ من على أرضية شرعية مفهوم العدالة الإلهية وأخرجت العدالة الإنسانية من مفهوم الصراع.

الدول الاستعمارية التي حيّدت ممثلي العدالة الإلهية وأخرجتهم من الفعل السياسي في مجتمعاتها كانت حريصة على الاستثمار في العدالة الإلهية في منطقتنا، بل استثمرت في دعم تأسيس أحزاب وتجمعات واستحضار الاتجاهات الدينية، واعطائها دورًا اجتماعيًا وسياسيًا وأدخلتهم في تعارض مع تحقيق العدالة الإنسانية وحرصت على أن تكون هذه الأحزاب أو المرجعيات أو الاتجاهات منغمسة في الفعل السياسي ووظفتها في تقويض الاتجاهات الوطنية التحررية، وفي خوض حروبها الأيديولوجية (أفغانستان). ومع تطور العلاقة الرأسمالية بين النظم القبليّة والعشائرية والعائلية، وبين مراكز رأس المال الذي كان يُسْتَخْدَم من قبل حركة رأس المال الصهيوني للتوغل في المنطقة عبر شراكات غير مباشرة، هذه الشراكات التي كانت ترى أن تحقيق العدالة الإنسانية يتناقض مع مصالحها الرأسمالية، واستمرار بقاء نظمها كانت لها مصلحة مشتركة في تنمية الاتجاهات الأكثر رجعية في الإسلام التي لا تعير للقيم الإنسانية التي يتضمنها الإسلام، هذه القيم الإنسانية التي كانت سببًا في انتشاره وإدخالها في صراع مع مكوناتها الاجتماعية والسياسية التي كانت تعير اهتمامًا لقيم العدالة الإنسانية وفلسطين كانت معيارها.

وفي السياق هذا، فإن الدول الاستعمارية وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا والولايا ت المتحدة؛ استثمرت في هذه الاتجاهات وأدخلتها في صراع مع حواضنها وأخرجت كل ما هو غير إنساني تحمله في جوهرها هذا الاستخدام، كان له هدفين: تقويض الجوهر الإنساني للعدالة الإلهية بالمفهوم الإسلامي، وفي الوقت ذاته، اضعاف مفهوم العدالة الإنسانية وقواها وفرض وقائع؛ أن العدالة الإلهية الإسلامية، لا تعير أية قيمة أو وزن للعدالة الإنسانية. وعليه، فإن الدول الاستعمارية وأدواتها المباشرة وغير المباشرة تشرع دعمها واستثمارها في القوى الدينية المسلحة وتعتبرها قوى تحرر وثورة، في حين تخوض حربًا لا هوادة عليها في دولها. إن انتقاد العدالة الإلهية في المجتمعات الغربية؛ مشرع قانونيًا تحت عنوان تحقيق العدالة الإنسانية التي تعتبرها أولوية دنيوية، وتحقيق العدالة الإلهية أولوية في الآخرة، هذا المفهوم لا يصرف في منطقتنا، وفي السياق هذا، تفهم تصريحات الرئيس الفرنسي تحت عنوان محاربة الإسلام الراديكالي الذي هو ثمرة استثمارهم فيه؛ سياسيًا وعسكريًا وفكريًا. كيف يفهم أن تقوم فرنسا التي انطلقت من حناجر مواطنيها تعاليم الثورة الفرنسية؛ من حرية وعدالة وإخاء، أن تستثمر في نظام طائفي رجعي في لبنان أو تدعم نظم قبليّة أو عشائرية، تستند لفكر معرفي يتناقض مع مفاهيم ثورتها وقيمها؟! كيف يمكن لفرنسا (اليمينية) وحليفاتها أن تدعم قيام دولة تقوم على أساس تحقيق "العدالة الإلهية التوراتية" التي هي التعبير الأبرز عن رجعية مفهوم العدالة الإلهية التوراتية، جوهرها يقوم على أساس؛ قتل وتشريد وإلغاء هوية العدالة الإنسانية الفلسطينية؟!

سلوك القادة الفرنسيون (اليمينيون) ما زال يحمل الطابع الاستعماري الذي يتناقض مع تعاليم الثورة الفرنسية التي كانت مفصلًا في التاريخ الانساني.

العدالة الإلهية لا يمكن أن تتحقق على أيدي أدوات بشرية لا تملك الامكانيات المعرفية لفهم الجوهر الإنساني في الفكرة الإلهية (قبل استخدامها كأداة للاستغلال السياسي) التي تقوم على أساس تحقيق مفاهيم العدالة التي أجمعت عليها كل الديانات التوحيدية وغيرها، باستثناء اليهودية التي تحمل جوهرًا عنصريًا في مفهوم عليائها وتميزها وضرورة خدمة من هم خارج انتمائها لها وتتعارض مع الجوهر الإنساني التسامحي للمسيحية والبذور التحررية في الإسلام؛ العدالة الإلهية في الجوهر لا تتعارض مع تحقيق العدالة الإنسانية، إذا ما فهم على أن العدالة الإنسانية ستكون معيارًا لتحقيق العدالة الإلهية في الآخرة؛ العدالة الإلهية خاضعة لمعايير سلوك من يحملها، وهم في النهاية بشر يصيبون ويخطئون، ولهذا لا يمكن أن يكون سلوكهم معيارًا لتقييم العدالة الإلهية التي لن تظهر معاييرها؛ إلا في الآخرة، حسب النص الديني التوحيدي، والجميع يخضعون للحساب بما فيهم القادة الدينيون.   

فلسطين هي الحد الفاصل ما بين تحقيق العدالة الإنسانية والعدالة الإلهية، وهي المعيار للعدالة الإنسانية، بكل قيمها، وهذا لا ينفي أن عدالتها لا تحمل طابعًا قوميًا، بل وطابعًا إنسانيًا وحقوقيًا وأخلاقيًا عالميًا، تتجسد فيها القيم الأخلاقية الإلهية التي تتعارض مع الظلم والقتل والتشريد والإلغاء للفلسطينيين.

عدالة فلسطين لا تسقط بضعف أو خيانة حاملي قضيتها، بل هي قطب التعارض والتناقض مع الجوهر غير الإنساني لرأس المال الصهيوني الرجعي وحلفائه الإقليميين والدوليين؛ من الممكن أن تتراجع في ظل شراسة الهجمة عليها، لكن لا يمكن إنهائها لكونها تحمل طابعًا موضوعيًا، يعكس التناقض بين قوى العدالة الإنسانية، وبين شرور حاملي الفضيلة الاستغلالية الاستعمارية وتابعيهم.