أحمد مصطفى جابر
مسعى البحث
تفترض الدراسات الكلاسيكية أن باب التاريخ قد أغلق تمامًا في وجه الفاشية وتشكلاتها الدولتية مع سقوط الرايخ الثالث في قبضة الحلفاء وانتحار هتلر وإعدام موسوليني في شوارع روما.
إن مسعى هذا البحث الذي يأتي على حلقات منفصلة ومتكاملة، يرتكز على سؤال ربما بدا بسيطًا للغاية: هل حقًا أسدل الستار على هذه الظاهرة المريعة؟ في الإجابة سيعمل البحث على إعادة تصنيف الصهيونية باعتبارها حركة فاشية، ودولة إسرائيل باعتبارها نموذجًا جديدًا للفاشية غير مسبوق.
في التعريف والمنهج:
تفترض المناهج المدرسية دائمًا –على الأغلب- ضرورة استهلال أي بحث بتعريف المصطلحات التي نعمل عليها، علي أن أحسم ومن الآن اتفاقي مع جون كوتنغهام(1) بأن هذا التوجه لا يملك إلا القليل جدًا من المبررات التي تزكيه.
ربما تكون المقولة السابقة مفيدة وناجعة في العلوم التجريبية، ولكنها تبدو غير منتجة وغير ذات قيمة في العلوم الاجتماعية التي تسعى إلى دراسة تحليلية ومعمقة وبأوسع مجال ممكن في ذات الوقت أفقيًا وعموديًا لظاهرة من الظواهر.
وفي الحديث عن الفاشية أود أولا التذكير بتحذير تولياتي الشهير(2) من اعتبار الأيدلوجية الفاشية شيئًا منتهيًا، متجانسًا ومكونًا بصلابة، «فلا شيء يشبه الحرباء كالأيدلوجية الفاشية». فالتحديد كما نرى يبدو بشكل واضح قاتلًا لأي بحث عميق وبعيد عن الشكلية المدرسية، حيث الظاهرة الاجتماعية ليست حدثًا فيزيائيًا ثابتًا في الزمان والمكان، وإنما هي متحركة في الزمان والمكان والظرف الموضوعي الشامل في مكوناته البشرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية. وبالتالي فان الإحاطة بهذه الظاهرة في محاولة التعرف عليها –وليس وضع تعريفًا لها- يقتضي النظر مفصلًا إلى الأساليب والوسائل والنظريات والممارسات. إذ ليس هدف البحث أن يصف الأشياء كما هي وإنما الذهاب إلى وراء الصور المعلنة لفهم البنية الأساسية التي تؤدي إلى إصدار هذه الصورة، ليس فقط الكلام عن كيف يسلك الناس، وإنما فهم كيف يفكرون ويفسرون ويحكمون على العالم.
فالمنهج الذي نعتمده في هذا العمل هو منهج مزدوج يرتكز في شقه الأول على البحث في تاريخ الفكرة الصهيونية ومصادرها ومكوناتها الثابتة والمتحولة، وعوامل نشأتها والتأثير فيها والظروف التي تحيل إليها ووضعها في سياقها الطبيعي لظهور وتطور العدمية اللاعقلانية والفاشية الأوربية، ويرتكز في شقه الثاني على فحص السلوك والممارسات التي قامت بها الحركة الصهيونية في سبيل تحقيق أهدافها وربطه بالأيدلوجيا كوحدة متكاملة.
إن ما يشجعنا على هذا المنهج في التعرف على الفاشية ليست الرغبة الذاتية، بل في الحقيقة إن غياب الإجماع حول تعريف محدد لهذه الظاهرة يعطي هذا التحليل مصداقيته وجدواه، حيث من النادر أن يلتقي باحثان حول تعريف واحد للفاشية، وبالتالي فإننا نميل لاعتبار كل التعريفات الواردة في كلاسيكيات الدراسات السياسية صحيحة في سياقها الخاص واجتهادات حاولت التركيز على اللحظة أو الظاهر والشائع من هذه الظاهرة. ومن دون الغوص عميقًا في المكونات التي تجعل منها بنية شديدة التغير والتقلب ومع هذا تحافظ على جوهرها الذي تنوي هذه الدراسة العمل عليه. وقبل المضي قدمًا سنتوقف أمام التعريفات الكلاسيكية والأكثر شهرة للفاشية:
يعرفها بالميرو تولياتي(3) بأنها «أيدلوجية انتقائية تجريبية تتمحور حول عنصر التعصب القومي أو الديني أو الطائفي، هذه الأيدلوجية ذات العناصر غير المنسجمة المتغيرة من بلد لآخر هي الأداة الضرورية لجمع تيارات مختلفة في الصراع من أجل فرض الديكتاتورية والإرهاب على الجماهير الكادحة بالاستناد إلى حركة جماهيرية واسعة».
وفي برنامج الحزب الشيوعي السوفييتي(4) فإن الفاشية fascism «ديكتاتورية إرهابية صريحة، من أشد عناصر رأس المال المالي رجعية وشوفينية وإمبريالية» وتضيف الموسوعة الفلسفية(5) بأن "تأسيس الفاشية يعكس عجز البرجوازية الحاكمة عن الاحتفاظ بسلطتها بالوسائل الديمقراطية العادية، وتتزعم الفاشية القوى المناهضة للشيوعية وهي توجه ضربتها الأساسية ضد الأحزاب الشيوعية والعمالية والمنظمات التقدمية الأخرى".
وقد وصفها ديمتروف(6) بأنها«ديكتاتورية إرهابية صريحة لأشد العناصر رجعية وشوفينية وأشد قوى رأس المال المالي إمبريالية، تغيير في شكل الدولة يأتي عقب صراع حاد في صفوف البرجوازية ذاتها ومع أحزابها التقليدية بوجه خاص».
نلمس بوضوح أن الفاشية كمصطلح وممارسة لا تحيل إلى منظومة فكرية سياسية ثقافية متجانسة، إنها خليط انتقائي من أفكار مختلفة وما يوحدها هو الجذر العام لمكوناتها الأساسية.
ومن الممكن أن تكون نظامًا شموليًا يتحكم فيه زعيم وحيد يصادر الشعب والدولة وطاقاتهما أو تكون نظامًا عسكريًا سياسيًا يتحكم في كل نواحي الحياة الاجتماعية، حيث تجند القيم الفردية لخدمة الدولة ومن أجلها، ومن الممكن أن تكون ديمقراطية مخادعة أو توتاليتارية مموهة بتعددية حزبية صورية، إنها ظاهرة متحولة حربائية شديدة التلون ليست نموذجًا ثابتًا أو قالبًا متكررًا أو وضعًا قبليًا. هي ظاهرة سياسية تنشأ في سياق اجتماعي سياسي اقتصادي تاريخي وثقافي مخصوص وتتمظهر في سياقها الخاص مع الظروف والعوامل الخاصة بالمجتمع المحدد، وبالتالي لا بد من دراسة الفاشية باعتبارها فاشيات كما يقترح ديمتري(7) ضمن سياقاتها الخاصة.
ولا شك أن منهجًا حصيفًا في البحث سيضعنا أمام حقيقة أن الظروف الموضوعية الخاصة تخلق أشكالًا وتنوعات عدة للفاشية. فإذا كانت فاشيات ما بين الحربين قد عبرت عن نفسها بشكل فج ووحشي وصريح بدون تمويه أو تخف، فإن الفاشيات الحديثة تعمل وتنجح في ما تهدف وتنحى إليه إلى تقديم نفسها وراء أقنعة زائفة سواء كانت الدين أو المجتمع أو الديمقراطية نفسها. وهكذا فان لوحة فاشيات ما بين الحربين تمثل في الواقع الصورة المكبرة والواضحة لما يجري اليوم وراء الأقنعة، والدارس لتاريخ الفلسفة اللاعقلانية يلحظ المسار الطبيعي لصعود الفكر الفاشي عبر عناصره الأساسية، بغض النظر عن الأسماء التي يختارها أصحابها لإعلان هذه الأفكار وتجسيدها لاحقًا.
المبحث الأول
في مصادر الفاشية
لا تنشأ الفاشية من العدم، وهي ليست نوعًا من موضة سياسية، أو وليدة لحظة راهنة، انقلابية، إنما هي ظاهرة اجتماعية – سياسية، نامية وتاريخية، لها تمظهراتها في المجتمع والسياسة والاقتصاد والفكر، تنبع وتتشكل من مصادر متعددة تجتمع معًا لتتبلور في لحظة حاسمة وعند عتبة فارقة معينة، فيما يمكن أن نسميها بالفاشية.
وقبل الخوض في هذا العنوان، لا بد من الإشارة إلى أنه ليس كل ما يعد مصدرًا للفاشية هو عامل يحمل سلبية في ذاته، لأن تاريخ الأفكار عمومًا يعلمنا أن الفكرة هي بنت لحظتها التاريخية وسياقها الخاص، ولا يجوز محاكمتها إلا ضمن البنية التي صدرت عنها، أما أشكال ترجمتها أو استعمالها اللاحق فيتحمل مسؤوليته المستعملون اللاحقون ضمن سياقهم التاريخي المحدد.
العنصرية: التفوق، العرق والقوة
اعتاد أفلاطون القول(8) «الشكر لله الذي خلقني يونانيًا لا بربريًا، حرًا لا عبدًا، رجلًا لا امرأة"، أما نيتشه فيعلن(9) حقًا إنني أسخر كثيرًا من الضعفاء الذين يظنون أنفسهم صالحين، لأنهم ليس لديهم مخالب لينشبوها».
تستند الفاشية بالأساس إلى جملة من العناصر المختلفة، ولكن الأساس هو نظام أفكار ينشأ عنه تقسيم العالم والإنسانية إلى مراتب متفاوتة عبر سلسلة لا منتهية من الفوارق التي يجري البحث عنها وتصنيفها وتحويلها إلى قانون للاختلاف ومقياس للأفضلية. الجرثومة الأصلية هنا هي فكرة التفوق؛ الأنا المتميز في مواجهة العالم الأقل قيمة، وبالتالي سنجد أن الاقتصاد وحده والتحليل الاقتصادي وحده لا يكفي أن يكون تفسيرًا أساسيًا لهذه الظاهرة، فالرأسمالية لا تكفي وحدها لإنتاج الفاشية والعرقية وهي بكلمات تشومسكي(10) مرتبطة بالاضطهاد «ذلك هو فسادهم، يجب أن يكون هناك شيء ما متعلق بهم، من شأنه أن يجعلهم مختلفين عني.. عند ذلك يصبح الأمر عرقية... باستطاعتك دائمًا أن تجد شيئًا ما، اختلاف في لون العينين أو أنهم بدناء.. مستهترون.. الخ». تلك هي المعادلة نفسها التي استخدمها هتلر في وضعه الآرية في مواجهة العالم، والتي استخدمها بوش ثم ترامب والنظام الأمريكي في تقسيم العالم بين معسكر الشر ومعسكر الخير، وإسرائيل ومقولاتها عن اليهود مقابل الغوييم (شرح 1)، والإسرائيلي المتحضر مقابل العربي القذر، وللمفارقة أنها نفسها كلمات بن لادن عن فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر (شرح2).
[شرح 1/ غوييم: جمع. مفردها غوي، وهي كلمة عبرية دلت قديمًا على الحشرات والهوام التي تزحف بجموع كبيرة، وتستخدم مكررة مرتين من باب التأكيد، فيقال "غوي غوي" ومنه اللغة العربية لفظ "غوغاء" ومعناه جموع الجراد ونحوها، وانتقلت دلالة اللفظ لتشير إلى العدد الكثير من الناس المختلطين، ثم دلت على السوقة والأشرار، وفي العبرية سلكت اللفظة ذات الطريق، وخصصت للإشارة إلى الناس جميعًا من غير اليهود. وتوسع أحبار اليهود فأضافوا معنى القذارة المادية والروحية والكفر. وفي ملاحظة مهمة، يشير نبيه بشير (عودة إلى التاريخ المقدس-الحريدية والصهيونية: دمشق دار قدمس-2005) أن صيغة الجمع غوييم لم يعن بها في التوراة فقط الشعوب غير اليهود أو الأغيار كما تستخدم اليوم، وإنما كانت مرادفة لكلمة (عميم) أي شعوب ومفردها (عام) وقد وصف بها بني إسرائيل في سفر الخروج، والاختلاف بين (غوي) و(عام) بالإشارة إلى اليهود يشير إلى أن جوهر الاختلاف نابع من استعمال كلمة (غوي) للإشارة إلى التعبير القومي للمجموعة والانتماء البيولوجي، أما كلمة (عام) فقد جاءت للإشارة إلى العلاقة الروحانية التاريخية، فقبل نزول التوراة سمي اليهود (غوي كدوش) وبعد التوراة (عام كدوش) أي شعب مقدس عبر ربطهم بالعلاقة الروحية الدينية].
[شرح 2/ يرتبط هذا التقسيم بصورة العدو، التي يمكن تعريفها بأنها صورة مشتركة بين أعضاء جماعة معينة تتسم بنزع الطابع الإنساني عن هذا الآخر، ونوع من التنميط القائم على الاختزال والتضخيم والتحيز والتعميم، وعادة ما تشتق من مزيج من أفعال وتصريحات هذا العدو وإدراكات المتلقي، وهو ما يعني خليطًا من الثقة في بعض الجوانب والتحيز في جوانب أخرى، وشيطنة الآخر ونزع إنسانيته هي إحدى الأنماط الرئيسية لصناعة صورة العدو].
ثمة جدل كبير يدور حول مصطلح العنصرية، حيث تشير الكلمة إلى مدلولات متعددة ومفاهيم غاية في الاختلاف تتشعب أيضًا إلى فروقات جديدة مرتبطة أو غير مرتبطة متواجدة معًا أو بشكل مستقل. وفي المفهوم الدارج عمومًا، فإن الكلمة تشير إلى ميدانين للواقع مختلفين(11)؛ يتعلق الأمر من جهة بسلوك يتكون على الأغلب من حقد واحتقار تجاه أشخاص من ذوي خاصيات جسدية محددة جدًا أو مختلفة عن خاصياتنا، ومن جهة أخرى بأيدلوجية؛ بمذهب متعلق بالعروق البشرية، ولا يتواجد الاثنان معًا بالضرورة في الوقت نفسه، فمن الممكن أن ينحو الاتجاه الثاني منحى علميًا صرفًا، كما أن من الممكن أن يكون الاتجاه الأول محمولًا من الأبيض أو الأصفر أو الأسود على حد سواء.
وهنا نميز بين العنصري المادي والأيدلوجي؛ فالعنصري المادي ليس منظرًا، إنه غير قادر على تبرير سلوكه من خلال حجج علمية، فالأبيض العادي من مواطني جنوب الولايات المتحدة لم يكن قادرًا في الأغلب على التفسير لماذا هو أفضل من الأسود، ولماذا الأخير هو العبد، وليس العكس.
وبالمثل فان أيدلوجي الأعراق ليس عنصريًا بالضرورة، بالمعنى الدارج، فقد تبقى أرائه النظرية دون أدنى تأثير في أفعاله، وقد لا تشتمل نظريته على مقياس الأفضلية، وفكرة وجود أعراق عليا وأخرى دنيا، وإن كنا نتفق مع تودوروف أن العنصرية سلوك قديم وذو امتداد شمولي، فإن آراؤه حول حداثة العنصراوية باعتبارها حركة فكرية ولدت في أوربا الغربية منتصف القرن الثامن عشر، تحتاج إلى مراجعة عميقة في تاريخ الأفكار منذ أفلاطون.
[شرح1/ هذا السياق وللتمييز بين الاتجاهين يقترح تودوروف تمييزًا بين "عنصرية" كاصطلاح يشير إلى السلوك و "عنصراوية" كاصطلاح مخصص للمذاهب، طبعًا عندما تستند العنصرية إلى عنصراوية، ستكون لها نتائج كارثية، كما هو حال ألمانيا النازية والكيان الصهيوني والفاشية العسكرية اليابانية وغيرها كثير].
ولا شك أن المذهب العنصراوي بمعناه الحديث؛ مرتبط منذ بداياته بمجيء العلوم أو بدقة أكبر بمجيء المذهب العلموي، واستخدام العلم لتأسيس أيدلوجية(12). وإذا كان العصر العلموي أو زمن نشوء المذهب العلموي مرتبطًا بعصر التنوير، فإن معظم المؤلفات التاريخية الغربية والأوربية تربط أيضًا العنصرية بالتنوير، وحسب باتريك وولف(13) فان مسألة السلالة ارتبطت بجانبين في خطاب التنوير: الأول معرفي، حيث كانت السمة الرئيسية للتنوير بالطبع هي «القاعدة التصنيفية التي عززت الأنظمة التصنيفية، لكارل لينايوس Linnaeus وجورج لويس بوفون Buffon وجوهان بلومنباخ Blumenbaach وجورج كيفييه Cuvier حيث أنه ورغم أن البناء الهرمي لهذه الأنظمة، قد منحها فائدة أيدلوجية في مجالات الهيمنة الاجتماعية، فلم تكن هنالك صلة ضرورية بين التصنيفات الهرمية والمساواة الشكلية التي ميزت المواطنة بالنسبة للنظرية الديمقراطية الليبرالية، ولكن بسبب جودة التصنيف، فإن العنصرية قد وفرت الحدود الفئوية التي ضمنت استثناء حائزي حقوق الإنسان الجدد وقد منح ذلك، التكتل السياسي الجفرسوني ذو الأيدلوجية السياسية البرجوازية والعلم الطبيعي التصنيفي ذو السلطة والمعرفة؛ منح العنصرية أداتها المعرفية الفريدة في فكر التنوير وما بعد التنوير».
والفاشية تستند على فكرة التفوق معتمدة أيدلوجيا العرقية التي تعتمد بدورها على وجود (الأنا) المتفوق والآخر (الخاضع). ويرتكز المذهب التمييزي العنصري(14) على أربع محددات أو عناصر: أولها وجود العروق، وأصحاب هذا المذهب يعتبرونه أمرًا واقعًا، وهم ضد الاختلاط بين الأعراق وينزعون للمحافظة عليها نقية غير مختلطة، يتجسد ذلك بالممارسة العملية في رفض دائم ومنتظم للزواج المختلط (التهاجن حسب جوبينو)(15) في نزعة تشاؤمية تهدد بفناء العرق ومحوه، ورغم أن هتلر لم يكن تشاؤميًا؛ إلا أنه استخدم هذه المقولة في التعبئة النازية في ألمانيا.
وهكذا يرى بوفون(16) «في القمة توجد أمم أوربا الشمالية، وتحتها مباشرة الأوربيون الآخرون، ومن ثم تأتي شعوب أفريقيا وتمامًا في أسفل السلم يظهر المتوحشون الأمريكيون» ويتخذ بوفون من الأوربيين نقطة ثابتة للمقارنة؛ تسمح بتحديد المسافة التي تفصل الشعوب الأخرى عن الكمال، أرنست رينان بدوره يثبت الفكرة(17). «تثبت التجربة أن كل شعب موجود في مواجهة شعب أعلى محكوم عليه لا محالة بالزوال القريب»، لم يعتبر جوبينو(18) أن العروق مختلفة فحسب، بل إنها أيضًا تتراتب تبعًا لسلم وحيد «عدم تساوي العروق كاف لشرح كل تتابع مصائر الشعوب».
المرتكز الثاني للعنصرية، هو الاستمرار الجسدي والأخلاقي؛ فالعالم يقسم إلى عروق ارتباطًا بتقسيمه إلى ثقافات، واختلاف الثقافات دليل على تمايز الشعوب ودرجاتها ضمن معايير يضعها المصنف طبعًا، وثالث المرتكزات أن الجماعة مقدمة على الفرد ومؤثرة عليه؛ فالعنصرية معادية للأيدلوجية الفردية، والفرد مكرس للجماعة ولا يحصل على قيمة؛ إلا من خلال انتمائه إليها، وكان بوفون قد أكد وكرس هذه القاعدة في كتابه (التاريخ الطبيعي)(19)، حيث رغم تأكيده على وحدة الجنس البشري يؤكد على التراتب الداخلي لهذا الجنس وبكلماته «بما أن البشر ينتمون إلى نوع واحد، سنتمكن من الحكم عليهم كلهم استنادًا إلى المعايير نفسها، وهكذا سيكون في مقدورنا أن نجدهم مختلفين، وأن نجد بعضهم يتفوق على البعض الآخر، كل أمة ليس فيها قاعدة، ولا قانون ولا سيد ولا مجتمع اعتيادي ليست أمة بقدر ما هي تجمع صاخب لبشر برابرة ومستقلين لا يخضعون إلا لأهوائهم الخاصة». وعند بوفون فإن البربري يعادل المستقل ويعادل اللا اجتماعي.
رابع مرتكزات النظام الفكري العنصري أن ثمة تراتبًا وحيدًا للقيم؛ فالعروق عليها أن تكون دنيا وعليا والعلاقات هي علاقات الأفضلية، وليس التوازن والمساواة.
وبالنسبة لمصطلح (عرق) فقد كان فرانسوا بيرنيه أول من استخدمه بالمعنى الحديث (شرح 1) عام 1664 (20) ، ويعيد أديب ديمتري(21) بدايات نشوء مفاهيم العرقية إلى نشوء طبيعي في خضم الصراع الذي شنته الرجعية الأوربية الإقطاعية ضد الثورة الفرنسية، في ذلك الوقت أصبحت البيولوجيا بوجه خاص نقطة انطلاق للأيدولوجيا الرجعية المستندة على الداروينية الاجتماعية التي اعتبرت المجتمع كائنًا عضويًا ينمو طبيعيًا ومؤلف من عناصر متجانسة، ومتوافقة، ويمكن أيضًا إعادتها تحديدًا إلى بداية القرن الثامن عشر، عندما كتب كونت بولينفليه Boulainvilliers عام 1727 كتابًا يردد فيه مزاعم النبالة الفرنسية، بأنها وريث عنصر الفرانك السائد، بينما بقية السكان ينحدرون من الغاليين المخضعين، فثمة عرقان مختلفان كيفًا(22)، وهذه المزاعم سابقة على مزاعم جوبينو الذي كتب مقالته في عدم المساواة بين الأجناس في ظل رجعية نابليون الثالث بعد هزيمة 1848، وقد وصف توكفيل (صديقه الحميم) الكتاب بأنه يخدم مصالح ملاك العبيد في جنوب أمريكا، وهذا ليس بعيدًا عن الحقيقة، بل لعله أحد غايات جوبينو غير المباشرة، بمعرفة أن فكرة الاختلاف والاستعباد والعرقية ومعظم نظرياتها مرتبطة بالفتح، وللمفارقة أنها جاءت متوائمة مع عصر التنوير والفتوحات، حيث ومنذ القرن السادس عشر اعتبرت العبودية ظاهرة طبيعية يتضمنها قانون الغزو والفتح، وكانت التوراة للمفارقة هي الحجة أمام الغزاة والفاتحين لتبرير مقولاتهم، وكذلك أيضًا ما أكده أرسطو في كتابه: السياسة "حول (شرعية الرق)، بل أيضًا توما الإكويني الذي دعا إلى استعباد اليهود والهراطقة، فلم يكن غريبًا أن يصدر البابا نيقولا الخامس عام 1510 قرارًا بابويًا؛ يصرح فيه للبرتغاليين بمهاجمة العرب والمغاربة وإخضاعهم واستعبادهم(23).
[شرح 1/ يذكر نبيه بشير أن من أوائل من توقفوا عند التصنيفات العرقية للبشرية الباحث السويدي كارلوس ليناوس carolus Linnaeus (1707-1778) والذي قسم البشرية الى أربعة أصناف ومد كل منها بمميزات بيولوجية وأخرى خلقية، ويعد كتابه (منهجية الطبيعة) أول كتاب يبحث في العرقية بوصفها مفهومًا علميًا، هناك أيضًا الطبيب الانكليزي الفرنسي الإقامة إدواردس w.f.edwards الذي نشر عام 1829 كتابًا كان له أبلغ الأثر في تعزيز أواصر البحث العرقي للبشرية تحت عنوان (حول الخصائص الفيزيولوجية للأعراق البشرية من خلال علاقتهم بالتاريخ)، وقد أتى بمفهوم (العرق التاريخي) الذي قصد من وراءه أن هناك أعراقًا صافية لا تختلط منذ أقدم الأزمنة بالأعراق الأخرى].
جاءت العرقية إذًا في شكلها الحديث كأحد تجليات التيار اللاعقلاني المتصاعد بعد هزيمة ثورات 1848 الشعبية، حيث بدأت تتلاشى انتصارات الثورة الفرنسية، المحققة مطلع القرن التاسع عشر، مع زحف جيوشها عبر القارة، وانهيار النظم الإقطاعية، فقد عادت الرجعية للانتعاش من جديد وعاد النظام العرقي القديم للتموضع عبر أفضل ممثليه؛ الدبلوماسي الفرنسي جوبينو Gobineau (1816-1882)، وإذا كان كونت وماركس وسبنسر قد أخذوا على عاتقهم شرح معنى التقدم وتفسيره، فإن آرثر دي جوبينو كان على النقيض من ذلك، حيث عبر عن فجيعته لما اعتبره نكوصًا واضحًا لفرنسا في عصره، وتطلع إلى كشف أسباب هذا النكوص والتقهقر، وقدم رؤيته في أربعة مجلدات بعنوان "مقال في عدم تكافؤ الأجناس البشرية"؛ نشرت بين 1853-1855 وهو ما اعتبر باعث النظرية العنصرية في علم الاجتماع، وكان جوبينو منسجمًا مع نفسه؛ فخورًا بأنه سليل الفاتحين النيوتونيين لبلاد الغال، وأكد أن العامل العنصري في التطور الاجتماعي هو الأساس، مستبعدًا تعسفيًا كل العوامل الأخرى(24)، وقد كتب هذا الكتاب كما ذكرنا في ظل حكم نابليون الثالث الرجعي وسيادة الرجعية عمومًا في أوربا، والتي استخلصت دروس ثورات 1848 وتبينت مخاطر الديمقراطية البرجوازية، فكانت نقطة الانطلاق عند جوبينو أن المساواة بين البشر مفهوم "غير علمي" و«مناهض للطبيعة»(25) .
وقد ناهض جوبينو فكرة الديمقراطية ومساواة البشر معتبرًا أن (التهاجن) الزواج من عروق دنيا؛ وخيم لكل حضارة لأنه يولد رؤيا انحطاط(26). ووفقًا لجوبينو(27) فإن العرق الذي ينتمي إليه الناس يحدد سلوكهم تمامًا، وينتقل العرق عبر الدم ولا يمكن لإرادة الفرد التأثير فيه نهائيًا.
وهو يؤكد (28) أن «ما من إنسان أمثل، ولا وجود للإنسان.. على أرض الواقع، أعرف صاحب اللغة الفنلندية، والآري والتركيبات السامية، أما الإنسان بالمطلق فلا أعرفه» وهذا سيقوده إلى الاستخلاص المتعلق بالتفاوت: «هل يتمتع كل الناس بالدرجة نفسها، قدرة لا محدودة على التقدم في تطورهم الفكري؟ أجيب بلا».
ويؤمن جوبينو أن ثمة مقياس وحيد لقياس مزية العرق ومكانته وهو القوة التي يسميها أحيانًا (طاقة) أو (حيوية)، ويرى أن الآري متفوق على البشر الآخرين؛ من حيث ذكائه وطاقته، فـ«الأبيض يسود الأجناس الأخرى، لا بحكم السيطرة، بل بحكم استعداده الحضاري المتفوق على غيره»(29).
والخطير جدًا في عرف جوبينو هو الاختلاط، فللمحافظة على هذا السلم وللمحافظة على القوة أو الطاقة نقية متكاملة يجب منع الاختلاط الذي لن يؤدي إلا لانحطاط الحضارة نتيجة اختفاء العرق الأبيض، وسينتج عنها سقوط في العدم، حيث(30)«الأمم كأنها قطعان بشرية، مثقلة في نعاس كئيب ستعيش عندئذ مسترخية في عدمها».
وبوصفه ممثل الرجعية القديمة في مواجهة البرجوازية الصاعدة وكممثل لطبقات منتشية بهزيمة ثورات 1848 وانتعاش الإقطاعية والرجعية، فإن جوبينو يبرز كمعادٍ للتطور بشكل يائس، حيث كل تطور يتضمن إفسادًا(31) مرتكزًا في أفكاره على تشاؤم قدري مهدد بالانهيار والسقوط في العدم، والنفي الجذري لمنظور نمو ديمقراطي، والانضمام البائس إلى اللا مساواة الإقطاعية التي مضى زمنها.
ويحتل جوبينو مكانته في تطور العرقية بحكم عوامل متعددة؛ إنه جاء بعد حقبة توقف سادتها انتصارات الثورة الفرنسية بداية القرن التاسع عشر، ثم إنه أول من نشر من جديد الفكر العرقي في دوائر واسعة وأعاده إلى الرواج بين المثقفين؛ منجزًا خليطًا عجيبًا من دقة علمية مزعومة، وصوفية مسعورة وصلت إلى هتلر وروزنبرغ عبر تشامبرلين في جو عسفي وفوضوي تمامًا من تناقضات لم تحل ومستحيلة الحل لجعل العرقية الإقطاعية مقبولة، بل ومشوقة أيضًا.
ولا شك أن المذهب العرقي يحتل أهمية قصوى في تطور الفكر الفاشي الرجعي الحديث، كونه يرتكز في نفيه للتاريخ على عوامل الهجوم على العقل(32) وإهمال الجوهرية، فهو بنفيه وحدة تاريخ البشر ينفي في الوقت نفسه تساوي البشر والتقدم والعقل، حيث بالنسبة لجوبينو لا يوجد سوى تاريخ للعرق الأبيض الذي جاء معطى قبليًا، فبعض الأجناس قدرها البربرية وبعضها الآخر لم تكن يومًا لا همجية ولا بربرية، وهكذا بصدد العرق الأبيض «الفحص الأول يبرز واقعة هامة: العرق الأبيض لا يظهر لنا قط في الحالة البدائية التي نرى فيها العروق الأخرى، منذ اللحظة الأولى يبدو مثقفًا نسبيًا؛ مالكًا العناصر الرئيسية لحالة عليا، ستنمو فيما بعد بأغصانها المتعددة لتفضي إلى أشكال متنوعة من الحضارات »(33).
بعد رسالة جوبينو الشهيرة، نشأ جدل علمي كبير صدر عنه ما بات يعرف باسم (علم الجماجم: craniometry) وقد استحوذ العلم الناشئ على اهتمام علماء الاجتماع والساسة فيما بعد، ومن ألمع نجومه بلومنباخ الذي قسم المجتمع البشري إلى خمسة أقسام رئيسية حسب الهيئة الفيزيولوجية، وقد أجمع جميع رواد هذا العلم على انحطاط الأعراق السوداء.
وقد حصل هذا التيار على دفعة كبيرة بعد نشر كتاب (أصل الأنواع) لتشارلز داروين، وربما يكون مثيرًا معرفة أن العنوان البديل للكتاب كان (بقاء الأعراق الأحسن في النزاع من أجل الحياة)، وقد نشر الكتاب عام 1871 ونشأ عنه الانحراف التطبيقي في علم الاجتماع المعروف باسم الداروينية الاجتماعية(34).
يعتبر هوستن ستيوارت تشمبرلين chamberlain (1855-1972)(35) الألماني من أصل إنكليزي ثاني أهم منظري العرقية الحديثة بعد جوبينو، واستفاد بشكل جلي من تراث الداروينية الاجتماعية social Darwinism التي تعتبر أن أهم عوامل التقدم الاجتماعي؛ تكمن في الصراع من أجل البقاء والانتخاب الطبيعي، وكما ذكرنا هي تحريف تطبيقي لنظرية داروين البيولوجية وإسقاطها على علم الاجتماع؛ تم على يد فريدريش لانغ وأرتو آمون وبنجامين كيد. وعبر تشامبرلين عن هذا التأثر عبر كتابه «أسس القرن العشرين» عام 1899، والذي ستتبناه الفاشية بنموذجها الألماني والإيطالي. وقد جاء تشامبرلين على العكس من تشاؤمية جوبينو؛ متفائلًا بالاستناد إلى بوادر نهوض الإمبريالية، وتقدم العالم الصناعي، وخاصة علوم البيولوجيا بعد داروين، والاقتصاد والاجتماع بعد ماركس وانجلز، وهذا التقدم جعل الإمبريالية تحتاج أداة جديدة في الأيدولوجيا قدمها تشامبرلين عن طيب خاطر. وهكذا أصبح تشامبرلين الممثل العرقي الحقيقي لهذه المرحلة، وترجع أهميته من كونه يوحد العرقية القديمة، المجددة في اتجاه إمبريالي مع الميول الرجعية النموذجية للطور الإمبريالي(36).
بنيت فكرة تشامبرلين المناقضة لتشاؤمية جوبينو على الأمل والثقة بالمستقبل وتمحورت أفكاره على ضرورة المحافظة على نقاوة الدم الجرماني بالتصدي والصراع ضد العناصر الأجنبية الغريبة على هذا الجنس(37).
تميز تشامبرلين في نظريته العرقية الجديدة باستبعاد السمات الظاهرة، كما رفض أيضًا القياسات الأنتروبولوجية واعتبر معيار العرق الحاسم هو في طبيعته السيكولوجية الخالصة(38). وهو بعكس جوبينو يرى أن بالإمكان إعادة نقاء الجنس وبعثه في مجموعة من مجموعات البشر بشرط وجود شروط خاصة، وهو لذلك يضع قانون ضبط العرق «الذي يقوم على خمسة قوانين طبيعية» هي شروط إعادة الأعراق النبيلة(39):
- مادة أولية من نوعية ممتازة.
- تزاوج داخلي من داخل العرق طويل وممتد وممتاز.
- عملية اختيار من داخل هذا النظام لإعادة إنتاج بعض العناصر واستبعاد البعض الآخر.
- ضرورة الخليط بين الأنواع الممتازة.
- أن يكون الخليط تحت الضبط المحدد، ضمن زمن محدد ومحدود.
سنجد في تحليل بنى الفاشية أن العرقية هي الجرثومة الأولى لفكرة العنصرية التي قامت عليها الفاشية الهتلرية والإيطالية، وهي ذاتها التي تقوم عليها الفاشية الإسرائيلية الآن.
وعام 1883 صاغ فرنسيس غالتون(40) مصطلح اليوجينيا، حيث رأى أن التطور الصحيح للجنس البشري قد انحرف، فقد قادت نزعة الخير لدى الأثرياء وإنسانيتهم حسب رأيه إلى تشجيع غير المالكين على الإنجاب؛ الأمر الذي أفسد آلية الانتخاب الطبيعي، ما جعل البشرية في حاجة إلى نوع من الانتخاب الاصطناعي؛ أطلق عليه اسم اليوجينيا "علم تحسين الإنسان عن طريق منح السلالات الأكثر صلاحية؛ فرصة أفضل للتكاثر السريع مقارنة مع السلالات الأقل صلاحية".
طبعًا كان الظرف الموضوعي متوافرًا لذيوع اليوجينيا أوائل القرن العشرين وتعاطى معها كبار المفكرين والعلماء والساسة في أوربا وأمريكا، مثل برتراند راسل وج.ديرتال وجوليان هكسلي وه.ج ويلزن وروزفلت وتشرشل جون روكفيلر. ومن هذه المجموعة أيضًا يبرز القس الإنكليزي توماس مالتوس عبر كتابه (مقالة عن السكان) ودعا فيها إلى الحد من نسل الشعوب الدنيا، وكان سيريل بيرت السيكولوجي يوجينيًا منذ 1910عندما لفق دراسته عن توريث الذكاء في فضيحة علمية كبرى.
تجليات النزعة العرقية:
لم تمت العرقية مع نهاية الرايخ الثالث وفاشية موسوليني أو محاكمات نورنبرغ، لأن المحكمة الدولية حاكمت سلوك الأفراد وجرائمهم الخاصة، ولم تحاكم الفكر الذي أدى إلى هذه السلوكيات، ربما أن القضاة كانوا سيضطرون لمحاكمة المنتصرين أيضًا لو وضعوا الفكر على منصة الاتهام.
لم تأتِ فاشية ما بين الحريبن من العدم، وإنما اشتقت مقولاتها الأساسية من الاستعمار؛ الفتح بلغة أخرى، ومن فلسفات الأزمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كل استعمار هو بشكل من الأشكال عملية تمييز عرقي؛ عرق مسيطر يجتاح ويبيد ويستغل عرقًا آخر تحت شعار الدين أو التمدين أو إبادة المتوحشين وغيرها. وهكذا فكل غزو هو نفي، نفي للأخر واضطهاده وصولًا إلى إلغائه، هذا ما فعله المستوطنون الأوربيون ضد الهنود الحمر، والبرتغاليون والأسبان ضد الآزتيك والمايا، هذا ما سعى إليه الفرنسيون عبر الفرنسة، والإيطاليون في مسعاهم الروماني، والإنكليز في منفى مجرميهم في أستراليا، وهذا ما تفعله إسرائيل ضد الفلسطينيين عبر عرقية تحمل شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
من جانبه ربط ألبير ميمي (الشاب قبل أن ينقلب صهيونيًا) في تحليل مباشر بين الاستعمارية والفاشية: «تحمل كل أمة استعمارية بذور الإغراء الفاشي في أحشائها»(41). معتبرًا أن العنصرية تلخص العلاقة الأساسية التي تربط ما بين المستًعمِر والمستَعمَر وترمز إليها، وهو يبرهن على ذلك من خلال سؤاله عن ماهية الفاشية «ما هي الفاشية.. غير نظام الاضطهاد القائم لصالح بعض الأفراد؟»، والأفراد هنا هم المستعمرون الذين يصوغون علاقات اضطهاد واستغلال لمصلحة بلد المستعمر الأم: «إن كل الجهاز الإداري والسياسي في المستعمرة لا يمكن أن يصب في قنوات أخرى، فالعلاقات الإنسانية تنبثق فيها من أقصى حدود الاستغلال الممكنة التي تقوم على عدم المساواة والازدراء التي تضمنها السلطة البوليسية» ليختتم مرافعته بتحديد دقيق «مما لا شك فيه أن من عايش الاستعمار يعلم أنه ليس سوى تنويع على الفاشية».
كان الاستعمار منذ البداية مبررًا بأفضلية القوة، بتعبير آدم سميث، والتي «حازها الأوربيون، وسمحت لهم بأن يرتكبوا كل أنواع المظالم في تلك البلاد النائية (الهند) دونما خوف من عقاب»(42). ويلاحظ تشومسكي(43) أن هيغل نفسه وبنبرة سلطوية حاضر في نفس الموضوع ضمن محاضراته عن فلسفة التاريخ، حيث «تقارب آخر مراحل تاريخ العالم، عندما تصل الروح كامل نضجها وقوتها في العالم الجرماني» واعتبر مستنتجًا أن الأمريكيين الأصليين كانوا «معدومي القوة جسديًا ونفسيًا». وهكذا «تلاشى السكان الأصليون تدريجيًا أمام أنفاس النشاط الأوربي»، وكأنهم لم يتلاشوا أمام قوة الإبادة بالنيران والجدري والاجتياح القاتل للمستوطنين البيض، وفي عرقية واضحة تذكر بمقولات جوبينو. يتابع هيغل «إن المزاج الضعيف الخالي من العاطفة والفقر الروحي والخضوع الذليل هي المميزات الرئيسية لشخصية الأمريكيين الأصليين الكسالى لدرجة وجوب تذكيرهم بالقيام بواجباتهم الزوجية، لقد كانوا أدنى من الزنوج.. إنهم كائنات بمستوى مجرد أشياء، موضوعات لا قيمة لها». نجد نفس الروح العرقية عند ناحوم سوكولوف رئيس المنظمة الصهيونية العالمية أوائل القرن العشرين(44) «إن شعوب القسم العربي من الإمبراطورية العثمانية عبارة عن شلة من الأعراق والمعتقدات والطوائف والأنظمة الاجتماعية المختلفة بدون أي رابطة مشتركة غير اللغة. إن الصفات الطبيعية لأرضهم تجعل ثلثهم برابرة مفترسين رحلًا، يخافهم الثلثان الباقيان» ويكتب الصهيوني و. ب. زف(45) «ليس هناك عرب في أي مكان كان، بل لا يوجد حتى عرق مختلط اختلاطًا منسجمًا إلى حد ما، لقد اختفى العرق العربي من الوجود كليًا في جميع أنحاء شبه الجزيرة، ومن حلَّ محلهم هم خليط نُقش من الأجناس على درجة واطئة من التطور البشري ويتكلمون بلسان عربي».
أما الموقف الأمريكي تجاه هاييتي مثلا، فكان لا يقل عرقية في عهد ويلسون الذي وصف وزير خارجيته وليام فيليبس شعبها بأنه ذو منزلة متدنية، وذلك في معرض مذكرة للتشجيع على الغزو العسكري للبلد، وقد تبنى ويلسون هذه الساسة كما هو معروف(46).
إن الصراع من أجل البقاء حاضر دائمًا في مقولات المستعمرين، حيث كتب كالب كار carr(47) كتابًا عن انتفاضة الهنود السيوكس Sioux في مينسوتا عام 1862، مؤكدًا أن المواجهة في مينسوتا كانت حربًا شاملة بين أمتين متنازعتين على السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدة للموت في سبيلها. «بالنسبة لإحداهما كان الاستيطان أملًا أخيرًا، فقد كانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب، بل بأرواحهم ذاتها، من أجل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، أما بالنسبة للسكان الأصلين، ففي البداية على الأقل كانت شروط الصراع أقل مصيرية، بوسعهم - بعد كل حساب - أن يرحلوا إلى الغرب قليلاً!!».
إن استعداد المستوطنين للموت في سبيل الأراضي المنتزعة هو جوهر الإلغاء، هنا يتقمص الغازي عقيدة فاسدة تتحدث عن « أرض بكر» جوهرها (إما نحن أو هم)، وطبعًا سيزيد احتدام هذه المعادلة أن السكان الأصليين لن يتخلوا عن حقهم الشرعي في أرضهم بسهولة؛ الحل إذن في أبادتهم، يذكرنا هذا بمقولة الإحلال الصهيونية بوجهها القبيح؛ فالحرب حرب وجود، على أرض يتنازعها (اليهود) مع (العرب) وهي (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، وإمكانية الرحيل إلى الغرب قليلاً بمقال المستوطنين الأوربيين؛ تعادل تمامًا مقالة الصهاينة أن العرب يملكون الكثير من الأرض، ليستوعبوا الفلسطينيين عندهم إذن، ولكن كما أن الغرب لا نهائي وسيتمدد باستمرار ويدفع الضحايا إلى البحر والموت كذلك، سيكون دائمًا لدى العرب المزيد من الأرض ليحصل اليهود على بعضها.
يقول نعوم تشومسكي(48) مستندًا إلى كلمات كار « يمكن أن نتصور لو أن النازيين انتصروا في الحرب الأوربية إذن، لربما كان مؤرخ ألماني متأخر ليكتب أن المواجهة بين الألمان والسلاف على الجبهة الشرقية لم تكن مرتبطة بأفكار ذات شأن، مع إنه من أجل الظهور بمظهر متوازن يمكن أن يتذكر أنها كانت حربًا شاملة بين أمتين تتنازعان السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدتين للموت في سبيلهن، أما السلاف فكانت شروط الصراع أقل مصيرية بالنسبة لهم، مقارنة مع الألمان الذين كانوا بأمس الحاجة لمجال حيوي، وكانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب بل بأرواحهم ذاتها بأمل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، فقد كان بوسع السلاف بعد كل حساب أن يرحلوا إلى سيبيريا». ولنتأمل ما يمكن أن يكتبه مؤرخ صهيوني عن أن بوسع الفلسطينيين والعرب أن يرحلوا إلى صحرائهم!!
كلمات كار لم تكن مجرد تهاويل مؤرخ، بل إن جورج واشنطن قائد أمريكا المستقلة، كان قد سبقه منذ عام 1783 (49) «إن التوسع التدريجي لمستوطناتنا سيجعل المتوحشين يتراجعون تدريجيًا، كذلك الذئاب فكلاهما طرائد للصيد مع أنهم مختلفين شكلًا»، وها هو صدى الكلمات يتردد على لسان داني روبنشتاين(50) «على الفلسطينيين أن يقبلوا حكمًا ذاتيًا على غرار معسكرات أسرى الحرب، يستطيعون في ظله أن يجمعوا الزبالة في المناطق المخصصة لهم».
ثمة الكثير من الأدلة على ارتباط الاستعمار بالعرقية، والرق القائم عليها، فأيدلوجيا الاستعمار لم تكن سوى نفسها أيدلوجيا الرق ولكن بقناع آخر بشع، وتوكفيل نفسه الذي عارض مؤسسة الرق باعتبارها مؤسسة بغيضة(51)، واعتبرها مناقضة لكل الحقوق الطبيعية في (تقرير عن الجزائر)، لم يجد مانعًا أنه لتلافي أن يكون لإلغاء الرق في المستعمرات الفرنسية القديمة نتائج هدامة (إفلاس المالكين، انخفاض مستوى الصناعة)؛ يجب أن يترافق تحرير الأفراد مع الحفاظ على الأراضي التي يقيمون عليها في حالة خضوع، وبتعبير آخر؛ يجب أن يحل الاستعمار محل الرق، إذ، «فرنسا تعمل لإقامة مجتمعات متحضرة، لا حشود فوضوية من المتوحشين». هذا التقرير حول توكفيل المعارض لعرقية جوبينو إلى واحد من أيدلوجيي الاستعمار الفرنسي؛ عرقي من طراز جديد، ومع رفضه لجة التمدين، بقي نصيرًا راسخًا للاستعمار في الجزائر باسم مصلحة بلده «الاحتفاظ بالمستعمرات ضروري لقوة وعظمة فرنسا» كما يقول في مؤلفه (اعتاق العبيد).
تبرير الاستعمار على أساس المصلحة الوطنية مرتبط أساسًا بالتمييز، والعرقية وهي منطق مغرق في القدم، حيث(52) يؤكد روسو «يجعل الاسبرطي المساواة تسود في وطنه، ولكنه يصبح ظالمًا ما إن يتخطى حدود وطنه، وبالمثل لم تكن إنسانية الرومان تمتد إلى أبعد من حدود مدينتهم، ولم يكن العنف محرمًا إذا مورس على الأجانب». ويلاحظ روسو في (اميل) إن «سيادة المساواة في بلد إنسان ما لا تمنعه من أن يكون استعباديًا أو استعماريًا في الخارج، وذلك هو منطق الوطنية»، وهذا يقوم على جوهر التمييز، فما يصلح لوطن المستعمِر لا يصلح لأولئك الأقل قيمة، ومن هنا يبرر استغلال هؤلاء واستعبادهم، وبنفس الألفاظ العرقية والعنصرية، المستخدمة في كل مكان وزمان، وإن اختلفت المفردات والتعابير واللغات، ولنتفحص عبارات أحد المستعمرين؛ ففي مقالة طويلة له (نشرت في ك2 1908 في أدنبرة ريفيو)(53) كتب اللورد كرومر المندوب السامي على مصر حينها « أما عقل الشرقي فهو على النقيض (من الأوربي)، مثل شوارع مدنه الجميلة صوريًا، يفتقر بشكل بارز إلى التناظر ومحاكمته العقلية من طبيعة مهارته إلى أقصى درجة»، وقبل كرومر بمائة عام وتحديدًا عام 1810 كتب فرانسوا رينيه دي شاتوبريان (رحلة من باريس إلى القدس ومن القدس إلى باريس)(54) عن المسلمين «عن الحرية لا يعرفون شيئًا، من الاحتشام ليس لديهم شيء: القوة هي ربهم، وحين تمر بهم فترات طويلة لا يرون بها فاتحين يطبقون عدالة السماء، فإنهم يبدون مثل جنود دون قائد، مثل مواطنين دون مشرعين، مثل عائلة دون أب».
إن ما يبرر الاستعمار هو انحطاط الشعوب المقصودة بأن تُستعمر، وهذا الانحطاط مقاس طبعًا بمقاييس العرقية والتميز لشعب على آخر أو لعرق على آخر، وهكذا بما أن الشرقيين(55) يوضعون مع الشعوب الأخرى التي وصفت بأنها متخلفة، منحطة وغير متحضرة، وقاصرة أخلاقيًا ضمن حتمية بيولوجية، فهم مهيؤون سلفًا للاستعمار«ما دام الشرق ينتمي إلى عرق محكوم، فقد كان لا بد له أن يحكم: لقد كان الأمر بهذه البساطة»(56).
المراجع
- جون كوتنغهام، العقلانية، ترجمة: محمود منقذ الهاشمي، ط1(حلب: مركز الانماء الحضاري،1997)، ص11.
- بالميرو توليالتي، محاضرات في الفاشية، ترجمة أنطوان صيداوي (بيروت: دار الفارابي، 1981)، ص 45.
- المرجع السابق، نفس الصفحة.
- روزنتال ويودين(اشراف)، مجموعة من العلماء السوفييت، الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، ط4 (بيروت: دار الطليعة، 1981)، ص 326.
- المرجع السابق، نفس الصفحة.
- أديب ديمتري، نفي العقل، ط1(دمشق: كنعان للدراسات والنشر، 1993)، ص 401.
- المرجع السابق، ص340.
- ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة د. فتح الله محمد المشعشع، ط5 (بيروت: مكتبة المعارف، 1985)، ص19.
- المرجع السابق. ص24.
- نعوم تشومسكي، ضبط الرعاع (حوار مع دافيد بارسميان)، ترجمة هيثم علي حجازي، ط1(عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1997) ص94.
- تودوروف، نحن والآخرون، ترجمة ربى حمود ط1(دمشق: دار المدى، 1998)، ص111-112.
- المرجع السابق، ص136.
- باتريك وولف. البنى الأولية للعنصرية، ترجمة د. أحمد محمد عوض، في: الثقافة العالمية، عدد 116(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، يناير-فبراير 2003)، ص128.
- تودوروف. مرجع سابق، ص 112-113.
- المرجع السابق، ص 160.
- المرجع السابق، ص121.
- المرجع السابق، ص130.
- المرجع السابق، ص154 – 160.
- المرجع السابق، ص119.
- المرجع السابق، ص 118.
- ديمتري. مرجع سابق، ص 277.
- جورج لوكاتش. تحطيم العقل، الجزء الرابع، ترجمة الياس مرقص، ط1(بيروت: دار الحقيقة، 1982)، ص62.
- ديمتري. مرجع سابق، ص275.
- نيقولا تيماشيف. نظرية علم الاجتماع طبيعتها وتطورها. ترجمة محمود عودة وآخرون. ط1(القاهرة: دار المعارف، 1976)، ص 90-91.
- ديمتري. مرجع سابق، ص278.
- لوكاتش. مرجع سابق، ص68.
- تودوروف. مرجع سابق، ص145.
- المرجع السابق، ص154.
- ديمتري. مرجع سابق، ص279.
- لوكاتش. مرجع سابق، ص65.
- المرجع السابق، نفس الصفحة.
- المرجع السابق، ص70.
- المرجع السابق، ص71.
- خالد القشطيني. الجذور التاريخية للعنصرية الصهيونية. ط1(بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص 29.
- ديمتري. مرجع سابق، ص281.
- لوكاتش. مرجع سابق، ص83.
- ديمتري. مرجع سابق، ص28-22.
- المرجع السابق، ص282.
- المرجع السابق،. ص 283.
- أحمد مستجير. سقطت اليوجينيا ولم يسقط اليوجينيون- حرب وراثة. في: الكتب وجهات نظر. عدد 53 (القاهرة: يونيو 2003)، ص58.
- ألبير ميمي. صورة المستعمر والمستعمر، ترجمة: جيروم شاهين (بيروت: دار الحقيقة، 1980)، ص90.
- نعوم تشومسكي. الغزو مستمر، ترجمة مي النبهان، ط2 (دمشق: دار المدى 1999)، ص11.
- المرجع السابق. ص 12-13.
- القشطيني. مرجع سابق، ص105.
- المرجع السابق. ص105.
- تشومسكي. الغزو مستمر، مرجع سابق، ص329.
- المرجع السابق. ص427.
- المرجع السابق. ص428.
- المرجع السابق. ص40.
- ليلى فرسخ. من جنوب أفريقيا إلى فلسطين، لوموند ديبلوماتيك، تشرين ثاني 2003.
- تودوروف. مرجع سابق، ص224.
- المرجع السابق. ص209.
- ادوارد سعيد. الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، ط4 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية. 1995)، ص68.
- المرجع السابق. ص187.
- المرجع السابق. ص218.
- المرجع السابق. ص218.

