Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح22)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل السادس

أشهر فلاسفة الإسلام حتى بداية القرن الرابع عشر

جابر بن حيان (721 م –815 م):

عَلَم من أعلام الحضارة الاسلامية، كان فيلسوفاً وعالماً سابقاً لعصره في الكيمياء خصوصاً، إلى جانب علوم الفلك والرياضيات والطب والأحياء.

اختلفت الروايات على تحديد أصله، وكذلك مكان مولده، فمن المؤرخين من يقول بأنه من مواليد الكوفة على الفرات، ومنهم من يقول أن أصله من مدينة حران من أعمال بلاد ما بين النهرين، ولكن معظم المصادر تشير إلى أنه ولد في مدينة طوس من أعمال خراسان، لكنه عاش معظم عمره في دمشق وبغداد والكوفة.

 أما عن مذهبه الديني، هناك –كما يقول يوسف حسين- من اعتبره شيعياً ومن اعتبره سنياً، ومن اعتبره كافراً، لكنه كان يميل إلى مذهب الشيعة وأهل البيت متأثراً بأفكار الامام جعفر الصادق، وعاش حياته كرجل متصوف وعرفاني.

ترك جابر ابن حيان عشرات الكتب في الفلسفة والطب والكيمياء، ترجم معظمها إلى عدد من اللغات، أما ابرز كتبه ومؤلفاته: كتاب "الاكسير العظيم" و "الخيمياء"، وكتاب "الزئبق الشرقي" والزئبق الغربي" وكتاب "الخواص" وكتاب "التمام" وكتاب "الملك" وكتاب "الرحمة" وكتاب "شرح على أرسطو" و "شرح على افلاطون" و "السموم" وكتاب " الشمس" في الفلك، و "ما بعد الطبيعة" ومعظم هذه الكتب توجد أصولها في الجامعات والمتاحف الاوروبية والامريكية.

العلم والمنهج العلمي المعرفي لدى جابر بن حيان:

استخدم ابن حيان المنهج التجريبي في الحصول على المعرفة، وكان يرى أن العلم ليس فطره، لكن هناك استعداد فطري (او موهبة) لدى البعض للاهتمام بالعلوم إلى جانب أهمية الخبرة والحواس من خلال الاستعداد الشخصي لتلقي المعرفة ومتابعتها.

أما منهجه العلمي، فيقوم على الملاحظة اجراء التجارب والاستقراء لمعرفة الحقائق والقوانين العلمية، انطلاقاً من ايمانه بأن "كل ما نعرفه لا بد أن يخضع للتجربة والبرهان العلمي" وكل ما عدا ذلك من معرفة، زائف أو باطل.

في هذا السياق –كما يضيف يوسف حسين-"حرص بن حيان على كتم أو إخفاء العلم والنتائج العلمية عن جمهور العامة منعاً لإرباكهم، فقد قَسَّمْ العلوم إلى قسمين: علوم دينية، وعلوم دنيوية علمية بحته، فعلوم الدنيا منفعتها قبل الموت، أما علوم الدين فمنفعتها بعد الموت، وكل علم منها ينقسم بدوره إلى أقسام أو فروع متعددة"([1]).

فلسفته: قال ان كل شيء في هذا لعالم مُرَكَّب من دقائق، ويمكن ان نُعَدِّل في الشيء بنسبة برودته أو سخونته لنحصل على شيء جديد، وهو قول قريب من العلم الحديث، الأمر الذي يؤكد على نظرته المادية.

أهم منجزات ابن حيان:

  • مكتشف القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة باسمها العربي Alkali.
  • إدخال البحث التجريبي إلى الكيمياء. فقد أدخل عنصرَيْ التجربة والمعمل في الكيمياء وأوصى بدقة البحث والاعتماد على التجربة والصبر على القيام بها، فجابر يُعَدُّ من رواد العلوم التطبيقية.
  • اكتشف "الصودا الكاوية" أو القطرون (NaOH).
  • أول من استحضر ماء الذهب وماء الفضة.
  • أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ بواسطة الأحماض. وهي الطريقة السائدة إلى يومنا هذا.
  • ملح النشادر، والبوتاس.
  • أول من أكتشف حمض النيتريك.
  • أول من اكتشف حمض الهيدروكلوريك.
  • اعتقد بالتولد الذاتي.
  • تناول في كتاباته الفلزات، وأكسيدها، وأملاحها.
  • أضاف جوهرين إلى عناصر اليونان الأربعة وهما ( الكبريت والزئبق) وأضاف العرب جوهرا ثالثا وهو (الملح).
  • أول من اكتشف حمض الكبريتيك وقام بتسميته بزيت الزاج.
  • أدخل تحسينات على طرق التبخير والتصفية والانصهار والتبلور والتقطير.
  • استطاع إعداد الكثير من المواد الكيميائية كسلفيد الزئبق وأكسيد الأرسين (arsenious oxide).
  • إسهاماته في هذا الميدان في تكرير المعادن، وتحضير الفولاذ، وصبغ الأقمشة ودبغ الجلود، وطلاء القماش المانع لتسرب الماء.
  • استعمال ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج.
  • شرح بالتفصيل كيفية تحضير الزرنيخ ، والأنتيمون، وتنقية المعادن وصبغ الأقمشة.
  • اكتشف أن الشب يساعد على تثبيت الألوان، كما أنه صنع ورقاً غير قابل للاحتراق، وحضر أيضاً نوعاً من الطلاء يمنع الحديد من الصدأ .
  • أول من استعمل الموازين الحساسة، والأوزان المتناهية في الدقة في تجاربه العلمية.

أهم مؤلفاته:

ألف ابن حيان أكثر من مائتي كتاب، وفق عدد من المصادر، وقد ترجمت بعض كتبه إلى اللاتينية في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، "كما ترجم بعضها من اللاتينية إلى الانجليزية عام 1678، وفي سنة 1928م أعاد هوليارد صياغتها، وقدم لها بمقدمة وافية، وظل الأوربيون يعتمدون على كتبه لعدة قرون، اما أصول العديد من كتبه، فهي موجوده في بعض الجامعات والمتاحف الأمريكية والأوروبية، من أهم هذه الكتب:

    1. كتاب الرحمة: وتطرق فيه إلى تحويل المعادن إلى ذهب.
    2. كتاب السموم ودفع مضارها: وقسمه خمسة فصول تبحث في أسماء السموم وأنواعها وتأثيراتها المختلفة على الإنسان والحيوان، وعلامات التسمم والمبادرة إلى علاجها والاحتراس من السموم، وقد قسم السموم فيه إلى حيوانية كسموم الأفاعي والعقارب وغيرها، ونباتية كالأفيون والحنظل، وحجرية كالزئبق والزرنيخ والزاج.
    3. الكيمياء.
    4. كتاب المائة واثني عشر:ويضم 112 رسالة عن صناعة الكيمياء عامة مع إشارات إلى كيميائيين قدماء.
    5. كتاب الموازين: ويضم 144 رسالة تعرض الأسس النظرية والفلسفية للكيمياء والعلوم عامة.
    6. كتاب الميزان.
    7. كتاب الخواص الكبير.
    8. كتاب الزئبق.
    9. كتاب الخواص.
    10. كتاب خواص إكسير الذهب.
    11. رسالة في الكيمياء.

قالوا عنه:

  • قال عنه Berthelot برتيلو: "إن لجابر في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق".
  • وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي (فرانسيس بيكون): (إن جابر بن حيان هو أول من عَلَّمَ علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء)
  • وقال عنه ماكس مايرهوف: يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوربا إلى جابر ابن حيان بصورة مباشرة. وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوربية.

الخوارزمي محمد بن موسى (781 م - 846 م):

" أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي عالم رياضيات وفلك مسلم من خوارزم، قيل أنه ولد حوالي 164هـ 781م (وهو غير مؤكد) وقيل أنه توفي عام 232 ه (846 م). يعتبر من أوائل علماء الرياضيات المسلمين، حيث ساهمت أعماله بدور كبير في تقدم الرياضيات في عصره. اتصل بالخليفة العباسي المأمون وعمل في بيت الحكمة في بغداد وكسب ثقة الخليفة إذ ولاه المأمون بيت الحكمة كما عهد إليه برسم خارطة للأرض عمل فيها أكثر من 70 جغرافيا.

كما ضمت مؤلفات الخوارزمي كتاب الجمع والتفريق في الحساب الهندي، وكتاب رسم الربع المعمور، وكتاب تقويم البلدان، وكتاب العمل بالأسطرلاب، وكتاب "صورة الأرض" الذي اعتمد فيه على كتاب المجسطي لبطليموس مع إضافات وشروح وتعليقات، وأعاد كتابة كتاب الفلك الهندي المعروف باسم "السند هند الكبير" الذي ترجم إلى اللغة العربية زمن الخليفة المنصور فأعاد الخوارزمي كتابته وأضاف إليه وسمي كتابه "السند هند الصغير"([2]).

أهم مؤلفاته في الرياضيات:

  1. كتاب الجبر والمقابلة، وهو أشهر كتبه.
  2. كتاب الجمع والتفريق.
  3. كتاب الحساب الهندي.

"الخوارزمي كان أول من وضع جداول فلكية عن النجوم والكواكب وحركاتها، وأول من ألف في الاصطرلاب في اللغة العربية. وهو أول من وضع أساس علم الجبر وأول من أعطاه اسمه الذي صار عالمياً (Algebra)، وهو الذي سمى الصفر الهندي صفراً فصارت تسميته عالمية (Cipher)، فقد شجعه الخليفة المأمون على ذلك ليتمكن الناس من الحسابات في مسائل الميراث والوصايا والمعاملات"([3]).

 

يعقوب بن اسحق الكنـــــدي (800 م. _ 879 م):

أطلق عليه بعض المفكرين لقب فيلسوف العرب، لأنه كان أول العرب الذين اشتغلوا بالعلوم اليونانية ونشرها، وهو أحد ابناء عائلة من الأمراء، ولد في الكوفة سنة 800 م، والده كان والياً للكوفة، حظي في شبابه باهتمام الخليفتين العباسيين المأمون والمعتصم بسبب رعايتهم لمذهب المعتزلة والمؤمنين به، فقد كان الكندي قريباً من المعتزلة وتطابق معهم في افكارهم، كما تقارب مع الشيعة، لكنه لم يكن محسوباً على أي من المذهبين، لكنه تعرض للاضطهاد في عهد "المتوكل".

درس الكندي أرسطو وعُرف عنه إيمانه بالمشروطية السببية لظواهر الطبيعة والمجتمع، ويرى أن: "هذا العالم حادث وأن الله خلقه من العدم وبالتالي فإن هذا الكون له بداية في الزمان وليس قديماً، إلى جانب ذلك يرى الكندي أن مصادر المعرفة هي العقل والحواس والخيال، فالعقل يدرك الكليات _ (اللـــه، الطبيعة) _ كما يدرك كل ما لا تدركه الحواس، والحواس تدرك الجزئيات والماديات، أما الخيال فيأتي وسطاً بين الاثنين، أي بين الإدراك العقلي والإدراك الحسي _ (هكذا عرض كانط فلسفته فيما بعد) _ كان "عالماً" باللغة الفارسية والعربية واليونانية بصفة خاصة، وقد كلفه الخليفة المأمون بنقل العلوم الفلسفية إلى اللغة العربية ضمن الذين كُلِّفوا بالنقل والترجمة، عرف عنه اشتغاله بعلوم  الرياضة والموسيقى والطب إلى جانب الفلسفة، يقول عنه الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه " فيلسوف العرب والمعلم الثاني " أن الكندي في القرون الوسطى كان واحداً من ثمانية هم أئمة العلوم " الفلكية "([4]).

الشخص والظاهرة:

لا ندرس الكندي هنا بوصف كونه "مؤسس" الفلسفة العربية، كما يصفونه عادة في تاريخ هذه الفلسفة، -كما يقول د. حسين مروة- لأنه لم يكن هو "المؤسس" حقيقة، ذلك إن الفلسفة العربية الاسلامية نشأت على أيدي مفكري المعتزلة بالاعتماد على الفلسفة اليونانية، ولكن استقلال الفلسفة العربية الاسلامية تم أول مرة على يد  الفيلسوف العربي الأول الكندي، ثم بقيت هكذا طوال عصور نشاطها وحيويتها حتى بلغت، في ابن رشد، قمة هذا النشاط وهذه الحيوية – نقول: لا ننفي هذه الحقيقة بالطبع، بل نؤكدها، لكن الذي ننفيه ان تكون الفلسفة العربية وليد هذه الأصول وحدها، دون الأصل – الام، أي المجتمع العربي- الاسلامي الذي منه ولد فلاسفة العرب، ومنه ولدت فلسفتهم، وفيه عاشت -من جديد- تلك "الأصول الثقافية" اليونانية نفسها، مع مشكلات انسانية جديدة وقضايا فكرية جديدة في اطار علاقات اجتماعية جديدة، هي علاقات المجتمع الاقطاعي ذي الخصائص المتميزة، لا علاقات المجتمع العبودي اليوناني القديم.

ثم ان الذي ننفيه – تبعاً لذلك- ان يكون الكندي، مثلاً، قد خرج فجأة إلى مجتمعه العباسي فيلسوفاً، لمجرد كونه اطلع على ذلك "المزيج" من الفلسفة الافلاطونية والفلسفة الارسطاطاليسية بالشكل الذي وصل إليه هذا "المزيج" مترجماً عن اليونانية أو السريانية"([5]).

اننا " لا ندرس الكندي هنا بوصف كونه "المؤسس" للفلسفة العربية، ونضيف الان القول بأننا لا ندرسه أيضاً بوصف كونه شخصاً فرداً بعينه وبحدوده الفردية، بل الذي تعنينا دراسته في الكندي كونه ظهر في النصف الأول من القرن الثالث الهجري تعبيراً عن ظاهرة تاريخية جديدة في المجتمع العباسي وفي تلك الحدود الزمنية بخصوصها، ونعني بها – اجمالاً- ظاهرة الاهتزاز والتصدع في ايديولوجية دولة الخلافة بفعل عوامل اقتصادية -اجتماعية متضافرة، امكنت الفكر الفلسفي العربي ان يتخلص، نسبياً، من اشكاله اللاهوتية للتعبير المستقل، غير المباشر، عن الواقع، بأشكال جديدة ارفع وعياً وتطوراً، ولكن العناية بدراسة الكندي من حيث هو ظاهرة ليست تعني – اطلاقاً- اهمال الجانب الشخصي، أي الكندي – الفرد، بل الأمر -عندنا- بالعكس: بمعنى ان البحث عن الصفات الشخصية للفيلسوف، مثلاً، يساعد في وضع ايدينا على المفاتيح الحقيقية لفهم فلسفته.

فاذا كان من الثابت ان للتفكير الاعتزالي تأثيراً عميقاً في تكوين هذه الشخصية – وهو كذلك بالفعل- فإن من الثابت أيضاً- دون شك- تأثر الكندي بجملة من العوامل والمؤثرات التكوينية التي لا تقل شأناً عن ذاك، ان لم تكن -مجتمعة- أقوى فاعلية في توجيه نزعته الفلسفية توجيها مستقلاً عن الفكر الاعتزالي([6]).

"كان الكندي على صلة وثيقة بالمعتزلة، ولكنه لم يكن من المتكلمين. وكان عارم الشعور بالتوافق الجوهري بين البحث الفلسفي والوحي النبوي. وكان مقتنعاً بأن المذاهب التي تقول بان العالم خلق من عدم وبان النفس ستبعث مع جسدها وغير ذلك من مذاهب الأنبياء لا تجد في الجدل العقلي مصدرها أو ضمانتها. ومن هنا ميزت نظريته في المعرفة بين علم انساني، يشتمل على المنطق والفلسفة والمجموعة الرباعية، وعلم إلهي لا يتكشف إلا للأنبياء"([7]).

إلى جانب ذلك، فقد كان الكندي رياضياً وفلكياً، وطبيباً، وكيميائياً، وفيزيائياً، وموسيقياً، كما عرفه فيلسوفاً ومتكلماً، وإذا راجعنا فهارس مؤلفاته في العلوم الرياضية والطبيعية والطب والموسيقى، فسنجد عددها ضعف عدد مؤلفاته في الكلام والجدل والفلسفة.

وعلينا – من وجه آخر- أن نأخذ بالحسبان أيضاً ما سبق أن قلناه من أن الكندي كان تعبيراً عن ظاهرة اجتماعية، لا تعبيراً عن حالة فردية منعزلة([8]).

ولهذا نقول انه كان من طبائع الأمور كذلك ان تنعكس في فلسفته، بنظامها العام المتكامل، ظاهرة التداخل الطبيعي بين مرحلة علم الكلام المعتزلي، أو الفلسفة ذات الشكل اللاهوتي، وبين مرحلة الفلسفة ذات الوجه المستقل، وان يعطي هذا الانعكاس معناه التاريخي، وهو تداخل مرحلتين للتطور الاجتماعي نفسه:

الأولى، مرحلة ازدهار علاقات الإنتاج الاقطاعية التي كانت فيها سلطة الخلفاء قوية، فكانت أيديولوجيتها اللاهوتية قوية كذلك([9]).

والثانية، مرحلة انحدار هذه العلاقات وضعف دولة الخلافة واهتزاز أيديولوجيتها تلك وتصدعها، مع ظهور الكفاح الجماهيري وظهور الأيديولوجيات ذات الابعاد الطبقية غير الواضحة المعالم في ذلك الحين.

هاتان مرحلتان لم يحدث ان انفصلت احداهما عن الأخرى حينذاك، بل بقيت ظاهرات التداخل قائمة بينهما زمناً طويلاً.

لقد كان الكندي، كظاهرة فلسفية –كما يؤكد د. حسين مروة- تجسيداً لهذا التداخل بوجهيه: الاجتماعي والفكري. من هنا تلاقت في فلسفته اتجاهات متداخلة بكل تناقضاتها، وكان التعبير الواضح عن ذلك أسلوب "الجمع" أو ما سموه "التوفيق" الذي افتتح به الكندي عهد استقلال الفلسفة العربية (الجمع بين الدين والفلسفة، بين الايمان والعقل، بين المعرفة المستمدة من الوحي الالهي والمعرفة العقلية والنظرية، بين ارسطو وافلاطون الخ..)([10]).

يضاف إلى ذلك، "أن محاولة الكندي تناول الله والعالم والإنسان في إطار وحدة فلسفية –بغض النظر عن طبيعة التناول- يعد تحولا في العقلية الاسلامية، ويعبر في الوقت نفسه عن حقيقة اتسم بها عصر الصحوة؛ وهي طرح الوجود الاجتماعي والسياسي والفكري الواحد، إنها محاولة "خائفة" "لأنسنة" إلاله، بإقحامه في قضايا الواقع المعيش بما يفهم منه – بداهة- إعلاء لقدر الإنسان، لم يعترف بمثله في العصور السابقة على الصحوة، ومعلوم أن ظهور النزعة الإنسانية إنجاز قيمي مرتبط بالبورجوازية ودورها التاريخي.

وليس أدل على ذيوع النزعة الإنسانية في حقل الفلسفة في عصر الصحوة، من إطلاق مصطلحات فلسفية على لفظ الجلالة نفسه، فقد ورد عن الكندي باسم "الأزلي" "والمطلق"، كذا يظهر تأثير الصحوة في استخدام المنطق لربط نسيج منظومة الكندي الفلسفية بوجه عام.

وأخيرا –حسب الكندي منزلة في تاريخ الفكر الإسلامي، أنه "أثار بأشكال طريفة وعميقة مشكلة الوجود بملحقاته.. بشكل مختلف على الطرح النصي الايماني".

وسيمهد بذلك الطريق كي بمضي عليه قدما من جاء بعده من فلاسفة الإسلام، كالفارابي وابن سينا واخيرا ابن رشد"([11]).

"لقد حاول الكندي أن يوفق بين العلوم الإسلامية الأصيلة والفلسفة اليونانية الدخيلة دون أن يفقد إيمانه بالإسلام، وهكذا قَبِلَ بالفلسفة ضمن حدود أو إطار الدين الإسلامي لا خارجه. لقد كان فيلسوفا مؤمنا كما سيحصل لدى كبار الفلاسفة اللاحقين له وبخاصة الفارابي وابن سينا وابن رشد"([12])، لكنهم على الرغم من التزامهم بالإسلام، إلا أنهم تعرضوا للكثير من المعاناة بسبب التحريض الذي أثاره ضدهم بعض رجال الدين المنافقين والانتهازيين من اتباع هذا الخليفة أو ذاك، بذريعة التمسك بالنقل ورفض استخدام العقل ومنهجيته من ناحية، ودفاعاً عن المصالح الطبقية للنظام.

تكمن أهمية الكندي –كما يقول يوسف حسين- "انه وضع الصرح الأول للفلسفة العربية الاسلامية التي حملت صفات المجتمع العربي الاسلامي على الرغم من بداياتها في الاعتماد على الفلسفة اليونانية المترجمة عن السيريانية، خاصة ارسطو وافلاطون.

أما المنابع الفكرية لفلسفة الكندي فيمكن اختزالها إلى ثلاثة منابع رئيسية:

  1. القرآن والشريعة الاسلامية (وهو من أوائل من مارس التأويل لبعض الآيات الدينية لكي تصبح متوافقة مع الواقع والعقل.
  2. مؤلفات أرسطو (الكندي من أوائل الفلاسفة المشائيين مع الفارابي وابن سينا).
  3. الفيثاغورية وخاصة الرياضيات والهندسة كمدخل عند الكندي صوب استيعاب الفلسفة والمنطق.
المعرفة لدى الكندي:

المعرفة عند الكندي ثلاثة أنواع:

  1. المعرفة الحسية (المادية).
  2. المعرفة العقلية القائمة على العقل (كالرياضيات)
  3. المعرفة الالهية وموضوعها الله والدين الاسلامي والشريعة.

في هذا السياق، يقول المفكر الشهيد د. حسين مروه "لم يَبْنِ الكندي صرح مذهب فلسفي متكامل. وقد جاءت أعماله لتعكس خليطاً واسعاً من المذاهب التي تنحدر إلى أرسطو وأفلاطون وأفلوطين وبرقليس والفيثاغوريين.

وبين أشهر أفكاره يأتي قوله بالجواهر الخمسة- المادة والصورة والحركة والمكان والزمان؛ وقوله بأنواع أربعة من العقل:

1) العقل الفعال (العقل بالفعل، وهو الذي يكون دوماً في فعل)،

2) العقل بالقوة (أي كإمكان)، وهو للنفس،

3) العقل بالملكة، وهو الذي خرج في النفس من القوة إلى الفعل (كالطبيب الذي تعلم الطب، لكنه لا يمارسه بالفعل)،

4) العقل البياني (أو البائن، أي الظاهر، وذلك كالطبيب الذي يمارس مهنة الطب بالفعل)([13]).

ومع ذلك، يرى "فيلسوف العرب" أن من واجبه التنويه بأن المعرفة البشرية أدنى مرتبة من المعرفة الإلهامية، ولذا فإن النبوة أعلى من الفلسفة، التي تحصل بعد جهد كبير، ولا تنال بالوحي.

ويذهب الكندي إلى أن خصوم الفلسفة وأعداءها إنما يعارضونها لكونهم "تتوجوا بتيجان الحق من غير استحقاق"؛ فيرمون المشتغلين بها بالكفر والزندقة، طمعاً في احتكار الاتجار بالدين.

ولكن مما لا شك فيه أن آراء الكندي الحقيقية كانت أجرأ بكثير من التي صرح بها لمعاصريه في رسائله المنشورة. ويدل على ذلك، فيما يدل، أن تلميذه الأقرب، أحمد بن الطيب السرخسي (833 أو 837 - 899) لم يكتم تشكيكه بالنبوات، واتهامه الأنبياء بالتدجيل([14]).

كان تقسيم المعرفة عنده حسب موضوعها، وبما ان الموضوع نفسه ينقسم عنده إلى حسي، وعقلي، و"الهي"، فقد جعل الكندي اقسام المعرفة كذلك: فهي معرفة حسية، ومعرفة عقلية، ومعرفة "الهية" يسميها "علم الربوبية"([15])، وهي التي يكون موضوعها الله والشريعة.

فالكندي يرى أن هناك مصدرين للمعرفة: المصدر الالهي (المعرفة التي تصلنا عن طريق الانبياء والرسل)، والمصدر البشري، فهناك اذن: علم الهي، وعلم بشري هو ما يحصل عليه الإنسان من "علم الاشياء بحقائقها بقدر استطاعته"، لكن الكندي لا يحصر "العلم الالهي" بالأنبياء والرسل، بل يرى أن علم الانبياء والرسل هو احد الطرق الموصلة إلى "المعرفة الالهية"، ويرى أن الفلسفة أيضاً من هذه الطرق.

لذا سمى الفلسفة التي تبحث في "العلة الأولى" للوجود باسم "الفلسفة الأولى" وفقاً لأرسطو، لكونها "أشرف الفلسفة واعلاها مرتبة". بناء على ذلك، يمكن أن يستنتج من تقسيمات الكندي المذكورة انه ليس من حدود يقف عندها عقل الإنسان في طلب المعرفة:

العلاقة بين الدين والفلسفة: مشروع الكندي الرئيسي هو محاولته التوفيق بين العقل والشريعة، فالفلسفة غايتها إدراك الحقيقة، حيث نلاحظ وحدة الهدف مع اختلاف الوسيلة، فالفلسفة وسيلتها العقل والشريعة وسيلتها القرآن، والعلاقة بينهما تكامليه، واذا وجد تناقض بينهما فان الكندي يقول بالذهاب إلى التأويل للوصول إلى حل التناقض"([16]).

" كانت هذه المسألة احدى أهم مشكلات المجتمع والفلسفة معاً في عصر الكندي، أذ اتخذت الشكل الجديد لمشكلة العلاقة بين الايمان والعقل، وهي في الواقع انعكاس -بشكل ما- لقضية الصراع الايديولوجي الذي اخذ يحتدم في ذلك الحين.

اما موقف الكندي في هذه المسألة فيتميز بالتردد وعدم الحسم، وهذا الموقف الحائر يعكس موقفه الايديولوجي المتردد أيضاً، فهو على رغم ما رأيناه من اصالة نزعته الفلسفية ومن دفاعه الجريء الصريح عن الفلسفة قبالة خصومها المحافظين، ظل محافظاً على ارتباطه الوجداني بالمسلمات اللاهوتية، الذي تحول إلى نوع من الارتباط الفلسفي بها تبريراً لسيطرتها الوجدانية عليه، إذ لم يستطع الكندي، ان يحل مشكلة العلاقة بين الدين والفلسفة، رغم محاولاته المسيطرة على مجمل اعماله الفلسفية([17]).

كيف يجيب الكندي عن السؤال الكبير القديم للفلسفة: هل عالمنا المادي حادث أم قديم، أي هل هو مخلوق أم غير مخلوق.. وإذا كان مخلوقاً، هل خلق من وجود ام من عدم (من شيء ام لا من شيء)؟

يجيب الكندي عن السؤال هكذا: "العالم حادث، مخلوق من عدم، وبهذا الجواب يبدأ اختلافه عن أرسطو من حيث الجوهر، وان كان حتى في نقاط اختلافه معه، يستعمل المقولات والمصطلحات الارسطية ذاتها ولكن بمضامين غير ارسطية. كما يستعمل، مثلاً، اصطلاح "المحرك الأول" واصطلاح "العلل" الاربع، دون ان يأخذ بالمضمون الارسطي لهذين الاصطلاحين.

ان أساس الاختلاف بين الكندي وارسطو هنا هو –كما يقول د. حسين مروة- "اختلاف منطلق كل منهما عن منطلق الآخر في تحديد مفهوم الله: ارسطو ينطلق من نظرة عقلانية، ويعالج القضية بطريقة عقلانية، فالله عنده عقل نظري وليس هو "الله" الديني العادي، هو عقل صاف محضاً، على حين ان الكندي ينطلق، بمفهومه عن الله، انطلاقاً مباشراً، من المسلمات الدينية المحض، فموقفه هنا اذن موقف ديني أكثر منه فلسفياً. اما الجانب الفلسفي منه فيقتصر على اشكال الاستدلال([18]).

ومن أشهر مؤلفاته الفلسفية كانت "رسالة في كمية كتب أرسطوطاليس وما يحتاج إليه في تحصيل الفلسفة".

قالوا عنه([19]) :

  • "أول المشائين العرب". (إميل برهييه)
  • "أول وآخر فيلسوف أنجبه العرب". (الفريد غيوم)
  • "الكندي هو في المقام الأول موسوعي، وكتاباته تغطي جميع مجالات المعرفة اليونانية تقريباً". (إتيينجلسون)
  • "نموذج للفيلسوف ذي الذهن الكلي". (هنري كوربان )

 


([1]) يوسف حسين – محاضرة في اليوتيوب – الانترنت.

([2]) موقع ويكيبيديا – الانترنت .

([3])  غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره -  تاريخ الفكر الغربي  ص12.

([4]) حسين مروة – مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني – ص45

([5]) المرجع نفسه - ص46

([6]) المرجع نفسه – ص50

([7])  جورج طرابيشي –  مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 528

([8])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني – ص50

([9]) المرجع نفسه – ص52

([10]) المرجع نفسه – ص52

([11]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور التكوين – سينا للنشر – الطبعة الرابعة 2000 ص 174

([12]) بيتر أدامسون وريتشارد تايلور – دليل كامبردج إلى الفلسفة العربية - البيان– 12 فبراير 2007

([13])  أرثور سعدييف و د.توفيق سلوم - مرجع سبق ذكره-  الفلسفة العربية الإسلامية –  ص 116

([14]) المرجع نفسه – ص 118

([15]) الربوبية Deism: الاعتقاد بوجود اله كسبب أولي لا شخصي للعالم. والعالم – من وجهة نظر الربوبية- قد ترك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خلق، وكان أول ظهور الربوبية في انجلترا، وهربرت أوف تشير بوري (1583 – 1648) هو "أبو الربوبية". وكان أنصار الربوبية في فرنسا فولتير وروسو ، وفي انجلترا لوك ونيوتن وتولاند وأنطوني آشلي كوبر شافتسبري، وفي روسيا راديشيفوأ. بينين و أ. بييرنوف وغيرهم. (م.روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية –دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 227)

([16]) يوسف حسين – محاضرة في اليوتيوب – الانترنت.

([17])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره - النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني – ص126 / 128

([18]) المرجع نفسه– ص130

([19])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 528