Menu

أداء اليسار المغربي خلال عقدين (2000 – 2020) قراءة نقدية

الدكتور علي بوطوالة

نشر هذا المقال في العدد 20 من مجلة الهدف الرقمية

تقديم

   هناك دائمًا صعوبة منهجية في عزل مرحلة تاريخية من مسار حركة سياسية وتقييمها، خاصة إذا تم تحديد هذه المرحلة بعقد من الزمن واقتطاعها من سياق تاريخي خاضع لدينامية الصراع الطبقي بمستوياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإيديولوجية، وفي تفاعل مستمر مع التطورات الجهوية والدولية. رغم هذه الصعوبة، سنحاول تقديم قراءة مختصرة لما عاشه اليسار المغربي بين 2000-2020 مركزين فيها على ما نعتقده جديرا بالإبراز والتسجيل من خلاصات ودروس تتعلق بأداء ستة أحزاب يسارية هي: حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، وحزب النهج الديمقراطي، وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

1) تداعيات حكومة توافق الكتلة الديمقراطية مع القصر (1998-2007)

لا يمكن فهم ما عاشه اليسار المغربي من مخاض، وما عرفه من تراجع كبير في شعبيته في العقدين الأخيرين، دون التذكير بالتداعيات السلبية لمشاركة حزبيه "الكبيرين" والتاريخيين في حكومة ما سمي بالتناوب التوافقي التي قادها الاتحاد الاشتراكي بزعامة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، بعد عقده لصفقة المغبون مع القصر سنة 1996. لقد قدم زعيم الاتحاد الاشتراكي آنذاك ضمانات على التزامه بالاتفاق مع القصر، من خلال توقيع المركزية النقابية المرتبطة به "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" على اتفاق فاتح غشت 1996 بين المركزيات النقابية والحكومة، وخاصة بدعوته مع أحزاب الكتلة الديمقراطية على التصويت بنعم في الاستفتاء على التعديل الدستوري في شتنبر من نفس السنة بعد حوالي ثلاثين سنة من مقاطعة الاستفتاءات على الدساتير الممنوحة، أي منذ 1962.

وهكذا وبعدما اطمأن الملك الراحل الحسن الثاني لاستعداد أحزاب الكتلة الديمقراطية للمساهمة في توفير أفضل الشروط لانتقال العرش لابنه بعد وفاته (لأنه كان متيقنًا من دنو أجله بسبب مرض السرطان القاتل الذي أصيب به)؛ شرع في تحضير شروط تكوين حكومة "تناوب" بين أحزاب المعارضة الديمقراطية، والأحزاب الموالية للقصر، بعد تعديل دستوري وانتخابات تشريعية. في هذا السياق سيتم تكليف الأستاذ اليوسفي بتشكيل الحكومة في 28 فبراير 1998، وبعد سنة وأربعة أشهر، توفي الملك الحسن الثاني، وسمي عهد ولده محمد السادس "بالعهد الجديد"، آملًا في تحقيق إصلاحات كبرى، وإحداث قطيعة مع ما عرف بسنوات الجمر والرصاص، وقد تمكنت الحكومة بالفعل من تحقيق التوازنات المالية بفضل مداخيل عمليات الخوصصة، وتشكلت هيأة "الإنصاف والمصالحة " لتعويض ضحايا القمع والاعتقالات خلال الفترة 1959- 1999، وصدر تقرير الخمسينية الشهير الذي وقف بالتحليل على الحصيلة السلبية للعهد السابق واقترح الخطوط العريضة للإصلاحات الهيكلية الضرورية، لكن القصر سرعان ما سينقلب على اتفاقه مع الكتلة الديمقراطية سنة 2002، رغم حصول الاتحاد الاشتراكي على المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية، ويعين شخصية موالية لتكوين حكومة جديدة. ورغم انتقاد قيادة هذا الحزب للخروج عن المنهجية الديمقراطية؛ إلا أنها قررت مع ذلك المشاركة في تلك الحكومة بدعوى مواصلة أوراش الإصلاح!

هكذا، وبعد تبخر وعود الإصلاح والتغيير في إطار الاستمرارية، وتغول لوبيات الفساد والاستبداد من جديد، أصيبت الأغلبية الساحقة من الشعب المغربي باليأس والإحباط، وغضب على أحزاب اليسار وتحميلها مسؤولية تزكية السياسات اللاشعبية واللاديمقراطية المتبعة، وتحول الرأي العام الشعبي لصالح تنظيمات الإسلام السياسي، خاصة وأن السياق الدولي المطبوع آنذاك بالغزو الأمريكي لأفغانستان و العراق واحتلالهما، سيجعل هذه الحركات تبدو بمثابة بديل لحركة التحرر الوطني العربية بكل مكوناتها الليبرالية، والقومية واليسارية على السواء.

كانت أولى التداعيات، حصول انشقاقات عمودية كبيرة في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي أولًا قبل تشكيل حكومة التوافق نفسها، بسبب إصرار جناحها اليميني على الموافقة على دستور 1996 والمشاركة في الحكومة باسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ثم حدث أخطر انشقاق في الإتحاد الاشتراكي، والمركزية النقابية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل سنة 2002. لم تتأخر التداعيات السلبية في الظهور، حيث تراجعت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية إلى أدنى مستوى لها (37%) من المسجلين في اللوائح الانتخابية.

حاولت تنظيمات أحزاب اليسار الراديكالي المعارض ومنذ 2004 إنقاذ الموقف بتوحيد أحزابها في إطار "تجمع اليسار الديمقراطي"، لكن هذا الأخير بدوره لم يتمكن من الاستمرار؛ بسبب الخلاف حول الموقف من انتخابات 2007 البرلمانية، حيث انفرد حزب النهج الديمقراطي بمقاطعة الانتخابات، بينما شكلت الأحزاب الثلاثة الأخرى، الحزب الاشتراكي الموحد، وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي؛ تحالف اليسار الديمقراطي الذي سيتحول إلى فيدرالية اليسار الديمقراطي منذ 23 مارس 2014. لقد كشفت نتائج انتخابات 2007 التراجع الكبير الذي عرفته أحزاب اليسار المغربي؛ سواء كانت مشاركة في الحكومة أو المعارضة لها، لأن حملة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي (الصحافة المستقلة)، حملت مسؤولية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية لليسار بالرغم من أن اختيارات القصر الخاضعة لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية هي التي جرى تطبيقها، لكن تزكية أكبر أحزاب اليسار لها؛ جعل اليسار بكل مكوناته ضحية لتداعياتها السلبية، ولم يلقَ خطاب اليسار المعارض أذانًا صاغية، خاصة في سيطرة الأحادية القطبية والعولمة المتوحشة، والثورة الرقمية، وتأثير الفضائيات الخليجية على الشعوب العربية.

2) الحراك الشعبي ل 20 فبراير أو الفرصة الضائعة

على غرار ما حدث في عدة بلدان عربية، وسمي بالربيع العربي الذي انطلق بالثورة الشعبية في تونس، بين منتصف دجنبر 2010 ومنتصف يناير 2011، ثم في مصر في 25 يناير 2011؛ انطلق حراك الشعب المغربي بالدعوة له من قبل مجموعة من الشباب التقدمي على وسائل التواصل الاجتماعي، وقدمت هذه المجموعة لائحة من عشرين مطلبا أهمها العدالة الاجتماعية، والتشغيل، والتوزيع العادل للثروة، واحترام حقوق الإنسان وإقامة ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، وهذا مطلب قديم لليسار المغربي؛ يعود إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، بعد الانتقال الذي حصل في أسبانيا من ديكتاتورية فرانكو إلى ملكية خوان كارلوس.

بعد انطلاق الحراك الشعبي بأسبوعين تقريبًا، بادر الملك محمد السادس، وفي خطوة استباقية، إلى إعلان قبوله بجل المطالب في خطاب 9 مارس 2011 الذي وصف بالتاريخي، وقرر بعد ذلك إطلاق الحوار على واجهتين: الواجهة الاجتماعية بحوار بين الحكومة والمركزيات النقابية، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، وعلى الواجهة السياسية بتكوين لجنتين، لجنة خبراء لصياغة مشروع دستور جديد، ولجنة سياسية من قادة الأحزاب السياسية بتأطير وتنسيق مستشار له للتوافق على مضامين الدستور الجديد وتدبير المرحلة الانتقالية، وترافق ذلك بحملة إعلامية واسعة النطاق في الإعلام العمومي، أُعطيت فيها الكلمة لجميع الفعاليات السياسية، بما في ذلك أقصى اليسار.

الحقيقة أن تداعيات الانتفاضات الشعبية العربية في اليمن والبحرين و ليبيا وسوريا التي تحولت بفعل التدخلات الخارجية إلى حرب طاحنة على السلطة، ستساهم في تراجع فئات من الطبقة الوسطى المغربية المتمثلة في قيادات وأطر المركزيات النقابية والأحزاب الوطنية الديمقراطية، عن المشاركة في الحراك ودعمه، خاصة بعد هيمنة شعارات التنظيمات الراديكالية الإسلامية واليسارية عليه في المسيرات الأسبوعية.

هكذا، وفي سياق التخوف والترقب لما يجري في بلدان المنطقة، توصلت لجنة الحوار الاجتماعي إلى اتفاق بمثابة حل وسط بين الحكومة والباطرونا من جهة، والمركزيات النقابية من جهة أخرى. كما أنهت لجنة صياغة مشروع الدستور الجديد عملها بنص طرح للنقاش العمومي قبل عرضه على الاستفتاء الشعبي في فاتح يوليوز 2011؛ المؤسف أن الأحزاب المحسوبة على الصف الديمقراطي لم تتشبث حتى بما أعلنه الملك من إصلاحات، وتراجعت مذعورة عن مطالبها التاريخية أمام تنامي المد الأصولي في المظاهرات. وقد قاطعت أحزاب اليسار الديمقراطي والكونفدرالية الديمقراطية للشغل ذلك الاستفتاء الذي كانت نتيجته محسومة سلفًا؛ بسبب ما عرفته العملية الإستفتائية من خروقات سافرة، وتجييش غير مسبوق، ساهمت فيه حتى الزوايا والجمعيات الدينية.

في هذا السياق، استغل حزب العدالة والتنمية الأصولي المعارض آنذاك، أجواء التخوف السائد لدى الدولة والنخب الاقتصادية، وعقد صفقة سياسية مع النظام، بتوليه قيادة الحكومة الجديدة مقابل تأييده للملكية التنفيذية وإسقاطه لمطلب الملكية البرلمانية، وقيامه بما سمي بالإصلاحات الاجتماعية التي تمثلت في التراجعات الحقوقية، والمكتسبات الاجتماعية التي حققتها الطبقة العاملة بعد عقود من الكفاح (الضمان الاجتماعي، ودعم المواد الأساسية، وصناديق التقاعد، مجانية الخدمات العمومية مثل التعليم العمومي والخدمات الصحية).

لقد بدأ الإجهاز التدريجي على ما تحقق بفضل حراك 20 فبراير، وحتى على مع تحقق من مكاسب جزئية خلال المرحلة السابقة بفضل كفاح اليسار وصموده في مواجهة القمع منذ 2011، أي في ظل أول حكومة يقودها الحزب الأصولي، ومع ذلك وهنا تكمن المفارقة، سيتمكن هذا الحزب من جديد من الحصول على أول رتبة في الانتخابات الجماعية لسنة 2015. وفي الانتخابات البرلمانية لسنة 2016! وذلك لسبب بسيط هو أن أحزاب اليسار لم تخرج من الدوخة الكبرى التي أصابتها منذ انهيار الإتحاد السوفياتي، وخاصة بعد فشل التناوب التوافقي في تحقيق الانتقال الديمقراطي، وخصوصًا بعد المخاض العسير لبداية القرن الذي انتهى بتشتت قوى اليسار، مما ساهم في انكماش قاعدتها الاجتماعية.

3) الحاجة للوحدة وإعادة البناء

لقد أضاع اليسار المغربي فرصة حراك 20 فبراير 2011 ليعود لساحة النضال بقوة، خاصة وأنه ظل لأربعة عقود يمثل القطب الأساسي في مواجهة القصر والدولة العميقة، وخاض مختلف أشكال التنظيم والنضال لتحقيق التغيير الجذري للنظام السياسي، بما في ذلك الكفاح المسلح (1973) والإضرابات العامة التي توجت بانتفاضات جماهيرية (1965- 1981 – 1990) ونضالات قطاعية لا حصر لها بما فيها الإضرابات عن الطعام للمعتقلين السياسيين. كل تلك النضالات سقط على إثرها شهداء، واعتقل الآلاف، ومع ذلك فشلت كل المشاريع الثورية لليسار المغربي، لكن رغم الفشل، تجسدت الحصيلة العامة للصراع في تعددية حزبية راسخة، ومكتسبات حقوقية واجتماعية لا بأس بها، مقارنة مع البلدان العربية والإفريقية، وهامش ديمقراطي يضيق ويتسع وفق تطور ميزان القوى.

وعلى المستوى الثقافي ساهمت كتابات عبد اللـه العروي ومحمد عابد الجابري وكمال عبد اللطيف وعبد الإله بلقزيز والخطيبي ومحمد سبيلا وآخرون، في توفر اليسار المغربي على مرجعية فكرية ونظرية تتميز بالتأصيل والاجتهاد عكس الدوغمائية التي سادت عند الحركة الشيوعية العربية.

في ظل الهامش الديمقراطي الذي ساد في العقدين الأخيرين عقدت كل أحزاب اليسار المعارض للحكم والحكومة ثلاث مؤتمرات على الأقل لكل منها، ونظمت وقفات وتظاهرات احتجاجية، ومهرجانات خطابية وندوات تكوينية إشعاعية من حين لآخر، خاصة في السنوات الأخيرة حدثت مناوشات مع السلطات المحلية وحتى على المستوى الوطني؛ بسبب منع بعض الأنشطة السياسية والحقوقية، لكن دون صدامات كبرى.

بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في المناطق التي عانت من الإقصاء والتهميش لعقود، لجأت الدولة بعد أسابيع على اندلاعها إلى القمع والاعتقال والمحاكمات الصورية التي صدرت عنها أحكام جائرة وقاسية في حق نشطاء الحراك، للعقاب ولتوجيه رسائل الردع والترهيب لمن يعنيهم الأمر من المناضلين اليساريين والحقوقيين، كما تمت متابعة الصحفيين المستقلين، والمدونين بعد إعلان حالة الطوارئ الصحية منذ بداية شهر مارس 2020.

لم تكن الأسباب الموضوعية وحدها عائقًا لتحقيق المشروع المجتمعي لليسار المغربي، فهناك أوهام كبرى لا زالت تكبل قواه، وتحول دون استعادته لمكانته التاريخية لدى الشعب المغربي، ورغم الحديث المتكرر، والكتابات العديدة حول أزمة هذا اليسار؛ إلا أن الهوة بين الخطاب والممارسة لا زالت عميقة، وأخطر من ذلك سوء تدبير الزمن السياسي الذي يتجلى في إجهاض مشاريعه الوحدوية.

أول هذه الأوهام أطروحة الإصلاح أو التغيير من الداخل، أي من داخل النسق الحكومي بالمشاركة في الحكومات المتعاقبة، بغض النظر عن اختياراتها وطبيعة رئاستها ومكوناتها، هذا الوهم قاد الأحزاب التي تتبناه إلى إفلاس، أو شبه إفلاس، لا نعتقد أنها ستتجاوزه في الأمد المنظور، وخدمت بذلك مصالح القوى المحافظة، بنوعيها الطبقية والدينية.

الوهم الثاني المعرقل لتوحيد قوى اليسار المغربي ونهوضه من جديد، يتمثل في خطاب "الثورة الآن"، أي في المراهنة الدائمة على التأثير السحري لتفاقم الأزمة الاجتماعية، والخطاب التحريضي المواكب لها لدفع الجماهير للاحتجاج العفوي والانتفاضة في غياب شروط التنظيم والتأطير التي تشدد عليها جميع أدبيات اليسار، هكذا تضخم الحديث عن "السيرورات الثورية" وكأنها خاضعة لقانون فيزيائي، يكفي القيادة الثورية نشر نداء تلو الآخر، لتتحقق الثورة المظفرة. وطبعًا يتم تبخيس أي نضال ديمقراطي وحصره على البعد الجماهيري المطلبي والاحتجاجي، في تجاهل تام لأية مردودية ممكنة للنضال المؤسساتي في تحقيق التراكم الإيجابي في الصراع الطبقي ضدا على كل دروس التجارب الثورية.

الوهم الثالث الذي حال ولا زال يعرقل توحيد اليسار وإعادة بنائه رغم دروس التجارب العديدة، الناجحة والفاشلة في العالم، وهم الانفراد الحزبي بالزعامة أو بالقيادة الثورية، ويتمظهر هذا الوهم في تنظيرات وممارسات تجاوزها الزمن، وأصبحت مثل الأدوية المنتهية الصلاحية، تراكم الإحباط والفشل، ومع ذلك يتباهى أصحابها بما حققوه من "إنجازات" خيالية.

إن استعادة اليسار المغربي لفعاليته النضالية، ومكانته الاعتبارية في المجتمع تمر أولًا، وقبل كل شيء، بمصداقية خطابه السياسي، وتجاوز أزمة الثقة بين مكوناته، وجماهير الشباب المغربي الذي يحتج وينتفض من أجل الشغل والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، كما حدث بالمناطق التي تعاني الإقصاء والتهميش في الريف والمغرب الشرقي، وجنوب البلاد. والجدير بالذكر أن تلك الاحتجاجات انفجرت مباشرة بعد انتخابات 2016 التي تميزت بالحماس الذي طبع الحملة الانتخابية لفيدرالية اليسار الديمقراطي، والذي لم يترجم إلى نتائج بسبب وجود آلاف الشباب خارج اللوائح الانتخابية؛ طبعًا لم يكن هناك وهم بتحقيق "قفزة كبرى" تغير موازين القوى، ولكن مع ذلك انتعش الأمل لدى مناضلي اليسار الديمقراطي وأنصاره في نهوض جماهيري لليسار لمواجهة الدولة العميقة، والحركة الأصولية معا.

على الواجهتين العربية والدولية؛ انخرطت بعض مكونات اليسار المغربي في اللقاء اليساري العربي منذ 2009 الذي عقد إحدى ندواته الناجحة بالمغرب سنة 2017، وفي الجبهة العربية التقدمية التي عقدت مؤتمرها الأول بطنجة في نهاية شهر أكتوبر 2019 في استضافة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وفي المحصلة كانت مساهمات حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وحزب النهج الديمقراطي على مستوى العلاقات الخارجية مع الأحزاب اليسارية أكثر بروزًا خلال العقد المنصرم، وهي تترجم بالتأكيد قناعة الحزبين بالنضال ضد الصهيونية والإمبريالية والعولمة الليبرالية المتوحشة جنبًا إلى جنب مع قوى اليسار في العالم.

4) اليسار المغربي والقضية الفلسطينية

منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي اعتبرت أحزاب اليسار المغربي القضية الفلسطينية قضية وطنية، وقد كان الشهيد المهدي بن بركة؛ أبرز قادة هذا اليسار، أول من نبّه في محاضرة شهيرة له بالقاهرة في نهاية مارس 1965 لخطر التغلغل الصهيوني في إفريقيا، وكون إسرائيل أداة بيد الاستعمار الجديد والإمبريالي لضرب الثورة العربية وتعطيل مشروعها، والجدير بالذكر أن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، قد ساهمت بفعّالية مع المخابرات المغربية في اختطافه واغتياله بباريس بعد ستة أشهر من ذلك الاختطاف.

بعد نكسة 1967 وتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، التحق عدد من مناضلي الجناح اليساري لحزب المهدي بن بركة (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية آنذاك)، بصفوف منظمات المقاومة الفلسطينية؛ سقط منهم العديد من الشهداء، كالمهندس حسين الطنجاوي، وعبد الرحمان أمزغار، وابراهيم الداسر، ومصطفى الصديقي، والركراكي النومري، وتلقى أغلبهم تدريبات عسكرية في صفوف فصائل الثورة الفلسطينية، وفي سوريا وليبيا في إطار التحضير لانتفاضة مسلحة بالمغرب في بداية السبعينيات من القرن الماضي، تلك الانتفاضة التي فشلت؛ بسبب الخيانة والإجهاض، وخلّفت عشرات الشهداء ومئات المعتقلين من خيرة مناضلي وأطر يسار الاتحاد الذي أصبح يحمل فيما بعد اسم حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

في نفس السياق تأسست سنة 1970 منظمات اليسار الجديد التي تأثرت كثيرًا باليسار الفلسطيني في توجهاتها الأيديولوجية والسياسية، وفي نفس الفترة تأسست الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني من كل مكونات الصف الوطني الديمقراطي، وقد لعبت هذه الجمعية دورًا كبيرًا في تحضير وخوض الأنشطة النضالية المتعلقة بدعم كفاح الشعب الفلسطيني، مثل: المهرجانات الحاشدة، وجمع التبرعات وتنظيم مسيرات مليونية.

في العقدين  والنصف الأخيرين وبعد اتفاق أوسلو بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل برعاية أمريكية، بادرت مكونات اليسار المغربي بالتعاون مع فعاليات مدنية وسياسية إلى تأسيس تنظيمات أخرى لدعم الكفاح الفلسطيني ومحاربة التطبيع، مثل: المرصد المغربي لمحاربة التطبيع، ومجموعة العمل الوطني لدعم فلسطين، وشبكة التضامن مع الشعوب، هذه التنظيمات نظمت أنشطة متعددة للتنديد باتفاقيات الخيانة والتطبيع التي وقعتها البحرين والإمارات و السودان رغم ظروف حالة الطوارئ الصحية التي أصبح يخضع لها المغرب منذ بداية مارس 2020.