Menu

نظرة على الجذور الدينية للفاشية الصهيونية

أحمد مصطفى جابر

تنزيل

ظهرت الصهيونية كايدلوجية عرقية لا عقلانية قائمة على أسس العضوية ووحدة الدم والقومية الشوفينية وفكرة الفولك، مع صعود اللاعقلانية الأوربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكن هذه الصهيونية لم تكن لتتمظهر بهذه البشاعة ولم تكن لتحصل على قوة دفع في صفوف عامة اليهود لو لم تكن ثمة عناصر أصيلة في الديانة اليهودية تدعم هذا النموذج وتقدم له إمكانيات النجاح عناصر تقوم على مكونات غيبية أسطورية تستند بعمق إلى فلسفة الإرهاب والعنف  والعرقية وكره الآخر واحتقاره وتمجيد الذات وتعظيمها، ونصوص هذه الديانة تبدو كأنها صادرة عن مريض نفسي مغرق في السادية ولا عقلاني، منتقم اجرامي ولا يمكن أن تصدر عن أي اله.

كانت العرقية منذ البدء موجودة في تعاليم أنبياء اليهودية فعلى سبيل المثال كرس عزرا الكاتب حياته الفكرية لوضع أسس عنصرية للدين مما أصبح يعرف باسم قوانين عزرا التي أكدت على توارث الدم اليهودي وعدم الزواج بالغير والانفصال عن الزوجة غير اليهودية وترحيلها مع أولادها المختلطي الدم[1] «أما الآن فلا تعطوا بناتكم لبنيهم ولا تأخذوا بناتهم لبنيكم ولا تطلبوا سلامتهم وخيرهم» (عزرا-9)، وهناك من الأدلة ما يكفي للبرهان على أن أنبياء إسرائيل لم يتوانوا عن التشديد على الخاصية العرقية والكبرياء القومي الإسرائيلي، إذ «من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب»(أشعيا-2).

وركائز هذه الايدلوجيا متعددة وأهمها:

1-    الاصطفاء: تتجسد هذه الركيزة في مقولة (شعب الله المختار) فاليهود هم الشعب الذي اختاره الاله (يهوا) شعبا خاصا له، وهكذا يتوحد تاريخ يهوه مع تاريخ الشعب، فلا يوجد تاريخ ليهوه خارج تاريخ الشعب ويهوه اله القبيلة الدموي يتبدى في الميثولوجيا اليهودية كاله مختار هو أيضا، اله الجنود المناسب تماما لنزوات المجموعة الشيطانية وجنونها، وهكذا تكتمل الأسطورة شعب مختار واله مختار وأرض مختارة، تعبيرا تاما عن الوحدة العضوية بين الشعب والأرض والدين، «لأنك شعب مقدس للرب إلهك، وقد اصطفاك الرب لتكون له شعبا خاصا، على جميع الشعوب التي على وجه الأرض»(تثنية/14/2)، والاختيار هو عهد الرب للمختارين «بل أخرج من يعقوب نسلا ومن يهوذا وارثا لجبالي فيرثها مختاري وتسكن عبيدي هناك»(اشعيا/65/9). و «أنا يهوه إلهكم الذي بزكم من الشعوب» (لاويين/20/6)

2-    الاستعلاء: فالشعب المختار هو أفضل وأعلى من غيره إذا جاز اعتبار الغير في مقام البشر وعلى الأقل يرفع هذا الشعب إلى مرتبة الآلهة «أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم» (مزمور 82) وهكذا لابد أن «يقف الأجانب يرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم، أما انتم فتعون كهنة الرب، تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتآمرون» (اشعيا/61/5).

3-    الأرض الموعودة: وهي  الأساس الديني للاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين «في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات»(تكوين/18/15) وتقديم الأرض الموعودة يصدر عن أمر الهي لأن الرب يرى أن هذا هو الحق «الآن قم فاعبر نهر الأردن أنت وجميع هؤلاء الشعب، إلى الأرض التي أنا معطيها لبني إسرائيل. كل مكان تطأه أخامص أرجلكم لك أعطيه كما قلت لموسى» (تكوين/17/8) . وقصة الأرض الموعودة هي فوق تفسير العقل، إنها لا تاريخية تتجاوز التاريخ، وتتبدى عن إله ظالم مبيد لا يعرف العدل.، وتستخدم الحركة الصهيونية هذه النصوص كما لو إنها صك ملكية شرعي أو نوع من سند (طابو) صادر عن يهوه صاحب الوحي الإلهي عند اليهود[2].

4-    فلسفة القوة النيتشوية: تتبدى القوة مقدسة عند أنبياء التوراة وهكذا هي في الصهيونية التي تتميز بالقسوة والعنف، حيث وضع موسى في نظرهم أسس التقاليد العسكرية الإسرائيلية التي سار عليها فيما بعد أحفاده، وبعده تولية يوشع بن نون المهمة وصار بعد ذلك بطلا إسرائيليا معاصرا. وتقديس القوة والعنف وسفك الدماء تتكرر في أسفار عديدة مثل (التثنية) الذي يضع قوانين الحرب وسفر يشوع وسفر صمويل الثاني والأول، وتلك مجرد أمثلة حيث كل أسفار التوراة تغص بالعبارات العنصرية العرقية. تصور الميثولوجيا اليهودية إن القوة مقدسة من الرب شخصيا حيث أن إسرائيل تمتلك قوة مقدسة باركها الرب كما يرد في سفر التثنية حيث تروى تلك الأسطورة السحيقة عن يهوه متعاركا مع يعقوب الذي ينجح في تثبيته حتى طلوع الفجر ولا يطلقه حتى يأخذ البركة منه ن وهذا الرب وفق الرواية اليهودية قاس لا يعرف الرحمة ويصلح كإله للمرتزقة إذا «الرب إلهك هو العابر أمامك نارا آكلة هو يبيدهم ويذلهم فتطردهم وتهلكهم سريعا كما كلمك الرب» (التثنية/9/3). إن إلها من هذا النوع سيعطي المبرر لعبيده أم يكونوا على صورته فكيف إذا كان هؤلاء العبيد هم شعبه المختار، والمفضل على الشعوب المقدر له أن يذلها ويبيدها «قومي ودوسي يا بنت صهيون، لأنني أجعل قرنك حديدا وأظلافك اجعلها نحاساً فتسحقين شعوبا كثيرة غنيمتهم للرب وثروتهم لسيد كل الأرض»(ميخا /4/13)

لا تقتصر النصوص ذات الطابع العرقي العنصري على التوراة بل نجدها تمتد للنصوص المقدسة التالية عليها زمنياً فثاني أهم كتاب لدى اليهود والأول لدى بعضهم (التلمود[3]) نجد فيه نصوصا أكثر بشاعة وقبحاً، وتعتبر تعليماته إلزامية وثابتة في جوهرها، وتصب في نفي أي قيمة للآخر غير اليهودي «الخارج عن دين اليهود حيوان على العموم، فسمه كلبا أو حمارا أو خنزيراً والنطفة التي هو منها نطفة حيوان.. وخلق الله الأجنبي على هيئة الإنسان ليكون لائقا لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لأجلهم»[4] .

إن العرق المختار هو الوحيد الذي يستحق الحياة لأن «العلي القدير يهوه نفسه أقر ذلك وأمر به» و «كل من يسفك دم شخص غير نقي –غير يهودي-عمله مقبول عند الله»[5]. وبالتالي يجب ابادة هؤلاء «.. يجب إزالتهم من سجل الأحياء».

إضافة لنصوص التلمود والتوراة الحافلة بكراهية الآخر والحض على إبادته فان المؤلفات الدينية اليهودية الأخرى لا تقل عن ذلك في هذا المضمار، حيث القتل ابادة العرق الآخر غير اليهودي هي المحور الأساسي الذي تدور حوله تلك النصوص، فوفقا لأحكام الديانة اليهودية وكما جاء في حاتاني الكتاب الأصول الشهير لحركة حباد أحد أهم فروع الحركة الحسيدية نجد أن «غير اليهود مخلوقات شيطانية ليس بداخلها أي شيء جيد على الإطلاق» والحركة الحسيدية عموما التي تمثل اليهود الأرثوذكس تعتبر كل «غير اليهود مخلوقات شيطانية تماما» [6]. وأقدم مجموعة من القانون التلمودي والتي تسمى ميشناة[7] توراة المكتوبة من قبل موسى بن ميمون في القرن الثاني عشر وكذلك مجموعة شولحان آروخ[8] التي ألفها الحاخام يوسف كارو في القرن السادس عشر فانه في حالة الحرب يجب قتل جميع المنتسبين إلى شعب معاد وهذا رأي جميع شراح اليهودية، وقد تم تعميم هذا في عام 1973 عقب الحرب في كتيب إرشادي صدر عن قيادة المنطقة الوسطى بعنوان (طهارة السلاح في ضوء الهالاخاة[9]) ورد فيه « عندما تلتقي قواتنا بمدنيين خلال الحرب أو خلال ملاحقة ساخنة أو غزو ولم يكن مؤكدا أن أولئك المدنيين غير قادرين على إيذاء قواتنا فوفق أحكام الهالاخاة يمكن لا بل يجب قتلهم والثقة بعربي غير جائزة في أي ظرف» و «أقتل الصالح من غير الإسرائيليين، محرم على اليهودي أن ينجي أحدا من باقي الأمم من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها، لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين» وتشير شولاميت آلوني وهي عضو حركة ميرتس ووزيرة سابقة إلى أن دعاية حركة حباد أعلاه زادت بصورة ملحوظة قبل اجتياح إسرائيل للبنان عام 1978 لحث الأطباء العسكريين والممرضين على عدم تقديم الإسعافات الطبية للجرحى الأغيار فـ «قواتنا مصرح لها بل هي مأمورة وفق أحكام الهالاخاة بأن تقتل حتى المدنيين الطيبين»[10].

 

[1] خالد القشطيني، الجذور التاريخية للعنصرية الصهيونية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 1981. ص12.

[2] عبد الغني عماد، فلسفة الارهاب وأيدلوجيا العنف من اليهودية إلى الصهيونية، في: الفكر العربي، عدد96، بيروت ربيع 1999، ص7.

[3] التلمود: : Talmud يشكل التراث الشفهي لتعاليم موسى، وقد أنتجت الحاخامية اليهودية تلمودين الأول يعرف باسم (التلمود البابلي) وهو الأشهر بينهما في العالم الغربي، وقد اكتمل تأليفه في القرن الخامس تقريباً، والثاني يعرف باسم (التلمود الفلسطيني) أو (تلمود القدس ) ويعتقد أنه حرر في أوائل القرن الرابع. وكلاهما يتضمنان شروحاً عن كتاب المشناة.

[4] عبد الغني عماد، سبق ذكره، ص53

[5] نفسه. ص46.

[6] أحمد مصطفى جابر، اليهود الشرقيون في اسرائيل: جدل الضحية والجلاد، دراسات استراتيجية 92ط1(أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 2004) ص41.

[7] مشناة: : وقد تكتب أحيانا بحذف الياء، mishnah كتاب يجمع 63 رسالة أشهرها رسالة (الآباء) التي تضم المبادئ الأخلاقية التي صاغها اثنان وسبعون من حكماء التراث اليهودي، جمعه وحرره  الحاخام يهودا هاناسي yehudah hanasi مع عدد من زملائه وتلاميذه في القرن الثالث الميلادي.

[8] شولحان آروخ: : بالعربية: المائدة المنضودة، مصنف تلمودي فقهي يحتوي سائر القواعد الدينية والتقليدية للسلوك، ويعد حتى اليوم المصنف المعول عليه بلا منازع للشريعة والعرف اليهوديين ويشار إليه باعتباره التلمود الأصغر، أعده جوزيف كارو ونشره عام 1565 مستندا الى العهد القديم والتلمود وآراء الحاخامات وفتاواهم، تعرض لنقد شديد من المتنورين اليهود ودعاة التحديث بسبب تشدد تعاليمه.

[9] الهالاخاة: تشير الكلمة إلى الصياغة المجددة للشريعة اليهودية والمصدر الأساسي للهالاخاة هو الشريعة المدونة والعرف الساري بين اليهود.

[10] أحمد مصطفى جابر، سبق ذكره، ص41-42