Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح16)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

 (تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل الرابع

الفكر الإسلامي وعلم الكلام

كيف نشأ التفكير الفلسفي في العقائد الايمانية الاسلامية؟

إن كثيراً من الباحثين المتأخرين، من شرقيين وغربيين، -كما يقول د. حسين مروه-"يتخذون في هذه المسألة موقفاً وحيد الجانب، وان اختلفوا في تعيين هذا الجانب الوحيد، "فان منهم من يرجع نشأة التفكير الفلسفي في العقائد الايمانية الاسلامية إلى عوامل خارجية خالصة، وفي طليعة هذا الفريق مؤرخ الفلسفة دي بور، فهو أولاً ينكر وجود عقائد اسلامية جاء بها القرآن، بحجة ان القرآن "جاء المسلمين بدين ولم يجئهم بنظريات، وتلقوا احكاماً لكنهم لم يتلقوا فيه عقائد"، وهو ثانياً يرى انه "بعد ان فتح المسلمون بلاد غيرهم وجدوا امامهم علم عقائد نصراني متكامل البناء، كما وجدوا امامهم مذاهب اصحاب زرادشت ومذاهب البراهمة، ثم ينتهي "دي بور" إلى القول بأنه إلى جانب الاعتبارات التي شرحها في هذا الاتجاه تقوم "دلائل متفرقة على ان طائفة من المسلمين الأولين الذين قالوا بالاختيار كان لهم اساتذة من النصارى، ثم جاءت عناصر فلسفية محضة من المذاهب الغنوسطية، اولاً، ومما ترجم من الكتب بعد ذلك، وتضافرت مع المؤثرات النصرانية المصطبغة بالفلسفة اليونانية في دورها الشرقي الاخير"([1]).

وهناك "فريق آخر من الباحثين في مسائل الفكر العربي – الاسلامي يضع المسألة على نحو أقرب إلى أُسلوب البحث الصحيح، "لكن دون أن يلامس الواقع الاجتماعي والسياسي ملامسة تمضي من منطق البحث العلمي إلى مداه الاخير، وهذا الفريق الآخر يُرْجِع نشأة التفكير الفلسفي في العقائد الاسلامية إلى قاعدة نظرية عامة جداً تقول بأن الفكر الانساني "يمر في سعيه وراء اليقين في ثلاث مراحل: تصديق مطلق، فتشكك باطني، فاقتناع عقلي، كما أن البحث في مشكلة القضاء والقدر، عند المفكرين العرب والاسلاميين بعامة، قد ظهر كبحث فكري يرتبط بمسؤولية الإنسان – الفرد عن فعله، في ما بين النصف الأول والنصف الثاني من القرن الأول للهجرة (منتصف القرن السابع الميلادي) مع ظهور أفكار المعتزلة، التي تنطلق من مقولة تتلخص في أن الإنسان حر الإرادة، على يد واصل بن عطاء"([2]).

إن استعراضنا " لأبرز الظاهرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة في مجتمع الخلافة العباسية خلال القرن الثالث الهجري، يوصلنا إلى حقيقة مهمة نصل اليها في ضوء الواقعات التاريخية، هذه الحقيقة هي أن تلك الظاهرات بجملتها، وبما كانت تثيره في المجتمع من انتفاضات وثورات وغيرها من أشكال الرفض والمقاومة، قد جعلت أسس النظام الاجتماعي القائم حينذاك عرضة للاهتزاز والاختلال، واخذت تحدث انواعاً من التصدع في أهم مرتكزاته ومسلماته الفكرية والحقوقية، وذلك يعني أن التصدع كان يتسرب وقتئذ إلى أيديولوجية هذا النظام ذاتها، وقد كانت الأيديولوجية الدينية هي السند الحقوقي الأساس لسلطة الخلافة وسيطرتها السياسية، أي سلطة المنتفعين بالنظام الاجتماعي، نظام علاقات الإنتاج القائمة، والذين كانوا يتخذون من المفهوم الروحي للخلافة ومن أيديولوجيتها الدينية حصنا لهم وسلاحاً لمحاربة الأفكار والحركات والانتفاضات ذات المضمون الاجتماعي الثوري"([3]).

هناك، إذن، تصدع في أيديولوجية دولة الخلافة من جهة، وتمثل كياني – من جهة ثانية- للثقافة العلمية: الطبيعية والفلسفية، كان من تأثيراته ان الفكر العقلاني أخذ يتبلور عند جملة العلماء والمفكرين باتجاه يحاول ان يتخطى التفكير التأملي الصرف الخاضع لسيطرة التوجيه اللاهوتي الخفي والظاهر معاً.

في هذا المناخ العام المتفجر، بمقوماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية نقول: في هذا المناخ ذاته ما كان يمكن للفكر الفلسفي، بعد ان ظل ينمو ويترعرع في حضانة علم الكلام المعتزلي منذ عهد واصل بن عطاء (131ه / 748م)، ان يبقى قيد تلك الحضانة حتى في ظروف تصدع الأيديولوجية الرسمية وعجزها عن فرض سيطرتها، أو سيطرة اطارها اللاهوتي، على مجمل الحركة الناشطة لثقافة المجتمع على الرغم من بداية ظهور تبلور الفكر العقلاني الاسلامي باتجاه تخطي المعارف الغيبية واستقلال الفلسفة عن علم الكلام.

إن المفهوم الحقيقي الواقعي لاستقلال الفلسفة، في تلك المرحلة التاريخية، "هو أنها – أي الفلسفة- أصبحت، في معالجاتها لتلك القضايا نفسها المطروحة امامها، تنطلق من منطقها الخاص لا من منطق المسلمات الدينية، سالكة في البحث والمعالجة منهجاً تستمده من النظر في الوجود بمعناه الاشمل، نظراً مستقلاً عن المقولات اللاهوتية، معتمداً المقولات التي يستنبطها العقل من دياليكتيك العلاقات مع الوجود الواقعي، أو يمكن القول – بتعبير آخر- إن معنى استقلال الفلسفة عن علم الكلام، في تلك المرحلة من تاريخ تطور المجتمع العربي – الاسلامي، هو انتقالها (أي الفلسفة) من الموقع الذي كانت تحل فيه مشكلة المعرفة – مثلاً- حلاً عقلياً لاهوتياً، مزدوجاً، إلى موقع تملك فيه الحق بأن تحل فيه مثل هذه المشكلة حلاً فلسفياً محضاً منفصلاً عن سيطرة النظرة اللاهوتية التي كانت من مستلزمات علم الكلام"([4]).

لكن، -يتساءل د. حسين مروة- "هل أمكن الفلسفة أن تحقق بالفعل استقلالها بهذا المعنى، آنئذ؟الواقع التاريخي يجيبنا: لا. فقد كان من طبائع الأمور أن لا تستطيع الفلسفة التخلص من علاقاتها البنيوية مع علم الكلام تخلصاً كاملاً"، لذا بقي استقلالها عنه نسبياً إلى وقت ربما يصح القول انه امتد حتى بداية مرحلة الفلسفة السينوية، ذلك ان النزعة اللاهوتية ظلت توجه – من موقع خفي- بعض الاستنتاجات الفلسفية في العهد الأول من استقلال الفلسفة، كالاستنتاج المتعلق بموضوع قدم العالم مثلاً، أو الاستنتاج المتعلق بموضوع خلق العالم من العدم، أو غيرهما، فلم يكن ممكناً –كما يرى د. مروة- ان تختفي هذه النزعة فجأة، أو بوقت قصير، ولا أن يحدث الاستقلال بصورة حاسمة دون تداخل بين مرحلتين إلى زمن ما، هذا من جهة أولى. ثم انه – من جهة ثانية- لم تكن قد نشأت في الثقافة العربية، يومئذ تقاليد فلسفية سابقة خارج اللاهوتية الاسلامية (علم الكلام)، لذا كان لابد من مرور مرحلة غير قصيرة كيما تنشأ هذه التقاليد وتتوطد، بعد استقلال الفكر الفلسفي، وكيما تتحول هذه التقاليد إلى نوعية جديدة يصبح بها استقلال الفلسفة كاملاً، أي بعيداً عن فلك السيطرة اللاهوتية"([5]).

 

مقدمات حاسمة لاستقلال الفلسفة الإسلامية:

مع "انتصاف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) يكون "قد مضى–كما يقول المفكر الشهيد حسين مروه- نحو قرن وأكثر من ربع قرن منذ بدأت المباحث الكلامية المعتزلية تؤدي دورها التاريخي الضخم، وهو حضانتها لبذور الفكر الفلسفي ضمن فعل القوانين العامة لحركة التطور التي خضع لها المجتمع العربي – الاسلامي وفق ظروفه التاريخية الخاصة، وقد وضح، ان دور متكلمي المعتزلة هذا قد حمل طابعين متلازمين متداخلين: طابعه الفكري النظري، وطابعه الأيديولوجي، فـخلال "النصف الأول من القرن الثالث، كان يبدو أن الفكر الفلسفي يوشك ان يتجاوز دور الحضانة الذي عاشه تحت جناحي علم الكلام المعتزلى، أي انه يوشك أن يتخذ لنفسه مساراً مستقلاً عن علم الكلام هذا، بمعنى ان الفكر الفلسفي كان قد بلغ في نموه، ضمن الاطار الكلامي حدا اذا هو لم يتجاوزه كان لا بد –بالضرورة- أن يصبح هذا الاطار نفسه عائقاً دون نموه وتطوره، إن لم يصبح اليد التي تخنقه وتقضي عليه، وذلك يرجع إلى أن علم الكلام هو، في بنيته الأساسية، فلسفة لاهوتية تقوم على وحدانية الحقيقة الدينية المتمثلة في الشريعة، والمرتبطة بالمصدر الالهي الأوحد، في حين ان الفكر الفلسفي ينزع إلى نشدان الحقيقة التي يكون منطق العقل البشري هو طريق الوصول إليها دون المصادر الغيبية"([6]).

هذا أحد وجهي المسألة، أما وجهها الآخر، فهو أن ظروف تطور الصراع الاجتماعي والأيديولوجي، في المجتمع العباسي، خلال القرن الثالث الهجري الحافل بأخصب أنواع التناقضات والمفارقات التاريخية، كانت ظروفاً بالغة التعقيد بحيث كانت تتطلب شكلاً أعلى من الشكل الكلامي اللاهوتي للتعبير عن كل من الوعي النظري والصراع الايديولوجي في ذلك المجتمع، فقد حفل القرن الهجري الثالث بانتفاضات جماهيرية وحركات ثورية عدة حدثت في العراق و مصر وبعض مناطق شبه الجزيرة العربية وفي الاقاليم الاسيوية البعيدة التابعة يومئذ لدولة الخلافة، هذه الانتفاضات والثورات شارك فيها فئات اجتماعية واسعة من الكادحين والمستضعفين، لا سيما الفلاحون"([7]).

وإذا كان بعض هذه الثورات والانتفاضات اصطبغ بصبغات مذهبية أو دينية أو نزعات فلسفية، فإن الدراسة التاريخية العلمية تكشف أن الدافع الاجتماعي كان هو المحرك الغالب لمعظم الانتفاضات والثورات التي شهدها القرن الثالث، والتي امتد بعضها منه إلى القرن الرابع الهجري"([8]).

يكفي أن نذكر منها هذه النماذج الثلاثة: ثورة الزنج، وثورة القرامطة([9])، والثورة البابكية الخرمية بقيادة بابك([10])، فقد كان لهذه الثورات الثلاث من الدلالات الاجتماعية ما يساوي الخطر الذي هددت به النظام الاجتماعي لدولة الخلافة من أساسه، لذا "لا يمكن القول ان المصادفة وحدها جمعت الثورات الثلاث على صعيد القرن الثالث بعينه، بل هناك الظروف الاقتصادية – الاجتماعية التي هيأت هذا القرن لأن يستقبل في مستهله ثورة البابكيين (201 – 223ه / 817 – 838م) في جبال قرطاغ على حدود اذربيجان، ثم يستقبل في مطلع نصفه الثاني ثورة الزنج (255-270ه / 869 – 883 م) في البصرة، ثم لا ينقضي نحو عشر سنين بعد اشتعال ثورة الزنج هذه حتى تبدأ حركة القرامطة تلقي بذور ثورتها في سواد الكوفة (264 ه / 877) لكي تنمو وتنتشر طوال النصف الثاني من القرن نفسه، في العراق وسورية و البحرين ، إلى ان تبسط ظلالها على القرن الرابع الهجري وما بعده، "أما الظروف الاقتصادية – الاجتماعية التي نعنيها هنا فإنما هي الامتداد الكمي للآثار والظاهرات التي كان يخلقها النظام الاجتماعي القائمة على أساسه دولة الخلافة الإسلامية، أموية كانت أم عباسية، وهذا النظام يتميز، منذ قيام الدولة الأموية، باقتصاده الزراعي – التجاري المتداخل، وبالسمة الأساسية لعلاقاته الإنتاجية: أي الملكية الاقطاعية والاستثمار الاقطاعي، متمثلاً كل ذلك مباشرة برؤوس الفئة الحاكمة حكماً مطلقاً باسم الاسلام"([11]).

ان آثار هذا النظام وظاهراته كانت تمتد، بصورة كمية، على مدى القرنين الهجريين الأولين، فلما جاء القرن الثالث كان قد بلغ الامتداد الكمي حدا يؤذن بمثل تلك الانفجارات النوعية التي كانت الثورة البابكية وثورة الزنج وحركة القرامطة، أبرز نماذجها في ذلك القرن المتفجر"([12]).

علم الكلام

عَرَّفَ المفكر الشهيد د. حسين مروة علم الكلام بقوله: "إن علم الكلام هو، في بنيته الأساسية، فلسفة لاهوتية تقوم على وحدانية الحقيقة الدينية المتمثلة في الشريعة، والمرتبطة بالمصدر الالهي الأوحد، في حين ان الفكر الفلسفي ينزع إلى نشدان الحقيقة التي يكون منطق العقل البشري هو طريق الوصول إليها دون المصادر الغيبية"([13]).

نشأ علم الكلام في ظروف غامرة بالاختلافات والانقسامات فيما يتعلق بالاجتهادات الدينية، ثم تطورت تلك الاختلافات بين الرؤى الفلسفية من ناحية وبين الدين من ناحية ثانية، وتفاقمت بين أصحاب النقل الرافضين للعقل أو التفسير العقلاني للدين، وبين الفلاسفة المستنيرين الذين أكدوا على استخدام العقل وترجيحه في تفسير النقل، وهذه المواقف الرافضة للفلسفة والعقل نجدها في كافة الأديان.

السؤال هنا: ما حدود العلاقة بين علم الكلام والفلسفة.. وهل هناك حدود بينهما؟ الجواب –كما يقول د. حسين مروه – نعم ، إذ ان "لكل من علم الكلام والفلسفة مرحلة، مستقلة نسبياً، في طريق تطور الفكر العربي الإسلامي، وهذا الواقع بالضبط هو الذي يقرر حدود العلاقة بينهما بصورة أولية، ولكن الذي يقرر هذه الحدود بصورة علمية هو كون علم الكلام مارس التفكير الفلسفي كوسيلة لبحث القضايا المثارة في المجتمع العربي بعد الاسلام، متخذا شكل البحث الديني في العقائد، في حين ان الفلسفة ظهرت في المجتمع العربي – الاسلامي، بعد ان استوفى علم الكلام نضجه، لتبحث قضايا الوجود والطبيعة والمجتمع والتفكير، كمفاهيم، منعكساً فيها العالم المادي بصفة مجتمع معين بظروفه وخصائصه التاريخية المعينة واشكال علاقاته الاجتماعية المعينة انعكاساً غير مباشرة.. أي ان الفلسفة تميزت من علم الكلام بأمرين أساسيين:

أولا، بأنها انطلقت من المفاهيم، لا من القضايا المثارة في المجتمع بصورة مباشرة.

ثانياً، بأنها لم تتخذ من عقائد الاسلام قاعدة للبحث، وان حاولت ان تخفي التناقض بين النتائج التي يصل اليها البحث الفلسفي وبين العقائد الايمانية الاسلامية. ومحاولاتها هذه هي التي سميت "توفيقاً" بين الفلسفة والدين، تسمية غير صحيحة"([14]).

 

تعريف علم الكلام وتطوره التاريخي:

"علم الكلام" –كما يقول د.حسين مروة- بدأ أول الأمر "كلاماً" في مسألة القدر، ولم يكن علماً حينذاك، بل كان شكلاً فكرياً من أشكال التحول الكيفي لتراكمات النقمة الاجتماعية (ضد الدولة الأموية)، أي نقمة جماعات الموالي، وشغيلة الأرض، وصغار مالكي الأرض، وشراذم من العبيد هنا وهناك يعملون اما في الأرض أو في الخدمات العامة، وعدد كثيف من الفقراء والمعدمين في المدن، ومنهم صغار الكسبة ومستخدمو المحلات الحِرَفية.

ففي الوقت الذي كانت تتفجر فيه الانتفاضات المسلحة بوجه الحكم الأموي في مناطق عدة ومتباعدة من الامبراطورية الوسيعة، كانت مدرسة الحسن البصري ومن تفرع عنها من مثقفين ومفكرين ومن علماء بارزين في علوم العريضة والشريعة، يتخذون شكلاً آخر لمعارضة السيطرة السياسية المطلقة الاموية ولمعارضة ايديولوجيتها الجبرية المطلقة أيضاً.

لقد كان صوت الحسن البصري وواصل بن عطاء ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وامثالهم، "اول صوت للفكر العربي – الاسلامي يرتفع ليتحدى الفكر الرسمي، ويتحدى جبرية الفئة المسيطرة اقتصادياً وسياسياً، مجاهراً ان: لا قدر يحكم ارادة الإنسان حكماً جبرياً مطلقاً، ففي سياق هذه المعارضة الفكرية المرتبطة، أساساً، بالمعارضة الاجتماعية – السياسية، كانت مسائل جديدة تطرحها حركة تطور المجتمع الجديد أَمام الفكر المعارض كلما تراكمت الأسباب الدافعة للمعارضة من جهة، وظروف التطور الاجتماعي الدافعة لتعميق النظر أكثر فأكثر في هذه المسائل المطروحة، من جهة ثانية، وعلى أساس مسألة القدر، من حيث علاقتها بقضية حرية الإنسان في اختيار افعاله، وعلاقة هذه القضية بالموقف من السلطة السياسية القائمة حينذاك، تحركت قضايا الصراع الاجتماعي – السياسي كلها، ولكن باشكالها الفكرية ذات الطابع التركيبي الجديد القائم على النظر العقلي التأملي المجرد"([15]).

ومن أهم هذه القضايا: حكم مرتكب الكبيرة، العلاقة بين العقل والايمان، مفهوم العدل في الاسلام، الموقف من الحاكم الجائر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم تنزيه الله وتوحيده الخ.

" لقد بقيت المباحث التي عالجت هذه القضايا وما يدور في اطارها، خلال عشرات السنين منذ اثيرت مسألة القدر أول مرة، مباحث متفرقة ومتوزعة بين مباحث الفقه واصول الفقه، واحياناً مباحث الفلسفة والتصوف وعلوم الطبيعة دون تحديد "لهويتها" العلمية، ودون ترابط بينها، حتى بلغ تطور الفكر العربي مرحلة القدرة على مثل هذا التحديد والتمييز"([16]).

حينذاك انتقلت هذه المباحث من وضعها التراكمي الكمي إلى كيفية محددة، متميزة، بحيث صُنِّفَت عِلماً مستقلاً باسم "علم الكلام"، أي انها بذلك دخلت مرحلة التصنيف العلمي التي دخلها الفكر العربي بجملته، وهي مرحلة متقدمة بالفعل، إذ لم تكن قبل ذلك تعرف الفوارق الاساسية بين علم وعلم في الغالب، فكثيراً ما كانت تضيع الحدود، مثلاً، بين الفقه وأصوله وأصول الدين، أو بين النحو والبلاغة والأدب، أو بين الحديث والتفسير والتاريخ والتراجم.

ذلك لأنه لم تكن لكل علم حدوده ومفاهيمه ومقولاته المميزة الواضحة، من هنا رأينا اسم "علم الكلام" كمصطلح خاص يتأخر في الظهور ولا يتردد في الكبت والجدل والمعارك الفكرية،إلا من عصر المأمون، أي بين نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجريين (القرن التاسع الميلادي).

يُرَجِّحْ د. حسين مروة، ان "اسم "علم الكلام" كمصطلح خاص يدل على هذا العلم الذي استقل بموضوعاته ومقولاته ومفاهيمه وضوابطه، قد أُطلق تثبيتاً و"تكريساً" لتعبير عام كانوا يستخدمونه، عفوياً، حين يتحدثون عن بحث مسألة من هذه المسائل التي أصبح ينتظمها هذا العلم، كما أظهرت لنا الادلة التاريخية ان حركة التدوين والتأليف عند العرب بدأت في القرن الأول الهجري (=السابع الميلادي). ان هذا يعني ان حركة التأليف في المسائل الكلامية بدأت منذ ذلك العهد"([17]).

لان أهم المسائل الفكرية التي كان يدور عليها الجدل وتشتد حولها المعارك المذهبية والايديولوجية منذ النصف الثاني لذلك القرن، هي تلك المسائل التي أُثيرت حول حرية اختيار الإنسان افعاله وما تلاها من مسائل العدل والصفات ومفهوم الايمان وعلاقته بالعقل ومرتكب الكبيرة الخ.. وهذه جميعاً هي مسائل العلم الذي صار اسمه بعد ذلك "علم الكلام"([18]).

غني عن القول أن علم الكلام –حسب معظم المصادر – "ظهر وتطور أول الأمر في إطار المناظرات التي دارت بين المسلمين أنفسهم، وذلك بظهور مختلف الفرق الدينية – السياسية (الخوارج، المرجئة، القدرية، الجبرية..)، وكذلك بين المسلمين وبين أبناء الديانات الأخرى،كما تبلورت في مجرى هذه المناظرات جملة من السمات، التي صارت مميزة لطريقة المتكلمين في البحث، وأهمها: اللجوء إلى تأويل النصوص القرآنية ؛ اعتبار حجج العقل هي وحدها الحاسمة في النقاش والبرهان، كما تبلورت أيضاً القضايا الأساسية في "جليل الكلام: التوحيد، وضمناً العلاقة بين الذات والصفات الإلهية؛ قِدَمْ القرآن أو خَلْقه (حدوثه في زمان)؛ القدر الإلهي وحرية الإرادة البشرية، أو التسيير والتخيير، معنى الإيمان، وخاصة العلاقة بين النظر والعمل فيه، إلخ"([19]).

"ولعل من أوائل المفكرين، الذين اشتغلوا بالكلام، كان الجعد بن درهم (قتل عام 742/743م) وينسب إليه إنكار وصف الإله بشيء من صفات المخلوقات، والقول بخلق القرآن، وبحرية الارادة البشرية، وبرز بعده تلميذه الجهم بن صفوان (قتل عام 745م)، الذي باسمه ترتبط مدرسة "الجهمية"([20]).

هذا أحد وجهي مسألة علم الكلام، أما وجهها الآخر، "فهو أن ظروف تطور الصراع الاجتماعي والأيديولوجي، في المجتمع الأموي، ثم في المجتمع العباسي، "خلال القرن الثالث الهجري الحافل بأخصب أنواع التناقضات والمفارقات التاريخية، كانت ظروفاً بالغة التعقيد بحيث كانت تتطلب شكلاً أعلى من الشكل الكلامي اللاهوتي للتعبير عن كل من الوعي النظري والصراع الايديولوجي في ذلك المجتمع"([21]).

وفي كل الأحوال، ازدهر علم الكلام من خلال صراع الأفكار وتراكمت معارفه كمياً؛ بما أفضى إلى تحول كيفي يتمثل في ظهور الفلسفة الاسلامية التي ولدت من رحم علم الكلام.

"نشأة علم الكلام إذن، إسلامية خالصة دون أدنى تأثير أجنبي، وفي ذلك يصدق قول د. حسن حنفي "نشأ علم الكلام نشأة داخلية دون أن يتأثر بمؤثرات أجنبية؛ لذلك فهو أكثر تعبيراً من الفلسفة عن الفكر الاسلامي، وهو الذي ظهرت فيه أصالة المسلمين؛ فكان تصويراً لأحداث الواقع وتطوره، وبعد الترجمة تأثر علم الكلام بالحضارات الأخرى؛ مما ساعد على تطوير آراء الفرق الكلامية، وخفف من وطأة العقائد، وأدخل العقل في التفكير.. علم الكلام إذن ليس علم تاريخ مقدس، ويخطئ من يُوَحِّد بينه وبين العقيدة الدينية؛ فهناك فرق كبير بينهما، علم الكلام محاولات إجتهادية لفهم العقيدة أو تنظيرها، وتخضع هذه المحاولات للظروف التاريخية وللأحداث السياسية وللغة العصر ومستوى الثقافة"([22]).

وحسب حفريات وتدقيقات طرابيشي –كما يقول صادق العظم- "فإن ( التدوين عَرَفَ نقلة حاسمة إلى الأمام مع نقل الأمويين عاصمة الخلافة من المدينة إلى دمشق، فمعاوية " أول من سأل في التاريخ واستقدم العلماء وأول من أمر بالتدوين"). كما يذكر نقلا عن المسعودي في "التنبيه والإشراف"، ( أن هشام بن عبد الملك أمر بأن ينقل له من الفارسية إلى العربية " كتاب عظيم " في تاريخ الفرس اسْتُقِيَتْ مادته " مما وُجِدَ في خزائن ملوك فارس – ويشمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم ). كما يذكر نقلا عن ابن النديم أن سالماً المكنى أبا العلاء، كاتب هشام بن عبد الملك الذي كانت خلافته بين 105 - 125، نَقَلَ له رسائل أرسطاليس إلى الإسكندر.

"على أرضية هذا السياق التاريخي، تم استدعاء الفلسفة لأول مرة في الثقافة العربية، عبر ترجمة أو تعريب الفلسفة اليونانية، أو كما كانت تسمى آنذاك (علوم الأولين). فاستمرت وكثرت الترجمات في العهد العباسي لاسيما في عهدي المأمون والمنصور. وتبلورت نتيجة لذلك ثلاث مجالات للنظر العقلي في الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة وهي: علم الكلام، الفلسفة، التصوف"([23]).

"غير انه من المثير للأسف أن يكون ما أُلِّفَ في ذلك العهد من مسائل الكلام ومن مؤلفات المعتزلة بالأخص، لم يصل حتى إلى العصر الذي جاء بعد عصره مباشرة، أي العباسي، والا لوصلنا بطريق العصر العباسي شيء من مؤلفات الكلام والمنطق في العهد الأموي.

هذا الواقع التاريخي يثير التساؤل المشروع عن سبب ضياع هذه المؤلفات. ونرجح ان يكون السبب هو كون الفكر المعتزلي، في ذلك العهد، اخصب نتاجاً وأكثر انتشاراً واجتذاباً لناس مجتمعه، لأنه أكثر تحدياً للفكر الرسمي الأموي، ولذا نرى انه ليس ببعيد ان تكون السلطة السياسية السائدة يومئذ والفئات الفكرية الموالية لها، قد تعاونت على طمس نتاج هذا الفكر، بل إعدامه كما يظهر، بحيث لم نستطع ان نتعرف عليه الا من مؤلفات خصومه بالأغلب، أما ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ومنذ خلافة المأمون بخاصة، فقد نشطت حركة التأليف في علم الكلام إلى حد يكاد يصح معه القول ان مؤلفات هذا العلم والمعارك الفكرية التي تثيرها هذه المؤلفات أصبحت الظاهرة الأكثر بروزاً لمجمل الحركة الفكرية حينذاك.

وبقي الأمر كذلك حتى ظهور الفلسفة كعلم منفصل عن علم الكلام، بل كطرف مقابل له، وكسلاح ايديولوجي من نوع جديد أكثر تقدماً منه.

ان "مصدر هذا النشاط الملحوظ لحركة التأليف الكلامي في تلك المرحلة، هو احتدام المعركة فيها بين المعسكرين الرئيسين اللذين احتلا ساحة علم الكلام كلها تقريباً: معسكر المعتزلة، معسكر الاشاعرة"([24]).

أخيراً، نشير إلى أن علم الكلام في مسيرته الطويلة، من عهد مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء (131ه / 748م)، حتى عهد أشهر المتكلمين السلفيين المتأخرين ابن تيمية (661 – 728ه / القرن الرابع عشر الميلادي)، فإننا يمكن ان نستخلص أمرين أساسيين([25]):

أولاً- ان علم الكلام ينتظم جملة المسائل ذات الشكل الديني – العقائدي التي اثارتها أنواع الصراع الاجتماعي – السياسي في المجتمع العربي – الاسلامي منذ عهد الخلفاء الراشدين، ثم تحولت إلى مركبات من الأفكار عن عالم ما وراء الطبيعة حتى كادت تحتجب ابعادها الاجتماعية وراء ضباب من التجريدات، مضافة إلى نظرات ذات اتجاه فلسفي عن العلم الطبيعي من زاوية نظر لاهوتية.

وقد تعددت الفرق والمذاهب الكلامية على مدى تلك المسيرة الطويلة لهذا العلم ولكن المسائل التي تعالجها هذه الفرق والمذاهب، أو تختلف عليها، بقيت هي ذاتها مدار المعالجة والخلاف.

على ان المنطلقات الاساسية لاختلاف الآراء في كل من هذه المسائل، او في بعضها، أو في مجموعها، كانت دائماً – إذا نظرنا إلى أبعد من الظاهرات الشكلية للأفكار – منطلقات واقعية اجتماعية، أي انها ناشئة، بأبعد جذورها، عن مواقع اصحاب هذه الأفكار في التركيب الاجتماعي العام لمجتمعهم.

ثانياً- ان علم الكلام قطع مرحلتين رئيستين خلال تلك المسيرة التي استغرقت نحو ستة قرون: مرحلة علم الكلام المعتزلي، ومرحلة علم الكلام الاشعري.

وفي كل الأحوال، فإن دراسة علم الكلام على اساس الاتجاه الفكري والايديولوجي لا بد ان تصل بنا إلى هذا الاستنتاج، أي رؤية اتجاهين رئيسين تقاسماً تاريخ هذا العلم إلى مرحلتين متعاقبتين ومتعارضتين بقدر ما بين اتجاه الفكر المعتزلي من تعارض مع اتجاه الفكر الاشعري.

 

 


([1]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول– دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى 1978 – ص547

([2]) المرجع نفسه – ص548

([3]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985  – ص26/ 27

([4]) المرجع نفسه – ص28

([5]) المرجع نفسه – ص30

([6]) المرجع نفسه – ص11.

([7]) المرجع نفسه – ص11

([8]) المرجع نفسه – ص12.

([9]) كان القرامطة يمثلون الاتجاه الراديكالي، وكانت شعاراتهم المنادية بالعدالة تؤجج لهيب الانتفاضات والثورات، التي شارك فيها (أواخر القرن التاسع والنصف الأول من القرن العاشر الميلادي) الفلاحون والبدو الرحل وفقراء المدينة، والتي عمت كل مناطق الشرق الأوسط، من اليمن وحتى خراسان. وشيد القرامطة في شرق الجزيرة العربية دولتهم، التي قامت على مبادئ، تُذَكرنا بالشيوعية البدائية. وقد أعلنوا على الملأ أن الأنبياء الثلاثة موسى وعيسى ومحمداً كانوا دجالين، يهدفون إلى تكبيل الناس باختلاقات وتلفيقات عن الثواب والعقاب في "العالم الأخروي". وفي عام 930 هاجم القرامطة مكة، واستولوا على الحجر الأسود، ونهبوا ثروات الكعبة. وجدير بالذكر أن المكيين، أنفسهم شاركوا في عمليات النهب . وكان الفاطميون ، الذين اتخذوا من القاهرة عاصمة لدولتهم ، يمثلون الجناح المعتدل في الحركة الإسماعيلية. وكانوا يستخدمون المذهب الإسماعيلي أداة للتغلغل السياسي إلى باقي مناطق العالم الإسلامي. (مرجع سبق ذكره - الفلسفة العربية الإسلامية – المؤلف :أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم –  ص 124).

أما د. حسين مروه، يرى أن عقيدة جمهورية القرامطة، انه كانت لهم فلسفة، ولم تكن لهم عقيدة بالمعنى الديني، تتمثل هذه الفلسفة بفكرة "تأليه" العقل، أو "عقلنة" الله، فهم يقولون بـ"العقل الأعلى" الذي هو الله، أو الحكمة العليا، فقد ألغوا الطقوس والشعائر الدينية كليا، ولكن ذلك لم يمنعهم من الموافقة على بناء المساجد.. الشعب في جمهورية القرامطه، لا يؤدي لحكومته ضرائب ولا اعشاراً ، وانه حين يصيب أحدهم فقر، أو يقع تحت دين لا يستطيع وفاءه ، تُسَلِّفه "العقدانية" ما يحتاج اليه دون فائدة، وان حكومة الجمهورية كانت اذا دخل غريب ذو حرفة تسلفه ثمن أدوات العمل حتى يعمل في حرفته ويكسب عيشه ويسدد السلفة دون فائدة، وانه كان اذا أصابت صاحب بيت أو طاحون مصيبة وكان ضعيفاً امدته "العقدانية" بالشغيلة لترميم بيته أو طاحونه.. ان هذه الواقعات تكشف –كما يضيف د. مروه- ان شكلاً من "القطاع العام" في جمهورية البحرين كان هو الطابع الغالب للمؤسسات الاقتصادية – الاجتماعية، وهذا هو الوجه الثوري الأساسي لهذه التجربة الفريدة في تلك العصور.. ومن هنا بالذات تنبع قوة الصمود التي صانت هذه التجربة عشرات السنين رغم كونها محاطة بالقوى المعادية لها طبقياً وأيديولوجياً، وكانت تعمل بكل جهد لخنقها قبل أن تصبح مثالاً خطرا على النظام الاجتماعي العام لدولة الخلافة، وحين لم تستطع خنقها شوهت تاريخها وطمست ايجابياتها ولم تدع ما يبرز منها للتاريخ سوى سلبياتها واخطائها التي كانت اخطاء فادحة بالفعل. (حسين مروه – مرجع سبق ذكره –النزاعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الثاني – ص22)

([10]) زعيم الخرمية، وهي حركة اجتماعية – دينية نشات في خراسان، وأيدها أتباع من المجوسية، واشتد نفوذها بعد مقتل أبي مسلم الخراساني، أشعل في أذربيجان "فتنة" استمرت عشرين سنة ضد الدولة العباسية، عجز المأمون عن القضاء عليه، وأرسل المعتصم إليه الأفشين فانتصر عليه، وصلبه في سامراء سنة 244 ه / 838 م. (جورج طرابيشي– معجم الفلاسفة– دار الطليعة– بيروت– ط1– أيار 1987-ص131).

([11])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني – ص12

([12]) المرجع نفسه – ص13-14

([13]) المرجع نفسه - ص 11

([14])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول - ص 874

([15]) المرجع نفسه – ص839

([16]) المرجع نفسه -   ص840

([17]) المرجع نفسه -   ص841

([18]) المرجع نفسه - ص841

([19])  أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم- مرجع سبق ذكره - الفلسفة العربية الإسلامية - ص 29

([20]) عُرِفَ الجهمية بنزعتهم الجبرية الخالصة، التي تعكس توجههم نحو مذهب وحدة الوجود (البانتيئية Pantheism). وكان من أبرز أعلامهم ضرار بن عمرو (ت:815) وبشر المريسي (ت: 833) وتلميذه الحسين النجار، وسرعان ما أخلى الجهمية مكانهم للمعتزلة، الذين شاركوهم رؤيتهم للإله وصفاته، واعتقدوا مثلهم بخلق القرآن.

([21]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985 - ص 11

([22]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3) .. فكر الفرق.. علم الكلام.. الفلسفة.. التصوف – ص 56

([23]) مع

 (تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل الرابع

الفكر الإسلامي وعلم الكلام

كيف نشأ التفكير الفلسفي في العقائد الايمانية الاسلامية؟

إن كثيراً من الباحثين المتأخرين، من شرقيين وغربيين، -كما يقول د. حسين مروه-"يتخذون في هذه المسألة موقفاً وحيد الجانب، وان اختلفوا في تعيين هذا الجانب الوحيد، "فان منهم من يرجع نشأة التفكير الفلسفي في العقائد الايمانية الاسلامية إلى عوامل خارجية خالصة، وفي طليعة هذا الفريق مؤرخ الفلسفة دي بور، فهو أولاً ينكر وجود عقائد اسلامية جاء بها القرآن، بحجة ان القرآن "جاء المسلمين بدين ولم يجئهم بنظريات، وتلقوا احكاماً لكنهم لم يتلقوا فيه عقائد"، وهو ثانياً يرى انه "بعد ان فتح المسلمون بلاد غيرهم وجدوا امامهم علم عقائد نصراني متكامل البناء، كما وجدوا امامهم مذاهب اصحاب زرادشت ومذاهب البراهمة، ثم ينتهي "دي بور" إلى القول بأنه إلى جانب الاعتبارات التي شرحها في هذا الاتجاه تقوم "دلائل متفرقة على ان طائفة من المسلمين الأولين الذين قالوا بالاختيار كان لهم اساتذة من النصارى، ثم جاءت عناصر فلسفية محضة من المذاهب الغنوسطية، اولاً، ومما ترجم من الكتب بعد ذلك، وتضافرت مع المؤثرات النصرانية المصطبغة بالفلسفة اليونانية في دورها الشرقي الاخير"([1]).

وهناك "فريق آخر من الباحثين في مسائل الفكر العربي – الاسلامي يضع المسألة على نحو أقرب إلى أُسلوب البحث الصحيح، "لكن دون أن يلامس الواقع الاجتماعي والسياسي ملامسة تمضي من منطق البحث العلمي إلى مداه الاخير، وهذا الفريق الآخر يُرْجِع نشأة التفكير الفلسفي في العقائد الاسلامية إلى قاعدة نظرية عامة جداً تقول بأن الفكر الانساني "يمر في سعيه وراء اليقين في ثلاث مراحل: تصديق مطلق، فتشكك باطني، فاقتناع عقلي، كما أن البحث في مشكلة القضاء والقدر، عند المفكرين العرب والاسلاميين بعامة، قد ظهر كبحث فكري يرتبط بمسؤولية الإنسان – الفرد عن فعله، في ما بين النصف الأول والنصف الثاني من القرن الأول للهجرة (منتصف القرن السابع الميلادي) مع ظهور أفكار المعتزلة، التي تنطلق من مقولة تتلخص في أن الإنسان حر الإرادة، على يد واصل بن عطاء"([2]).

إن استعراضنا " لأبرز الظاهرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة في مجتمع الخلافة العباسية خلال القرن الثالث الهجري، يوصلنا إلى حقيقة مهمة نصل اليها في ضوء الواقعات التاريخية، هذه الحقيقة هي أن تلك الظاهرات بجملتها، وبما كانت تثيره في المجتمع من انتفاضات وثورات وغيرها من أشكال الرفض والمقاومة، قد جعلت أسس النظام الاجتماعي القائم حينذاك عرضة للاهتزاز والاختلال، واخذت تحدث انواعاً من التصدع في أهم مرتكزاته ومسلماته الفكرية والحقوقية، وذلك يعني أن التصدع كان يتسرب وقتئذ إلى أيديولوجية هذا النظام ذاتها، وقد كانت الأيديولوجية الدينية هي السند الحقوقي الأساس لسلطة الخلافة وسيطرتها السياسية، أي سلطة المنتفعين بالنظام الاجتماعي، نظام علاقات الإنتاج القائمة، والذين كانوا يتخذون من المفهوم الروحي للخلافة ومن أيديولوجيتها الدينية حصنا لهم وسلاحاً لمحاربة الأفكار والحركات والانتفاضات ذات المضمون الاجتماعي الثوري"([3]).

هناك، إذن، تصدع في أيديولوجية دولة الخلافة من جهة، وتمثل كياني – من جهة ثانية- للثقافة العلمية: الطبيعية والفلسفية، كان من تأثيراته ان الفكر العقلاني أخذ يتبلور عند جملة العلماء والمفكرين باتجاه يحاول ان يتخطى التفكير التأملي الصرف الخاضع لسيطرة التوجيه اللاهوتي الخفي والظاهر معاً.

في هذا المناخ العام المتفجر، بمقوماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية نقول: في هذا المناخ ذاته ما كان يمكن للفكر الفلسفي، بعد ان ظل ينمو ويترعرع في حضانة علم الكلام المعتزلي منذ عهد واصل بن عطاء (131ه / 748م)، ان يبقى قيد تلك الحضانة حتى في ظروف تصدع الأيديولوجية الرسمية وعجزها عن فرض سيطرتها، أو سيطرة اطارها اللاهوتي، على مجمل الحركة الناشطة لثقافة المجتمع على الرغم من بداية ظهور تبلور الفكر العقلاني الاسلامي باتجاه تخطي المعارف الغيبية واستقلال الفلسفة عن علم الكلام.

إن المفهوم الحقيقي الواقعي لاستقلال الفلسفة، في تلك المرحلة التاريخية، "هو أنها – أي الفلسفة- أصبحت، في معالجاتها لتلك القضايا نفسها المطروحة امامها، تنطلق من منطقها الخاص لا من منطق المسلمات الدينية، سالكة في البحث والمعالجة منهجاً تستمده من النظر في الوجود بمعناه الاشمل، نظراً مستقلاً عن المقولات اللاهوتية، معتمداً المقولات التي يستنبطها العقل من دياليكتيك العلاقات مع الوجود الواقعي، أو يمكن القول – بتعبير آخر- إن معنى استقلال الفلسفة عن علم الكلام، في تلك المرحلة من تاريخ تطور المجتمع العربي – الاسلامي، هو انتقالها (أي الفلسفة) من الموقع الذي كانت تحل فيه مشكلة المعرفة – مثلاً- حلاً عقلياً لاهوتياً، مزدوجاً، إلى موقع تملك فيه الحق بأن تحل فيه مثل هذه المشكلة حلاً فلسفياً محضاً منفصلاً عن سيطرة النظرة اللاهوتية التي كانت من مستلزمات علم الكلام"([4]).

لكن، -يتساءل د. حسين مروة- "هل أمكن الفلسفة أن تحقق بالفعل استقلالها بهذا المعنى، آنئذ؟الواقع التاريخي يجيبنا: لا. فقد كان من طبائع الأمور أن لا تستطيع الفلسفة التخلص من علاقاتها البنيوية مع علم الكلام تخلصاً كاملاً"، لذا بقي استقلالها عنه نسبياً إلى وقت ربما يصح القول انه امتد حتى بداية مرحلة الفلسفة السينوية، ذلك ان النزعة اللاهوتية ظلت توجه – من موقع خفي- بعض الاستنتاجات الفلسفية في العهد الأول من استقلال الفلسفة، كالاستنتاج المتعلق بموضوع قدم العالم مثلاً، أو الاستنتاج المتعلق بموضوع خلق العالم من العدم، أو غيرهما، فلم يكن ممكناً –كما يرى د. مروة- ان تختفي هذه النزعة فجأة، أو بوقت قصير، ولا أن يحدث الاستقلال بصورة حاسمة دون تداخل بين مرحلتين إلى زمن ما، هذا من جهة أولى. ثم انه – من جهة ثانية- لم تكن قد نشأت في الثقافة العربية، يومئذ تقاليد فلسفية سابقة خارج اللاهوتية الاسلامية (علم الكلام)، لذا كان لابد من مرور مرحلة غير قصيرة كيما تنشأ هذه التقاليد وتتوطد، بعد استقلال الفكر الفلسفي، وكيما تتحول هذه التقاليد إلى نوعية جديدة يصبح بها استقلال الفلسفة كاملاً، أي بعيداً عن فلك السيطرة اللاهوتية"([5]).

 

مقدمات حاسمة لاستقلال الفلسفة الإسلامية:

مع "انتصاف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) يكون "قد مضى–كما يقول المفكر الشهيد حسين مروه- نحو قرن وأكثر من ربع قرن منذ بدأت المباحث الكلامية المعتزلية تؤدي دورها التاريخي الضخم، وهو حضانتها لبذور الفكر الفلسفي ضمن فعل القوانين العامة لحركة التطور التي خضع لها المجتمع العربي – الاسلامي وفق ظروفه التاريخية الخاصة، وقد وضح، ان دور متكلمي المعتزلة هذا قد حمل طابعين متلازمين متداخلين: طابعه الفكري النظري، وطابعه الأيديولوجي، فـخلال "النصف الأول من القرن الثالث، كان يبدو أن الفكر الفلسفي يوشك ان يتجاوز دور الحضانة الذي عاشه تحت جناحي علم الكلام المعتزلى، أي انه يوشك أن يتخذ لنفسه مساراً مستقلاً عن علم الكلام هذا، بمعنى ان الفكر الفلسفي كان قد بلغ في نموه، ضمن الاطار الكلامي حدا اذا هو لم يتجاوزه كان لا بد –بالضرورة- أن يصبح هذا الاطار نفسه عائقاً دون نموه وتطوره، إن لم يصبح اليد التي تخنقه وتقضي عليه، وذلك يرجع إلى أن علم الكلام هو، في بنيته الأساسية، فلسفة لاهوتية تقوم على وحدانية الحقيقة الدينية المتمثلة في الشريعة، والمرتبطة بالمصدر الالهي الأوحد، في حين ان الفكر الفلسفي ينزع إلى نشدان الحقيقة التي يكون منطق العقل البشري هو طريق الوصول إليها دون المصادر الغيبية"([6]).

هذا أحد وجهي المسألة، أما وجهها الآخر، فهو أن ظروف تطور الصراع الاجتماعي والأيديولوجي، في المجتمع العباسي، خلال القرن الثالث الهجري الحافل بأخصب أنواع التناقضات والمفارقات التاريخية، كانت ظروفاً بالغة التعقيد بحيث كانت تتطلب شكلاً أعلى من الشكل الكلامي اللاهوتي للتعبير عن كل من الوعي النظري والصراع الايديولوجي في ذلك المجتمع، فقد حفل القرن الهجري الثالث بانتفاضات جماهيرية وحركات ثورية عدة حدثت في العراق ومصر وبعض مناطق شبه الجزيرة العربية وفي الاقاليم الاسيوية البعيدة التابعة يومئذ لدولة الخلافة، هذه الانتفاضات والثورات شارك فيها فئات اجتماعية واسعة من الكادحين والمستضعفين، لا سيما الفلاحون"([7]).

وإذا كان بعض هذه الثورات والانتفاضات اصطبغ بصبغات مذهبية أو دينية أو نزعات فلسفية، فإن الدراسة التاريخية العلمية تكشف أن الدافع الاجتماعي كان هو المحرك الغالب لمعظم الانتفاضات والثورات التي شهدها القرن الثالث، والتي امتد بعضها منه إلى القرن الرابع الهجري"([8]).

يكفي أن نذكر منها هذه النماذج الثلاثة: ثورة الزنج، وثورة القرامطة([9])، والثورة البابكية الخرمية بقيادة بابك([10])، فقد كان لهذه الثورات الثلاث من الدلالات الاجتماعية ما يساوي الخطر الذي هددت به النظام الاجتماعي لدولة الخلافة من أساسه، لذا "لا يمكن القول ان المصادفة وحدها جمعت الثورات الثلاث على صعيد القرن الثالث بعينه، بل هناك الظروف الاقتصادية – الاجتماعية التي هيأت هذا القرن لأن يستقبل في مستهله ثورة البابكيين (201 – 223ه / 817 – 838م) في جبال قرطاغ على حدود اذربيجان، ثم يستقبل في مطلع نصفه الثاني ثورة الزنج (255-270ه / 869 – 883 م) في البصرة، ثم لا ينقضي نحو عشر سنين بعد اشتعال ثورة الزنج هذه حتى تبدأ حركة القرامطة تلقي بذور ثورتها في سواد الكوفة (264 ه / 877) لكي تنمو وتنتشر طوال النصف الثاني من القرن نفسه، في العراق وسورية والبحرين، إلى ان تبسط ظلالها على القرن الرابع الهجري وما بعده، "أما الظروف الاقتصادية – الاجتماعية التي نعنيها هنا فإنما هي الامتداد الكمي للآثار والظاهرات التي كان يخلقها النظام الاجتماعي القائمة على أساسه دولة الخلافة الإسلامية، أموية كانت أم عباسية، وهذا النظام يتميز، منذ قيام الدولة الأموية، باقتصاده الزراعي – التجاري المتداخل، وبالسمة الأساسية لعلاقاته الإنتاجية: أي الملكية الاقطاعية والاستثمار الاقطاعي، متمثلاً كل ذلك مباشرة برؤوس الفئة الحاكمة حكماً مطلقاً باسم الاسلام"([11]).

ان آثار هذا النظام وظاهراته كانت تمتد، بصورة كمية، على مدى القرنين الهجريين الأولين، فلما جاء القرن الثالث كان قد بلغ الامتداد الكمي حدا يؤذن بمثل تلك الانفجارات النوعية التي كانت الثورة البابكية وثورة الزنج وحركة القرامطة، أبرز نماذجها في ذلك القرن المتفجر"([12]).

علم الكلام

عَرَّفَ المفكر الشهيد د. حسين مروة علم الكلام بقوله: "إن علم الكلام هو، في بنيته الأساسية، فلسفة لاهوتية تقوم على وحدانية الحقيقة الدينية المتمثلة في الشريعة، والمرتبطة بالمصدر الالهي الأوحد، في حين ان الفكر الفلسفي ينزع إلى نشدان الحقيقة التي يكون منطق العقل البشري هو طريق الوصول إليها دون المصادر الغيبية"([13]).

نشأ علم الكلام في ظروف غامرة بالاختلافات والانقسامات فيما يتعلق بالاجتهادات الدينية، ثم تطورت تلك الاختلافات بين الرؤى الفلسفية من ناحية وبين الدين من ناحية ثانية، وتفاقمت بين أصحاب النقل الرافضين للعقل أو التفسير العقلاني للدين، وبين الفلاسفة المستنيرين الذين أكدوا على استخدام العقل وترجيحه في تفسير النقل، وهذه المواقف الرافضة للفلسفة والعقل نجدها في كافة الأديان.

السؤال هنا: ما حدود العلاقة بين علم الكلام والفلسفة.. وهل هناك حدود بينهما؟ الجواب –كما يقول د. حسين مروه – نعم ، إذ ان "لكل من علم الكلام والفلسفة مرحلة، مستقلة نسبياً، في طريق تطور الفكر العربي الإسلامي، وهذا الواقع بالضبط هو الذي يقرر حدود العلاقة بينهما بصورة أولية، ولكن الذي يقرر هذه الحدود بصورة علمية هو كون علم الكلام مارس التفكير الفلسفي كوسيلة لبحث القضايا المثارة في المجتمع العربي بعد الاسلام، متخذا شكل البحث الديني في العقائد، في حين ان الفلسفة ظهرت في المجتمع العربي – الاسلامي، بعد ان استوفى علم الكلام نضجه، لتبحث قضايا الوجود والطبيعة والمجتمع والتفكير، كمفاهيم، منعكساً فيها العالم المادي بصفة مجتمع معين بظروفه وخصائصه التاريخية المعينة واشكال علاقاته الاجتماعية المعينة انعكاساً غير مباشرة.. أي ان الفلسفة تميزت من علم الكلام بأمرين أساسيين:

أولا، بأنها انطلقت من المفاهيم، لا من القضايا المثارة في المجتمع بصورة مباشرة.

ثانياً، بأنها لم تتخذ من عقائد الاسلام قاعدة للبحث، وان حاولت ان تخفي التناقض بين النتائج التي يصل اليها البحث الفلسفي وبين العقائد الايمانية الاسلامية. ومحاولاتها هذه هي التي سميت "توفيقاً" بين الفلسفة والدين، تسمية غير صحيحة"([14]).

 

تعريف علم الكلام وتطوره التاريخي:

"علم الكلام" –كما يقول د.حسين مروة- بدأ أول الأمر "كلاماً" في مسألة القدر، ولم يكن علماً حينذاك، بل كان شكلاً فكرياً من أشكال التحول الكيفي لتراكمات النقمة الاجتماعية (ضد الدولة الأموية)، أي نقمة جماعات الموالي، وشغيلة الأرض، وصغار مالكي الأرض، وشراذم من العبيد هنا وهناك يعملون اما في الأرض أو في الخدمات العامة، وعدد كثيف من الفقراء والمعدمين في المدن، ومنهم صغار الكسبة ومستخدمو المحلات الحِرَفية.

ففي الوقت الذي كانت تتفجر فيه الانتفاضات المسلحة بوجه الحكم الأموي في مناطق عدة ومتباعدة من الامبراطورية الوسيعة، كانت مدرسة الحسن البصري ومن تفرع عنها من مثقفين ومفكرين ومن علماء بارزين في علوم العريضة والشريعة، يتخذون شكلاً آخر لمعارضة السيطرة السياسية المطلقة الاموية ولمعارضة ايديولوجيتها الجبرية المطلقة أيضاً.

لقد كان صوت الحسن البصري وواصل بن عطاء ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وامثالهم، "اول صوت للفكر العربي – الاسلامي يرتفع ليتحدى الفكر الرسمي، ويتحدى جبرية الفئة المسيطرة اقتصادياً وسياسياً، مجاهراً ان: لا قدر يحكم ارادة الإنسان حكماً جبرياً مطلقاً، ففي سياق هذه المعارضة الفكرية المرتبطة، أساساً، بالمعارضة الاجتماعية – السياسية، كانت مسائل جديدة تطرحها حركة تطور المجتمع الجديد أَمام الفكر المعارض كلما تراكمت الأسباب الدافعة للمعارضة من جهة، وظروف التطور الاجتماعي الدافعة لتعميق النظر أكثر فأكثر في هذه المسائل المطروحة، من جهة ثانية، وعلى أساس مسألة القدر، من حيث علاقتها بقضية حرية الإنسان في اختيار افعاله، وعلاقة هذه القضية بالموقف من السلطة السياسية القائمة حينذاك، تحركت قضايا الصراع الاجتماعي – السياسي كلها، ولكن باشكالها الفكرية ذات الطابع التركيبي الجديد القائم على النظر العقلي التأملي المجرد"([15]).

ومن أهم هذه القضايا: حكم مرتكب الكبيرة، العلاقة بين العقل والايمان، مفهوم العدل في الاسلام، الموقف من الحاكم الجائر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم تنزيه الله وتوحيده الخ.

" لقد بقيت المباحث التي عالجت هذه القضايا وما يدور في اطارها، خلال عشرات السنين منذ اثيرت مسألة القدر أول مرة، مباحث متفرقة ومتوزعة بين مباحث الفقه واصول الفقه، واحياناً مباحث الفلسفة والتصوف وعلوم الطبيعة دون تحديد "لهويتها" العلمية، ودون ترابط بينها، حتى بلغ تطور الفكر العربي مرحلة القدرة على مثل هذا التحديد والتمييز"([16]).

حينذاك انتقلت هذه المباحث من وضعها التراكمي الكمي إلى كيفية محددة، متميزة، بحيث صُنِّفَت عِلماً مستقلاً باسم "علم الكلام"، أي انها بذلك دخلت مرحلة التصنيف العلمي التي دخلها الفكر العربي بجملته، وهي مرحلة متقدمة بالفعل، إذ لم تكن قبل ذلك تعرف الفوارق الاساسية بين علم وعلم في الغالب، فكثيراً ما كانت تضيع الحدود، مثلاً، بين الفقه وأصوله وأصول الدين، أو بين النحو والبلاغة والأدب، أو بين الحديث والتفسير والتاريخ والتراجم.

ذلك لأنه لم تكن لكل علم حدوده ومفاهيمه ومقولاته المميزة الواضحة، من هنا رأينا اسم "علم الكلام" كمصطلح خاص يتأخر في الظهور ولا يتردد في الكبت والجدل والمعارك الفكرية،إلا من عصر المأمون، أي بين نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجريين (القرن التاسع الميلادي).

يُرَجِّحْ د. حسين مروة، ان "اسم "علم الكلام" كمصطلح خاص يدل على هذا العلم الذي استقل بموضوعاته ومقولاته ومفاهيمه وضوابطه، قد أُطلق تثبيتاً و"تكريساً" لتعبير عام كانوا يستخدمونه، عفوياً، حين يتحدثون عن بحث مسألة من هذه المسائل التي أصبح ينتظمها هذا العلم، كما أظهرت لنا الادلة التاريخية ان حركة التدوين والتأليف عند العرب بدأت في القرن الأول الهجري (=السابع الميلادي). ان هذا يعني ان حركة التأليف في المسائل الكلامية بدأت منذ ذلك العهد"([17]).

لان أهم المسائل الفكرية التي كان يدور عليها الجدل وتشتد حولها المعارك المذهبية والايديولوجية منذ النصف الثاني لذلك القرن، هي تلك المسائل التي أُثيرت حول حرية اختيار الإنسان افعاله وما تلاها من مسائل العدل والصفات ومفهوم الايمان وعلاقته بالعقل ومرتكب الكبيرة الخ.. وهذه جميعاً هي مسائل العلم الذي صار اسمه بعد ذلك "علم الكلام"([18]).

غني عن القول أن علم الكلام –حسب معظم المصادر – "ظهر وتطور أول الأمر في إطار المناظرات التي دارت بين المسلمين أنفسهم، وذلك بظهور مختلف الفرق الدينية – السياسية (الخوارج، المرجئة، القدرية، الجبرية..)، وكذلك بين المسلمين وبين أبناء الديانات الأخرى،كما تبلورت في مجرى هذه المناظرات جملة من السمات، التي صارت مميزة لطريقة المتكلمين في البحث، وأهمها: اللجوء إلى تأويل النصوص القرآنية ؛ اعتبار حجج العقل هي وحدها الحاسمة في النقاش والبرهان، كما تبلورت أيضاً القضايا الأساسية في "جليل الكلام: التوحيد، وضمناً العلاقة بين الذات والصفات الإلهية؛ قِدَمْ القرآن أو خَلْقه (حدوثه في زمان)؛ القدر الإلهي وحرية الإرادة البشرية، أو التسيير والتخيير، معنى الإيمان، وخاصة العلاقة بين النظر والعمل فيه، إلخ"([19]).

"ولعل من أوائل المفكرين، الذين اشتغلوا بالكلام، كان الجعد بن درهم (قتل عام 742/743م) وينسب إليه إنكار وصف الإله بشيء من صفات المخلوقات، والقول بخلق القرآن، وبحرية الارادة البشرية، وبرز بعده تلميذه الجهم بن صفوان (قتل عام 745م)، الذي باسمه ترتبط مدرسة "الجهمية"([20]).

هذا أحد وجهي مسألة علم الكلام، أما وجهها الآخر، "فهو أن ظروف تطور الصراع الاجتماعي والأيديولوجي، في المجتمع الأموي، ثم في المجتمع العباسي، "خلال القرن الثالث الهجري الحافل بأخصب أنواع التناقضات والمفارقات التاريخية، كانت ظروفاً بالغة التعقيد بحيث كانت تتطلب شكلاً أعلى من الشكل الكلامي اللاهوتي للتعبير عن كل من الوعي النظري والصراع الايديولوجي في ذلك المجتمع"([21]).

وفي كل الأحوال، ازدهر علم الكلام من خلال صراع الأفكار وتراكمت معارفه كمياً؛ بما أفضى إلى تحول كيفي يتمثل في ظهور الفلسفة الاسلامية التي ولدت من رحم علم الكلام.

"نشأة علم الكلام إذن، إسلامية خالصة دون أدنى تأثير أجنبي، وفي ذلك يصدق قول د. حسن حنفي "نشأ علم الكلام نشأة داخلية دون أن يتأثر بمؤثرات أجنبية؛ لذلك فهو أكثر تعبيراً من الفلسفة عن الفكر الاسلامي، وهو الذي ظهرت فيه أصالة المسلمين؛ فكان تصويراً لأحداث الواقع وتطوره، وبعد الترجمة تأثر علم الكلام بالحضارات الأخرى؛ مما ساعد على تطوير آراء الفرق الكلامية، وخفف من وطأة العقائد، وأدخل العقل في التفكير.. علم الكلام إذن ليس علم تاريخ مقدس، ويخطئ من يُوَحِّد بينه وبين العقيدة الدينية؛ فهناك فرق كبير بينهما، علم الكلام محاولات إجتهادية لفهم العقيدة أو تنظيرها، وتخضع هذه المحاولات للظروف التاريخية وللأحداث السياسية وللغة العصر ومستوى الثقافة"([22]).

وحسب حفريات وتدقيقات طرابيشي –كما يقول صادق العظم- "فإن ( التدوين عَرَفَ نقلة حاسمة إلى الأمام مع نقل الأمويين عاصمة الخلافة من المدينة إلى دمشق، فمعاوية " أول من سأل في التاريخ واستقدم العلماء وأول من أمر بالتدوين"). كما يذكر نقلا عن المسعودي في "التنبيه والإشراف"، ( أن هشام بن عبد الملك أمر بأن ينقل له من الفارسية إلى العربية " كتاب عظيم " في تاريخ الفرس اسْتُقِيَتْ مادته " مما وُجِدَ في خزائن ملوك فارس – ويشمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم ). كما يذكر نقلا عن ابن النديم أن سالماً المكنى أبا العلاء، كاتب هشام بن عبد الملك الذي كانت خلافته بين 105 - 125، نَقَلَ له رسائل أرسطاليس إلى الإسكندر.

"على أرضية هذا السياق التاريخي، تم استدعاء الفلسفة لأول مرة في الثقافة العربية، عبر ترجمة أو تعريب الفلسفة اليونانية، أو كما كانت تسمى آنذاك (علوم الأولين). فاستمرت وكثرت الترجمات في العهد العباسي لاسيما في عهدي المأمون والمنصور. وتبلورت نتيجة لذلك ثلاث مجالات للنظر العقلي في الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة وهي: علم الكلام، الفلسفة، التصوف"([23]).

"غير انه من المثير للأسف أن يكون ما أُلِّفَ في ذلك العهد من مسائل الكلام ومن مؤلفات المعتزلة بالأخص، لم يصل حتى إلى العصر الذي جاء بعد عصره مباشرة، أي العباسي، والا لوصلنا بطريق العصر العباسي شيء من مؤلفات الكلام والمنطق في العهد الأموي.

هذا الواقع التاريخي يثير التساؤل المشروع عن سبب ضياع هذه المؤلفات. ونرجح ان يكون السبب هو كون الفكر المعتزلي، في ذلك العهد، اخصب نتاجاً وأكثر انتشاراً واجتذاباً لناس مجتمعه، لأنه أكثر تحدياً للفكر الرسمي الأموي، ولذا نرى انه ليس ببعيد ان تكون السلطة السياسية السائدة يومئذ والفئات الفكرية الموالية لها، قد تعاونت على طمس نتاج هذا الفكر، بل إعدامه كما يظهر، بحيث لم نستطع ان نتعرف عليه الا من مؤلفات خصومه بالأغلب، أما ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ومنذ خلافة المأمون بخاصة، فقد نشطت حركة التأليف في علم الكلام إلى حد يكاد يصح معه القول ان مؤلفات هذا العلم والمعارك الفكرية التي تثيرها هذه المؤلفات أصبحت الظاهرة الأكثر بروزاً لمجمل الحركة الفكرية حينذاك.

وبقي الأمر كذلك حتى ظهور الفلسفة كعلم منفصل عن علم الكلام، بل كطرف مقابل له، وكسلاح ايديولوجي من نوع جديد أكثر تقدماً منه.

ان "مصدر هذا النشاط الملحوظ لحركة التأليف الكلامي في تلك المرحلة، هو احتدام المعركة فيها بين المعسكرين الرئيسين اللذين احتلا ساحة علم الكلام كلها تقريباً: معسكر المعتزلة، معسكر الاشاعرة"([24]).

أخيراً، نشير إلى أن علم الكلام في مسيرته الطويلة، من عهد مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء (131ه / 748م)، حتى عهد أشهر المتكلمين السلفيين المتأخرين ابن تيمية (661 – 728ه / القرن الرابع عشر الميلادي)، فإننا يمكن ان نستخلص أمرين أساسيين([25]):

أولاً- ان علم الكلام ينتظم جملة المسائل ذات الشكل الديني – العقائدي التي اثارتها أنواع الصراع الاجتماعي – السياسي في المجتمع العربي – الاسلامي منذ عهد الخلفاء الراشدين، ثم تحولت إلى مركبات من الأفكار عن عالم ما وراء الطبيعة حتى كادت تحتجب ابعادها الاجتماعية وراء ضباب من التجريدات، مضافة إلى نظرات ذات اتجاه فلسفي عن العلم الطبيعي من زاوية نظر لاهوتية.

وقد تعددت الفرق والمذاهب الكلامية على مدى تلك المسيرة الطويلة لهذا العلم ولكن المسائل التي تعالجها هذه الفرق والمذاهب، أو تختلف عليها، بقيت هي ذاتها مدار المعالجة والخلاف.

على ان المنطلقات الاساسية لاختلاف الآراء في كل من هذه المسائل، او في بعضها، أو في مجموعها، كانت دائماً – إذا نظرنا إلى أبعد من الظاهرات الشكلية للأفكار – منطلقات واقعية اجتماعية، أي انها ناشئة، بأبعد جذورها، عن مواقع اصحاب هذه الأفكار في التركيب الاجتماعي العام لمجتمعهم.

ثانياً- ان علم الكلام قطع مرحلتين رئيستين خلال تلك المسيرة التي استغرقت نحو ستة قرون: مرحلة علم الكلام المعتزلي، ومرحلة علم الكلام الاشعري.

وفي كل الأحوال، فإن دراسة علم الكلام على اساس الاتجاه الفكري والايديولوجي لا بد ان تصل بنا إلى هذا الاستنتاج، أي رؤية اتجاهين رئيسين تقاسماً تاريخ هذا العلم إلى مرحلتين متعاقبتين ومتعارضتين بقدر ما بين اتجاه الفكر المعتزلي من تعارض مع اتجاه الفكر الاشعري.

 


([1]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول– دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى 1978 – ص547

([2]) المرجع نفسه – ص548

([3]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985  – ص26/ 27

([4]) المرجع نفسه – ص28

([5]) المرجع نفسه – ص30

([6]) المرجع نفسه – ص11.

([7]) المرجع نفسه – ص11

([8]) المرجع نفسه – ص12.

([9]) كان القرامطة يمثلون الاتجاه الراديكالي، وكانت شعاراتهم المنادية بالعدالة تؤجج لهيب الانتفاضات والثورات، التي شارك فيها (أواخر القرن التاسع والنصف الأول من القرن العاشر الميلادي) الفلاحون والبدو الرحل وفقراء المدينة، والتي عمت كل مناطق الشرق الأوسط، من اليمن وحتى خراسان. وشيد القرامطة في شرق الجزيرة العربية دولتهم، التي قامت على مبادئ، تُذَكرنا بالشيوعية البدائية. وقد أعلنوا على الملأ أن الأنبياء الثلاثة موسى وعيسى ومحمداً كانوا دجالين، يهدفون إلى تكبيل الناس باختلاقات وتلفيقات عن الثواب والعقاب في "العالم الأخروي". وفي عام 930 هاجم القرامطة مكة، واستولوا على الحجر الأسود، ونهبوا ثروات الكعبة. وجدير بالذكر أن المكيين، أنفسهم شاركوا في عمليات النهب . وكان الفاطميون ، الذين اتخذوا من القاهرة عاصمة لدولتهم ، يمثلون الجناح المعتدل في الحركة الإسماعيلية. وكانوا يستخدمون المذهب الإسماعيلي أداة للتغلغل السياسي إلى باقي مناطق العالم الإسلامي. (مرجع سبق ذكره - الفلسفة العربية الإسلامية – المؤلف :أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم –  ص 124).

أما د. حسين مروه، يرى أن عقيدة جمهورية القرامطة، انه كانت لهم فلسفة، ولم تكن لهم عقيدة بالمعنى الديني، تتمثل هذه الفلسفة بفكرة "تأليه" العقل، أو "عقلنة" الله، فهم يقولون بـ"العقل الأعلى" الذي هو الله، أو الحكمة العليا، فقد ألغوا الطقوس والشعائر الدينية كليا، ولكن ذلك لم يمنعهم من الموافقة على بناء المساجد.. الشعب في جمهورية القرامطه، لا يؤدي لحكومته ضرائب ولا اعشاراً ، وانه حين يصيب أحدهم فقر، أو يقع تحت دين لا يستطيع وفاءه ، تُسَلِّفه "العقدانية" ما يحتاج اليه دون فائدة، وان حكومة الجمهورية كانت اذا دخل غريب ذو حرفة تسلفه ثمن أدوات العمل حتى يعمل في حرفته ويكسب عيشه ويسدد السلفة دون فائدة، وانه كان اذا أصابت صاحب بيت أو طاحون مصيبة وكان ضعيفاً امدته "العقدانية" بالشغيلة لترميم بيته أو طاحونه.. ان هذه الواقعات تكشف –كما يضيف د. مروه- ان شكلاً من "القطاع العام" في جمهورية البحرين كان هو الطابع الغالب للمؤسسات الاقتصادية – الاجتماعية، وهذا هو الوجه الثوري الأساسي لهذه التجربة الفريدة في تلك العصور.. ومن هنا بالذات تنبع قوة الصمود التي صانت هذه التجربة عشرات السنين رغم كونها محاطة بالقوى المعادية لها طبقياً وأيديولوجياً، وكانت تعمل بكل جهد لخنقها قبل أن تصبح مثالاً خطرا على النظام الاجتماعي العام لدولة الخلافة، وحين لم تستطع خنقها شوهت تاريخها وطمست ايجابياتها ولم تدع ما يبرز منها للتاريخ سوى سلبياتها واخطائها التي كانت اخطاء فادحة بالفعل. (حسين مروه – مرجع سبق ذكره –النزاعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الثاني – ص22)

([10]) زعيم الخرمية، وهي حركة اجتماعية – دينية نشات في خراسان، وأيدها أتباع من المجوسية، واشتد نفوذها بعد مقتل أبي مسلم الخراساني، أشعل في أذربيجان "فتنة" استمرت عشرين سنة ضد الدولة العباسية، عجز المأمون عن القضاء عليه، وأرسل المعتصم إليه الأفشين فانتصر عليه، وصلبه في سامراء سنة 244 ه / 838 م. (جورج طرابيشي– معجم الفلاسفة– دار الطليعة– بيروت– ط1– أيار 1987-ص131).

([11])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني – ص12

([12]) المرجع نفسه – ص13-14

([13]) المرجع نفسه - ص 11

([14])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول - ص 874

([15]) المرجع نفسه – ص839

([16]) المرجع نفسه -   ص840

([17]) المرجع نفسه -   ص841

([18]) المرجع نفسه - ص841

([19])  أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم- مرجع سبق ذكره - الفلسفة العربية الإسلامية - ص 29

([20]) عُرِفَ الجهمية بنزعتهم الجبرية الخالصة، التي تعكس توجههم نحو مذهب وحدة الوجود (البانتيئية Pantheism). وكان من أبرز أعلامهم ضرار بن عمرو (ت:815) وبشر المريسي (ت: 833) وتلميذه الحسين النجار، وسرعان ما أخلى الجهمية مكانهم للمعتزلة، الذين شاركوهم رؤيتهم للإله وصفاته، واعتقدوا مثلهم بخلق القرآن.

([21]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985 - ص 11

([22]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3) .. فكر الفرق.. علم الكلام.. الفلسفة.. التصوف – ص 56

([23]) معاذ حسن – حاجة العرب إلى الفلسفة (1-2) – موقع: الأوان – 22 آذار (مارس) 2008.

([24])  حسين مروة –  مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول–  ص842

([25]) المرجع نفسه - ص848

اذ حسن – حاجة العرب إلى الفلسفة (1-2) – موقع: الأوان – 22 آذار (مارس) 2008.

([24])  حسين مروة –  مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول–  ص842

([25]) المرجع نفسه - ص848