Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح20)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل الخامس

المعتزلة والمشائية وإخوان الصفا

ثانياً: الفلسفة أو المدرسة "المشائية الشرقية"

هي مدرسة فلسفية ظهرت في اليونان القديمة، أسسها أرسطو وحمل لواءها عدد من الفلاسفة: تلامذته وأنصاره وشراحه، ومن أخذوا عنه، والمشائية كلمة أصلها يوناني مشتقة من الفعل يطوف أو يمشي في ممر، وذلك إشارة إلى الممشى الظليل أو الرواق الذي كان أرسطو يلقي محاضراته فيه، أو إلى طريقته في التدريس وهو يسير أو يتمشى بالرواق أثناء شرحه لأفكاره في مدرسة اللوقيوم، التي أسسها في أثينا عام 334 ق.م، واستمر وجودها نحو ألف عام حتى 529م حين أمر الامبراطور جستنيان بإقفالها وحَظَرَ تدريس الفلسفة، وكان قد غلب عليها حينئذٍ تعاظم أثر الأفلاطونية المحدثة.

منذ ذلك الحين تطورت الفلسفة المشائية على يد تلاميذ أرسطو وشراحه ومترجميه والمتأثرين بمنهجه في المنطق أو في علم الطبيعة، أو ما بعد الطبيعة (أو الإلهيات)، أو في الفلسفة العملية (الأخلاق والسياسة) أو في الأدب والنقد (الخطابة والشعر)، وإن اختلف كل منهم في مدى تأثره وتبنيه لجانب من هذه الجوانب أو نقده وتطويره له.

واصل مفكرو المشائية –في أوروبا- البحوث الميتافيزيقية والطبيعية والأخلاقية الأرسطية، مفسرين وشارحين لفلسفة أرسطو حتى القرون الميلادية الخمسة الأولى، حين بدأ التداخل بين المشائية والأفلاطونية المحدثة، ثم ظهرت المشائية العربية بعد القرن الثامن الميلادي، وكان لها الفضل في نقل تراث أرسطو إلى أوربا وظهور المشائية اللاتينية بفضل الترجمات العربية واليونانية، وسار على هذا النهج من فلاسفة الاسلام: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وابن باجة، حيث كان أرسطو استاذهم أو مرجعهم الرئيسي، لكنهم جميعاً –خاصة ابن رشد- تميزوا برؤاهم العقلانية التي اكدت على أهمية التأويل، والاحتكام إلى العقل في تفسير النصوص الدينية الملتبسة أو الغامضة.

" وكان أبو إسحق يعقوب الكندي أول علم من أعلام المشائية العربية، وقد عني بقضايا المنطق والمعرفة، وذلك من خلال شروحه على مؤلفات أرسطو، ثم أبو النصر الفارابي الرياضي والطبيب والفيلسوف وإمام مناطقة عصره، فلقب بـ"المعلم الثاني" بعد أرسطو "المعلم الأول"، وكان أول شارح بالعربية وخاصة لمؤلفاته الفلسفية والطبيعية، ومن أشهر كتبه "الجمع بين رأي الحكيمين" و"المدينة الفاضلة" و"إحصاء العلوم". ثم خلفه ابن سينا الذي لقب بـ"الشيخ الرئيس"، برز في مجالي الطب والفلسفة، ومن أشهر كتبه "القانون في الطب" و"الشفاء" و"النجاة" و"منطق المشرقيين" في الفلسفة. وفي المغرب العربي برز من أعلام المشائية أبو بكر بن يحيى الملقب بـابن باجة (أواخر القرن الحادي عشر - 1138م) ومن أشهر آثاره "تدبير المتوحد" و"رسالة الوداع" و"اتصال الإنسان بالعقل الفعّال".

وقد بلغت المشائية العربية والإسلامية قمتها في فلسفة ابن رشد أعظم شارحي أرسطو في العصور الوسطى، إذ قال معاصروه: "لقد فسر أرسطو الطبيعة، أما ابن رشد فقد فسر أرسطو". وكان ابن رشد فيلسوفاً وفقيهاً وطبيباً مشهوراً، لم يكتف بشرح آراء أرسطو، بل تناولها تنقيحاً وتعديلاً وتطويراً، وارتبطت باسمه نظرية "الحقيقتين" أو "الحقيقة المزدوجة". ومن آثاره كتاب "تهافت التهافت" في الرد على الغزالي و"تلخيص كتاب المنطق" و"تلخيص كتاب البرهان" و"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال".

وفي هذا الصدد فإنه لمن المفيد الإشارة إلى أن الفلاسفة المسلمين توزعوا إلى اتجاهين([1])( لا يختلفان في الجوهر) الأول : جماعة أطلق عليهم اسم الفلاسفة المنطقيين أو الآلهيين (ميتافيزيقيين)، وقد كان لهم دور كبير في التفكير الإسلامي سواء في المشرق، مثل اخوان الصفا، الكندي، الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، أما الاتجاه الثاني فقد عرفوا بالفلاسفة الطبيعيين أو العلماء وأشهرهم أبو بكر الرازي.

ثالثاً: إخوان الصفا

إخوان الصفا، هو "الاسم الجماعي الذي عرفت به فرقة فكرية ذات طابع سياسي ديني ومنزع إسماعيلي كان مركزها في البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي"([2]).

اخوان الصفا: " جماعة سرية ظهرت في البصرة في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، وقاموا بتأليف إحدى وخمسون رسالة جمعوا فيها معلومات عصرهم في الرياضة والمنطق، والعلوم الطبيعية، وما وراء الطبيعة، والتصوف والسحر وعلم النجوم؛ يرى "إخوان الصفا" أن تحصيل المعرفة الإنسانية يتم بثلاث طرق هي: 1. أعضاء الحواس 2. العقل  3.  الحدس.

كانوا من أنصار توحيد جميع الأديان والمذاهب الفلسفية على أساس من المعارف العلمية والفلسفية التي تُخلِّص الدين من الأوهام والخرافات، ومن أجل بلوغ الكمال يجب الجمع بين الفلسفة اليونانية والشريعة الإسلامية.

تأثر "إخوان الصفا" بأفكار الحركة الإسماعيلية، وارتبطوا بها إلى حد كبير، وقاموا بصياغة موسوعتهم الشهيرة بعنوان: "رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء"، فقد "كانت الإسماعيلية الراية الفكرية لعدد من الحركات المناهضة للسلطة العباسية. وهي ترتكز، كمذهب ديني، إلى التفريق بين "باطن" النص القرآني و"ظاهره": الظاهر موجه لـ"العامة"، لـ"الجمهور"، أما الباطن، وفيه حقيقة الكتاب المنزل، فلا يدركه إلا "أئمة" الإسماعيلية.وكان دعاة الإسماعيلية يعتبرون أنفسهم عوناً على نجاة الناس من الغرق، وشفاء أنفسهم من المرض، من الإيمان الأعمى بظاهر الشريعة"([3]).

"إخوان الصفا" كانوا "كالإسماعيلية، من المعارضين للحكم العباسي الذي أطلقوا عليه "دولة الشر" بقضاتها وفقهائها الذين باعوا أنفسهم للشيطان وكانوا، فيما يرويه عنهم التوحيدي، يرون أن "الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، ولهذا الهدف حرروا موسوعتهم، التي تضم 51 رسالة، موجهة للحلقة المتوسطة من أتباعهم، الذين ارتفعوا فوق مستوى التقليد الديني الأعمي، ويتطلعون لتحصيل المعرفة العليا، الباطنية"([4]).

اتخذ "إخوان الصفا" البصرة مقراً لهم، ولم يعلنوا عن أسمائهم خوفاً من اتهامهم بالزندقة والإلحاد، ومن أقوالهم كما يوردها مؤلفا كتاب " الفلسفة العربية الإسلامية " السابق ذكره أن : هذه الجماعة قد تآلفت بالعِشْرَة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة بينهم مذهباً رأوا أنهم قرَّبوا به الطريق إلى الفوز برضى الخالق وقاموا بإنشاء "هيئة علمية وأخلاقية " تتعاون على نشر الثقافة العالية من الإلهيات والرياضيات والطبيعيات".

كما "عملوا على أن " تتفوق العلاقة بينهم لتكون أقوى من علاقة الأب بابنه والأخ بأخيه، مزجوا الآيات القرآنية بمذهبهم ترغيباً للشباب في الإقبال على هذه التعاليم، لاقت تعاليمهم اهتماماً لدى المعتزلة الذين تداولوها سراً، ثم ترجمت رسائل إخوان الصفا إلى اللاتينية والألمانية وكان لها قيمة هامة في أوربا حسب ما يؤكد عدد من الكتاب والمفكرين.

"دَوَّنَ إخوان الصفا تعاليمهم في 51 رسالة، وفي الفلسفة، ساروا على منوال جابر بن حيان، إلى رفع مبدأ الميزان (الميزان العدل) إلى مصاف مبدأ مطلق للوجود. ونظريتهم في الوجود فيضية: فالعالم صادر عن الله، والله علة كل فيض؛ وقد فاض عنه بالتسلسل: العقل ثم النفس، ثم المادة الأولى، ثم عالم الطبيعة، ثم الأجسام، ثم الأفلاك، وأخيراً العناصر.

لم ينج إخوان الصفا من الاضطهاد، كما هو حال المعتزلة، وقد أمر الخليفة المستنجد سنة 554 هـ/ 1150م بإحراق جميع نسخ رسائلهم (مع مؤلفات ابن سينا)"([5]).

المنطلقات الفكرية لـ "إخوان الصفا":

"يتجه إخوان الصفا إلى البشر كافة بدعوتهم إلى الإصلاح الأخلاقي الحقيقي فيطلبون من الناحية الايجابية أن يتواصل الناس، ويتهادوا، ويتحابوا، ويتناصفوا ولا يعصي بعضهم بعضاً، ولا يتخاصموا ولا يتعادوا ولا يتقاطعوا، ولا يعادوا علماً من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب ولا يتعصبوا على مذهب من المذهب، لأن مذهب هؤلاء الإخوان يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم جميعاً ويأخذ المعرفة من الكتب "الُمَنزلة وكتب الفلاسفة وكتب الطبيعة الخارجية وكتب الطبيعة النفسية الروحانية"([6]).

وعلى هذا الأساس، يرى إخوان الصفا أن "لا نجاة للناس إلا بالأخذ بمذهبهم والانضمام إلى جماعتهم، فالحَقُّ ما رأوا، ومثال هذا الحق اتحاد كلمة البشر – من حيث وحدة صورتهم الانسانية- فيكون مثالهم الأسمى هو "العالم الخبير الفاضل الذكي المستبصر،الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني الَمَخْبَرْ، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف، الصمداني".

في هذا السياق يصف إخوان الصفا جماعتهم بقولهم: "إنا نحن جماعة إخوان الصفا أصفياء واصدقاء كرام" نتطلع إلى إنقاذ المجتمع الإنساني على أساس تألف القلوب والعقول والأعمال انطلاقاً من وحدة الصورة الإنسانية، واتساق تعاليم الديانات والفلسفات كافة، مع الواقع الكوني الخارجي والداخلي النفساني، لينجو البشر على سفينة مثل سفينة نوح".

يتضح مما تقدم، طبيعة الصبغة الانسانية الثابتة التي يتصف بها مذهب إخوان الصفا، "وهذه الصفة المفتوحة، تباين، بل تناقض، أية دعوة مذهبية خاصة محدودة، وترفض أي نوع من انواع التعصب والآراء الضالة المؤذية"([7]).

كما تميز "الاخوان" بالنزعة الشمولية، بالانفتاح على كافة العلوم والمذاهب والأديان والأمم. فهم يدعون أصحابهم "أن لا يعادوا علماً من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم كلها".

بالنسبة للتطور في الطبيعة، فقد نظر "إخوان الصفا" إلى الطبيعة وممالكها الثلاث من زاوية التطور والارتقاء، فالنباتات سبقت الحيوانات في الظهور، وهي لها كالهيولي للصورة. "والحيوانات الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة الخلقة بالزمان في بدء الخلق، وذلك أنها تتكون في زمان قصير، والتي هي تامة الخلقة تتكون في زمان طويل، وحيوان الماء وجوده قبل حيوان البر بزمان، لأن الماء قبل التراب، والبحر قبل البر في بدء الخلق، وفضل الإنسان على الأحياء كلها هو عقله، فقد نصب "الاخوان" العقل رئيساً على جماعتهم، وجعلوه الحكم الفصل بينهم،وعقلانيتهم نقدية منفتحة معاً. 

أما "العبادة" عندهم فهي نوعان: واحدة للعامة والجمهور، هي "العبادة الشرعية الناموسية"، وأخرى للخاصة، هي "العبادة الفلسفية الإلهية"، فالعامة يأخذون بأحكام الشريعة على ما يفيده الظاهر منها، ويتبعون قوانينها وطقوسها، أما الخاصة، "الراسخون في العلم" فيطلبون مدلولها الباطن، الحقيقي، ومن هنا يؤول "الاخوان" الجنة والنار تأويلا عقلانياً، بعيداً عن المدلول الحسي، وذلك بمعنى العلم والجهل، ويفسرون الجهل بأنه مثال لتطواف الإنسان في الأرض، وهكذا"([8]).

(اخوان الصفاء)؛ ظاهرة([9]) عصر، لا ظاهرة جماعة !تحت هذا العنوان، يطرح د. حسين مروة السؤال التالي : "كيف ظهر "اخوان الصفاء" لعصرهم ومجتمعهم، ومتى ظهروا؟. ومن هؤلاء الذين سماهم عصرهم ومجتمعهم، او سموا أنفسهم "أخوان الصفاء"، وكيف انتظمتهم "جماعة" واحدة بهذا الاسم وتحت هذا الشعار؟ ومن كتب تلك "الموسوعة" الشاملة المنسوبة إلى هذه "الجماعة" بالطريقة التي ظهرت بها "رسائل اخوان الصفاء" في عصر وفي مجتمع لم يعرفا - من قبل- عملا "موسوعياً" على هذا النحو من الشمول والتنوع؟، ويجيب على هذا السؤال بقوله: "المصادر التاريخية لعصر "اخوان الصفاء"، أو للعصر القريب منه، لا تقدم للمؤرخ أجوبة واضحة عن شيء من هذه الأسئلة، كما ان واحداً([10]) من مؤرخي القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) "يقع في حيرة من أمر هذه "الجماعة" وأمر "الموسوعة" المسماة باسمها، فكيف بالمؤرخ المعاصر؟ أما القرن الرابع الهجري (العاشر) الذي يتبنى المؤرخون والباحثون المحدثون كونه عصر "اخوان الصفاء"، فليس لدينا منه سوى مصدر واحد نجده عند أبي حيان التوحيدي، وهذا المصدر يفيدنا أن "الجماعة" كانت في البصرة، ولها معرفة "بأصناف العلم وأنواع الصناعة"، وأنها "تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة. فوضعوا مذهباً.. وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمياً وعملياً، وأفردوا لها فهرساً وسموه رسائل اخوان الصفاء، وكتموا فيها اسماءهم وبثوها في الوراقين، ووهبوها للناس"([11]).

أما "في المقدمة التي وضعها "أحمد زكي باشا" لطبعة "الرسائل" في القاهرة (1347 ه / 1928م)، ينقل عن كتاب باسم "جلاء العينين في محاكمة الاحمدين" تأليف ابن الالوسي البغدادي، نقلاً عن "كشف الظنون" وعن "شرح عقيدة السفاريني" فيقول ان "رسائل اخوان الصفاء" هي أصل مذهب القرامطة، وان نسبتها إلى جعفر الصادق مقصود بها الترويج، وانها "صُنِّفَت بعد المئة الثالثة (الهجرية) في دولة بني بويه، أملاها أبو سليمان محمد بن نصر البستي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن على بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، والعوفي، وزيد بن رفاعة، كلهم حكماء اجتمعوا وصنفوا هذه الرسائل على طريق الفلسفة الخارجة على مسلك الشريعة المطهرة، ثم ينقل "احمد زكي باشا" عن فتاوى ابن حجر، نفيه نسبة "الرسائل" إلى جعفر الصادق، وقوله بأن مؤلفها مسلمة بن قاسم الاندلسي (395ه/ 1005م)، ومسلمة هذا –كما يقول د. حسين مروة- هو نفسه "المجريطي القرطبي" الذي يرى بعض الباحثين أنه مؤلف "رسائل إخوان الصفاط، وبعد هذا نقرأ لباحث اسماعيلي عربي معاصر رأيا آخر ينسب تأليف "الرسائل" إلى امام الاسماعيليين عبدالله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق، فاذا علمنا –كما يقول د.مروة- "ان الامام عبدالله هذا مات سنة 299 ه / 911، كان ذلك يعني أن تاريخ "الرسائل" يرقى إلى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع)، في حين أن الرأي السائد، قديماً وحديثاً، انها ألفت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر)، فاذا أخذنا برأي هذا الباحث الاسماعيلي نكون قد أرجعنا ظهور "رسائل اخوان الصفاء" إلى قرن كامل تقريباً قبل زمنها التاريخي المعروف، وهذا أمر غير مقبول عند النظر إلى طبيعة الظاهرة التي تدل عليها هذه الرسائل، وحيال هذا الاضطراب في المسألة، يحكم منطق التحقيق التاريخي أن نرجع إلى المصدر الذي هو أقرب المصادر صلة بالعصر المتفق عليه لدى معظم الآراء المتضاربة في المسألة بأنه عصر "اخوان الصفاء" و"رسائلهم"، أي القرن الرابع الهجري (العاشر)، نعني بهذا المصدر الذي تتوفر فيه هذه الصفة، ابا حيان التوحيدي ونصه المثبت في كتابه " الامتاع والمؤانسة" كما أشرنا سابقاً"([12]).

بقي أن نرى العلاقة بين هذه الجماعة ورسائلهم، وبين الاسماعيلية.. فإن الدراسات الحديثة تكاد تتفق على وجود هذه العلاقة، حيث يرى "أحد الباحثين من الاسماعيلية المعاصرين –كما يقول د. حسين مروة- "أن "الرسائل" من وضع أمامهم عبدالله بن محمد، فاذا رجعنا إلى "الرسائل" نفسها، نبحث في مضموناتها، وجدنا علاقة واضحة بين المبادئ الفلسفية التي تأسس عليها جماعة "اخوان الصفاء" وأصول التنظيم المتبعة لدى الجماعة، وبين مبادئ الاسماعيلية وأصولهم التنظيمية" ([13]).

ولكننا –كما يضيف د.مروة- "نجد مجالاً للقول بأن هذه العلاقة لا تبلغ درجة التماثل الكامل بحيث لا يصح النظر إلى "الجماعة" كأنها تنظيم اسماعيلي صرفاً، فقد كان للإسماعيلية وجود سبق وجود "اخوان الصفاء" بزمن طويل، وكان لها تنظيم متقدم يعمل بنشاط ودقة ودأب منذ ذلك الزمن، ويمارس بذلك تأثيراته في مجالات الكفاح السياسي والايديولوجي على بعض الحركات الثورية التي ظهرت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، كحركة القرامطة بالدرجة الأولى، فإذا كانت حركة "الباطنية" قد تمثلت، خلال القرنين المذكورين، في فرق أخرى غير الاسماعيلية، فإن المزايا التنظيمية التي كانت أبرز ما تميزت به الاسماعيلية، قد مكنتها ان تنفرد، دون سائر الفرق "الباطنية"، بحيوية الحركة والتأثير واستمرارية الصمود أكثر من جيلين. وقد كانت هذه المزايا عاملاً من عوامل نجاح الدعوة الفاطمية في الوصول إلى مركز الحكم، ولكن التفرق الداخلي الذي أصاب الحركة الاسماعيلية، أدى بها إلى التشتت بعد ذلك كحركة منظمة"([14]).

لكن على الرغم من العلاقة بين "إخوان الصفا" وبين "الإسماعيلية"، إلا أن د.حسين مروة يؤكد أن لديه "اقتناعاً بأنه كان لإخوان الصفاء وجود مستقل عن التنظيم الاسماعيلي، رغم ما نراه من نقاط الالتقاء الكثيرة بينهما، ولكن وجودها المستقل لا ينفي ان يكون لها نوع من الارتباط المبدئي أو المذهبي بأصول اسماعيلية، إذ أن الدلائل التاريخية كلها ترشدنا ان الوضع التنظيمي "لإخوان الصفاء" لا يتعدى نطاق "الخطة" التنظيمية المكتوبة في "الرسائل"، أي انه وضع نظري محضاً، رسموه لأنفسهم بصورة مجردة كانعكاس للتجربة التنظيمية الاسماعيلية الناجحة.

اما النشاط العملي للإخوان فقد انحصر في العكوف على التأليف الموسوعي الذي يبدو انه استغرق وقتاً طويلاً استنفذ كل طاقاتهم، بحيث لم يتح لهم أن ينصرفوا إلى تحقيق "الخطة" المدونة في "الرسائل"، والا فلماذا لم تظهر آثار لنشاطهم يتحدث عنها المؤرخون في عصرهم أو العصور القريبة منه، لو أن هذا النشاط كان موجوداً بالفعل؟ لماذا لم يتحدث عنهم الشهرستاني، أو ابن خلدون مثلاً؟

ولعل النشاط الوحيد الذي نجد من يتحدث عنه في عصرهم، خارج نشاطهم التأليفي، هو ما يذكره أبو حيان التوحيدي في معرض حديثه عنهم، الذي سبقت الاشارة اليه، من انهم "صنفوا خمسين رسالة.. وكتموا فيها أسماءهم، وبثوها في الوراقين (النساخ)، ووهبوها للناس..".

فهم اذن كانوا يطمحون إلى اشاعة معارفهم الموسوعية في المجتمع بعد أن بذلوا ذلك الجهد العظيم في التدوين والتصنيف، وكان وراء طموحهم هذا هدف مرسوم دون شك، ولابد انهم بذلوا جهداً آخر "لبث " هذه المعارف عن طريق الوراقين، ثم لا نعرف لهم –كما قلنا- نشاطاً غير هذا لنشرها وتعميمها في جماهير المجتمع"([15]).

أما كيف اختاروا لـ"تنظيمهم" اسم "اخوان الصفاء وخلان الوفاء" فقد يكون صحيحاً –كما يقول د. مروة- "ان ذلك كان استرشاداً بما ورد في كتاب "كليلة ودمنة" (ترجمة ابن المقفع) من هذا التعبير (اخوان الصفاء) في "باب الحمامة المطوقة"، وقد جاء مضمون هذا الاسم تعبيراً عن الواقع الذي ألف بين أشخاصهم وجمعهم عمل مشترك وعلى هدف لهذا العمل مشترك أيضاً، ذلك إن عمل "اخوان الصفاء" الموسوعي، في "الرسائل" التي نسمح لأنفسنا أيضاً بأن نصفها وصفاً معاصراً، فنقول أنها عمل "برنامجي" يكاد يكون متكاملاً، رغم افتقاره إلى عنصر التنسيق التأليفي أولاً، وإلى عنصر التدقيق العلمي ثانياً.

ان صفة "العمل البرنامجي" تظهر بجلاء في مجمل التركيب العام "للرسائل" الخمسين و"للرسالة الجامعة" التي تتوج هذا العمل الكبير وتبلغ به النقطة القصوى "لاستراتيجية" الجماعة!"([16]).

"إخوان الصفا" والموقف من الشريعة وخَلقْ الإنسان والخلافة:

يقول التوحيدي في معرض حديثه عن "الجماعة": "إنهم قالوا ان الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية. وزعموا انه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال".

هذا الكلام يقوله التوحيدي بعينه، لم يكن ليقوله الا وهو يعلم من أمر "الجماعة" وأمر العصر ما هو واقع، أو ما هو احدى صور هذا الواقع، وفي "رسائل" الجماعة ما يدعم ذلك ويؤكده، كما يقول د. حسين مروة:

"الاخوان" يأخذون بفكرة "الخطيئة الأصلية" لبني الإنسان منذ آدم، على نحو ما تصفها الاديان القائلة بها. ولكنهم يرون – أي "الاخوان" – ان الإنسان خرج من ربقة([17]) هذه "الخطيئة" بعد توبة آدم وامتثاله لأمر الله الثاني ووصيته الثانية، ثم جرى على ذلك من استخلف في الأرض بأمر الله بعد آدم، وجعل وصية الله هذه، كلمة باقية في عقبه"، وهذه "الكلمة" هي "خلافة النبوة ومملكة الرسالة والامامة، فمن تعدى هذا الأمر (الالهي) وخالف هذه الوصية، وطلب أن يكون خليفة الله تعالى ليدبر خلقه بسعيه وحرصه، فانه لا يتم له، وان تم وقدر عليه فإنما هو خليفة ابليس، لأنها حيلة ومكيدة وخديعة وتعد وغصب وظلم وعدوان وخذلان وطغيان وعصيان"، فلننظر في هذه الصفات الأخيرة المتلاحقة، (.. غصب، ظلم، عدوان، خذلان، طغيان، عصيان).

ليس يحتاج المرء إلى جهد غير عادي، لكي يكتشف مرمى هذا الهجوم، أي من يقصد "الاخوان" بهذه الأوصاف السلبية المثيرة، فانه لمن الواضح ان الذي تم له ان يكون "خليفة" بتعدي أمر الله ومخالفة وصيته لآدم، فأصبح بذلك "خليفة ابليس" انما هو من يتسمى بـ"الخليفة" في عصر "اخوان الصفاء"، وهو ليس "خليفة" واحداً بعينه، بل هو كل من يتسلم منصب "الخلافة" الرسمية في الدولة الاسلامية المعاصرة لهم (الخلافة العباسية)"([18]).

يتوضح هذا الهدف لدى "اخوان الصفاء" في أمكنة أخرى من "الرسائل" حين هم يتعرضون للعباسيين بتعابير شفافة، فيصفونهم بأنهم قتلوا "الأولياء وأولاد الانبياء"([19])، وحين هم يكثرون من التعريض بالسلطان الجائر، وينددون بمن ينصب خليفة لله في أرضه، ويملك رقاب الناس ويبسط يديه في البلاد لينصف المظلوم من الظالم، فاذا به يصبح هو الظالم وهو المتعدي على الضعفاء والمساكين.

جزء آخر من "الرسائل" نجد "إخوان الصفا" حيث "يبشرون" بفكرة "دورية" المُلْكْ والدولة، وانتقالهما في كل دور من أمة إلى أمة ومن أهل بيت إلى أهل بيت، ومن بلد إلى أهل بلد، ثم يضعون العلامات التي تنطبق على جماعة "اخوان الصفاء" نفسها ومن ينضوي إلى دعوتها، واصفين "دولتهم" المنتظرة بأنها "دولة أهل الخير"، التي ستكون مدة حكمها "مئة وتسعاً وخمسين سنة" وهي الدولة التي "يبدأ أولها من قوم علماء حكماء، وخيار فضلاء يجتمعون على رأي واحد ويتفقون على مذهب واحد ودين واحد، ومن الخصائص التي يتميز بها أهل "دولة الخير" هذه "أنهم العلماء بأمور الديانات، العارفون بأسرار النبوات، المتأدبون بالرياضيات الفلسفية"([20]).

فاذا كانوا كذلك، فإننا ننتظر أن نفهم منهم أن "الدين الواحد" الذي يتفقون عليه هو غير الدين المتبع في مجتمعهم وعصرهم. وقد كشفوا لنا هم ذلك، بوضوح، في كثير من نصوص "الرسائل"، فهم يعلنون انفتاحهم الكامل على الاديان والمذاهب كلها وعلى العلوم بأسرها، دون تحفظ، ويدعون أصحابهم "ان لا يعادوا علما من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب، لان رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم كلها"، ثم يدعون كل "اخ" لهم: "فاجتهد يا اخي ان تبين الحق لكل صاحب دين ومذهب مما هو في يده، أو مما هو متمسك به، وتكشف عنه الشبهة التي دخلت عليه (..) ولا تمسك بما أنت عليه من دينك ومذهبك، واطلب خيرا منه، فان وجدت فلا يسعك الوقوف على الادون، ولكن يجب عليك الاخذ بالاخير الافضل، والانتقال اليه، ولا تشتغلن بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن أنظر: هل لك مذهب بلا عيب؟"، فالدعوة هنا صريحة –حسب رسائل إخوان الصفا- إلى موقف نقدي من الدين، كل دين، ونبذ للتمسك بالموروث من الأديان والمذاهب دون استثناء، وهذا الموقف النقدي ينسحب على الشريعة الاسلامية، ولكن –يقول د. مروه- بطريقة حذرة محترسة تداور الامر باللجوء إلى مثل ما لجأ اليه الصوفية من تصنيف الشريعة إلى ظاهر وباطن، فالظاهر هو الذي يصلح "للعامة" يداوي منها النفوس المريضة الضعيفة، أما العقول القوية تتغذى الحكمة العميقة المستمدة من الفلسفة، وبالتالي فإن "الذي يصلح للخواص البالغين في الحكمة، الراسخين في العلوم (...) هو النظر في أسرار الدين، وبواطن الأمور الخفية وأسرارها المكنونة.." .

لذلك، "فإن العبادة عند "إخوان الصفا" نوعان لا ثالث لهما": أحداهما، العبادة الشرعية الناموسية.. وأما الثانية، فهي العبادة الفلسفية الالهية.." وهكذا، فكل اعتراف بأحكام الشريعة وقوانينها وطقوسها يصبح اعترافاً ظاهرياً شكلياً، لأنه خاضع – آخر الامر- للتأويل "الباطني" الذي يختص به "الراسخون في العلم"، وهنا، كما عند الصوفية، يتحدد "الراسخون في العلم"، وفقاً لمنطلق  "أهل الباطن"، بحدود المفاهيم المتبعة في التأويل "الباطني" عند هؤلاء أو أولئك، ومن هذه المفاهيم، مثلاً، في تأويلات "اخوان الصفاء" ان الحج إلى مكة الذي أقرته الشريعة هو في "الباطن" ليس كما يفهمه غير "الراسخين في العلم" فهماً ظاهرياً، وانما "باطنه" و"حقيقته" مثال لطواف الإنسان على الأرض، ثم المفهوم "الباطني" عندهم "للنبوة"، انها أثر فلكي. وذلك انه "ينبث من جرم عطارد قوة روحانية تسري في جميع جسم العالم وأجزائه، بها تكون المعارف، والاحساس في العالم، الخواطر، والالهام، والوحي والنبوة والعلوم أجمع"([21]).

نخلص من هذا العرض التركيبي –كما يستطرد د. حسين مروة- إلى تصور عام لاستراتيجية "اخوان الصفاء".. ان خلاصة هذا التصور ان "الجماعة" ينطلقون من موقع المعارضة للخلافة العباسية، ولمفهوم الشريعة الذي تتأسس عليه الايديولوجية الرسمية لدولة الخلافة هذه، ولذلك تتطلع -أي جماعة اخوان الصفاء- إلى بناء دولة جديدة للمجتمع تستند إلى فلسفة جديدة منفتحة على كل مصدر للمعرفة، وعلى الاديان والمذاهب والفلسفات كلها، وعلى مختلف القوميات واللغات والاجناس البشرية.

وتتمثل في فلسفتها هذه ايديولوجية هذا المجتمع على أساس جديد. اما المحتوى الاجتماعي الذي سيكون الاساس لهذه الايديولوجية، فقد تدرج من مرحلة إلى مرحلة حسب مراتب الناس.

بدأت "الرسائل" بمرحلة المداورة والمناورة في التعامل من المدعوين الذين هم في المرتبة الدنيا من استيعاب الدعوة، حذرة معهم كل الحذر، آخذة في الحسبان كل ما هو متكون لديهم من معتقدات موروثة ومن مرتكزات مذهبية وايديولوجية اكتسبوها من طبيعة نظام الحكم الاستبدادي السائد وطبيعة العلاقات الاجتماعية المسيطرة ومن آثار تجهيل جماهير "العامة" وعزلها عن حركة التطور الثقافي التي كانت في اوج نشاطها حينذاك".

ان وعي "الجماعة" لهذا الواقع، حملهم على تضمين عملهم "البرنامجي" شبه "نظام داخلي" تنظيمي، يقضي أول كل شيء باختيار فئة الشبان "للحلقات" الأولى من "التنظيم"، لكون هذه الفئة من الناس "كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء، كما ان الخطة "التكتيكية" في التعامل مع المدعوين الشبان، تقضي بتقديم المعارف الأولية اليهم عن شؤون الدعوة، وهي المعارف التي تستثير في أذهانهم الشكوك في ما يكون قد وصل اليهم من معتقدات دينية أو مذهبية أو من أصول أيديولوجية "رسمية"، ثم تستثير في الوقت نفسه فضولاً معرفياً عندهم للاطلاع على ما هو أبعد من تلك المعارف الأولية عن شؤون الدعوة.

وهكذا تتدرج أساليب "التعليم" متصاعدة، مرحلة مرحلة، مع تصاعد مراحل العمر بالمدعوين، حتى تبلغ معهم مرحلة ما بعد الخمسين من اعمارهم، فيحق لهم حينذاك بلوغ المرتبة الرابعة، وهي العليا، فيرتفع الحذر، ويصبح "التعليم" صريحاً معهم، ويمكنهم الاطلاع على أسرار "المنظمة" كاملة""([22]).

أما موقف "اخوان الصفاء" من الشريعة، فيلخصه د. حسين مروة كما يلي([23]): 

أولاً، في رفضهم التقليد المطلق لظاهر الشريعة، وطلبهم "البحث والكشف بالبراهين" عما فيها "من الاسرار والاشارات المكنونة"، وذلك كشأن "المتوسطين في كل علم وصناعة لا يرضون بالتقليد اذ يمكنهم البحث والكشف عنه بالبراهين.

ثانياً، في تفسيرهم النبوة تفسيراً ينطلق من تصور مادي، فهي عندهم أثر فلكي، آت من جرم الكوكب عطارد كما أشرنا قبل. وهذا التصور ينسف التصور "الرسمي" للشريعة والنبوة من الأساس.

ثالثاً، في قولهم بتجدد الشريعة والدين بصورة دورية ترتبط بحركة الاجرام الفلكية من حيث التقارب والتباعد بين هذه الاجرام.

رابعاً، في نظرية "الامامة" عندهم، فان "الامام" في نظريتهم ينبغي ان تجتمع فيه ست وأربعون من الصفات، وهي بمجموعها تضع الامام في منزلة النبوة، أو فوق هذه المنزلة. ثم يقررون انه "ان لم يتفق ان تجتمع تلك الخصال في واحد، لكن تكون متفرقة في جماعتهم، اجتمعت تلك الجماعة على رأي واحد، وائتلفت قلوبهم على محبة بعضهم بعضاً.. فإن كنت (الخطاب إلى كل أخ من اخوانهم) عازماً على طلب صلاح الدين والدنيا، فهلم بنا نجتمع مع جماعة اخوان فضلاء..".

وهذا يعني، بوضوح، ان جماعتهم ذاتها تمثل منصب الامام، ولذلك قالوا بأن الامام المنتظر ليس مختفياً، بل ظاهر بين الناس، وعلى هذا، اذن، يتبين ان "اخوان الصفاء" يضعون أنفسهم في موضع المواجهة المباشرة لنظام حكم الخلافة العباسية، لا أيديولوجيا فقط، بل سياسياً كذلك، أي أنهم يرمون إلى هدم هذا النظام لإقامة نظامهم هم مكانه، واعتبارهم هم أنفسهم ذوي الامامة الشرعية، هذا إذا اخذنا لفظ "الامامة" بمعناه الظاهر المألوف، والا فهو رمز فقط يقصدون به هدفهم السياسي.

 

 

 

([1]) محمد السيد نعيم و د.عوض حجاذى-الفلسفة الاسلامية وصلاتها بالفلسفة اليونانية-دار الطباعة المحمدية بالازهر-القاهرة الطبعة الثانية-1959- ص171.

([2])   جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 45

([3])  أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم - مرجع سبق ذكره- الفلسفة العربية الإسلامية – ص 123

([4]) المرجع نفسه - ص 126

([5])   جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 45

([6]) عادل العوا –إخوان الصفا -الموسوعة الفلسفية العربية - المجلد الثاني - معهد الانماء العربي – الطبعة الأولى 1988 –ص63

([7]) المرجع نفسه –ص63

([8]) أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم – كتاب "الفلسفة العربية الإسلامية " – دار الفارابي – بيروت / لبنان – ط1 - 2000  – ص 126

([9]) ظاهرة Phenomenon : الظاهرة اسم لكل ما هو " معطى" لنا في الخبرة مباشرة. فالظاهرات ليست سوى تلك المعطيات التي تبدو للوعي على نحو مباشر، فتؤلف محتوياته، وتنقسم الظاهرات إلى مجموعتين كبريين هما : مجموعة الظاهرات الطبيعية ومجموعة الظاهرات العقلية، ويمكن القول أن الظاهرات الطبيعية هي تلك التي ندركها عن طريق الحواس الخمس، أما الظاهرة العقلية فهي ما يعطي للاحساس أو الخيال إلى جانب ما يعطي للوعي عبر الحواس.

([10]) هو القفطي، جمال الدين (-646 هـ / 1248): "اخبار العلماء في اخبار الحكماء" ، ط. مصر 1326 هـ ، ص 80 وما بعدها. يقول القفطي عن احوان الصفاء: "هؤلاء جماعة اجتمعوا على تصنيف كتاب في أنواع الحكمة الأولى ورتبوها مقالات (..) ولما كتم مصنفوها اسماءهم ، اختلف الناس في الذي وضعها، فكل قوم قالوا قولاً بطريق الحدس والتخمين. فقوم قالوا هي من كلام بعض الائمة من نسل علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. واختلفوا في اسم الامام الواضع لها اختلافاً لا يثبت له حقيقة. وقال آخرون هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول..".

([11]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985 – ص359

([12]) المرجع نفسه - ص361 / 362

([13]) المرجع نفسه - ص363

([14]) المرجع نفسه - ص363

([15]) المرجع نفسه - ص365

([16]) المرجع نفسه - ص365/ 366

([17]) الربقة (بفتح الراء وكسرها) : العروة في الحبل. يقال "حل ربقته" أي فرج كربته.

([18]) المرجع نفسه - ص366/367

([19]) الرسائل: ج2 ، ص303. قد يكون قصد "الاخوان" من "الاولياء وأولاد الانبياء" أئمة الشيعة من أحفاد علي بن أبي طالب ومن يعتبرهم "الاخوان" بمنزلة "الاولياء" من زعماء المنظمات والحركات المعارضة للدولة في العصر العباسي.

([20])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني – ص367 / 368

([21]) المرجع نفسه - ص369

([22]) المرجع نفسه - ص371

([23]) المرجع نفسه - ص376