Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح24)

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

 (تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل السادس

أشهر فلاسفة الإسلام حتى بداية القرن الرابع عشر

أبو الحسن علي الأشعري (873 935 م):

متكلم وفقيه عربي، ولد في البصرة سنة 260 ه / 873م، ومات في بغداد سنة 324 ه / 935م، تردد في شبابه على مدرسة المعتزلة، ودرس مذاهبهم، وتمسك بتعليمهم حتى عامه الأربعين، وحرر في الدفاع عنه عدداً من الرسائل، بيد انه اختلى في منزله لما بلغ الأربعين، وخرج من خلوته التي دامت أسبوعين على الأقل ليعلن على الملأ، في الجامع الكبير بالبصرة، إنكاره لمذهب المعتزلة وتخليه عنه نهائياً، وقد حار مترجمو حياته في تعليل انقلابه هذا، ومن الممكن رده إلى أسباب داخلية وخارجية معاً، حيث يزعم البعض من خصوم المعتزله، أن فقهاء المعتزلة في مذهبهم العقلاني في تصور الله وخلاص الإنسان "جرح عاطفة الأشعري الذي عز عليه أن يرى الألوهية وقد صارت موضوعاً للنظر العقلي وتجريداً خالصاً لا يمت بصلة لا إلى العالم ولا إلى الإنسان"!!ومن هنا كان ارتداده الذي جاء لا ليحل مشكلته الداخلية فحسب، بل كذلك ليوفر لأهل السنة المنقسمين على أنفسهم وسيلة لاستعادة وحدتهم وضمان مصالحهم الذاتية"([1])، من خلال مذهب الاشعري النقيض لمذهب المعتزلة ومن خلال بلورة الأشعري "لآراء التيار السلفي في مذهب متكامل الجوانب، بحيث كان هذا التيار في مقدمة حركة المعارضة التي انتصبت في وجه المعتزلة، لكن التيار الأشعري على الرغم من كونة سلفياً، إلا أنه –كما يقول د. مروة- استخدم الطريقة العقلية كالمعتزلة، لكن بصورة شكلية([2]).

" لذلك كله نحن نزعم أن الأشعري حين استخدم شكليات المنهج العقلاني في مذهبه الكلامي المناوئ لعلم الكلام المعتزلي، كان يدرك انه لم يبق في زمنه مجال لمحاربة الفكر المعتزلي بفكر متخلف عنه، أي بمنهج سلفي خالص كانت قد تجاوزته العملية التاريخية نهائياً.. وهذا الكلام نفسه يجري على الغزالي كلياً، حين اعلنها أيضاً حربا ايديولوجية "مقدسة" على الفكر الفلسفي المتحرر من اللاهونية التقليدية.

من هنا رأينا علم الكلام الاشعري يستخدم الاستدلال المنطقي، وشعار حكم العقل، ويرفض القول صراحة بالجبر في مسألة أفعال الانسان، ويتكلم بالجوهر والعرض وبالمذهب الذري، بل تكلم بالعلة كذلك، هذا هو الهيكل العام للمنهج الاشعري الذي يوهم انه منهج "عقلاني" لكي يجد لنفسه "مبرراً" للوجود في عصر كان المنهج العقلاني المعتزلي قد فرض فيه سيطرته المباشرة وغير المباشرة معا"([3]).

ظل مذهب الاشعري يعتبر بدعة إلى أن انتصر له نظام الملك السلجوقي، ثم جاء الغزالي فَكَمَّلَ ما بدأه، ولم يصلنا من كتبه إلا القليل، ومنها مقالات الإسلاميين، وقد ضمنه عرضاً موضوعياً لجميع المذاهب المعروفة في عصره، أما أهم ما وصلنا من مؤلفات مرحلته الثانية السُّنية فكتاب "الإبانة عن أصول الديانة"، وفيه عرض دقيق لمذهب الإسلام السُّني، وكتاب "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع".

قالوا عنه:

"إن مذهب الأشعري الفكري يحكمه هم التوفيق بين نقيضين، ومن هنا عَرَف فكره ومذهبه إقبالاً واسعاً للغاية في الإسلام السني على مدى قرون عديدة .. وفي جميع الحلول التي يقترحها لا يخضع الأشعري لاعتبارات نظرية وعقلية بقدر ما يخضع لبواعث روحية ودينية". (هنري كوربان).

 

أبو حيان علي بن محمد التوحيدي (922م- 1023 م):

فيلسوف "متصوف، وأديب بارع، من أعلام القرن الرابع الهجري، عاش أكثر أيامه في بغداد وإليها ينسب، وقد امتاز أبو حيان بسعة الثقافة وحدة الذكاء وجمالالأسلوب، كما امتازت مؤلفاته بتنوع المادة، وغزارة المحتوى؛ فضلا عما تضمنته من نوادر وإشارات تكشف بجلاء عن الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية للحقبة التي عاشها، وهي -بعد ذلك- مشحونة بآراء المؤلف حول رجال عصره من سياسيين ومفكرين وكتاب"([4]).

نشأته وسماته:

اختلفت المصادر حول نَسَبه، بعضهم قال أنه فارسي، وبعضهم قال أنه من أصل عربي، وظل الاختلاف قائماً، أما عن  نشأته، فقد " نشأ أبو حيان التوحيدي يتيماً في عائلة من عائلات بغداد الفقيرة؛ وعانى شظف العيش ومرارة الحرمان؛ لا سيما بعد رحيل والده, وانتقاله إلى كفالة عمه الذي كان يكره هذا الطفل البائس ويقسو عليه كثيرا، وحين شب أبو حيان عن الطوق، امتهن حرفة الوراقة، ورغم أنها أتاحت لهذا الوراق الشاب التزود بكم هائل من المعرفة جعلمنه مثقفاموسوعيا، إلا أنها لم تُرضِ طموحه ولم تُلَبِّ حاجاته، مما جعله يتجه إلى وجهة أخرى، فاتصل بكبار متنفذي عصره من أمثال ابن العميد والصاحب بن عباد والوزير المهلبي، غير أنه كان يعود في كل مرة صفر اليدين، خائب الآمال، ناقما على عصره ومجتمعه.

هذه الإحباطات الدائمة، والإخفاقات المتواصلة؛ انتهت بهذا العبقري إلى غاية اليأس فأحرق كتبه بعد أن تجاوز التسعين من العمر، وقبل ذلك فّر من مواجهة ظروفه الصعبة إلىأحضانالتصوف، عساه يجد هنالك بعض العزاء، فينعم بالسكينة والهدوء، ولعل السر في ما لاقاه أبو حيان في حياته من عناء وإهمال وفشل يعود إلى طباعه وسماته؛ حيث كان مع ذكائه وعلمه وفصاحته، واسع الطموح، شديد الاعتداد بالنفس، سوداوي المزاج ... إلى غير ذلك من صفات وَضَعَت في طريقه المتاعب وحالت دون وصوله إلى ما يريد"([5]).

أثناء قيامه بإحراق كتبه قال "كيف أترك كتبي لأناس لا يفهمون ما فيها، ويكرهونني بسببها، ولذلك لا أريد ان أتركها لمن لا يستحقوها أو يمكن أن يشوهوا سمعتي بعد موتي من خلالها دون فهمٍ لمضامينها".

من كتبه التي نجت من الاحتراق –كما يؤكد يوسف حسين- "كتاب "الامتاع والمؤانسة"، وفيه تتجلى قدرة ابو حيان في البلاغة والحوار مع الآخرين، في كافة صنوف المعرفة والادب والفلك والفلسفة والطب والعقل والروح والقضاء والقدر والمعتزلة واخوان الصفا .. الخ ، من خلال الاسئلة التي وجهت له واجابته عليها، وهناك أيضاً كتاب آخر هو "البصائر والذخائر" مُؤلَّف من عشرة أجزاء، غامرة بالحكايات والنوادر الادبية، وتناول قصص الحكام والعلماء، وكتاب آخر هو "المقابسات" وهو مصدر هام لمن يريد معرفة الفلسفة والمنطق والنحو ومعنى الاختلاف.. وكتابه "الهوامل والشوامل" (الهوامل هي النياق الشاردة في الصحراء أما الشوامل فهي النياق التي تدخل بالخطأ إلى القطيع)، أما كتابه "الاشارات الالهية" فهو يتحدث عن حب الإله والصوفية، وقد كَتَبه في آخر عمره"([6]).

يعتبر التوحيدي من أكثر الشخصيات التي أثير حولها الجدل في التاريخ الاسلامي،"فقد كان عالماً موسوعياً وأديباً ومفكراً، صرف الجزء الأكبر من حياته في بغداد شبه مضطهد، واجتمعت فيه كل تناقضات النفس البشرية: متصوف وماجن وشجاع وجبان، مبدئي وانتهازي، متصوف ومتسول على أبواب القصور!"([7]).

يَعْتَبر الكثير من الباحثين وخاصة الشيخ الذهبي–كما يضيف يوسف حسين-"أن أبو حيان التوحيدي، من كبار الزنادقة، نظراً لمواقفه من الأحاديث النبوية، فكان يرويها دون أي اشارة إلى مصدرها واتهموه بتأليفها، كما ان التصوف كان أحد الأسباب لإتهامه بالزندقة، أما السبب الرئيسي، فهو تناول أبو حيان التوحيدي للناس في الجنه الذين يعيشون حياتهم بلا قيمة سوى المأكل والمشرب واللذه... إلخ، لكن معارضته للحكم كانت حسب بعض الباحثين سبباً أساسياً لاتهامه بالزندقة، خاصة وان أبو حيان رفض المزج بين الفلسفة والدين، فالفلسفة تعتمد على العقل بعكس الدين والشريعة، ولا يمكن الجمع بينهما، وقال ان الفلسفة والدين هما وسيلتان لغاية واحدة هي معرفة الحق أو الله، ويقول: ان الانبياء ارسلهم الله لهداية المجتمعات الجاهلة، أما المجتمع السليم فكرياً وعقلياً فلا يرسل اليه الله الانبياء وانما يرسل اليه الفلاسفة"([8])، فالمعرفة  عند أبو حيان هي المعرفة العقلية، أما السماء والمسائل الماورائية فهي مسائل ايمانية.

المهم ان ابو حيان عاش كل حياته فقيراً بائساً ومضطهداً من خصومه الانتهازيين المنافقين للحكام والامراء في عصره، ومات في مدينة شيراز (فارس) عام 1023.

من مؤلفاته: "المقابسات"، "الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي"، "الإشارات الإلهية"، "الامتناع والمؤانسة"، "البصائر والذخائر"، "الصداقة والصديق"، "مثالب الوزيرين"([9]).

 

ابن سينا([10]) ( 980 م-1037 م):

هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، ولد في قرية أفشنة من أعمال خرميثن، قرب بخاري، عاصمة السامانيين، في سنة 370 ه (آب 980 م) ميلادية، وتوفي في همذان (ايران)  سنة 428 ه (حزيران 1037م)([11]).

نشأ في بيت علم وسياسة، إذ كان أبوه موسراً إسماعيلي المذهب، لكنه –كما يقول د. حسين مروه- "بقي مستقل الرأي عن أبيه، ثم انه دخل مغامرة العمل السياسي ثم انه دخل مغامرة العمل السياسي، مخالفاً بذلك طريقة أسلافه، حتى أنه شارك في السلطة مرتين أو ثلاثاً، ونعم طويلاً بجاه السياسة وبالعيش المُرَفَّه، ولكنه – هذه المرة أيضاً- لم يتأثر بأفكار الحكام ولم يستخدم فلسفته للتعبير عن أيديولوجية الطبقة الحاكمة، ولم يَدَعْ العمل السياسي يطغى على مشاغله الفكرية، بل ظل يواصل التدريس والتأليف حتى في أسفاره، ويقضي لياليه في مباحثة تلاميذه وكتابة مؤلفاته، بحيث يبدو كأن هناك انفصالاً بين ليله ونهاره، أي بين مشاغله الفكرية ومشاغله السياسية، وهذا ثانياً.

أما ثالثاً، فان مغامرة العمل السياسي لم تؤثر عليه من وجه آخر: وذلك أنها لم تأسر شخصيته، أي انها لم تجعله يتورط في بيع أفكاره وكرامته العلمية للأمراء والسلاطين، لقاء كسبه وجاهة المنصب ورفاهة العيش، رغم أنه كان محباً لمسرات الحياة وملذاتها، ولذا نراه –مرة- يرفض الوزارة عند مجد الدولة بن شمس الدولة البويهي ، مفضلا عليها التشرد والسجن. ونراه –قبل ذلك- قد رفض الانضمام إلى بلاط السلطان محمود الغزنوي حين طلب اليه هذا، وإلى جماعة من العلماء – بينهم البيروني- أن يلتحقوا به، في وقت كان قد بلغ فيه هذا السلطان ذروة انتصاراته على البويهيين والسامانيين في فارس وبخارى، ولعل هذا الموقف وأمثاله من مواقف ابن سينا –كما يضيف د. مروة- هو الذي بنى عليه "دي بور" قوله بأن "ابن سينا" لم يطاطئ رأسه لأمير، وهذا قول صحيح في رأينا.

بقي أمر رابع يدخل في إطار المنطق الشخصي لابن سينا، هو موقفه من الحياة، فقد كان يحب الحياة بشغف، فلم يَدَعْ متعة من متعها إلا نال منها نصيباً موفورا، سواء أكانت حسية أم عقلية، أم اجتماعية. لقد أشبع حواسه كلها من ملذات الحياة وجمالاتها: الجنس، والموسيقي، والغناء، والخمر.

كما أشبع عقله من البحث العلمي، النظري والتجريبي، وأشبع طموحه إلى المنصب السياسي والمكانة الاجتماعية البارزة. لذلك كانت نظرته في الحياة نظرة تفاؤلية انعكست في كثير من آرائه الفلسفية، كرأيه -مثلا- في أن العالم قائم على نسق جميل بديع، وأن الخير هو الغالب على الشر في الوجود الخارجي، وأنه حتى الشر في هذا العالم انما هو من أجل الخير كان، وان الوجود بذاته خير، أما عدم الوجود فهو اعظم شراً من الشر المقارن للوجود"([12]).

"قرأ ابن سينا ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة على الأقل، وحفظه عن ظهر قلب، ولكن مغزاه بقي مستغلقاً عليه، غير أن أحد الباعة المتجولين أقنعه ذات يوم بان يبتاع منه كتاباً للفارابي (المتوفى سنة 950)؛ فلما آب إلى بيته اكتشف أن الكتاب يتكلم عن مقاصد أرسطو؛ فأكب عليه يطالعه بنهم، فإذا بمغزى قضايا أرسطو، التي كان يحفظها غيباً بدون أن يفهمها، يتكشف له تباعاً في جلاء باهر"([13]).

جمع ابن سينا بين العلم الشرعي وبين العلوم العقلية التي ازدهرت آنذاك، ثم رحل إلى بخارى أحد أهم مراكز الحضارة الاسلامية في المشرق، وهناك اتسعت دائرة معارفة العقلية والعملية إلى جانب الشرعية، فقد تعمق في دراسة الطب والفقه في آن، واهتم اهتماماً فائقاً بدراسة المنطق ومال إلى فكر الاعتزال وأظهر احتراماً كبيراً لفلسفة الفارابي وأثنى على منطقه بوجه خاص.

وبرغم انتمائه الطبقي الأرستقراطي، تعاطف مع الأوساط الفقيرة، ولسوف ينعكس ذلك على فلسفته التي تنطوي على ابعادا اجتماعية ونزعة إنسانية واضحة.

لكن "الإمارة السامانية" السُّنية التي والت الخلافة العباسية نقمت عليه بسبب مواقفه الاجتماعية السياسية تلك؛ فلاذ ببلاط "البويهيين الشيعة"، حيث كان البلاط البويهي مؤئلا للفكر الليبرالي يشجع أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، وهذا يفسر ما لاقاه ابن سينا من ترحاب وحفاوه عند بني بويه، ولا غرو، فقد تقلد منصب الوزارة، ثم آثر التفرغ للفلسفة والطب؛ حيث أنجز معظم مؤلفاته إبان تلك الفترة"([14]).

فلسفته:

يعتبر "ابن سينا" من أبرز علماء ومفكري بلدان الشرق في عصره، كان عالماً موسوعياً تفوق في الطب والفلسفة، كانت الفلسفة عنده علم عن "الوجود بما هو وجود" أي أنه يعترف بالوجود الموضوعي للطبيعة، وكان لذلك أثر في أنه اعتمد في كل أعماله على دراسة الوقائع والتجارب.

قام بعرض آراء أرسطو، وفي عرضه هذا استنتج أن المقولات والمبادئ المنطقية يجب أن تتفق مع الأشياء، أي مع قانونيات العالم الموضوعي، ويفسر ذلك بقوله: "إن الله لا يخلق شيئًا دون وجود إمكانية لهذا الشيء"، أما مصدر هذه الإمكانية فهو المادة غير المخلوقة والخالدة أبداً (اللــه) وإذا كان الله خالداً فإن العالم خالد أيضاً، لأن العلة والمعلول مرتبطان في رأيه دوماً (إنها ومضة مادية في تفكير ابن سينا الميتافيزيقي)، ما يمكن أن نستنتجه هنا أن ابن سينا رغم مثاليته، إلا أن فكرته عن خلود العالم المادي تتناقض مع التصورات الدينية عند المسلمين وغيرهم عن نهاية العالم ومحدوديته.

في هذا السياق، يقول د. حسين مروة "في دراستنا لقضية الوجود والماهية عند ابن سينا، اننا لا نواجه قضية واحدة، بل قضايا متعددة ومتنوعة أكثر تعدداً وتنوعاً مما واجهناه عند الفارابي.

ذلك – أولاً- لان ابن سينا نفسه جمع في شخصيته وفي اهتماماته المعرفية وفي مسيرة حياته كلها، جوانب ليست متعددة ومتنوعة وحسب، بل متناقضة كذلك. ولكنها جميعاً تلتقي في وحدة ذات نسق متكامل.

وثانياً، لان قضية الوجود والماهية في فلسفة ابن سينا، هي ذاتها أيضاً تستقطب الكثير من القضايا التي تعالجها هذه الفلسفة، سواء في المنطق ام الطبيعة ام ما وراء الطبيعة، ضمن وحدة هي على مثال ذلك النمط من وحدة التعدد والتنوع والتناقض في شخصيته ومعارفه العلمية ومسيرة حياته، ولذا كان من العسير أن يستخلص موقفه الحاسم في قضية الوجود والماهية اذا عزلت عن سائر تلك القضايا ونظر اليها مستقلة قائمة بنفسها، في حين هي ليست كذلك([15]).

يُقَسِّم ابن سينا الفلسفة إلى قسمين، نظري وعملي، يهدف الأول إلى حصول الاعتقاد اليقيني بالموجودات؛ فغاية النظر هو الحق وغاية العمل هو الخير، وحصادهما معاً هو الجمال (السعادة).

يعني هذا –كما يقول د. محمود اسماعيل- "أن الفلسفة النظرية تشتمل "الإلهيات"، بينما العملية تتناول الطبيعيات – ونضيف إليها السياسة والأخلاق، أما بالنسبة للعالم المادي؛ فقوام منهج ابن سينا هو "التجربة" التي هي عنده كفيلة بتصحيح كل أوجه القصور العقلي، ومعلوم أن حصاد التجارب أيضاً يصبح بلا جدوى دون إعمال العقل، فهو الذي يستخلص النتائج الجزئيه ويحولها إلى تصورات عقلية، فالعقل عند ابن سينا هو أساس المعرفة، إذ فيه يجتمع الحس والحدس والتجربة، وفي ذلك دلالة واضحة على تأثير الواقع السوسيو– ثقافي بفكره الليبرالي على المنهج السينوي، ذلك المنهج الذي يكتسي جدته بالوقوف على التأثير المتبادل بين التجربة الحسية وصياغتها العقلية في صورة مفاهيم كلية مجردة""([16]).

أما "الوجود عند ابن سينا فينقسم إلى وجود بحسب الذات، وآخر بحسب الزمان، والوجود الأول قديم وأزلي، أما الثاني فهو محدث، لذلك –كما يقول محمود اسماعيل- أخطأ الدارسون الماديون الذين ذهبوا إلى ابن سينا قال بقدم الوجود الثاني؛ أي العالم المادي، وهنا يشير محمود اسماعيل إلى خلافه مع رأي المفكر الشهيد د. حسين مروه الذي اكد على المنطلقات المادية الفلسفة ابن سيناء في كتابه "النزعات المادية في الفلسفة الاسلامية"، حيث أكد على ان ابن سيناء قال بأزلية العالم أو الوجود، وكذلك اختلافه مع المفكر الراحل الطيب تيزيني الذي قال ابن ابن سينا "بتجاوز مادية ارسطو من اعطىة المادة بعداً جدلياً"([17]).

على الرغم مما تقدم، يبدو أن المؤرخ الفلسفي إميل برهييه، يختلف مع ما أوردناه آنفاً، فيقول "إن ابن سينا لا يقدم إلا نزراً يسيراً إلى ميتافيزيقا الفارابي، فمنطلقه، هو الآخر، إله من عقل خالص يعرف جوهر ذاته فيعرف الأشياء قاطبة، بما فيها الأشياء الفردية والجزئية، في عللها الجوهرية وماهياتها الخالصة؛ بل إنه يصف حتى كيفية انبثاق العقول والنفوس المحركة التي تجعل الافلاك تدور في حركة مطردة لتحاكي بقدر المستطاع ثبات العقول التي عنها يكون صدورها.

بيد أن ابن سينا –كما يضيف برهييه- "يميز بين مراتب عدة للمعرفة: فهناك معرفة المبادئ الأولى أو المقدمات، ومعرفة المعاني المجردة، وأخيراً المعرفة بإشراق من الله، كمعرفة المستقبل مثلاً؛ والمرتبة الأولى يقابلها "العقل بالملكة" وقد سمي كذلك لأن القوة فيه مهيأة للخروج إلى الفعل؛ والثانية يقابلها العقل بالفعل الذي يدرك فعلياً الصور المعقولة التي يدركها بالقوة العقل الهيولاني أو العقل بالملكية؛ والثالثة يقابلها العقل المنبثق أو العقل الموحى به الذي يأتي من الخارج، فقد وصَفَ ابن سينا بتفصيل عمل ثاني هذه العقول، فمن خلال تقدم وئيد يتم الوصول إلى استنباط المعنى المجرد للشيء المحسوس؛ وتبدأ العملية بالاحساس الذي لا يستقبل من الموضوع سوى الصورة (ليس الحجر هو الموجود في النفس، وإنما صورته).

غير أن ابن سينا يقر بضيق حدود هذه المعرفة العقلية لدى الانسان؛ فالانسان لا يستطيع أن يعرف ماهية الاشياء، وإنما فقط ما هو غير مفارق لها أو ما هو خاصتها؛ فما يعرفه عن الجسم، مثلاً، ليس ما هو كائن عليه، بل كونه له أبعاد ثلاثة؛ فالماهيات تستنتج فقط من الخاصات.

بيد أنه في وسع النفس مع ذلك أن تبلغ إلى مرتبة أعلى من الكمال: "ففي حالة النوم تتجرد النفس من الجسم وتكون أكثر استعداداً لاستقبال فعل العقل الفاعل الذي يحدث، بالممارسة مع القوة المتخيلة، الرؤيا المعلنة عن الغيب؛ وبعد الممات سترقى النفس إلى معرفة أكمل بعد، فابن سينا يرتبط، في شطر بكامله من فكره ما تسنى للغرب اللاتيني الاطلاع عليه، بمأثور الصوفيين الفرس" ([18]).

في هذا الجانب، يقول المفكر محمد الجابري "ابن سينا كان ذا وجهين مختلفين، بل متناقضين تماماً: الوجه الذي مثل به الازدهار الكمي للثقافة العربية الاسلامية والذي تعكسه ضخامة مؤلفاته ووضوح تفكيره وسلامة أسلوبه.. والوجه الذي جعله، رغم كل ما أضفى على نفسه وما أضفي عليه من أبهة وجلال، يحتل موقع المدشن الفعلي لمرحلة الجمود والانحطاط في تلك الثقافة، ويجب الحسم كذلك في طبيعة المدرسة السينوية ودورها بعد ابن سينا.. هل كانت مدرسة عقلانية أم أنها كرست لا عقلانية صميمة في الفكر العربي"([19]).

لقد انقسمت الفلسفة عند ابن سينا إلى قسمين : فلسفة نظرية وفلسفة عملية: النظرية هي: التي يكون الغرض منها حصول الاعتقاد بحال الموجودات على ما هي عليه، والعملية هي: التي يكون الغرض منها تحصيل المعرفة للإنسان، في خدمة القضايا المجتمعيه، ففي الفصول الأخيرة من كتاب "الشفاء"، خاصة القسم السوسيولوجي من الكتاب، يعرض ابن سينا أفكاراً في العمل، وفي التعطل، وفي قضية حرية المرأة، وقد لفت الانتباه، ضمن جملة أمور أخرى، إلى أن الموجودات البشرية يمكن أن تصنف، بحكم بنية شخصيتها بالذات، إلى ثلاث فئات: أهل الفكر (أو التدبير)، وأهل الإرادة (أو حراس المدينة)، وأهل العمل اليدوي. وكل فرد يشغل مكاناً معيناً في جملة النشاط العام، ينبغي أن يحصل بالتالي على خبز يومه.

في هذا الجانب، يقول د. حسين مروة "لقدلقد كانت فلسفته تعبيراً عن أيديولوجية مختلف الفئات الاجتماعية التي تمثل احد طرفي التناقض الرئيس حينذاك، مقابل الفئة العليا المتميزة الرئيسة الممثلة لسلطة الاقطاعية بخصوصياتها التاريخية المشرقية. اما التمايز بين الفئات الوسطى والدنيا فلم يكن واضح المعالم، أما منهجه الفكري، فيقوم على الاستقراء والتجربة العملية واستخدام القياس المنطقي المستمدة مقدماته من الجزئيات الواقعية"([20]).

ينبغي أن نضيف بعض الكلام عن التأثير الخارق للمألوف الذي مارسته تعاليم ابن سينا في الغرب في جميع ميادين المعرفة. ففي مضمار الإلهيات جاءت الإضافات الأفلاطونية المحدثة لابن سينا لتعزز نظريات القديس أوغوسطينوس، بيد أن ما خلب ألباب غالبية اللاهوتيين محاولته البلوغ  إلى توفيق بين العلم والإيمان"([21]).

ومن المفيد أن نلاحظ بصدد العلاقات بين فلسفة ابن سينا والمعلمين الغربيين –كما يقول جورج طربيشي- "أن مُسَلَّمة ديكارت الشهيرة، أنا أفكر إذن فأنا موجود، كانت بكل تأكيد معروفة من قِبَلْ العرب قبل ستة قرون، وذلك ما دام ابن سينا نفسه دحضها في كتاب "الإشارات والتنبيهات" بهذه العبارات:  "لعلك تقول إنما أثبت ذاتي بوسط من فعلي. فيجب إذن أن يكون لك فعل تثبته.. وإن فعلك أن أثبته مطلقاً فعلاً فيجب ان تثبت منه فاعلاً مطلقاً لا خاصاً هو ذاتك بعينها، وإن أثبته فعلاً لك فلم تثبت به ذاتك، بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك من حيث هو فعلك، فهو ثبت في الفهم قبله ولا أقل من أن يكون معه لا به، فذاتك مثبتة لا به"([22]).

أهم مؤلفاته: في الطب: كتاب "الشفاء" وفي الفلسفة كتاب "النجاه" وكتاب "الاشارات".

* "ابن سينا هو أول من أعاد تسليط الضوء على فلسفة أرسطو". (روجر بيكون)

 

ابن حزم (994م 1064م):

هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، عالم وشاعر وفيلسوف عربي من الأندلس، ولد في قرطبة في 7 تشرين الثاني 994 (383 هجرية)، ومات في 15 آب 1064 (455 هجرية) .

"كان في آن واحد فقيهاً ومنطيقاً ومتكلماً ومؤرخاً وشاعراً، وقد عرف في أوروبا بكتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، وعلى الأخص بالكتاب الذي وضعه في شبابه بعنوان طوق الحمامة، وهو رسالة في الغزل ثمينة للغاية لدراسة الأخلاق وعلم النفس في زمانه.

كان ابن حزم الممثل الرئيسي للفرقة الظاهرية التي لا تقبل إلا بحرف القرآن والسنة مصدراً للفقه، وتنكر السلطة البشرية في هذا المجال.

ابن حزم، خلافاً لمعظم الفلاسفة العرب، كاتب كبير تجاهله الدارسون زمناً مديداً، والواقع ان ابن حزم جلب على نفسه، بسبب مناظراته، كراهية عميقة في أوساط أهل الفكر الاندلسيين، فَضُرِبَ حول كتاباته نطاق من الانتباذ لم يفك إلا في الأزمنة الحديثة، وشيئاً فشيئاً –كما يقول جورج طرابشي- خرجت تصانيفه في الفلسفة والتاريخ من لجنة النسيان، وصار بالإمكان تكوين فكرة عن عبقرية هذا المفكر"([23]).

 

 


([1])  المرجع نفسه – ص 65

([2])  حسين مروة – النزاعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الأول –  دار الفارابي- ط1 – 1978 – ص692.

([3])  المرجع نفسه – ص866

([4]) موقع المعرفة – الانترنت - www.marefa.org .

([5]) موقع المعرفة – الانترنت - www.marefa.org .

([6]) يوسف حسين – محاضرة في اليوتيوب – الانترنت.

([7]) المرجع نفسه .

([8]) المرجع نفسه .

([9]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 240

[10]اسمه الحسين، وبكنى أبا علي، وبلقب في أدبيات الفلسفة العربية بـ"الشيخ الرئيس"، ولد سنة 370 هـ / 980 في قرية "أفشنه" من قرى بخاري ، ونشأ نشأته الأولى في بلدة "خرميتن" التابعة لبخاري اذ كان والده عبدالله بن سينا يتولى ادارتها من قبل الامير الساماني نوح بن منصور، وفي مدينة بخاري نفسها تلقن العلوم على اساتذة خصوصيين في منزل والده ثم على نفسه وبجهده الشخصي، كما يخبرنا هو في سيرة حياته التي أملى شطراً منها على تلميذه أبي عبد الجوزجاني وأكمل شطرها الاخر تلميذه هذا نفسه بعد موت استاذه (نقل هذه السيرة كل من القفطي في كتابه "اخبار العلماء في اخبار الحكماء" ، ص269، وابن أبي أصيبعة في كتابه طبقات الاطباء ج2، ص2 حيث يقول ان ابن سينا ولد سنة 375ه). انتهت حياة ابن سينا في همدان (ايران) سنة 428 ه / 1036 .

([11])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة - ص 26 -29

([12])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره –النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الثاني – ص558

([13]) جورج طرابيشي  - معجم الفلاسفة –  دار الطليعة – بيروت – ط2 - ديسمبر 1997– ص26

([14])  د. محمود إسماعيل – مرجع سبق ذكره - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3)– ص 154

([15])  مرجع سبق ذكره – حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الثاني – ص541

([16]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3)– سينا للنشر – بيروت - 2000– ص 158-161

([17]) المرجع نفسه - ص162

([18]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة –  الجزء الثالث: العصر الوسيط والنهضة – ترجمة: جورج طرابيشي –  دار الطليعة – بيروت - الطبعة الأولى، مايو 1983 – الطبعة الثانية يناير 1988– ص  124/ 125

([19]) د. محمد عابد الجابري – نحن والتراث – المركز الثقافي العربي – الطبعة السادسة، 1993 – ص 8

([20])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره – النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الثاني – ص560

([21]) جورج طرابيشي  - معجم الفلاسفة –  دار الطليعة – بيروت – ط2 - ديسمبر 1997– ص28+29

([22])  المرجع نفسه –ص -29

([23])  المرجع نفسه –ص 21