كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح28)
(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).
الباب الرابع
الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى
الفصل السابع
فلسفة عصر الاقطاع في أوروبا منذ القرن السادس حتى الرابع عشر
تمهيد:
ظهرت هذه الفلسفة بعد استقرار وتفعيل دور الكنيسة في الغرب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وتعاظمت هيمنتها في القرن السادس، بعد الغاء الافلاطونية، واعلان المسيحية دين الدولة الرسمي عام 529م (يوستينيانوس)، فيما عُرف بالعصور الوسطى، التي امتدت منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، واستمرت حتى بداية عصر النهضة في القرن الخامس عشر.
تُرَكّز فلسفة العصور الوسطى على الرؤى الميتافيزيقة اللاهوتيّة بشكل كبير، أما المبادئ التي ارتكزت عليها جميع أعمال الفلاسفة في العصور الوسطى:
- تبني رؤى الفلاسفة القدماء، وخاصّةً أفلوطين، والإذعان لسلطة فكرهم، لتكريس أفكار الكنيسة والاقطاع ومصالحهم وامتيازاتهم الطبقية.
- الالتزام بتنسيق الرؤى الفلسفيّة مع التعاليم الدينية المعبرة عن المصالح الطبقية للملوك وأباطرة الكنيسة.
- استخدام الفلسفة لحساب اللاهوت المسيحي الرجعي من جهة ولتبرير قهر واستغلال العبيد والأقنان من جهة ثانية.
الفلسفة المسيحيّة في العصور الوسطى المبكرة:
حدود فترة العصور الوسطى المبكّرة مسألة جدليّة، ولكن من المتّفق عليه عموماً بأنها تبدأ بالفيلسوف أوغسطينوس (354-430م) الذي ينتمي إلى الفترة الكلاسيكيّة، وتنتهي في أواخر الفرن الحادي عشر؛ أي في بداية فترة القرون الوسطى العليا.
بعد انهيار الإمبراطورية الرّومانية، عاشت أوروبا الغربيّة في ما يُعرف بالعصور المظلمة، وكان التّعليم مقتصر على الأديرة؛ وكان الفكر المسيحيّ البابويّ في تلك الفترة يميل لأن يكون بديهيّاً صوفيّاً، لا يعتمد على العقل والحجّة والمنطق، ويركّز بشكل كبير على العقائد الغامضة في فلسفة أفلاطون وأفلوطين، ويقلّل من تركيزه على التفكير المنهجيّ في فلسفة أرسطو؛ حيث كان أرسطو غير معروف في الغرب في تلك الفترة.
كان للفلاسفة الرّومان تأثير كبير على تطوّر فلسفة القرون الوسطى وخاصةً الفيلسوف أوغسطينوس الذي اعتبره بعض المؤرخين، أعظم من باباوات الكنائس، حيث قدم الكثير من كتاباته الفلسفيّة التي تناولت مواضيع لاهوتية سكولائية مثل: الحقيقة، والله، والرّوح البشريّة، ومعنى التّاريخ، والدّولة، والخطيئة، والخلاص؛ وكانت هذه الكتب من بين أهم المراجع الدينية اللاهوتية والفلسفية طوال ما يقرب من ألف عام.
وفي هذا الجانب، كانت الاديرة المسيحية بمثابة القلاع التي تم اقامتها وسط مساحات شاسعة من الأراضي، مما كان له أثراً كبيراً في توفير عوامل تطوير مراكز للعمل الزراعي على النمط الاقطاعي، جنباً إلى جنب مع إقامة المؤسسات الفكرية التابعة للكنيسة في ذلك العصر تعزيزاً للعوامل والتراكمات التي انضجت ظهور النظام الاقطاعي في أوروبا.
كان ظهور الاقطاعية (القنانة) في اوروبا الغربية على أنقاض مجتمع الرق، وكان الفلاحون، الذين يعملون في أراضي الاقطاعيين، والاقطاعيون، الذين يستغلون جهودهم والذين تركزت السلطة بأيديهم، يشكلون الطبقتين الاساسيتين في المجتمع الاقطاعي.
إلى جانب هاتين الطبقتين الاساسيتين كان هناك الحرفيون، المتحدرون من أوساط الفلاحين، والتجار، وكان رجال الكنيسة يلعبون دورا بالغ الأهمية في حياة المجتمع، ذلك أن تملك الكنيسة لمساحات واسعة من الاراضي جعلها تمثل قوة اقتصادية – اجتماعية كبيرة.
وفي هذا السياق أشير إلى أن "المسيحية لم تقض على الوثينة، بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها، وأصبحت اللغة اليونانية، أداة الآداب، والطقوس المسيحية، وانتقلت الطقوس اليونانية الخفية إلى طقوس القداس الخفية الرهيبة،
ولما أن فتحت المسيحية([1]) رومة انتقل إلى الدين الجديد بناء الدين الوثني القديم؛ فقد انتقل إليه –كما يقول ديورانت- "لقب الحبر الأعظم، وعبادة الأم العظمى، وعدد لا يحصى من الأرباب التي بثت الراحة والطمأنينة في النفوس، والإحساس بوجود كائنات في كل مكان لا تدركها الحواس، وبهجة الأعياد القديمة أو وقارها، والمظاهر الخلابة للمواكب القديمة التي لا يعرف الإنسان بدايتها"([2]).
"إن هذه كلها انتقلت إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها، وأسرت رومة الأسيرة فاتحها، وأسلمت الإمبراطورية المحتضرة أزمة الحكم والمهارة الإدارية إلى البابوية القوية، وشحذت الكلمة المواسية بقوة سحرها ما فقده السيف المفلول من قوته؛ فحل مبشرو الكنيسية محل جيوش الدولة، وأخذ هؤلاء يجويون الآفاق في جميع الجهات متتبعين الطرق الرومانية؛ وعادت الولايات الثائرة بعد أن اعتنقت المسيحية إلى الاعتراف بسيادة رومة، وبداية الخطوات الأولى صوب عصر الاقطاع"([3]).
تأسست الاقطاعية في اوروبا في العصور الوسطى على أنقاض مجتمع الرق وكان الفلاحون الذين يعملون في أراضي الاقطاعيين، والاقطاعيون الذين يستغلون جهودهم، يشكلون الطبقتين الأساسيتين في مجتمع العصور الوسطى الاقطاعي، وقد لعب رجال الكنيسة دوراً بالغ الأهمية في حياة ذلك المجتمع، وفي تكريس النظام الاقطاعي.
" ولم يكن النظام الاقطاعي الذي نشأ نتيجة لهذا الصراع إلا وسيلة لجأ إليها الرجل العادي للحصول على قسط من الأمن لنفسه بان يضع نفسه تحت حماية الزعيم أو الأمير الاقطاعي الجديد، مهما كلفه ذلك من فقدان لحريته.
ومن ناحية أخرى، رأى أنصار الزعيم الشخصيون ان الاقطاعية نظام أصلح من الحروب بين القبائل، فاستقروا على الارض المهداة إليهم من زعيمهم، هكذا ظهر شيئاً فشيئاً نظام لا مركزي ذو تنظيم ارستقراطي أخذ يشن حرباً طويلة، بطيئة، من أجل الحصول على السلطة المركزية من جديد"([4]).
في هذا الجانب، يقول جون لويس "هناك قوتان لعبتا دوراً هاماً في هذا التطور: تطور النظام الملكي الذي صحبه قيام الدول القومية وتكوين الجيوش المحترفة في بعض الاحيان من ناحية، ثم ظهور الكنيسة المنادية بمجتمع عالمي ونظام اخلاقي اجباري وقانون ديني من ناحية أخرى، فقد "كان البابا جريجوريوس الأكبر (من 590 حتى 604) من اعظم رجال الكنيسة في العصور الوسطى، كما كان بمثابة همزة الوصل بين العصرين القديم والوسيط، وكان أول ناسك يعتلي كرسي البابوية، كما كان أول بابا لجأ إلى الاجناس الجديدة في الغرب كيما يعيد إلى روما امبراطوريتها التي فقدتها، كان منظماً فذاً ونابغة دينياً لا ينازع، فقد نجح في تقديم العقيدة المسيحية إلى الأجناس البربرية التي سيطرت عليها الكنيسة في صورة تناسب عقليتها الساذجة"([5]).
العقل والإيمان بداية العصر الاقطاعي:
تنطرح مسألة العلاقات بين العقل والايمان على نحو يبعد أن يكون بسيطاً، "فمؤسسة كالكنيسة ليست منظومة من حقائق نظرية، يمكن للعلم وللايمان أن يتفقا أو يختلفا بصددها؛ فهي تفرض نفسها بادئ ذي بدء على نحو ما يفعله الكيان السياسي أو القواعد القانونية: ولقد كانت الغاية التي رمت اليها الأوغسطينية أن ترسي بصفة نهائية أسس حاضرة روحية، ومن جهة أخرى "أخذ الفكر الوسيطي في ما يتصل بالالهيات عن القديس أوغسطينوس المأثور الأفلاطوني المحدث، فالله هو العقل بالمعنى السامي، منبع المعقول؛ ومعرفة الله أو رؤيته هي بمثابة الحد الأعلى لكل معرفة عقلية، وعلى منوال أفلوطين، يعتقد القديس أوغسطينوس أنه "متى فرغت النفس إلى نفسها، وانتظمت، وتناغمت، فستجترئ عندئذ على أن ترى الله، المنبع الذي منه تصدر كل حقيقة، بل والد كل حقيقة، وفيما دون هذه الرؤية، التي هي وقف على القلة القليلة، "تبصر النفس العاقلة، المتحدة اتحاداً طبيعياً بالمعقولات، الحقائق على ضوء لاجسمي، طبيعته من طبيعتها"([6]).
إن روح هذا العصر، تتجلى بوجه خاص في التأليف التي وُضِعَت في كيفية تثقيف رجال الدين، والتي رّدَّتْ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كل علم إلى معرفة حقائق الدين، وهي معرفة محتواة بين دفتي علم "الكتاب المقدس"، وفق مقولة: "إن أُس الحكمة وكمالها العلم بالكتب المقدسة"، فقد "كان قوام النتاج الأدبي لذلك العصر، شروحاً لا يحصى لها، للتوراة (وعلى الأخص خلق الله للعالم في أيام ستة) وللأناجيل ولرسائل الرسل؛ وما كانت هذه الشروح تعدو على أية حال أن تكرر وتُضَخِّم شروح كبار فقهاء الكنيسة في العصور السابقة، وعلى الأخص منهم القديس هيلاريوس أو القديس أوغسطينوس"([7]).
أخيراً، من المفيد الإشارة إلى تأثير الافلاطونية الجديدة في الديانة المسيحيه، نتيجة للأزمة الروحية، التي عصفت بالمجتمع العبودي القديم، ولذا فإنها لم تشارك الايديولوجية المسيحية عددا من أفكارها، فحسب، بل وكان لها الاثر الكبير على تطور التعاليم المسيحية اللاحقة"([8])، باتجاه المزيد من التعاليم الغيبية الرجعية، فقد كانت تعاليم الافلاطونية الجديدة، بالمقارنة مع فلسفات أفلاطون وأرسطو، ظاهرة تدهور وانحطاط.
ومما عزز من سلطة الكنيسة، " أن الامبراطورية الرومانية تعرضت لغزوات كثيرة في القرنين الخامس والسادس، أدت إلى تمزيقها وتقسيمها إلى دويلات، يقف على رأس كل منها ملك أو أمير، فكانت النتيجة أن مركز الحكام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تضاءل إلى حد كبير، مما جعل الفرصة مواتية جدا للكنيسة لبسط هيمنتها على كل مقاطعات الامبراطورية المقدسة، وبذلك أصبحت الاقطاعي الأكبر، الذي كان يضطر كل الاقطاعيين الآخرين، بما فيهم الامراء والملوك، إلى الرضوخ لسلطانه في كثير من الاحيان" ([9]).
والحق –كما يقول د. حامد خليل- "ان ما فعلته الكنيسة حين اضطلعت بمهمة تفسير "كلمة" الله، إنما كان يخدم قبل كل شيء تكريس القيم الاقطاعية المتمثلة أساساً بالخضوع والاستسلام، والانقياد، وكَبْتْ الطبيعة البشرية، والإنسلاخ عن الحياة، وخنق الحرية، واستئصال العقل، والقضاء على كل مقومات الابداع، والاسترسال في الأوهام، والتعلق بالخرافات وبكلمة واحدة، اغتراب الإنسان عن ذاته، وعن العالم الذي يعيش فيه، وعن المستقبل الذي ينشده، وأخيراً عن الله ذاته"([10]).
ثم ننتقل إلى العصور الوسطى، بمعنى الكلمة الاصلي، "عندما نادى البابا جريجوريوس السابع (من 1073 حتى 1085) بسلطة عالمية تستمد قوتها من الله (البابوية، وعلى الجميع أن يطيعوها ويكون جميع ملوك العالم مسؤولين أمامها فيما يتعلق بصلاحية الحكم"([11]).
" والأخطر من ذلك أن فكرة الله التي كانت الفكرة المحورية التي تأسست عليها حياة الإنسان بكافة أوجهها الطبيعية والروحية وعلاقته بالإنسان الآخر والمجتمع، والتي يفترض أنها وليدة نشاط فاعل وحر وخلاق لعقل الإنسان، تحولت في ذلك العصر إلى فكرة "الوسيط" المتمثل بطبقة الاكليروس التي كانت تتربع على قمة الهرم الاجتماعي، أي أن الله لم يعد ذلك الكائن القريب من الإنسان، الذي يكون في مقدور هذا الاخير التوجه مباشرة إليه، على العكس من ذلك، فقد أقصاه الاكليروس عن العالم ككل، وعن عالم الإنسان على وجه التخصيص، وحلوا محله بدعوى أنهم وسطاء بينه وبين البشر.
وقد ترتب على ذلك أن أصبح على الإنسان أن يتوجه مباشرة إليهم، إن شاء الظفر برضاء الله، وتعين عليه أن يأخذ بالتفسير الذي يقدم له لكلمة الله، ويسلم به، دونما اعتراض أو مناقشة أو تدبر، ولم يبد ذلك بالأمر الذي يدعو إلى الدهشة، فالكاهن هو المسؤول أمام الله يوم الحساب عن أرواح جميع المسيحيين دونما استثناء، وإذن فمن الطبيعي أن يكون هو نفسه "الوسيط" الذي ينبغي إقامة الحوار معه، أو على الاقل ممثل الله في الارض. وفي كلتا الحالتين، فإن ما يقوله يتعين قبوله على أساس أنه هو ما يأمر به الله.
ولا شك أنها كانت فرصة مواتية لظهور طبقة الاكليروس "الوسيطة" كتعبير دقيق عن حالة ذلك العصر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية"([12]).
فقد هيمنت الايديولوجية الدينية على الحياة الفكرية في هذا العصر حيث تحولت الفلسفة إلى خادمة للاهوت عبر طابعها الرجعي التصوفي وكان مبررها ان الحكمة والمعرفة تتم فقط عبر الوجد الصوفي([13]) ورفض التجربة او طريق العقل، لقد انحطت الفلسفة في هذا العصر إلى درك التصوف والسحر والاساطير، وارتدى صراع الطبقات فيه شكل خافت من الصراع الديني.
لقد ترافقت الهيمنة الأيديولوجية للكنسية مع هيمنتها المادية وثرواتها المتراكمة، فقد "دعم الاباطرة الكنيسة في القرون الأولى من قيامها، حيث امتصت الكنيسة تدريجيا سلطة الملوك والاباطرة، ونمت نموا كبيراً في عددها وثروتها ونفوذها، وفي نحو القرن الثالث عشر أصبحت الكنيسة تملك ثلث الأرض في أوروبا، وامتلأت خزائنها بتبرعات وهبات الأغنياء والفقراء. واستطاعت ان توحد لمدة ألف سنة تقريباً معظم شعوب القارة الأوروبية، لقد القت الكنيسة بعقيدة محدودة ومحددة طوقت بها العقل الأوروبي اليافع في العصور الوسطى، واحاطت هذه العقيدة العقل الأوروبي كما تحيط الصدفة الحيوان البحري الصغير في داخلها. لقد تحركت الفلسفة المدرسية (السكولائية)([14]) من داخل هذه الصدفة الضيقة من العقيدة والايمان إلى العقل، وعادت ثانية إلى الوراء في دائرة مخيبة للأمل، ومثبطة للعزيمة. وفي القرن الثالث عشر تحرك العالم المسيحي وتنبه بما ترجمه العرب واليهود عن فلسفة أرسطو، ولكن سلطة الكنيسة كانت لا تزال قوية لتأمين نفسها عن طريق توما الاقويني وغيره بتحويل فلسفة أرسطو إلى فلسفة إلهية للقرون الوسطى" ([15]).
المسيحية والفلسفة في القرون الوسطى:
عَبَّرتْ الأفلاطونية الجديدة، وبمقدار ما الرواقية المتأخرة، عن ذلك التوق الديني الذي استفاق من جديد، فوجدت المسيحية فيها، تربة صالحة لنموها، وجذبت المسيحية أعداداً هائلة من الناس بعد إعلانها "أنها الأمل الوحيد لهم، على الرغم من الشرور السائدة، كان هناك أمل لكل واحد من البشر، وفوق ذلك كله، هناك أب سماوي يمد برحمته الخطاة والأتقياء، ويخلصهم سواء بسواء"([16]).
وفي اول الأمر، نجد تأليفاً بين المسيحية والأفلاطونية الجديدة، على الرغم من أن الرواقية المتأخرة أدت دوراً أيضاً، وساد ذلك التأليف اللاهوتي من حوالي عام 300 إلى العام 1200 بعد الميلاد، شاملاً معظم القرون الوسطى.
وفي القرن الثالث عشر، عندما اكتشف العالم المسيحي الغربي أرسطو من جديد حصلنا على تأليف بين المسيحية والأرسطية، وصار ذلك التأليف اللاهوتي الفلسفة السائدة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وفي تلك المرحلة "كانت الفلسفة واللاهوت فرعي التعليم الرئيسيين اللذين زعما أنهما يؤديان إلى الرؤية الصحيحة، لذا، كان من الطبيعي أن تكون العلاقة بين الإيمان والعقل علاقة مركزية في تلك الفترة. وغالباً ما كانت تقدم العلاقة الوثيقة بين الفلسفة واللاهوت في القرون الوسطى كما لو أن اللاهوت، بمعنى ما، قبض على الفلسفة بقبضة محكمة، أي كانت الفلسفة هي "الضحية"([17]).
في هذا الجانب، أشير إلى أنه، على الرغم من هيمنة الكنيسة، إلا أن القرن الثالث عشر، شهد تتويجاً للفلسفة اليونانيّة، حيث نمت مدارس التّرجمة في إيطاليا وصقلية، وفي نهاية المطاف في بقيّة أنحاء أوروبا، كما تطوّرت الجامعات في المدن الأوروبيّة الكبرى خلال تلك الفترة، لكن القوى الدينيّة المتنافسة داخل الكنائس، بدأت النّضال من أجل تكريس السّيطرة على الحياة السياسيّة والفكريّة؛ وكانت القوى الرئيسيّة التي تأسست في تلك الفترة: الفرنسيسكان والدومينيكان.
أسس فرنسيس الأسيزي في عام 1209م الفرنسيسكان، الذين إلتزموا بالدفاع عن لاهوت أوغسطين وفلسفة أفلاطون وأفلوطين، وقالوا أن العقل لا يستطيع اكتشاف الحقيقة، إلا عندما تكون الفلسفة مضاءة بالإيمان الدّيني، أمّا النّظام الدومينيكي الذي أسّسه القديس دومينيك في عام 1215م، ركّز أكثر على استخدام العقل والاستفادة من المصادر الأرسطويّة الجديدة المستمدّة من الشّرق ومن إسبانيا؛ كان أهم وأبرز فلاسفة هذا النظام "توما الأكويني" الذي استعمل في النّهاية العقلانيّة اليونانيّة والعقيدة المسيحيّة لتعريف الفلسفة الكاثوليكيّة، ركّز الأكويني على العقل والحجج المنطقيّة، وكان أوّل من استعمل الترجمة الجّديدة للكتابة الميتافيزيقيّة والمعرفيّة لأرسطو.
البابا والملك في القرون الوسطى.. حاكمان في دولة واحدة:
لم تتميز القرون الوسطى التي امتدت من حوالي العام 400 بعد الميلاد إلى العام 1500، بنظام اجتماعي متجانس ومستقر، كما كانت الفروق الجغرافية عظيمة أيضاً، مع ذلك يمكننا، بشكل مجمل، أن نقول " إن نظام الحكم الرئيسي في القرون الوسطى كان نظاماً إقطاعياً بأشكال مختلفة، ونعني بذلك المجتمع الذي تكون فيه العلاقة بين الملك (أو الإمبراطور) وطبقة النبلاء لها صورة عقد متبادل مشترك، يمنح الملك بحسبه النبلاء (الأتباع) إقطاعيات، ويتعهد النبلاء مقابل ذلك بالدعم العسكري وبضرائب يقدمونها للملك.
وهناك أيضاً عقد بين الأتباع والفلاحين يقضي بأن يحمي التابع سكان إقطاعيته، على أن يقدم هؤلاء بدورهم جزءاً من المحصول للتابع "([18]).
" تَمَكَّنَ ذلك النظام الإقطاعي من أن يخلق ممالك قوية وضعيفة. غير أن الذي حدث هو أنه حوالي العام 1000 كان الاتجاه إجمالاً نحو تقوية سلطة الدولة، ومع إصلاح أنظمة الاديرة وانتشار النزعة الزهدية في اواخر القرن الحادي عشر (بعد الحملة الصليبية عام 1095)، أصبحت الحاجة إلى الحد بصورة أكثر نجعاً وتحديداً من دور تلك العلوم الدنيوية، ومن ثم تكريس الأفلاطونية الجديدة في إطار عقيدة التثليث المسيحي.
أما القرن الثاني عشر، فقد عَرفَ فيه الفكر تقدماً حثيثاً ومتنوعاً، صاخباً وملتبساً أيضاً: فمن جهة أولى حاجة ماسة إلى المذهبة والوحدة، تولدت عنها تلك الضروب من الموسوعات اللاهوتية التي عُرِفَت باسم الأحكام؛ ومن الجهة الثانية فضول عقلي كبير ترجم عن نفسه في بعض الأوساط بعودة إلى النزعة الأنسية القديمة "([19]).
هذه النزعة الانسانية المتوجة بنظرية في اللاهوت، نلقاها –كما يقول اميل برهييه- من جديد في كتاب السلطة السياسية الذي تتوج فيه الحكمة البشرية، الخلقية والسياسية، بنظرية في الحكومة الالهية، وهذا الكتاب مشرب، في قسمه الخلقي، بالرواقية، ولا جدال في أن هذا المذهب عرف، في ذلك العصر، انبعاثاً حقيقياً توافق مع النزعة الطبيعية، وفي موضع لاحق يثبت يوحنا السالسبوري، بحسب المذهب الرواقي الصحيح، أن "عناية الله لا تلغي طبيعة الاشياء، وأن سلسلة الاشياء(التي هي تعريف القدر بالذات) لا تحرف العناية الالهية"، ويقول يوحنا أيضاً: إن الدولة ينبغي ان تنظم على صورة الطبيعة؛ ويستشهد بهذا الخصوص، على سبيل النموذج الذي يحتذى، بوصف جمهورية النحل نقلاً عن الفلاحيات"([20]).
هذه النزعة الطبيعية، المشربة بالعقلانية الرواقية، تتواكب على وجه لافت للنظر بنظرية ثيوقراطية تُخْضِعْ السلطة الزمنية للسلطة الروحية، فإن "يكن الامير خادم الكهنة ودونهم مقاماً"، فذلك لأنه "من الثابت أن الأمير خاضع، بحكم الشريعة الالهية، لشريعة العدل"، فالكاهن هو اذن الترجمان الأول لتلك الشريعة الالهية التي "يتعين على الأمير أن يضعها دوماً نصب عينيه". وتترافق العقلانية والطبيعية وأولوية السلطة الروحية بصيغ من هذا القبيل: "ان الدولة جسم حي بفضل نعم الله، يوجهه العدل المطلق ويسوسه ضابط العقل"([21]).
وحوالي نهاية القرون الوسطى كان الملك هو المسيطر في أكثر الأحيان، حيث "ترسخت الدول المركزية، وصارت فيها السلطة القانونية كاملة بحلول القرن السابع عشر، ومتمركزة عند الملك الذي صار ملكاً مطلقاً، فبعد أن أصبحت المسيحية الدين المسيطر، حدثت تغيرات سياسية محددة كان لها وقع على الحياة السياسية في القرون الوسطى وفكرها، وتضافرت سلطتان، هما السلطة المدنية والسلطة الكنسية، وتطورت تلك السلطات، وتغيرت العلاقة بينهما بدءاً من القرن الرابع حتى نهاية القرون الوسطى "([22]).
" صحيح أن الكنيسة كانت في اغلب الأحيان تعظ رعاياها بالطاعة للحكام المدنيين، غير ان هذا اللجوء إلى طاعة الحكام المدنيين كان غامضاً، لأن الكنيسة تستطيع أن تسحبه إذا وجدت أن السلطات المدنية لا تطبق المعايير الأخلاقية والدينية، والنقطة الرئيسية هي أن الكنيسة، باعتبارها سلطة مستقلة نسبياً، لها من وقت إلى آخر السلطة السياسية اللازمة لمثل تلك العقوبات، أما نظرياً، فعلى الدولة والكنيسة أن يتعاونا. غير أنه لما كانتا سلطتين مستقلتين نسبياً، ولهما الرعايا نفسهم، فإن ما يحصل في اغلب الأحيان هو أن تنقسم ولاءات الناس، عندما يصعب تقديم ما يستحق البابا والإمبراطور معاً. وعملياً كان من المستحيل التمييز الحاد بين السلطتين المدنية والكنسية، أي: من لهم السلطة الروحية وحدها، لا بد لهم من أساس اقتصادي ليقوموا برسالتهم، فلا بد من أن يكون لهم مقدار معين من السلطة المدنية. ومن يمسكون بالسلطة المدنية، لابد من أن يكون لديهم سلطة روحية معينة، وبالتالي صارت المسيحية الدين السائد في مجتمع تحكمه سلطتان: الدولة والكنيسة، وكل عضو في المجتمع كان خاضعاً لهاتين السلطتين كليهما، فولاؤه مزدوج. غير أن العلاقة بين السلطتين كانت حبلى بالصراع"([23]).
([1]) إن أكثر ما تتحدث عنه المسيحية الشرقية هو المسيح، أما علم أوغسطين فيتحدث عن "الشخص الأول". يتحدث ويكتب عن الله الأب وإلى الله الأب، وهو لا يخلع على الله أوصافاً، لأن الله وحده هو الذي يعرف الله حق المعرفة ، والراجح أن الله الحق ليس بذكر ولا بأنثى، وليس له عمر ولا جسم، ولكن في وسعنا أن نعرف الله، معرفة أكيدة بمعنى ما، عن طريق خلقه، لأن كل شيء في العالم أعجوبة من أعظم العجائب في نظامها وفي وظيفتها، ولا يمكن أن توجد إلا إذا أوجدها عقل خلاق؛ وإن ما في الكائنات الحية من نظام، وتناسب، واتزان ، ليدل على وجود نوع من القدرة الإلهية الأفلاطونية يتوحد فيها الجمال والحكمة. ولا شيء يضطرنا إلى الاعتقاد بأن العالم خلق في ستة "أيام"؛ وأكبر الظن أن الله قد خلق في اول الأمر كتلة سديمية ، ولكن النظام البذري، أو المقدرة الانتاجية كانت كامنة في هذا النظام، ومن هذه المقدرة الانتاجية نشأت الأشياء كلها بعلل طبيعية. وكان أوغسطين يرى – كما يرى أفلاطون – أن ما في العالم من أشياء حقيقة وحوادث قد وجدت كلها أولا في عقل الله قبل أن توجد على سطح الأرض "كما يوجد تخطيط البناء في عقل المهندس قبل أن يقيمه"،ويحدث الخلق في الوقت المناسب حسب هذه الصور الأزلية الموجودة في العقل الإلهي. (ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "قيصر والمسيح" – المجلد السادس (11/12) – ص 143+144)
([2]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "قيصر والمسيح" – المجلد السادس – ص418
([3]) المرجع نفسه - ص 418
([4]) جون لويس – ترجمة: انور عبد الملك - مدخل إلى الفلسفة – دار الحقيقة – بيروت - الطبعة الثانية – 1973– ص 83
([5]) المرجع نفسه - ص 83
([6])اميل برهييه– تاريخ الفلسفة– الجزء الثالث: العصر الوسيط والنهضة– ترجمة: جورج طرابيشي– دار الطليعة– بيروت- الطبعة الأولى،1983 – الطبعة الثانية 1988– ص 21
([7]) المرجع نفسه – ص 22
([8]) جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة- ص124
([9]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م - ص 55
([10]) المرجع نفسه – ص 56
([11]) جون لويس - مرجع سبق ذكره - مدخل إلى الفلسفة – ص 83
([12]) د. حامد خليل - مرجع سبق ذكره – مشكلات فلسفية - ص 57
([13]) الصوفية "mystycism"وتطلق هذة الصفة على المؤمنين بقدرة الانسان على الدخول فى تماس مباشر مع الله وتذويب ذاته بالذات الإلهية.
([14]) كانت السكولائية Scholasticism ("المدرسة" ، من الكلمة اللاتينية SChola – مدرسة) التيار الرئيسي في فلسفة المجتمع الاقطاعي، دُرِّست هذه الفلسفة في المدارس أولا، ثم – منذ أوائل القرن الثاني عشر – في الجامعات ، وفي العصور اللاحقة أصبحت كلمة سكولائية (مدرسية) مرادفة للعلم المعزول عن الحياة، العقيم عمليا، البعيد عن التأمل والتجربة، والقائم على الانقياد الاعمى لمفكري الماضي، وقد مرت السكولائية بمراحل ثلاث:
(1) مرحلة السكولائية الباكرة (منذ القرن التاسع وحتى القرن الثاني عشر).
(2) مرحلة النضج (القرن الثالث عشر).
(3) مرحلة الانحطاط (القرن الرابع عشر – القرن الخامس عشر).
كانت مسألة العلاقة بين المعرفة والايمان المحور الاساسي للفلسفة السكولائية، والسكولائية تعطي الافضلية للايمان على العقل. كان ألبرت الاكبر، وتوما الأكويني من أشهر مفكري السكولائية في القرن الثالث عشر. (مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – جماعة من الأساتذة السوفيات– ص164+165)
([15]) ول ديورانت- قصة الفلسفة - بيروت-مكتبة المعارف-الطبعة الخامسة-1985- ص133
([16]) مرجع سبق ذكره - غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي - ص 244
([17]) المرجع نفسه - ص 245
([18])مرجع سبق ذكره - غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي - ص 247
([19]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة – الجزء الثالث: العصر الوسيط والنهضة – ترجمة: جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت - الطبعة الأولى، مايو 1983 – الطبعة الثانية يناير 1988–ص 61
([20]) المرجع نفسه - ص 104
([21]) المرجع نفسه - ص 105
([22]) مرجع سبق ذكره - غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي - ص 248
([23]) المرجع نفسه - ص 250+251

