Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح25)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل السادس

أشهر فلاسفة الإسلام حتى بداية القرن الرابع عشر

أبو حامد محمد  الغزالي (1059 1111 م):

فيلسوف ومتكلم وفقيه ومتصوف عربي، ومن أبرز مفكري العصر الذهبي في الإسلام. "لقبه أبناء دينه "حجة الإسلام". ولد في طوس بخراسان (شمال شرقي فارس) سنة 1059م (450هـ)، ومات فيها في 19 كانون الأول 1111 (501 هـ)، درس في نيسابور، وأخذ عن المتكلم والفقيه المشهور الجويني، الذي لقب بإمام الحرمين.

في كتابه الشهير المنقذ من الضلال، الذي يكاد أن يكون ضرباً من السيرة الذاتية، سرد بمنتهى الوضوح والدقة نتيجة تجاربه في تطبيق منهج النظر العقلي على علم الكلام، وعرض الحجج التي انتهى إلى الأخذ بها حول إمكانية برهان عقلي على الإيمان"([1]).

وفي "كتابه "تهافت الفلاسفة" جسد الغزالي نموذج الاستبداد في الفكر الفلسفي الإسلامي، إذ كان غرضه صريحاً وواضحاً من تأليفه لهذا الكتاب, وهو أن يهدم الفلسفة ويبين بطلانها, فترتد الناس عنها, ويصبح العمل في الفلسفة غير ذي قيمة أو فائدة, ويتخذ من الإسلام وسيلة في الرد على الفلاسفة, وعلى أساس أن هؤلاء الفلاسفة الذين يرد عليهم استحقروا شعائر الدين, كوظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات, ويشبههم باليهود والنصارى ويعتقد أن مصدر كفرهم هو سماعهم لآراء سقراطوأبوقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس, ويعترف بدقة علومهم كالهندسة والمنطق والطبيعة والإلهيات, وعلى الرغم من أن هؤلاء الفلاسفة اليونانيين يتمتعون برزانة العقل وغزارة الفضل, إلا أنهم منكرون للشرائع والنحل, وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل, وهي في نظرهم نواميس مؤلفة وحيل مزخرفة"([2]).

لذا "فالفلاسفة المسلمون حسب ما يعتقد الغزالي تجملوا باعتقاد الكفر تحيزاً إلى غمار الفضلاء وانخراطا في سلكهم وترفعا عن مسايرة الجماهير واستنكافا من القناعة بأديان الآباء, ظنا منهم أنها الجمال (وغفلة منهم عن أن الانتقال إلى تقليد عن تقليد, خرف وخيال, فأية رتبة في عالم الله أخس رتبة ممن يتجمل بترك الحق المعتقد تقليداً بالتسارع إلى قبول الباطل تصديقاً دون أن يقبله خيراً وتحقيقاً)، ويصفهم بالحماقة ويسميهم الأغبياء والملاحدة الشرذمة, أصحاب العقول المنكوسة والآراء المعكوسة, زمرة الشياطين الأشرار, الأغبياء والأغمار (الغمر كقفل الذي لم يجرب الأمور, وغمار الناس بضم الغين وفتحها, زحمتهم) أصحاب التخابيل والأباطيل"([3]).

لقد لعب الغزالي - كما يقول بيتر أدامسون- "دوراً كبيراً في شرح موضوعات الفلسفة ثم محاربتها لاحقا. ومعلوم أن الغزالي ألف كتابين كبيرين عن الموضوع: الأول بعنوان: مقاصد الفلاسفة، والثاني بعنوان تهافت الفلاسفة، في الكتاب الأول شرح نظرياتهم، وفي الكتاب الثاني فنّدها ودحضها،ولذلك قيل بأن الغزالي هو الذي قضى على الفلسفة في العالم الإسلامي، وبعده لم تقم لها قائمة في المشرق على الأقل، وقد حاول ابن رشد الرد عليه في المغرب بكتاب شهير يدعى "تهافت التهافت"، ولكنه لم يستطع أن يحجّم تأثيره المعادي للفلسفة بسبب دخول العالم الإسلامي آنذاك في عصر الانحطاط، وعندئذ ماتت الفلسفة وحلت محلها العلوم التقليدية والتصوف والدروشة ثم عقلية الخزعبلات والخرافات"([4]).

واذا كانت "موجة العداء للمنطق الأرسطي والفلسفة بدأت تظهر بعد وصول الخليفة العباسي المتوكل إلى مركز السلطة (232 ه / 846م)، عبر اضطهاد المعتزلة ومذهب الاعتزال، فإن الموجة الكبرى من العداء للفكر الفلسفي والمنطق، ظهرت مع الحملة الارهابية الفكرية التي أثارها علماء الكلام الأشاعرة، مسلحين بأسلوب المنطق ذاته (ولكن بوجهه الشكلي الصرف، الجامد، الميت) والتي كان أشهر علماء الاشعرية واعظمهم تأثيراً في الرأي العام الديني: ابو حامد الغزالي (1059- 1111م) هو حامل رايتها، وظل فكره يرهب الفلسفة والفلاسفة مدى أجيال لاحقة، وقد شمل إرهابه كل قطر يتحرك فيه نبض للفكر العربي -الاسلامي، في المشرق والمغرب على السواء"([5]"ولكن ظله كان في المغرب أشد ثقلاً وتأثيراً منه في المشرق، ولعل ذلك يرجع إلى سيطرة المذهب الفقهي المالكي هناك، وهو المذهب المنطبع بالطابع السلفي الاكثر محافظة والاكثر التزاماً للنصوص المأثورة.

وقد استغل ملوك الطوائف والامراء وسائر الحكام تأثير رجال اللاهوت الاسلامي في الاندلس وشمال افريقية، فاستخدموهم في سبيل الحفاظ على مناصبهم وامتيازاتهم المطلقة، وكان هؤلاء الحكام محتاجين لتأييد اللاهوتيين المسيطرين فكرياً على الرأي العام، فتساند الفريقان على محاربة الفكر الحر، المتمثل بالفلسفة والمنطق يومئذ.

فكم من مرة احرقت كتب ومكتبات، وكم من مفكر سجن ونفي واضطهد أو رجم بالحجارة بسبب من تحريض الفقهاء المتزمتين والرجعيين للحكام والرأي العام على كل من يتحسسون منه الخروج على طريقتهم السلفية في التفكير لاشتغاله بالفلسفة والمنطق.

لم تهدأ موجة الارهاب الغزالي الا بعض الوقت حين ظهر فكر ابن رشد، فيلسوف المغرب العربي العظيم، مدافعاً عن الفلسفة، مهاجماً فكر الغزالي المعادي للفلسفة، فقد وضع ابن رشد كتابه "تهافت التهافت" رداً عل كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي. ولكن ابن رشد لم يستطع ان يرفع ذلك الظل الاسود من الإرهاب عن الفكر الفلسفي إلا وقتاً قصيراً، فسرعان ما عاد الظل الاسود هذا يطبق على ابن رشد نفسه رغم مكانته العلمية والاجتماعية العالية في الاندلس والمغرب كله"([6]).

ومعلوم أن الغزالي كان مُنَظِّراً إديولوجياً للنظام السلجوقي الإقطاعي العسكري السني، لذلك لا غرابة إذا تعرض الفلاسفة للبطش والاضطهاد إبان عصر الاقطاعية المرتجعة، وحسبنا موقف الخليفة المتوكل من الكندي الفيلسوف؛ حين عذبه واحرق مكتبته العامرة"([7]).

 

ابن باجه (1080 م- 1138 م) :

" أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائع– المعروف بابن باجه- فيلسوف عربي اندلسي، ولد في سرقسطة نهاية القرن الخامس الهجري، وتوفى عام 533 ه / 1138 م، وبرغم قصر عمره؛ شغل على مدى عشرين عاماً منصب وزير لدى أبي بكر بن ابرهيم، عامل المرابطين على غرناطه، فسرقسطة، كما شهد عصرين تاريخيين مختلفين اختلافا شديدا؛ إذ عاصر نهايات عصر ملوك الطوائف وبدايات عصر المرابطين، وتقلبت حياته خلالهما ما بين صعود نجمه وأفوله.

تكونت شخصيته الفكرية خلال العصر الأول؛ وهو عصر شهد ازدهار الفكر الإسلامي على الرغم من تمزق وحدة الأندلس وتصارع أمراؤها"([8])، "ثم لما استقر به المطاف في فاس، رماه بالإلحاد أعداؤه، وعلى رأسهم الطبيب أبو العلاء بن زهر، ودسوا له السم، وفي رسالة الوداع يذهب إلى أن الفلسفة وحدها هي التي تستطيع أن تضع الفكر الانساني على تماس بـ"العقل الفعال".

أما ذلك "العقل الفعال" فهو كالشمس ينير الأشياء، ويستوعب تعدد الأفراد، مما يلغي ضرورة الحياة الاجتماعية: وبالفعل، كان ابن باجة يعتقد انه في مستطاع الإنسان ان ينمي ملكاته في الوحدة والعزلة"([9]).

إبنباجه في نظر البعض " فيلسوف عقلاني جعل العقل قادرا على إدراك كافة الحقائق منزلة وأسماها قَدَراً" والبعض الآخر وَصَمَ فلسفته بالتقليد "فَجُلْ ما عَبَّرَ عنه موجود في فلسفة الفارابي"، لذلك اعتبره أشبه بهواة الفلسفة لا بالفلاسفة على الحقيقة"، وبينما جعله أحد الدارسين "فيلسوفا ماديا هرطقيا برع في مجال العلم النظري وكرسه لمواجهة القائلين بالحدس الصوفي" حكم آخر بأن فلسفته "لم تنعتق من إطار التصوف والتأثر بالأفلاطونية المحدثة".

وإذ يرى فيه البعض "أول فيلسوف أنتج خطاباً فلسفياً جديداً، يتحرك داخل دائرة البرهان وحدها، دون انشغال بالبيان، ولا بالعرفان، ولا بتأويلات الأفلاطونية المحدثة، كما هو حال فلاسفة المشرق، وان "فكره مستقل نابع من بيئة المغرب"، يرى البعض الآخر أنه "كان شارحا أكثر منه مبدعاً، وأن جهده جعل من فلسفته حلقة وصل بين المشرق والمغرب"([10]لكن هذا الرأي لا يلغي دور ابن باجه الطليعي كفيلسوف ومفكر عقلاني متميز، فبالعودة إلى نصوص ابن باجه في شرح رسائل في الإلهيات واللغة، كما استعان في شروحه بمصادر متنوعة، منها ما يعود على فلاسفة اليونان وفلاسفة الإسلام، وشراح أرسطو السابقين من معتنقي الأفلاطونية المحدثة، وقد "انصَبَّ اهتمامه حقيقة على الطبيعيات؛ فشرحها مستعينا بأبقراط وبعض مقالات إقليدس وبالمنهج الأصولي البرهاني، وفي شرحه "للكون والفساد"؛ اعتمد على "ديموقريطس" وغيره وعندما شرح كتاب "النفس" لأرسطو وضعه في سياق من اهتموا بالموضوع من السابقين على أرسطو ومن اللاحقين به.

وإذ انحاز عموما لآراء أرسطو وفَضَّلَهُ على أفلاطون؛ إلا أنه خالفه أحيانا، مثال ذلك ترجيحه رأى بطليموس على رأي أرسطو في مبدأ "الحركة الدائرية"، لذلك نرى أن شروح ابن باجه تنم عن ثقافة عريضة تمثلت الموروث والوافد، ومن خلالهما قرأ النصوص الأرسطية، ولم يكتفى بشرحها إنما أضاف إليها من عندياته، ولم يخطئ د. حسين حنفي حين ذهب إلى أن ابن باجه قصد من شروحه ترسيخ "برهان" أرسطو في البيئة الإسلامية دعما للمنهج الأصولى الإسلامي"([11]).

في رسالة "الغاية الإنسانية"؛ استشهد ابن باجه بأرسطو ونقل رؤيته مدعمة برؤى غيره من الحكماء؛ ليثبت أن الخلاص وتحقيق السعادة لا يتم إلا عن طريق المعرفة، وفي رسالته "قول يتلو رسالة الوداع" ما ينم عن حرصه على إثبات أفكاره هو مدعما إياها بأرسطو أكثر من كونه مجرد شارح له. وفي رسالة "الصورة الأولى والمادة الأولى"؛ يحيل ابن باجه إلى أرسطو فضلا عن معارفه المستقاة من اطلاعاته على فلسفات الكندي والفارابي وابن سينا. وفي السياق ذاته نضع رسالته عن "تراتب العقول وخلودها" ونرجح تأثره يها بأفلاطون ربما أكثر من أرسطو، كذا بالعقيدة الاسلامية"([12]).

بديهي –كما يقول د. محمود إسماعيل- "أن يتطور فكر ابن باجه بعد تجاوزه مرحلة الشرح إلى مرحلة التأليف المبدع الذي يحمل جماع أفكاره، وهو فكر شديد الشبه بفلسفة إخوان الصفا من حيث الجمع بين العقلانية الصادعة والتصوف العرفاني، كذا في تنقية الموروث بالحكمة، وأخيرا في تكريس حصاد ذلك لاغراض عملية حياتية ذات طابع توجيهي إرشادي، صحيح أنه أفاد من نسق الفارابي وغيره في صياغة فلسفته؛ لكنه اختلف في الأهداف والغايات، فغاية الفارابي كمنت في إصلاح المجتمع في ظروف تاريخية مغايرة لمجتمع الغرب الاسلامي الذي عاش فيه ابن باجه، بينما تحددت غاية ابن باجة في كيفية معايشة مجتمع أخفقت فيه الثورات الجتماعية ودعوات الإصلاح، لذلك يعد كتاب "تدبير المتوحد" شاهدا على الإخفاق والفشل في الثورة والاصلاح، كما يعد مرشدا ودليلا يسترشد به الفيلسوف المحبط في اختطاط فلسفةو خاصة به لمواجهة حياة قاسية ضارية.

اخيراً، "برغم تراوح فكر ابن باجه بين العقل والحدس كمصدر وأداة للمعرفة، إلا أن العقل يمثل في منظومته مكانة غلابة، فقد عول على "البرهان" حتى في الأمور المنوطة بالحدس؛ لذلك نراه فيلسوفا أرسطيا أكثر من كونه متصوفا عرفانيا، ولاغرو فقد رفض "التقليد" رفضا تاما، ولم يعول على "التوفيق" أو "التسويغ" أو "التوليف" كما هو الحال بالنسبة لمعاصريه، لذلك؛ لا نتردد في الحكم –كما يؤكد د. محمود اسماعيل-بأن نظرية المعرفة عند ابن باجه أساسها التفكير العقلاني، كانت الطبيعيات في منظومته لها الأسبقية، وقد عول في عرضها على المعرفة النظرية والحس التجريبى؛ ولم تكن مجرد عرض مبتسر ونقل لأقوال الطبيعيين؛ بقدر ما كانت معرفة محققة جرى تجريدها وتحويلها إلى علم فلسفي نظرى"([13]).

خلاصة القول؛ "إن منظومة ابن باجه الفلسفية تميل إلى البرهان أكثر من ميلها إلى "العرفان"؛ فهو فيلسوف منحاز للعقلانية في التحليل الأخير، وليس فيلسوفا إشراقيا كما ذهب بعض الدارسين، كما وأنه ليس فيلسوفا عقلانيا محضا "رفض العرفان الصوفي رفضا مطلقاً"؛ كما ذهب البعض الآخر، ذلك إن حصاد فلسفة ابن باجه تجعل منه فيلسوفا تجاوز معارف عصره؛ لكنها أبعد من أن تكون "مشروعا فلسفيا علميا جديدا تماما"، كما ذهب بعض دارسي فلسفته ؛ ذلك أن واقع مجتمعه والمجتمعات الاسلامية عامة بما تضمنه من محاذير وإكراهات حال دون ميلاد مثل هذا الفيلسوف العقلاني القح"([14]).

 

ابن طفيل (1110 م- 1185 م):

"ولد ابن طفيل سنة 500 ه في وادي آش شمال شرقي مدينة غرناطة، ولا نعلم شيئاً عن نشاته وثقافته؛ اللهم إلا براعته في الطب والفلك، ولعل ذلك كان سببا لتوليه الحجابة في بلاط أمير غرناطة الموحدي، ثم نزح إلى المغرب واشتغل كاتب سر للأمير الموحدي على سبتنة وطنجة عام 549 ه. وفي عام 558 ه أصبح الطبيب الخاص للسلطان أبى يعقوب يوسف، ثم اعتزل عمله سنة 578 ه لتقدمه  في العمر بعد أن رَشَحَ صديقه ابن رشد ليحل محله، وتوفى بمراكش عام 581ه"([15]).

لم يختلف دارسو الفلسفة الإسلامية في فهم وتقويم أعمال فيلسوف كما اختلفوا بصدد ابن طفيل وفلسفته، ويرجع هذا الاختلاف والتباين إلى عدة أسباب؛ نوجزها فيما يلي([16]):

أولا: لم يخلف ابن طفيل إلا عملا فلسفيا واحدا؛ هو قصة "حي بن يقظان"، وهي قصة فلسفة عرفت باسم رسالة حي بن يقظان، التي نقلها إلى العبرية في القرن الرابع عشر موسى النربوني، ومن العبرية إلى اللاتينية بيكو ديلا ميراندولا في القرن الخامس عشر.

ثانياً: أن هذا العمل الفلسفي اليتيم عمل روائي حكائي، وليس نصا فلسفيا مباشرا يفصح عن توجهات ابن طفيل الفلسفية، إذ عمد فيه إلى الرمز، والتزم في كتابته "التقية"؛ فلم يفصح عن مكنون ذاته تحت تأثير معطيات عصره الذي حفل بالإكراهات والمصادرات.

ثالثا: غموض فلسفة ابن طفيل ذاتها؛ باعتبارها فلسفة غلب عليها الطابع الصوفي المشحون بالمرموز والوجدانيات، ناهيك عن خصوصية تصوف ابن طفيل البعيد كل البعد عن التصوف الشرقي؛ الأمر الذي أوقع الباحثين في المزيد من الالتباسات نتيجة عدم الإلمام بخصوصيات التصوف الأندلسي.

ومع ذلك – يرى د. محمود اسماعيل- أن غاية فلسفة ابن طفيل؛ الخلاص الفردي وليس التغيير الاجتماعي، وانتهى إلى حكم معقول ومقبول؛ فحواه أن فلسفة ابن طفيل ربيبة قصور سلاطين وأمراء الموحدين، كما لجأ ابن طفيل إلى "التقية" و"الرمز" للتعبير عن فلسفته العقلانية؛ بله المادية الهرطقية.

وإذ أكد ابن طفيل وحدة العالم المادي، فلم يكن ذلك إبداعا من لدنه؛ بقدر ماهو نقل عن ابن سينا، حيث يرى د.محمود اسماعيل أن فلسفة ابن طفيل لا تحمل أبعادا سياسية أو اجتماعية أو معرفية، بهدف الإصلاح أو الثورة بقدر ما تعبر عن أزمة سياسية واجتماعية ومعرفية عاركها ابن طفيل إبان حياته، انها طريقة حياة للخاصة ليس إلا، لتحقيق خلاصهم الفردي أيضاً، لكن هذه الفلسفة تعتبر منحازة للسلطة أو على الأقل لاتصطدم معها، إنها تكريس للأمر الواقع بكل سلبياته ومثالبة وطريق سلبى يوصل إلى العافية والافلات من الواقع والانعتاق من شروره.إنها في التحليل الأخير "تعبير عن ازمة مفكر، ناتجة عن أزمة واقع لم يقدم المفكر حلولا لها، بقدر ما قدم من حلول لأزمته هو؛ وهو أمر يؤخذ على ابن طفيل ويحكم على فلسفته بالسلبية والاغتراب"([17]).

 

ابن رشد ( 1126 م. _ 1198 م. ):

هو أبو الوليد محمد بن رشد المولود في قرطبة، كان فيلسوفاً وفقيهاُ وطبيباً، وقبل كل ذلك كان قاضياً، إذ تولى منصب قاضي القضاة في قرطبة بعد وفاة والده، شرح أرسطو حتى قال معاصروه : " لقد فسر أرسطو الطبيعة، أما ابن رشد فقد فسر ارسطو " ولكنه لم يكتف بالتفكير والشرح بل نَّقح وعَّدل وطور في فلسفته كما يؤكد عدد من المفكرين الذي كتبوا عنه .

يقول جورج طربيشي : "كان "ابن رشد" لا يطمح إلى أكثر من دور الشارح لأرسطو، وكان يحرص، حتى بصفته شارحاً، على عدم التنائي عن السلالة الفلسفية التي ابتدأها الفارابي وابن سينا المتقدمان عليه، على الرغم من أنه عارض هذا الأخير بصدد جميع المسائل التي كانت حملت أرسطو – وكان يتبعه تبعية عمياء – على معارضة أفلاطون، على أنه افترق بمنتهى الجلاء عن الغزالي، وكَتَب "تهافت التهافت" رداً على "تهافت الفلاسفة"، كما نقلت جميع شروح ابن رشد إلى العبرية في مجرى القرنين الثالث عشر والرابع عشر؛ ولم تصلنا بعض شروحه إلا في ترجمتها العبرية"([18]).

اعتبر ابن رشد أرسطو "انساناً كاملاً باعتباره أعقل انسان في الأرض وهو خير مثال أبرزته العنايه الالهية"، لكن ابن رشد على الرغم من اعتبار أرسطو أستاذاً له، لم يكن شارحاً أو تابعاً ميكانيكياً لأرسطو، بل قدم رؤيته الخاصة، وفي هذا السياق يقول جون لويس " كان لإبن رشد تفسير خاص لأرسطو، فكان يرى أن العالم المادي أزلي أبدي، أي انه لم يبدأ ولن ينتهي، وبالتالي فهو لم يخلق، وعنده أن الحقيقة المطلقة الوحيدة ليست الشيء المفرد أو مجموع الأشياء المفردة هذه، ولكنها روح العالم أي عقل الانسانية المشترك، ومعنى ذلك ان ابن رشد كان يدين بمذهب وحدة الوجود Pantheism وأنه كان ينكر الخلود الفردي.

"وبرغم إعجابه بأرسطو؛ لم يتورع ابن رشد عن انتقاده أحيانا مدللا على رأيه الخاص مدعما إياه بالبرهان؛ مفيدا في ذلك من معارفه الفلسفية السابقة على أرسطو واللاحقة له، محاولا التوحيد بين العقل والطبيعة والوحى.

إن شروح ابن رشد لأرسطو وثيقة الصلة بمنهجه الخاص الذي هو مزاج بين المنهج الأصولي والمناهج العقلية؛ وهو امر أَهَّلَهُ لأن يكون "الشارح الاعظم" عن جدارة واستحقاق"([19])، وبما أن الكثير من نظريات ابن رشد كانت تتنافى مع الحقائق المنزلة في القرآن، رأيناه يُفَرِّقْ بين الحقيقة المُنَزَّلَة والحقيقة الفلسفية، وهذه هي أول مرة تقابلنا فكرة امكانية كون شيء ما صحيحاً من الناحية الفلسفية وإن كان ليس كذلك من الناحية اللاهوتية، أو العكس بالعكس، وسرعان ما وصلت هذه الصور العربية لمذهب ارسطوطاليس كما شرحه ابن رشد إلى أوروبا بشتى الوسائل، وقد أثار ذلك تهليل نفر من الناس كما أثار سخط آخرين، إلا أن الفلسفة الجديدة أخذت توطد أقدامها شيئاً فشيئاً "([20]).

لقد تركت أفكار كتاب ابن رشد "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" أثراً كبيراً على الفكر الاوروبي ، ففي هذا الكتاب دافع ابن رشد عن الفلسفة مستعيناً بالشريعة أو القرآن، وهذه هي محاولته الرئيسية في التوفيق بين الدين والفلسفة، بهدف الوصول إلى حقيقة واحدة هي الخير أو الله ، لأن الفلسفة والدين لا يتناقضان عند ابن رشد، فالفلسفه برأي ابن رشد هي الوسيلة للوصول إلى البحث عن الله والخير الأسمى بواسطة العقل.

لم يكن ابن رشد –كما يقول د.محمود اسماعيل- كَسَلَفَهُ ابن باجه ومعاصره ابن طفيل – يبحث في فلسفته عن طريق للخلاص الفردي؛ لذلك انتقدهما معاً تأسيساً على موقفه المغاير برغم تأثره بهما في مجال الفكر النظري.

لقد "تاثر بأستاذه أرسطو حين قال إن السعادة لا تتحقق إلا في مجتمع مدني، وأن الإنسان حيوان اجتماعي بالفطرة، وأن المكتسب يمكن أن يتحول إلى فطرى بممارسة الحياة العملية وليس بالانعزال، وأن العمل قيمة ألحت عليها العقيدة طالما كانت رسالة الإنسان في الحياة هي القيام بشئون العمران، ولعل هذا يفسر حملته على التشرذم السياسي والإقليمي والقبلى فاعتبر الاقاليم الواقعة تحت زعامات عنصرية أو طائفية "مدنا منزلية سريعة البوار"([21]).

وإذ عاب عليه البعض عدم اهتمامه بالانسان كفرد أو انحيازه للخاصة دون العامة؛ فذلك -حسب رأي د. محمود اسماعيل- محض افتراء، ذلك أن ابن رشد – نتيجة تفاقم مشكلات عصره – وَجَّهَ خطابه الإصلاحي للمجتمع أساساً؛ إذ لا يمكن إصلاح الفرد في مجتمع فاسد.

ومع ذلك أعطى ابن رشد للإنسان الفرد –كما يؤكد د. محمود اسماعيل- "قيمة تتجاوز أرسطو الذي اعترف بالعبودية وجعلها ضرورة اجتماعية، وما كان له أن ينحاز للخاصة على حساب العامة؛ بل إنه ندد بالخاصة على المستوى الاجتماعي؛ إذ اهتم بالإنسان في عموميته مستهدفا الإصلاح عن طريق التنوير، على اساس أن حرية الإنسان منوطة بدرجة وعيه الذي هو نتاج معارفه، ومن هنا أكد بن رشد على فضيلة قبول كافة الاتجاهات الفكرية؛ شريطة إستنادها إلى البرهان، يستوى في موقفه هذا سائر أنواع المعرفة وكافة أجناس الفكر، موروثا كان أم وافدا"([22]).

من ناحية ثانية، كان ابن رشد "يرى أن العالم المادي لانهائي فى الزمان ولكنه محدود مكاني، وهو يرفض التصورات اللاهوتية عن خلق العالم من لا شيء " لم يرفض أبداَ وجود الله ولكنه يقول بأن الله والطبيعة معاً موجودان منذ الأزل، فلم يكن هناك زمن وجد فيه الإله قبل أن توجد الطبيعة، ويقول أيضاً أن الله هو المصدر الازلي للواقع، في حين تشكل المادة الأساس الوحيد للوجود والمصدر الأزلي للمكان، نلاحظ هنا موقفاً مادياً صريحاً، فالماده والصورة عند ابن رشد متلازمتان لا توجد إحداهما بدون الأخرى، المادة هي المصدر الكلي والأزلي للحركة، والحركة أزلية خالدة مستمرة وكل حركة جديدة تصدر عن سابقتها (نلاحظ هنا جدلية ابن رشد)، لكن أفكار ابن رشد المادية لم تخل من شوائب مثالية حيث تشكل الموجودات في رأيه مراتب أو درجات يتربع على قمتها الله باعتباره العلة الأخيرة للوجود"([23]).

أما خليل شرف الدين في كتابه "ابن رشد" فيؤكد على ما تقدم بقوله أن "ابن رشد" آمن بالعقل باعتباره منطلقاً لتصحيح مسار التفكير الإسلامي الذي انحرف بفعل الأفكار الأشعرية والمعايير الغزالية والمبادئ الصوفية، وساهم في كبح جماح الغزالي وكَشَف وعرَّى الكثير من أقواله ونظرياته الخاطئة ورد للفلسفة اعتبارها في كتابه "تهافت التهافت" ضد كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة"، ويستطرد خليل شرف الدين بقوله أن: ابن رشد قال أن "العالم أزلي وليس بين العالم وبين خالقه انقطاع زمني"  كما قدم الفلسفة على الدين، وألزم أهل البرهان (أو الفلاسفة) بالتأويل: أي استخراج المعنى الباطن الذي ينطوي عليه ظاهر النص الشرعي، إنه بهذا يريد حصر المعرفة الحقيقية بالفلاسفة لأنهم وحدهم الذين بإمكانهم إدراك ذلك المعنى الباطن، أما الظاهر فهو لأهل الجدل وجمهور العامة الذين يكتفون عادة بالنقل دون العقل.

تأثر به الكثيرون من المفكرين في فرنسا وأوربا (الذين سموا أتباع ابن رشد) وانتشر بواسطتهم التيار العقلي والعلماني في أوربا مما دفع بالكنيسة في فرنسا إلى إصدار إدانتين لابن رشد وأفكاره (الإدانة الأولى في عام 1271 م. والثانية في عام 1277 م) ومن هذه الأفكار المدانة حسب لائحة الكنيسة:-

  • إنكار الرشديين لحدوث العالم وإصرارهم على القول بأزليته .
  • إنكارهم على الله الخلق من عدم .
  • إنكارهم على الله العلم بالجزئيات .
  • إنكارهم للخوارق والمعجزات .
  • قولهم بمبدأ الحقيقتين أي أن : الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية موجودتان وصادقتان وأن اختلفتا ظاهراً (أي أن طبيعة الدين لا تتنافى مع طبيعة الفلسفة).

" السؤال عن أي فلسفة تحدث ابن رشد؟ هل هي فلسفة اليونان أم غيرهم أم الفلسفة الاسلامية؟ يقول ابن رشد: ان كل ما أبدعه العقل الانساني هو جائز، لكي نقرأه، ونستفيد من افكاره المفيده، وحكمته الخيرة، وترك كل ما يتناقض مع هذه الافكار، فقد ركز ابن رشد على افكار فلسفة أرسطو بوصفها–كما يقول يوسف حسين-"بناءً علمياً متكاملاً يتضمن كل الحكمة والخير والحقيقة المتوافقه مع العقل الذي قدمه ابن رشد على النقل.

بعد حوالي مائة عام من تأليف الغزالي لكتابه تهافت الفلاسفة، وضع ابن رشد كتابه "تهافت التهافت" وهو يعتبر من الدرر الثمينة التي زَيَّنت المكتبة التاريخية العربية والاجنبية، وهو أيضاً من الكتب الصعبه والمعقدة، أما موضوعات كتاب ابن رشد، فهي نفس موضوعات كتاب الغزالي، ولكن من موقع النقيض أو الرد عليها، فالغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفه" هاجم الفلسفة اليونانية والفلاسفة الذين قالوا بأزلية العالم، وهاجم أيضاً أولئك الذين قالوا بان الله يَعرِفُ الكليات فقط دون الجزئيات، كما هاجم الفلاسفه الدين انكروا البعث الجسدي، وقالوا أن الروح هي التي تتعرض للحساب وليس الجسد، ما يعني انكارهم للعذاب وجهنم، وقد كَفَّرَ الغزالي كل هؤلاء الفلاسفة في كتابه"([24]).

     أما كتاب ابن رشد "تهافت التهافت" فهو –كما يضيف يوسف حسين- "نقله تنويريه كبرى، فقد كان حريصاً على إقراره بالمسائل الصحيحة التي طرحها الغزالي، لكنه رفض القضايا الأخرى المتعلقة بالاغراق في الميتافيزيقا ورفض الغزالي للعقل واعتماده الكلي على النقل، وعاب على الغزالي عدم اهتمامه بوعي القضايا الفلسفية العقلانية لدى ارسطو وابن سينا وغيرهما.

كما تحدث ابن رشد في كتابه عن أزلية العالم أو قِدَمِهِ باعتبارها قضية مركزية في حواره مع الغزالي الذي رفض بالمطلق فكرة أزلية العالم، فالعالم عند الغزالي "حادث مخلوق من الله".. أما ابن رشد فقال أنه أزلي موجود وملازم لوجود الله .. وهو هنا لم ينكر الله لكنه نفي صفة الخالق عن الله.. فالعالم قديم أزلي حسب أرسطو.

" ابن رشد اعتبر ان العالم حادث أزلي، لكن له عله هي الله، بينما الغزالي يقول ان العالم حادث زمني خلقه الله في وقت ما، وهذا ما رفضه ابن رشد قائلاً: إن الله لا يمكن أن يخلق العالم بعد وجوده، لأنه لا يجوز لهذا الإله أن ينتظر ظرف مُعَيَّن لتحقق إرادته لكي يخلق العالم، فكيف يقبل الغزالي (ومن معه من المسلمين) فكرة أزلية الله ولا يقبلون بأزلية العالم؟ ثم أليست ارادة الله وفعله متلازمان، ان قال للشيء كن فيكون.. ارادة وفعل متلازمان، ارادة ازلية وفعل أزلي، هذا هو الموقف العقلاني لابن رشد، وكل قول غير ذلك هو موقف غير مقبول ولا عقلاني"([25]).

" ابن رشد هنا يدافع عن وحدة الارادة والفعل عند الله، بل ويدافع عن الله بصورة عقلانية أوضح من دفاع الغزالي، فالله عند ابن رشد هو الفاعل القادر على كل فعل، إذ لا يجوز الحديث عن الفاعل بدون فعل (العالم) وإلا افترقت إرادة الله عن فعله، لقد رفض ابن رشد فصل العله (الله) عن المعلول (العالم)، إذ اعتبر أن مجرد وجود الفاعل (الله) يعني بداهة وجود الفعل (العالم) مقروناً به، فالله عند ابن رشد أزلي وكذلك اراداته، أما الغزالي فقال ان العالم مخلوق وليس ازلي !! فاذا كان مخلوقاً فلماذا انتظر الله عليه ليخلقه كما يسأل ابن رشد؟"([26]).

وفي كل الأحوال، يُعَدْ ابن رشد كما يقول د. محمود اسماعيل "آخر فلاسفة الاسلام المرموقين، ولم يظهر بعده فيلسوف ذو شأن يمكن أن يقاس به أو يقارن بأسلافه، إذ هَوَتْ الفلسفة من عليائها لتذوي في ركام النصية والتهويم الصوفي خلال عصور أطلق عليها ابن خلدون – بحق- عصور الانحطاط، كما يعتبر ابن رشد أشهر فلاسفة الاسلام قاطبة، و"الرشدية" علامة بارزة في مسيرة الفكر الفلسفي الانساني العام، وتفسير ذلك كامن في نسقه الفلسفي العقلاني المتسق، كذا في فلسفته العملية التي استهدفت إعادة التوازن في مجتمع عاني الخلل السياسي والوهن العسكري والتشرذم الفكري؛ نتيجة لعوامل سوسيو– تاريخية".

ومع ذلك اختلف الدارسون في تثمين مشروعه باختلاف مناهجهم وتنوع رؤاهم، وتعدد انتماءاتهم الفكرية والإديولوجية، وإذ أجمعت الأكثرية على تمجيده، فاعتبره البعض أعظم فلاسفة الإسلام قاطبة انظرا لنزعته "العقلانية المحضة" و"فلسفته المادية" الفردية، التي لم تسلم فلسفته من الانتقاد، بله التنديد أحيانا فاعتبرها البعض "إلحادا وزندقة"، ونفوا كونه فيلسوفا بحق بل مجرد شارح لأرسطو ليس إلا، أو "فقيه مجتهد" في أحسن الاحوال"([27]).

أما المفكر الشهيد د. حسين مروة، فإنه يتفق مع مؤرخ الفلسفة الروسي "تراختنبرغ" الذي يقول "انابن رشد يفسر الله بأنه الدافع الأول فيلتقي مع قول ديكارت بأن الله مصدر الحركة، ولكن ابن رشد يقول بأن الله مصدر للمادة في نهايتها لا في بدايتها، أي انه يعتبر الله غاية لها، على نحو ما يقول ارسطو حين يميز العلة الفاعلة من العلة الغائية، فالله عنده – أي أرسطو – سبب نهائي ، أو هو الهدف لوجود المادة.

ان ابن رشد يحاول تفسير المادة تفسيراً فيزيائياً، أي أن المادة تشكل ذاتها، وتوجد الكائنات الحية بوساطة الحرارة، فاذا زالت الحرارة زالت هذه الكائنات، وقد انتقلت هذه الفكرة الرشدية إلى الفيلسوف الايطالي بترو بومباناري (1464 - 1524) الذي اعدم بتهمة كونه رشديا ، وإلى الفيلسوف الايطالي برناردينو تيليزيو (1508 - 1588) الذي تبنى نظرية ابن رشد بأن الحرارة سبب تحول المادة الجامدة إلى مادة حية"([28]).

ان عقل العالم – عند ابن رشد- قانون، وهو قانون ضرورة. وهنا يتساءل تراختنبرغ: هل عقل العالم ماهية، ام ليس بماهية؟. ثم يجيب: أنه ليس بماهية عند ابن رشد، بل ضرورة، لانه يفصل مفهوم العقل عن مفهوم الروح (النفس)، فيقول ابن رشد ان العقل ملازم لكل موجود، فالعالم معقول، لانه يخضع للقوانين، والله لا يتدخل في شؤون العالم ، لان العالم معقول بحد ذاته، بمعنى أنه ضرورة (سببية).

هذا يعني –كما يستطرد د. مروة- "ان ابن رشد ينفي مقولة الغزالي الظرفية، أي كون مقارنة وجود شيء لوجود شيء آخر، ليست مقارنة سببية، بل مقارنة ظرفية، او مصادفة، ثم تصبح مقارنة عادة، فقد اعتاد الناس ان يروا الاحتراق عند ملامسة النار للورقة مثلاً، فظنوا ان النار هي سبب الاحتراق.

وفي نظرية المعرفة يبدو ابن رشد مادياً كذلك، كما يقول تراختنبرغ -فهو- أي ابن رشد- يرى أن المعارف تكتسب بتأثير الاشياء المادية على الحس، فاذا اضفنا ذلك إلى قوله بأبدية المادة، وإلى كونه يعترف بموضوعية العالم المادي، لم يبق لدينا شك بماديته، ان العالم يتطور على أساس العقل. وهذا موقف مادي أيضاً لابن رشد، ولكنه –كما يضيف د. حسين مروة- ينتسب إلى المادية الخاصة بالقرون الوسطى"([29]).

 وفي هذا الجانب يقول د. مراد وهبة "ابن رشد" الفيلسوف الإسلامي الذي اتهم في القرن الثاني عشر بأنه مرق عن الدين فاستوجب لعنة الضالين، وسماه الخليفة المنصور "معطلاً وملحداً" في المنشور الرسمي الذي كتبه كاتبه ابن عباس ونشره في الأندلس والمغرب للتحذير من فلسفة ابن رشد، ومن ثم أصدر الخليفة المنصور قراراً بنفى ابن رشد إلى قريته أليسانة وحرق مؤلفاته، وكل هذه الإجراءات الظالمة ضد ابن رشد تعود إلى موقفه العقلاني المرتبط برؤيته للعلاقة بين العقل والدين، وهو موقف نقيض لمواقف الغزالي في هذه المسألة، لأن إبن رشد يقرر أن العقل لا يدرك الموجودات إلا بأسبابها، فمن ينكر الأسباب ينكر العقل، كما أن إنكار الأسباب مُبطل للمعرفة والعلم، وبالتالي فإن خلاف ابن رشد مع علماء الكلام في الإسلام–كما يستطرد مراد وهبة-"هو خلاف متعدد الزوايا، ويدور على فكرة محورية هي فكرة التأويلالذي يعني عند ابن رشد "إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية"([30]).

وازدواجية الدلالة – هنا- مردودة إلى أن النص الديني- في رأى ابن رشد- ينطوى –كما يقول د.مراد وهبه- على معنيين: معنى ظاهر وهو المعنى الحرفي، ومعنى باطن وهو المعنى المجازى، فإذا تعارض المعنى الظاهر مع مقتضيات العقل بحثنا عن المعنى الباطن، وهذا معناه تأويل المعنى الحرفي، وكان "وجوب" التأويل مرفوضاً من الغزالى لأن من شأن التأويل عنده إحالة الدين إلى مجموعة من الخيالات، ومن ثم يجب الأخذ بظاهر المعنى.

خلاصة القول: أن فلسفة ابن رشد في التحليل الأخير – فلسفة عقلانية تنويرية تقدمية – إن جاز التعبير- سواء في بنيتها الفكرية المتسقة بالقياس لمنظومات سابقيه ومعاصريه أو في طابعها الإصلاحي الاجتماعي والسياسي، لذلك يمكن نعتها بانها "فلسفة نهوض وصعود"، بل أكثر من ذلك –كما يؤكد د. مراد وهبة- الذي يقول إن ابن رشد هو "أحد جذور التنوير الأوروبي على الرغم من أن هذه الجذور قد اجْتُثَّت من حديقة الفكر العربي، وهذا ما يسميه د. وهبة "مفارقة ابن رشد".

ويستطرد د. وهبة بقوله "أظن أن هذه المفارقة مردودة إلى مفهوم التأويل الذي له الفضل في تأسيس عصر الإصلاح الديني وعصر التنوير، فإذا كان لوثر هو المحرك الأول للعصر الأول فذلك مردود إلى عبارته المأثورة "الفحص الحر للإنجيل" وهي عبارة تعنى تحرر العقل من السلطة الدينية، وبالتالي إعمال العقل مع النص الديني، أي مشروعية التأويل ومن ثم فإن الذي ياخذ بالتأويل يصبح موضع تكفير من السلطة الدينية، وهذا ما حدث للوثر فقد لقب بـ"الهرطيق" أي الكافر"([31]).

وأظن أيضاً –كما يضيف د. وهبة- أن القسمة الثنائية بين الرشديينواللارشديين في أوروبا مردودة في أصلها إلى مفهوم التأويل، واستناداً إلى ذلك كُفر الراشديون في مارس 1270 عندما أصدر أسقف باريس قراراً بتحريم تدريس القضايا الرشدية، وكان من جراء ذلك أن قُتِلَ زعيم الرشديين"سيجر دىبرابان" بخنجر من سكرتيره الخاص. وفي القرن الرابع عشر ظهر رائد جديد للرشديين وهو "ما ندى جاندو" فقرر البابا يوحنا الثاني والعشرون حرقه، ولم ينقذه من ذلك الحرق سوى الملك لويس البافيرى، أما زعيم اللارشديين توما الأكويني فقد لقب بـ"القديس"([32]).

وفي القرن السادس عشر استعان جاليليو بمفهوم التأويل للدفاع عن نفسه أمام محاكم التفتيش بمناسبة تأييده لنظرية كوبرنيكس القائلة بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس، وأنت عندما تقرأ عبارات جاليليو –كما يقول د.مراد وهبه في تقديمه لكتاب فرح أنطوان- تشعر كأنك تقرأ كتاب "فصل المقال" لابن رشد، يقول جاليليو: في رأيى أن أضمن وأسرع طريق إلى البرهنة على أن موقف كوبرنيكس لا يتعارض مع لانجيل هو التدليل على أن هذا الموقف صادق وإن نقيضه ممتنع على التفكير، وحيث إنه لا يتعارض بين حقين فثمة توافق بين موقف كوبرنيكس وموقف الإنجيل، ويقول ابن رشد "إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له".

هذا عن تأثير ابن رشد في عصر الإصلاح الديني أما تأثيره في التنوير–كما يضيف د. وهبة- فهو وارد أيضاً في مفهوم التأويل وعلاقته بالقسمة الثنائية بين الراسخين في العلم والجمهور، فإذا كان التنوير يعني الا سلطان على العقل إلا العقل نفسه، فمعنى ذلك تحرر العقل من جميع السلطات، ولكن أشرس هذه السلطات هي سلطة الجماهير أو العوام، فهي المقيدة والمكبلة الحقيقية لسلطة العقل. وهذه هي إشكالية التنوير الأوروبي وهي إشكالية ابن رشد في المقام الأول"([33]).

ومهما يكن الأمر "فلا مشقة في ان الفلسفة الرشدية تجاوزت عصرها ولم تجد مع ذلك من يتبناها سياسيا لتحويل مضمونها إلى حقائق عيانية، بل على العكس لاقت معارضة شديدة سواء في زمن مبدعها أو فيما تلاه من عصور، لذلك أصاب من قال إنها مرت في سماء العالم الإسلامي كسحابة صيف عابرة لا لقصور يشوبها بل لسيادة الاقطاعية العسكرية بأبنيتها الاجتماعية والفكرية، هذا في الوقت الذي تلقفها مفكر والبرجوازية الأوروبية الصاعدة، وأسسوا على عقلانيتها وإنسانيتها دعائم الفكر الليبرالي"([34]).

وفي زماننا هذا، الذي تشعبت فيه المسائل والعلوم إلى حد يثير الدهشة، لا يمكن للشريعة أن يكون لها معنى بالنسبة للإنسان، ما لم تأخذ بالحسبان التطور المذهل الذي يلحق بالعلوم والمباحث العلمية والعملية والتقنية يوميا، وفي كل لحظة" ([35]).

لكن، على الرغم من كافة المضامين والمواقف والرؤى العقلانية التنويريه التي قدمها مفكرنا ابن رشد، إلا أنه إتُهم بالهرطقة، وحوكم بعد أن وشى به الكثيرون وزَورَّوا عليه، حيث تمت محاكمته في المسجد الأكبر بقرطبة وبحضور الخليفة "المنصور" الذي حكم عليه بالإبعاد مع أن تهمته كانت التوفيق بين الدين من جهة والعقل من جهة ثانية، ولم يعش طويلاً بعد ذلك إذ توفي وهو في حالة شديدة من الإحباط والحزن عام 1198م.

في ختام الحديث عن الفيلسوف العقلاني المسلم المستنير ابن رشد لا يسعني سوى أن أورد المفارقة التي تناولها د. مراد وهبة، وهي المفارقة التي تكمن عنده في أن "تعاليم ابن رشد التي تبلورت في الرشدية اللاتينية قد أسهمت إسهاماً عظيماً في تشكيل الخطاب الأوروبي الذي أفضى إلى رؤية نقدية للدين الموحى، وبالتالي إلى تأسيس ما يسمى بالعقلانية والتنوير، ومن جهة أخرى –كما يستطرد بحق د.وهبة- فإن الثقافة العربية الإسلامية التي أنتجت ابن رشد هي نفسها التي لم تتطور إلى شكل من أشكال الرشدية تلتقى فيه مع الرشدية اللاتينية، إذ أن غياب "الرشدية" هو السبب الرئيسي لغياب عصر النهضة وعصر التنوير في العالم الإسلامي، ولامتناع الحداثة قبل الاحتكاك مع أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر"([36]).

 

 


([1])  المرجع نفسه –ص 429

([2]) أ.د. عبد الجليل كاظم الوالي – الاستبداد في الفكر الكلامي والفلسفي – موقع: الجزيرة – بدون تاريخ

([3]) المرجع نفسه .

([4]) بيتر أدامسون وريتشارد تايلور – دليل كامبردج إلى الفلسفة العربية - البيان– 12 فبراير 2007

([5])  حسين مروة – مرجع سبق ذكره –النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الأول – ص904

([6]) المرجع نفسه -  ص905

([7]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3) .. فكر الفرق.. علم الكلام.. الفلسفة.. التصوف– سينا للنشر – بيروت- 2000 -  ص 115

([8])  المرجع نفسه – ص 50

([9])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 18

([10]) د. محمود إسماعيل – مرجع سبق ذكره - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3)– ص 52

([11]) المرجع نفسه - ص 56                                                                                                    

([12]) المرجع نفسه– ص 57

([13]) المرجع نفسه - ص 60+61+ 62

([14]) المرجع نفسه – ص62/ 64

([15]) المرجع نفسه – ص 73

([16])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 30

([17])د. محمود إسماعيل – مرجع سبق ذكره - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الانهيار (3)–  ص 86

([18])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 23

([19]) د. محمود إسماعيل – مرجع سبق ذكره - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الإنهيار (3) .. الفلسفة والتصوف– ص 98

([20]) جون لويس – ترجمة: انور عبد الملك - مدخل إلى الفلسفة –  دار الحقيقة – بيروت -  الطبعة الثانية – 1973 – ص 87

([21])  د. محمود إسماعيل – مرجع سبق ذكره - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الانهيار (3)– ص 111

([22]) المرجع نفسه – ص 112 + 113

([23])جماعة من الأساتذة السوفيات–  مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص152+153.

([24]) يوسف حسين- محاضرة في اليوتيوب- الانترنت.

([25]) المرجع نفسه .

([26]) المرجع نفسه.

([27])  د. محمود إسماعيل – مرجع سبق ذكره - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي.. طور الانهيار (3) – ص 87

([28]) مرجع سبق ذكره – حسين مروة-  النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية – الجزء الأول – ص154

([29]) المرجع نفسه – ص155

([30])  فرح أنطون – ابن رشد وفلسفته –تقديم: مراد وهبة – القاهرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2012 – ص 10

([31])  المرجع نفسه –  ص 10

([32])  المرجع نفسه –  ص 22

([33])  المرجع نفسه –  ص 23

([34]) د. محمود إسماعيل – مرجع سبق ذكره - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الانهيار (3)– ص 114

([35]) حوار مع الدكتور محمد المصباحي: في قضايا الفلسفة الإسلامية وأسئلتها الراهنة – موقع: مؤمنون بلا حدود -  21 نوفمبر 2013.

([36]) ابن رشد وفلسفته – تأليف: فرح أنطون – تقديم: مراد وهبة – القاهرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2012 – ص 17