(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).
الباب الثالث
الفصل الرابع
الفكر الإسلامي وعلم الكلام
الإيمان والعقل لدى أصحاب علم الكلام:
" في ظروف سيادة الإيديولوجية الدينية تغدو مسألة العلاقة بين الإيمان والعقل، الدين (او اللاهوت) والفلسفة، إحدى النقاط المحورية في الصراعات الفكرية، وقد اكتسبت هذه المسألة في الأوساط الكلامية صيغة العلاقة بين العقل والنقل، وانحاز المتكلمون، في حَلِّهم للمسألة، إلى طرف العقلانية، فقالوا بتقدم العقل على النقل، وأنكروا التقليد والمقلدين، وأكدوا على الشك مرحلة تمهيدية تسبق الأخذ بأي من الآراء والمذاهب.
وقد قوبلت نزعة المتكلمين العقلانية والنقدية بالعداء المستحكم من قبل رجال الدين الرافضين للعقل والتأويل، كما كانت المعارضة لعلم الكلام قوية أيضاً بين أنصار المذاهب الأخرى، المالكية (نسبة إلى مالك بن أنس، ت:795) والشافعية (نسبة إلى محمد بن إدريس الشافعي، ت:820) والحنفية (نسبة إلى أبي حنيفة، نعمان بن ثابت، ت:767)، ومن أبرز خصوم المتكلمين كان البربهاري (ت:941) وابن الجوزي (ت:1200) والمقدسي (ت:1223) وابن تيمية (ت:1328) من الحنابلة، وابن حزم (ت:1063) من الظاهرية، وابن عبد البر (ت:1071) من المالكية، والذهبي (ت:1348) من الشافعية"([1]).
وقد تجسد العداء للكلام وأهله في جملة من الأقوال والمأثورات، التي نسبت إلى كبار رجال الدين في الإسلام، وبينهم مؤسسو مختلف المذاهب الفقهية، ومن ذلك:
- "لا يفلح صاحب الكلام أبداً". "علماء الكلام زنادقة" (ابن حنبل).
- "لأن يبتلي العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام" (الشافعي).
- "من طلب العلم بالكلام تزندق"؛ "العلم بالكلام جهل، والجهل بالكلام علم" (مالك بن أنس)؛
وترتب على المتكلمين الرد على مثل هذه الاتهامات، والدفاع عن حق العقل في النظر في كافة المسائل، الفلسفية منها واللاهوتية.
ففي مرحلة تطور علم الكلام فترة نهوض وانتشار المعتزلة، كان علماء الكلام يجاهرون بالتطلع للتضلع في علوم الفلاسفة. فيتحدث الجاحظ عن المتكلم الحقيقي بقوله: "وليس يكون المتكلم جامعاً لأقطار الكلام، متمكناً من الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذي يُحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. والعالم عندنا هو الذي يجمعهما"([2]).
أولوية العقل:
" لم يلجأ المتكلمون، وهم يعملون لمجابهة الإيمانية وإرساء العقلانية، إلى التسلح بالآيات القرآنية، الداعية إلى التأمل والنظر، فقط، بل واستندوا أيضاً إلى جملة من الأحاديث، المروية عن النبي، في امتداح العقل والثناء عليه.
وقد عرفت مجموعات مثل هذه الأحاديث ب"كتب العقل". ومن أوائل تلك الكتب كان ما وضعه داؤد بن المحبر، الذي كان معروفاً بالحديث، ثم تركه "وصحب قوماً من المعتزلة".
ومن أشهر الأحاديث الواردة في كتاب "العقل" لابن المحبر كان الحديث، الذي عرف لاحقاً بـ "حديث العقل": "أول ما خلق الله العقل. فقال له : أقبل، فأقبل. ثم قال له : أدبر، فأدبر. فقال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقاً أكرم عليَّ منك. فبك آخُذ، وبك أعطي، وبك الثواب والعقاب"([3]).
" ومن الأحاديث الرائجة في ذلك العصر، والتي تشيد بالعقل وفضله : "إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد، فما يجزي يوم القيامة إلا بقدر عقله"؛ "تُفَكِّر ساعة خير من عبادة ستين سنة"..
في هذا الجانب، نؤكد على أن العقل عند المعتزلة، هو "وكيل الله" على الأرض، وخلافاً لأصحاب الحديث وأهل السنة، الذين يرتبون الأدلة على النحو التالي- الكتاب، فالسنة، فالإجماع، أضاف المعتزلة إلى هذه الثالثة دلالة العقل، وقدموه عليها جميعاً، وهم يعللون ذلك بانه قبل الاستناد إلى السُّنة أو الكتاب يجب أن نعلم بأن ثمة إلهاً، أنزل الكتاب وبعث الرسول، والعلم بذلك لا يأتي إلا من طريق العقل. "فالدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسُّنة، والإجماع؛ ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل" ([4])، وبذلك استحق المعتزلة لقب "فرسان العقل في الإسلام"، فقد "رفض المعتزلة والأشاعرة صحة إيمان المقلد، حتى وقالوا بتكفيره، إذ اشترطوا في صحة الإيمان أن يكون قائماً على الاستدلال العقلي، وكان تعصب المتكلمين للعقل، وسعيهم للسير بالعامة والجمهور على دروب النظر والاستدلال، تعبيراً عن نزعتهم التنويرية، ولم تكن مطالبهم بتعويد الناس، ومنذ الصغر، على التفكير النقدي، مجرد نداءات طوباوية مجردة، معزولة عن الواقع والحياة، وتدل على ذلك، مثلاً، الحلقات العديدة التي أقامها المعتزلة لتثقيف الناشئة يرسلون إليها أبناءهم وبناتهم"([5]).
إضافة إلى ما تقدم، نشير إلى أن "مجالس المتكلمين" لم تكن مجرد حلبات للتباري في الجدل والمناظرة، بل وكانت أيضاً، بالنسبة للفئات الواسعة من الجمهور، بمثابة مدارس للتفكير النظري، والنقدي منه خاصة، وكانت الموضوعية الأخلاقية عند متكلمي المعتزلة وثيقة الصلة بنزعتهم العقلانية. فهم يرون أن العقل قادر لوحده، قبل "ورود السمع" أي قبل سماع ما يأتي به الرسل من الشرع المنزل، على معرفة الخير والشر، "فاتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع، والحُسْنُ والقُبح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك (بالعقل).
لكن على الرغم من موضوعية الرؤية العقلانية، وصوابيتها لدى المعتزلة خصوصاً، إلا أن العقلانية الكلامية كانت تبدو لقوم من خصوم الاستدلال والنظر من الإيمانيين تهديداً لـ"الدين الحنيف" و"الإيمان الصحيح"([6]).
" كان المتكلمون لا يُسلِّموَن بالتسلسل إلى غير نهاية فيما مضى، وكانوا يتصورون انتشاء العالم في الزمان على غرار سلسلة الأعداد الطبيعية، التي لها ابتداء (الواحد)، ولكن ليس لها انتهاء، بيد أن بداية العالم هذه ليست من طبيعة فيزيائية، بمعنى تقدم الزمان عليه، وإنما هي ميتافيزيقية بالأحرى، ذلك أن الزمان نفسه عند المتكلمين (كما عند أفلاطون) ذو بداية، متناه من الماضي، حادث بحدوث العاَلم، ومن هنا يمكن نعت العالم بأنه مُحْدَثْ أزلي.
وإذا كان العالم – شأن الزمان – ذا بداية، فإنه غير ذي نهاية، فالمتكلمون، كما يقول ابن رشد، "متفقون مع (الفلاسفة) القدماء على أن الزمان المستقبل غير متناه، وكذلك الوجود المستقبل"([7]).
علم الكلام وإشكالية التوفيق بين الفلسفة والدين:
إن اشكالية التوفيق بين الفلسفة والدين، ظلت اشكالية معقدة وصلت إلى درجة العداء بين الفريقين، وأدت إلى حالة من الانقسام بين اتجاهين (فريقين):
الفريق الأول: اعتبر الفلسفة معادية للدين وأحكامه وكل من يأخذ بها كافراً أو مروج للكفر.
الفريق الثاني: رأى ان هناك توافقاً بين الدين والفلسفة، فكلاهما يقود الانسان إلى الوصول إلى الحق أو معرفة الحقيقة الالهية، لكن الدين طريقه الوحي، والفلسفة طريقها إعمال العقل والبراهين المنطقية.
لكن يبدو أن الفريق الأول تمكن من السيطرة في هذا المجال منذ ذلك الزمن إلى يومنا هذا مستنداً إلى ما يلي:
- الدين يقوم على مسلمات بديهية لا يمكن الخوض فيها، أما الفلسفة فهي من صنع الانسان تحتمل الخطأ والصواب.
- الدين يشتمل على كل الحقائق السماوية والدنيوية حسب النص القرآني، ولا حاجة للفلسفة لتوضيح أي شيء أو اجتهاد مهما كان، ولذلك لا يمكن الجمع بين الفلسفة والعلم الالهي.
"ففي مجال التشريع تبلورت، ومنذ صدر الإسلام، مدرستان متعارضتان، أولهما مدرسة "أهل الحديث"، وكان هؤلاء يعرفون بالاعتداد المفرط بالحديث، حتى الضعيف منه، وفي مقابل هؤلاء قامت مدرسة "أهل الرأي"، التي انتشرت في العراق خاصة، والتي تميز أصحابها بقلة روايتهم للحديث وإهمالهم له، وبتدقيقهم في الأدلة، وبتحكيمهم العقل في الآراء، وبتغليبهم القياس على النقل، وقد تتوجت مدرسة "أهل الرأي" بأبي حنيفة (نعمان بن ثابت، 699، 767). إمام المذهب الحنفي، الذي عرف بتوسعه وسماحته عموماً، وأما نزعة مدرسة أهل الحديث فتجسدت على أشدها في المذهب الحنبلي، وتوسط المذهبان المالكي والشافعي بين المدرستين، وفي ميدان العقائد توزع المسلمون إلى فرق جمة، فقد نشب الجدل بينهم حول "الامامة" ("الخلافة")، من الأحق فيها بعد الرسول، وهل تكون بالاتفاق والاختيار (بالبيعة والاستفتاء والشورى) أم بالنص والتعيين، وهل يجمع الإمام بين السلطتين الزمنية والروحية، إلخ. وكان ذلك، مثلاً سبب تمايز السنة والشيعة"([8]).
وتناقضت الآراء في التسيير والتخيير، القضاء والقدر، فذهبت "الجبرية" إلى أن الأفعال كلها لله، وقالت "القدرية" بان الإنسان خالق "قدره"، خيره وشره.
ولم يأت القرن العاشر حتى صار مؤرخو الفرق والاخباريون يرون صعوبة بالغة في حصر الفرق الإسلامية، وأدى الحوار بين هذه الفرق إلى تفهم تعذر الاعتماد على النص، حتى القرآني منه، حجة حاسمة لنصرة هذا المعتقد أو ذاك، "فالقرآن حمال أوجه"، " وما من فرقة إلا ولها في كتاب الله حجة"، وفي خضم هذه المشادات ظهرت وتطورت النزعة العقلانية في "علم الكلام"، أول التيارات الفلسفية في الفكر العربي الإسلامي"([9]).
وإذا كان علم الكلام وليد المناقشات بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين ممثلي الديانات الأخرى، "فإن "الفلسفة" بالمعنى الخاص للكلمة، جاءت وليدة "حركة الترجمة" وأما الفارق بين هذين الاتجاهين فكان بعض المتكلمين (أصحاب علم الكلام) يرونه في انهم ينطلقون من المسائل التي يمليها الدين، ويسيرون على "قانون الإسلام"، أما الفلاسفة فيجرون على "قانون العقل"، وافق الإسلام أم لا، ولكن السمة، التي تجمع بين الكلام والفلسفة، كانت التعويل الأول على النظر العقلي والاستدلال المنطقي، وذلك خلافاً للإيمانيين النصيين من الفقهاء ورجال الدين"([10]).
ففي ظروف الاختلاف والتناقض بين أصحاب النقل وأصحاب العقل، نشأ علم الكلام في محاولة للرد العقلاني على المختلفين من أصحاب النقل الرافضين للعقل، وبالتالي نشأت المحاولات المعرفية للتوفيق بين الدين والفلسفة، وكان من بين أهم من بدأ المحاولات التوفيقية بين الدين والفلسفة الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (805 م- 873م) الذي حرص على عملية التوفيق بين الدين والفلسفة باعتبار أن هدفها الوصول إلى الحقيقة.
في تلك المرحلة "ظهرت فرقة المعتزلة (منتصف القرن التاسع الميلادي) الذين يعتبروا بحق فرسان العقل في الإسلام، وكان لهم الريادة في تأسيس علم الكلام، على الرغم من محاولات أهل السُّنة طمس الحقيقة ونسبتها إليهم إلى جانب العديد من الفرق الاسلامية التي كانت تُكَفِّر بعضها البعض وتَعْتَبر كل فرقة نفسها "الفرقة الناجية" في مقابل "أهل الأهواء والبدع"، لكن من بين أهم وأوسع هذه الفرق، أهل السُّنة الذين لم يعترفوا بدور المعتزلة وأفضالهم في تأسيس هذا العلم.
من ناحية ثانية، " أسس المعتزلة علم الكلام للبرهنة على بطلان معتقدات "أهل الحديث" الذين يرون في ظاهر الوحي مبدأ لا يقبل المناقشة؛ بينما ذهب المعتزلة "إلى اعتباره موضوع برهنة"، لذلك لم يُخطئ أدونيس حين كتب عن "الثابت والمتحول" في الفكر الاسلامي، وأناط المتحولات بقوى المعارضة التي كان المعتزلة متكلميها بامتياز"([11]).
لذلك كله أثرى فكر المعتزلة – في عصر الازدهار – علم الكلام وأكسبه طابعاً اجتماعياً؛ بعد أن كان جدلاً مجرداً، كما "أثرى جوانب الحياة بمحتوى أخلاقي دون مساس بالإيمان، كذلك بقيام مختلف العلوم على أساس عقلية"؛ وربما تجريبية مبكرة، وأخيراً مهد علم الكلام – المعتزلي على الخصوص– لظهور الفلسفة الاسلامية "ونقل طرق التفكير إلى مرحلة تطورية متقدمة"([12]).
كذلك ساهم اخوان الصفا (في القرن العاشر الميلادي) في هذه العملية التوفيقية بين الفلسفة والدين، وأكدوا ان لا مجال لنقاء الدين إلا بتطهيره بواسطة الفلسفة وقالوا ان الدين هو من الحقائق الفلسفية.
أما أبو نصر محمد الفارابي (872 م – 950 م)، فكان من أوائل المساهمين في تأسيس الفلسفة الاسلامية، وذهب إلى التوفيق بين الحكمة/ الفلسفة والدين، كما أعلى من شأن الفلسفة أكثر من شأن الأنبياء، حيث قال "إن النبي حصل على معارفه من الوحي الإلهي، أما الفيلسوف فهو ممن نذر نفسه للمعرفة بجهوده حتى وصل إلى الحقيقة"، فالفلاسفة عند الفارابي أفضل من الانبياء.
أما الفيلسوف أبو علي الحسين بن سينا (980 م- 1037م)، فقد حاول دمج الفلسفة بالدين مؤكداً على الترابط بين الفلسفة والدين رغم الاختلافات بين الفلسفة والشريعة.
أما أبو حامد الغزالي (1058 م – 1111 م)، فقال "إن الفلسفة عاجزه كما العقل عاجز عن الوصول إلى الحقيقة، ولا يجوز التقريب بين الفلسفة والدين، بل عمل على هدم الفلسفة التي تناقش المسائل الدينية".
أما أبو الوليد ابن رشد (1126 م – 1198 م)، في رده على الغزالي، قال "إننا إذا سلمنا بغياب العقل وعجزه كما يقول الغزالي، فمعنى ذلك ان هذا العجز يمتد إلى اثبات النقل"، خاصة وان الغزالي يؤكد على عجز العقل.
واعتبر ابن رشد ان العقل هو هبة من الله، ومن المستحيل ان يخلق الله شيئاً ويرفضه، فالحق لا يرى إلا الحق، وبالتالي فإن الفلسفة واجبه – كما يقول ابن رشد- بنص الدين والقرآن، ما يعني أن (الفلسفة والدين) في حالة اتفاق من حيث الجوهر، وإذا وجد أي اختلاف في النقل مع العقل لابد من أن نلجأ إلى تأويل النص القرآني.
في ضوء ما تقدم، فإن "ما يميز علم الكلام عن علم اللاهوت هو توجهات المتكلمين الابيستيمولوجية (المعرفية)، المنافية للنصية والإيمانية والصوفية، فالمتكلمون، قالوا بالعقل مرجعاً أعلى في الحكم على المسائل النظرية والفكرية، بما فيها اللاهوتية"([13])، لكن هذه الرؤية العقلانية الأقرب إلى المعتزلة، تراجعت بفعل التأثير السلبي للأشاعرة، الأمر الذي أدى إلى احتدام التناقض بين علم الكلام والفلسفة –كما يقول د. حسين مروة- فقد "كان لابد ان يحتوي دياليكتيك العلاقة بين الكلام والفلسفة تناقضات جدية بينهما، منذ بدأت تظهر ضرورات الاستقلال النسبي لكل منهما عن الآخر عند منتصف القرن الثالث الهجري (بعد منتصف التاسع الميلادي).
ولعل أهم مصدر لهذه التناقضات –كما يضيف د. مروه- "هو ان علم الكلام حينما بلغ نضجه في مرحلته المعتزلية، وهو متوافق مع الفكر الفلسفي من حيث فسحه للعقل مجالات التفكير، وتحصيل المعرفة، حتى في ما وراء الطبيعة، كان من الطبيعي – وفقاً لقوانين التطور العامة- ان يتخلى علم الكلام للفلسفة عن مكانه في حركة تطور الفكر العربي- الاسلامي بناء على كونه -أي علم الكلام- قد استوفى حاجة وجوده، واستنفذ مهماته التاريخية، وحان الوقت لأن يتحول إلى كيفية فلسفية خالصة، ولكن "ردة الفعل" المحافظة لمواجهة الفكر المعتزلي في عهد الخليفة العباسي المتوكل، ثم ظهور المذهب الكلامي الأشعري الذي كان تجلياً من نوع جديد لردة الفعل هذه، كان لهما نتيجة مختلفة عما كان منتظراً.. "كانت هذه النتيجة أن مكان علم الكلام المعتزلي احتله علم الكلام الاشعري من جهة، والحركة الفلسفية المنفصلة عن علم الكلام ككل من جهة ثانية. أي ان التحول كان تحولاً تناقضياً من بدايته، بمعنى أن هذا التحول تحقق عملياً بحدوث طرفين تناقضيين: الفلسفة، وعلم الكلام الاشعري"([14]).
من هنا رأينا تلك الظاهرات التاريخية التي برزت بأشكال من العداء والخصومات العنيفة بين علم الكلام "المابعد المعتزلة" والحركة الفلسفية بمختلف مذاهبها منذ حركة "اخوان الصفاء" حتى فلسفة ابن رشد.
فالتناقض العدائي بينهما، اذن "قائم على أساس ايديولوجي من حيث أسباب نشوئه ذاتها. اذ- كما رأينا- بدأ علم الكلام الاشعري يشكل عودة إلى السلفية السنية بهدف هدم البنيان العقلاني الذي شيده الفكر المعتزلي، وان حاول الاشعريون الظهور بمظهر "عقلاني" لم يتجاوز النطاق الشكلي المحض، ومنذ ذلك الوقت صار واضحاً ان الصراع بين علم الكلام والفلسفة هو -في الواقع- صراع أيديولوجي بالدرجة الأولى: صار علم الكلام مُعَبِّراً عن الايديولوجية "الرسمية" ، وصارت الفلسفة – بالإضافة إلى التصوف- معبرة عن أيديولوجية مختلف الفئات الاجتماعية المعارضة للسلطة الحاكمة المركزية، بدليل ان الاضطهاد ، المُخْتَلِف الأشكال، الذي عانته الفلسفة طوال قرون كان يبدأ اضطهاداً فكرياً في مؤلفات المتكلمين، ثم يتحول إلى اضطهاد مادي وجسدي من قبل السلطات المسيطرة"([15]).
من هذه الصورة يصبح واضحاً، انه لم يكن مصادفة في أوروبة القرون الوسطى، ان تتخذ الرجعية اللاهوتية هناك من آراء الغزالي الكلامية الأشعرية المعادية للفلسفة، سلاحاً لها في محاربة الفلسفة المعارضة للفلسفة اللاهوتية، كما فعل -مثلاً- ريموندمارتن R.Martin المعاصر لتوما الاكويني، في كتابه "الدفاع عن الايمان" الذي ألفَّه بطلب من ريموند بونيافورت Raymond Puniaforte رئيس هيئة الدومينيكيين، وأدخل فيه كثيراً من آراء الغزالي والأشعري.
ليس هذا مصادفة –كما يستنتج بحق د. مروة- "بل هو أحد المظاهر التي تجلى بها انتقال المعركة الأيديولوجية في اواخر القرن الرابع عشر الميلادي، من ميدانها في الشرق إلى ميدان جديد في أوروبة، بعد أن اخذ المجتمع العربي – الاسلامي ينهار اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، واخذت بذور النهضة الأوروبية تتحرك للنماء في مناخ التقدم التكنيكي الذي كانت طلائعه تظهر عند نهايات القرون الوسطى"([16]).
" كانت مرحلة علم الكلام المعتزلي مرحلة تحضير لولادة الفلسفة العربية، حين كادت تبلغ هذه المرحلة نهايتها ليتخلى علم الكلام عن مكانه في حركة تطور الفكر العربي للفلسفة وحدها، جاءت ردة الفعل (الأشعرية) المحافظة تلك هي محل الفلسفة، لكن هذا لم يكن ممكنا، لان التحضير لولادة الفلسفة كان قد نضج وكان لا بد من ولادتها.
لذلك "رأينا مكان علم الكلام المعتزلي يحتله طرفان متناقضان: من جهة، علم الكلام الاشعري المحافظ الذي حاول ان يقطع تطور الفكر العربي ليعود به إلى طريقة اهل السنة.. ومن جهة أخرى، الفلسفة التي كانت هي التحول الكيفي الطبيعي لتراكمات التطور، كان المظهر الملموس لهذا التناقض يتجلى في حملات الارهاب الفكري حينا والمادي حيناً ضد الفلسفة والفلاسفة بل ضد العلوم الطبيعية والرياضية كذلك، وقد لعب الغزالي الدور الاهم والاشد تأثيراً في عملية الارهاب هذه، حتى اتخذت الفلسفة اللاهوتية في القرون الوسطى من افكاره سلاحاً ضد خصومها في أوروبة حينذاك"([17]).
الفلسفة الإسلامية والعلم:
يؤكد كل من "غنارسكيربك" و"نِلزغيلجي" في كتابهما "تاريخ الفكر الغربي" أنه قد جرى فقدان معظم الإرث الفلسفي والعلمي اليوناني في الغرب في الفترة الزمنية الممتدة من سقوط الإمبراطورية الرومانية والنهضة الثقافية العظيمة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وعلى كل حال، نقول إن الفلسفة والعلم اليونانيين حُفِظا في المنطقة الثقافية العربية – الإسلامية، فقد احتفظت الدولة الاسلامية بكثير من الارث الفلسفي والعلمي اليوناني، ذلك إن العرب والمسلمين لم يكونوا مجرد متلقين سلبيين للثقافة والعلم اليونايين، والأصح أن نقول إنهم حصلوا على الإرث من الحقبة الهيلينية بفعالية، وتابعوه بطريقة خلاقة، وكان اكتسابهم ذلك الإرث مصدر تقليد علمي جديد ساد النشاط الفكري إلى زمن الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر"([18]).
فقد، تُرجمت أعمال أرسطو وفلاسفة يونانيين آخرين إلى اللغة السريانية في مرحلة مبكرة، أما الاختراق العظيم في الانتقال الثقافي، فقد حدث في زمن الخلفاء العباسيين في بغداد، وكان حكم هارون الرشيد (786 - 809) علامة البداية لنهضة هيلينية شاملة في العالم العربي، ابتدأت بمشروع ترجمة واسع، واكتمل الكثير من العمل في أول الأمر، بفضل العرب المسيحيين الذين كانت السريانية لغتهم الثقافية، وكان لتلك الترجمات أثرها البارز في تبلور الفلسفة الإسلامية من ناحية، وفي تطور العلوم والاكتشافات العلمية لدى علماء المسلمين من ناحية ثانية.
كانت أهم إسهامات المسلمين في تطور العلم في ميادين الكيمياء والرياضيات والطب والفلك وعلم البصريات، ويعتبر الطبيب والفيلسوف العربي أبو بكر الرازي (865 – 925) أول من درس أمراض الأطفال مثل الحصبة والجدري، وألف الرازي عدة كتب مدرسية، كان انتشارها واسعاً ليس بين العرب فحسب وإنما في الغرب أيضاً. وترجمت أعماله إلى اللغة اللاتينية في القرن السابع عشر.
ثم تابع ابن سينا (980 – 1037) عمل الرازي، وكطبيب، تَأَثرَّ ابن سينا بجالينوس، وكان عمله الرئيسي هو كتاب قانون الطب جمعاً واسعاً لأفضل ما في الطب اليوناني والاسلامي، وباعتباره فيلسوفاً متميزاً، فقد "حاول ابن سينا مثل العديد من اللاهوتيين المسيحيين أن يصوغ حقائق الإسلام بتصورات المنطق الأرسطي والميتافيزيقا اليونانية المتأخرة (الأفلاطونية الجديدة)، وكانت النقطة الحاسمة في فلسفة ابن سينا متمثلة في نظرته إلى المادة، لكنه انطلاقاً من احتفاظه بفكر أفلاطون وأرسطو، بدا وكأنه رفض الفكرة التي تفيد أن الله خلق المادة من العدم، أي أن الفيض من النور الإلهي ملأ المادة، لكنه لم يخلق المادة، وكانت هذه نقطة البداية لنزاع مُرْ داخل الفلسفة الإسلامية الأولى.
كما كان للعلماء العرب إسهامات بارزة في عدة ميادين، "نذكر من بينهم ابن الهيثم (965 – 1039) الذي احتل مركزاً فريداً، وأحرزت أعماله تقدماً مفاجئاً في علم البصريات من نواح عديدة، كما حقق ابن الهيثم تقدماً عظيماً في بحث العدسات، وفي المرايا الكروبة والمنحنية، وحقق تحليلاً دقيقاً لكيفية عمل العين، واليوم، ينظر إلى ابن الهيثم على أنه أعظم فيزيائي عربي، وقد أثَّر تأثيراً عظيماً على العديد من العلماء الغربيين، بمن فيهم روجر "بيكون"، ويوهانس كبلر، وإسحق نيوتن"([19]).
لقد هوجمت فلسفة ابن سينا من الغزالي (1058 – 1111) في كتب عديدة، وكان الغزالي أحد أعظم المتصوفين واللاهوتيين الإسلاميين، وكانت نقطته الرئيسية هي في قوله، إن إله الفلاسفة ليس الله الموجود في القرآن، وعندما يحصل نزاع بين الفلسفة والقرآن، على الفلسفة أن تخضع.
لكن فلسفة ابن رشد (1126 – 1198) استطاعت وفق رؤيتها العقلانية، التصدي لفلسفة الغزالي، ومن ثم بات ابن رشد أكثر المفكرين العرب تأثيراً في أوروبا منذ القرن الثالث عشر حتى القرن السابع عشر.
ففي نزاعه مع الغزالي، قال ابن رشد بعدم وجود أي تناقض بين نتائج الفلسفة والقرآن، فقال: "لما كان هذا الدين حقاً، ويشجع البحث الذي يؤدي إلى معرفة الحقيقة، فنحن المجتمع المسلم، نعرف أن البحث بعون من النقاش، لا يؤدي إلى نتائج تعارض ما أعطتنا إياه النصوص المقدسة، لأن الحقيقة لا تتناقض مع الحقيقة، بل تنسجم معها، وتشهد لها، إذاً، أنَّى لنا أن نشرح التناقضات الواضحة؟ وهنا قدم ابن رشد مبدأ في التأويل أدى أيضاً دوراً مهماً في الفلسفة الغربية: أوضح أنه يجب أن لا نتناول كل شيء في القرآن حرفياً، فعندما يبدو هناك تعارض بين التأويل الحرفي لآيات القرآن مع العقل، فيجب تأويل الآيات مجازياً أو قصصياً رمزياً، وما أحوجنا اليوم إلى ذلك التأويل الفلسفي العقلاني في مجابهة الأصولية([20]).
لقد كان علماء المسلمين في جميع الميادين تقريباً، كميادين الفلك والرياضيات والطب والبصريات، في عداد العلماء الأكثر تقدماً في القرون الوسطى، وظل العرب لأكثر من ستة قرون متقدمين على الغرب، تقنياً وعلمياً.
" لقد امتدت الفلسفة العربية إلى فلاسفة عصر النهضة الأوروبية، حتى رأينا مفاهيم ابن سيناء وابن رشد عن سرمدية المادة، وحركتها الدائرية، وتحولات الصورة مع بقاء المادة، تصبح مفاهيم مسلماً بها عند جوردانو برونو (1548 – 1600) مثلاً، وبيترو بومباناري (1464 – 1524) الذي أعدم بتهمة الدعاية للإلحاد استناداً إلى كونه رشدياً، وكذلك الفيلسوف الايطالي الآخر برنارديو تيليزيو (1508 – 1588) الذي تبنى نظرية ابن رشد القائلة بأن الحرارة هي سبب انتقال المادة الجامدة إلى الحياة.
كما "دخلت الفلسفة العربية معركة الصراع الايديولوجي، منذ بدء تشكلها الأولي عبر أفكار الجماعة المسماة بـ"القدرية" التي رفضت خضوع الانسان لأحكام القدر في الوقت الذي رفضت فيه سيطرة نظام الحكم الاستبدادي المطلق باسم القدر الالهي، ثم عِبر أفكار المعتزلة الذين واصلوا طريق "القدرية"([21]).
وبعد أن تطورت الاشكال الفلسفية إلى منظومات متناسقة على أيدي الكندي والفارابي وأبي بكر الرازي وابن سينا حتى ابن رشد، "ارتفع الصراع الايديولوجي، بفضل هؤلاء الفلاسفة، إلى مستوى أعلى فأعلى، وفقاً لتطور الصراع الطبقي المتصاعد كلما اشتد التمايز الاجتماعي، طبقياً وفئوياً، في مجتمع كان يتطور اقتصادياً بدرجات متفاوتة حسب ظروف تاريخية متفاوتة، وفي ما بعد واصلت الفلسفة العربية خوض هذا الصراع حتى حين انفصلت عن بيئتها التاريخية (البلدان العربية – الاسلامية)، أي حين دخلت أوروبة القرون الوسطى"([22]).
ذلك أنها ، في حالتها تلك ، قد ساعدت القوى التقدمية النامية داخل الفلسفة الأوروبية القروسطية، والحديثة أيضاً ، في التوجهات الفلسفية المادية التي كانت محوراً للصراع الايديولوجي في أوروبة بين اللاهوتية المسيحية والعلم، يؤكد على ذلك "تقرير للفيلسوف الباكستاني محمد شريف قدمه إلى المؤتمر الفلسفي العالمي الثاني عشر من أن "الفلسفة الاسلامية هي التي أعطت الحركة الانسانية مبادئها الأولى، وعرفت الغرب على العلوم التاريخية والأسلوب العلمي ووضعت أسس النهضة الايطالية واثرت على الفكر الأوروبي المعاصر حتى عمانوئيل كانط"([23]).
ويبقى السؤال: لماذا لم يؤد العلم العربي إلى العلم الحديث؟ لماذا حدثت الثورة العلمية في أوروبا، في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولم تحدث في العالم العربي- الإسلامي؟
وقد يكون السؤال الأكثر إلغازاً هو: لماذا مال العلم العربي بعد القرن الرابع عشر إلى الأفول؟ ولماذا صارت الفلسفة العربية والعلم العربي في حالة ركود؟ ليس بالإمكان إعطاء جواب شامل عن هذه الأسئلة هنا. وسنكتفي بمجرد الإشارة إلى جواب ممكن.
كان الفلاسفة والعلماء العرب الذين عرفناهم مسلمين كلهم، وقد أقاموا عملهم على الفلسفة والعلم اليونانيين، من غير أن "يؤسلموا" المسائل والنتائج، وقد كان ذلك مُجازاً ومُحْتَملاً في البداية، لكنهم راحوا يتعرضون إلى نقد متزايد من القادة الدينيين.
وازداد الضغط الديني في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وما كان يدعي العلوم الأجنبية لا تلقى دعماً إلا إذا أمكن تبريرها دينياً، او كان لها وظيفة دينية، مثلاً: كانت علوم الفلك والهندسة والحساب علوماً مهمة، فقط لان واجب المسلمين كان يقضي بأن يعرفوا الوقت الصحيح للصلاة، واتجاه مدينة مكة!!، أما من المنظور الديني، فقد انْتُقدَتْ فروع علمية بداعي أن لا فائدة منها للنظرة القرآنية إلى العالم، أو لتدميرها تلك النظرة"، وبالنتيجة فقد "أدت الأسلمة (Islamization) المتزايدة للعلوم اليونانية إلى تقييد ميادين البحث، وقد تكون تلك الأسلمة أحد أهم الأسباب التي أدت إلى الركود والأفول في القرن الخامس عشر، فضلاً عن ذلك، كان الافتقار إلى أساس مؤسساتي للعلوم في الثقافة العربية مسألة خطيرة، فالمؤسسة التعليمية الرئيسية عند العرب كانت المدارس، وكانت مكرسة بشكل رئيسي للعلوم الدينية أو الإسلامية، وتركزت جميع ميادين التعليم على دراسة القرآن، وحياة النبي وصحابته، والقانون الإسلامي (الشريعة). أما الفلسفة والعلوم الطبيعية فلم يكونا جزءاً من برنامج الدراسة"([24]).
من ناحية ثانية، فقد "عمل فلاسفة وعلماء كثيرون في المدارس، لكنهم لم يحاضروا عن الفلسفة والعلم اليونانيين، لذلك، صار الاشتغال في "العلوم الاجنبية" مسألة نشاط خاص، أو ارتبط بالمساجد (علم الفلك) وبالبلاطات الملكية (علم الطب)، ولم يُؤَسَّس إطلاقاً علم عربي مستقل ومصدق عليه من النخبة الدينية والسياسية في العالم العربي – الإسلامي، كما لم يعترف إسلام القرون الوسطى بنقابات التجار والصناع والشركات، لذا، كان من الصعب شرعنة قيام مجموعات حِرَفية من الطلاب والمدرسين، ونتج عن ذلك، استحالة تأسيس مؤسسات أكاديمية مستقلة تتمتع بحكم ذاتي – كما كانت ميزة الجامعات الأوروبية في أواخر القرون الوسطى، وربما كان أهم سبب للركود في القرن الرابع عشر يمثل في أن العرب لم ينشئوا جامعات مستقلة مجازة أو مدعومة من مسؤولين مدنيين أو دينيين"([25]).
لقد أدى الحوار بين الفرق الإسلامية إلى تفهم تعذر الاعتماد على النص، حتى القرآني منه، حجة حاسمة لنصرة هذا المعتقد أو ذاك، "فالقرآن حمال أوجه"، "وما من فرقة إلا ولها في كتاب الله حجة"، وعلى هذا النحو راح يبرز دور العقل حكماً أعلى في المناقشات اللاهوتية، وفي فهم العقائد الدينية نفسها، وفي خضم هذه المشادات ظهرت وتطورت النزعة العقلانية في "علم الكلام"، أول التيارات الفلسفية في الفكر العربي الإسلامي.
وإذا كان علم الكلام وليد المناقشات بين المسلمين أنفسهم، "فقد كان يمثل علم السياسة بصورة ما، فقد " تأثر علم الكلام بسائر المعارف المعاصرة في نشأته وتطوره، وفي نكوصه وتدهوره، ومهد للفلسفة نفسها كعلم ظهر مواكباً لازدهار علم الكلام، وإذا أفاد المتكلمون الفلاسفة من الفلسفة اليونانية من حيث المنهج وتصنيف الموضوعات؛ فإنهم في تفلسفهم انطلقوا من واقع المجتمع الإسلامي نفسه؛ فقدموا إجابات فلسفية عن إشكاليات وقضايا الواقع، وإذ تطورت طرائق تفكيرهم في معالجة هذه القضايا؛ فقد أصبحوا فلاسفة بالفعل، وليس بالنقل عن اليونان أو غير اليونان"([26]).
([1]) أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم – الفلسفة العربية الإسلامية – دار الفارابي – بيروت / لبنان – ط1 - 2000 – ص 39
([2]) المرجع نفسه – ص 45
([3]) المرجع نفسه - ص 49
([4]) المرجع نفسه - ص 50+51
([5]) المرجع نفسه - ص 53
([6]) المرجع نفسه – ص55 / 58
([7]) المرجع نفسه - ص 69
([8]) مرجع سبق ذكره - ص 18
([9]) المرجع نفسه - ص 19
([10]) المرجع نفسه - ص 21
([11]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3) .. فكر الفرق.. علم الكلام.. الفلسفة.. التصوف – ص 51
([12]) المرجع نفسه – ص 77
([13]) أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم- مرجع سبق ذكره - الفلسفة العربية الإسلامية – ص 25
([14])حسين مروة – مرجع سبق ذكره - النزاعات المادية في الفلسفة الإسلامية- الجزء الأول – ص874
([15]) المرجع نفسه – ص875
([16]) المرجع نفسه – ص876
([17]) المرجع نفسه – ص887
([18]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 319
([19]) المرجع نفسه - ص 323
([20]) الأصولية الاسلامية ليست فقط حركة سياسية، بل هي قبل ذلك حركة فكرية قائمة على أسس فلسفية، مما يجعلها منهاجاً فكرياً جديداً جديراً بدراسة جدية. الاصولية هي حركة تدعو إلى العودة إلى أصول الدين، أي القران والسنة، وعدم الالتزام بالتطور التاريخي للفكر الاسلامي؛ فمشاكل الأمة الاسلامية لا يمكن حلها إلا بالعودة إلى الينابيع الأصلية ورفض المظاهر والافكار غير الاسلامية، فهدف الاصولية هو إعادة الاسلام باكمله إلى السيطرة على جميع أوجه الحياة. فبالرغم من اصرار الأصولية على وجود المبادئ الاخلاقية في الطبيعة الانسانية الا انها تؤكد على عدم قدرة الانسان على التوصل اليها بالعقل، وهذا يؤدي إلى ضرورة وجود الوحي من أجل منح الانسان المثل التي يجب اتباعها. ويمكن اختصار الفرق ما بين الاصوليين والمصلحين الاسلاميين إلى القول التالي: بينما يعتبر قطب والمودودي ان اسرار الطبيعة الانسانية معروفة فقط عند الله، يعتبر الافغاني وعبده واقبال وشر يعتي ان الانسان قادر على التوصل إلى بعض، اذا لم يكن كل، هذه الاسرار، يرجع هذا الفرق إلى الاختلاف في مفهوم العقل. لهذا تتوقف صحة المعرفة الانسانية عند الاصوليين على مطابقتها للطبيعة الفطرية، الا ان الجوهر الحقيقي للطبيعة لا يمكن معرفته ايضاً، ان معرفتنا، طبقاً لقطب والبنا هي معرفة الحقائق، والاسئلة الأساسية في الحياة عن السببية والكيفية لا يمكن للانسان الاجابة عليها، لهذا، فإن البديل عن المعرفة الانسانية هو الوحي وتقبله. المبادئ السياسية عند الأصولية: اصبح التوحيد عند الأصولية الخيط الذي ينسج به كل الأمور السياسية والاقتصادية والاخلاقية والعقائدية وكل أوجه الحياة – وبما أن الله، مصدر العلم والمادة، هو خالق الاثنين فإن له القول النهائي في الحياة السياسية أيضاً، فهذا المفهوم للتوحيد يشارك به ابو الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب، فالانسان عندهم عليه الخضوع لله فقط، وهذا الخضوع هو ليس عقائدياً كما يعتقد المفكرون التقليديون، ولكن الاصوليين يصبغون مفهوم التوحيد بصبغة سياسية فإن اصرارهم على اخضاع السياسيين للدين يقودهم إلى اعتبار هؤلاء الاشخاص الذين لا يعملون على ايجاد او دعم الدولة القائمة على حاكمية الله ككفار وغير مؤهلين للحكم. (أحمد موصللي – الأصولية الاسلامية -الموسوعة الفلسفية العربية - رئيس التحرير: د. معن زيادة – المجلد الثاني - معهد الانماء العربي – الطبعة الأولى 1988 –ص 152)
([21]) حسين مروة – مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية- الجزء الثاني - ص 712
([22]) المرجع نفسه - ص 713
([23]) حسين مروة – مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية- الجزء الأول - ص 10
([24]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص 325
([25]) المرجع نفسه - ص 326
([26]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. المجلد العاشر.. محاولة تنظير– دار مصر المحروسة – الطبعة الأولى 2005- ص95

