Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح47)

غازي الصوراني

خاص بوابة الهدف

 (تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل التاسع

عصر التنوير والحداثة في القرن الثامن عشر

أولاً: عصر التنوير العقل والتقدم

أبرز فلاسفة عصر التنوير والحداثة

جان جاك روسو، وتأثيره على كانط:

يقول ديورانت: "لقد كان (روسو) على صواب حين قال: "ان شعور القلب فوق منطق العقل"، وعندما قرأ "كانط" كتاب "اميل" الذي كتبه روسو، انصرف اليه بكل اهتمامه، حتى انه الغى خروجه لنزهته اليومية تحت اشجار الزيزفون واقبل على الكتاب بكل قلبه ليفرغ منه في ساعته، لقد كان ما قرأ في هذا الكتاب حادثاً هاماً في حياته إذ وجد في "روسو" رجلاً آخر يشق طريقه للخروج من ظلام الإلحاد، رجلاً أكد بشجاعة أسبقية الشعور على العقل النظري، وبالتالي تمجيده للشعور وانقاذ الدين من العقل، هنا في كتاب "اميل" يكمن نصف الجواب على الإلحاد والكفر، بحيث يمكن الآن تمزيق شمل أهل الشك والسخرية بالدين، اخذ "كانط" في جمع خيوط هذه المناقشة وَوَلَّفَها بعضها ببعض، وفي الوقت ذاته العمل على انقاذ العلم من الشك هذه هي المهمة التي كرس "كانط" نفسه لها"([1]).

يسلم كانط، باستمرار، "بتأثير روسو الحاسم على نظرياته السياسية والأخلاقية، فأسبقية ما هو عملي على ما هو نظري، وأسبقية ما هو أخلاقي على ما هو عقلي، وتفوق العلماء أو الفلاسفة من حيث إنهم نفوس بسيطة تطيع صوت الضمير، كل ذلك يأتي من روسو مثلما تؤخذ فكرة الحرية بوصفها طاعة القانون الذي تفرضه الذات على نفسها، وفكرة تعميمم الرغبات الخاصة بوصفها تستمد مشروعيتها من تعاليم "روسو" في كتابه "العقد الاجتماعي"، وفي هذا الجانب، فإن "العقل العملي هو الذي يسمح لنا بان نشارك في العالم المعقول، لكي نهرب في الوقت نفسه من سلبية التأمل المحض، والنسبية التجريبية لعالم الظواهر، ذلك العالم الذي يكون العقل النظري محدداً به، فالصعود من الحتمية نحو التلقائية يتحقق عن طريق اكتشاف حرية العقل العملي وتجد هذه الحرية ذروتها في حرية الإنسان الأخلاقي، أو في اخلاقية صحيحة"([2]).

آراؤه الاجتماعية والسياسية :

بالنسبة للدولة والسياسة ، فإن كانط "يميز بين ثلاث سلطات سياسية هي الإرادة العامة التي تتجلى في ثلاثة "أشخاص": السلطة العليا أو "السيادة" في شخص المشرع؛ والسلطة التنفيذية في شخص الحاكم، والسلطة القضائية (التي تكفل لكل شخص حقه) في شخص القاضي، ومعيار مطابقة الحكومة للعقد الأصلي، ولتمثيله، وبالتالي لشرعيته، هو فصل السلطات بداخلها.

وهنا نلاحظ رفض كانط الدولة الكلية، لأسباب تنصرف عن تجريدات القانونية أو الشرعية، وتعتمد، بالأحرى، على الحكمة السياسية التجريبية، والأخلاق، وفلسفة التاريخ، وفصل السلطات.

ويلفت كانط الانتباه إلى الاقتراب من الأخلاق الذي يمكن أن يلاحظ في الدول القائمة بالفعل، وهي دول لا يكون فيها الكمال الأخلاقي، يقينا، هو العامل الحاسم المؤثر، ولا حتى الذي يقصده القانون، ويقول معلقاً "إن المرء يجب ألا يتوقع دستوراً جيداً من أخلاق الناس، بل يجب عليه، بالأحرى، أن يتوقع التربية الأخلاقية الصحيحة للناس من الدستور"([3]).

تشكلت آراء كانط الاجتماعية السياسية والتاريخية تحت تاُير التنوير الفرنسي والانكليزي، وأفكار روسو بوجه خاص، فقد "طور كانط فكرة روسو عن سلطة الشعب، لكن كانط، بوصفه ايديولوجي البرجوازية الألمانية، كان متردداً في طرحه هذا، فهو يزعم أن سلطة الشعب لا يمكن اقامتها عمليا، ذلك إن ارادة الشعب -عنده- يجب ان تخضع خضوعا تاما للسلطة القائمة، وبالتالي لم يقتصر كانط على معارضة شتى أشكال الثورات الشعبية، بل ووقف ضد أي تفكير يمكن أن يخطر ببال المواطنين حول طريقة نشوء السلطة العليا، باعتبار أن هذا، في نظره، يهدد الدولة بالدمار، إذ أنه رأى أن التناقض بين الضرورة والحرية ليس تناقضاً حقيقياً، فالإنسان حر فيبعض تصرفاته ومقيد في بعضها الأخر.. الإنسان مقيد لأنه عِبْرَ أفكاره وحواسه ورغباته ظاهرة بين ظواهر الطبيعة الأخرى، يخضع لأحكام الضرورة المسيطرة في عالم الظواهر.

لكن كانط عارض مزاعم الإقطاع الألماني في "أن الشعب لم ينضج بعد للحرية؛ مبيناً أن التسليم بصحة هذا المبدأ يعني أن الحرية لن تأتي في يوم من الأيام". ذلك إن "كانط" يفهم الحرية المدنية على أنها حق الفرد في عدم الامتثال إلاَ للقوانين التي وافق عليها مسبقاً واعترف بمساواة جميع المواطنين أمام القانون، ولكنه للأسف قسم الناس إلى نوعين :

الأول: مواطنين، وهم من المالكين لوسائل الإنتاج.

والثاني: أطلقَ عليهم "حاملي الجنسية" وهؤلاء ليسوا مواطنين ( ليسوا مالكين لوسائل الإنتاج .. إنهم الكادحين والعمال والجماهير المستَغَلَّة).

وبالتالي فإن "الأساس الواقعي لآراء كانط الحقوقية، ولنزعتها التقدمية، يكمن في معارضته للجور والتعسف الاقطاعي بنظام الحق البرجوازي، المشروط بحق التملك، حيث نلاحظ سيطرة الفهم البورجوازي التحرري الحداثي للمِلْكية على آراء كانط الحقوقية، "وقد انعكس هذا، بوجه خاص، في تنظيمه الحقوق للعلاقات الأسروية، وفي طرحه لمفهوم الحرية المدنية على أنها حق الفرد في عدم الامتثال إلا لتلك القوانين، التي وافق عليها مسبقاً، هذه الحرية يجب أن تكون حقاً لكل مواطن في الدولة لا ينازعه فيه أي منازع، كما اعترف كانط بمساواة جميع المواطنين أمام القانون"([4]).

كانت الفكرة الأساسية في نظرية كانط السياسية فكرة القيمة الذاتية للفرد، التي تقوم "على حرية الفرد، أي على قدرة الفرد على وضع قوانين أخلاقية وتطبيق هذه القوانين وهذا يعني أن كل واحد مساو لكل واحد مبدئياً. وعلى الحقوق القانونية والمؤسسات السياسية أن تستهدف حماية هذه الحرية وهذه المساواة.

لذا، "كان كانط من المدافعين عن حقوق الفرد ولم يكن دفاعه مبنياً على فلسفة الحقوق الطبيعية الموضوعية، كما هي عند توما الاكويني، ولا على فلسفة الحقوق الطبيعية التي مركزها الفرد، كما هي عند جون لوك، فحقوق الفرد عند كانط قامت على ما اعتبره مكوناً من مكونات البشر، فلا تقبل التحويل، فقد سعى كانط إلى إشادة القانون والأخلاق، كصفات ضرورية للإنسان، أي إن: حقوق الفرد تشمل ما هو ضروري لأن يعيش الشخص بحرية أخلاقية، وما هو ضد هذه الحقوق هو شر، سواء أدى إلى منفعة عامة أو لذة عامة أم لم يؤد"([5]).

وبكلمات أخرى نقول إنه بينما ناقش النفعيون مسألة ما إذا كان علينا أن نضحي بالقليل لصالح الأكثرية، رأى كانط أن انتهاك حقوق الفرد الأساسية هو خطأ، دائماً. ولكي يعيش البشر في حرية أخلاقية، فإن الشروط تشمل حكماً دستورياً، وإلغاء العبودية، وأشكال أخرى من الظلم، وإلغاء الحرب.

وتعطي هذه الشروط صورة عن حقنا في أن نكون أسياد أنفسنا، وأن نعيش في حرية وسلام، لأنه عندئذ، وعندئذ فحسب، نكون نحن أنفسنا.

انطلق كانط من الفكرة التي تفيد أن الكائنات البشرية مخلوقات أخلاقية، وقد عَدَّ ذلك معطى، فأصبح السؤال هو: ما هي شروط الكائن الأخلاقي؟ وكان الجواب أننا جميعاً نملك القدرة على صنع قانوننا الأخلاقي. وهكذا، نكون جميعاً صانعي قوانين أخلاقنا، ونكون جميعاً مستقلين وأحراراً من الوجهة الأخلاقية، وهكذا، سيفهم الأفراد أن أعمال الخير هي تلك التي لا تؤذي حريتنا الأخلاقية أو حرية الآخرين الأخلاقية.

وهذا التفكير يوفره لنا الأمر الأخلاقي، وهو "يجب ان لا أتصرف إلا بطريقة أتمكن بها، أيضاً، من أن أريد أن تصبح قاعدة سلوكي قانوناً كلياً"، ويوفر لنا أساس الحقوق الأخلاقية والقانونية والواجبات، أي "لا تؤذ حريتك الأخلاقية أو حرية الآخرين الأخلاقية!".

وأثناء المرحلة المضطربة من الثورة الفرنسية، كانت ملاحظة كانط "هي ان الشعب لا ينضج عقلاً إلا عبر جهوده هو وبضربة جدلية عنيفة وجهها كانط للدوائر الرجعية والمحافظة المعاصرة، أكد أن الناس لا ينضجون للحرية إلا إذا أطلق سراحهم قبل كل شيء، وبالتالي فإن تَصَوُّريْ فلسفة كانط الأساسيين؛ العقل والحرية، ها مركزيان لفهم الثورة الفرنسية، لذلك يمكن فهم فلسفته السياسية بأنها شرعنة للتحول من مذهب الحكم المطلق إلى أشكال الحكم الدستوري والديمقراطي"([6]).

لقد بعث انتصار الثورة الفرنسية على جيوش الرجعية في عام 1795 روح الأمل في "كانط" ورجا ان ينتشر النظام الجمهوري في جميع انحاء أوروبا، وان يسود العالم نظام دولي يقوم على الديمقراطية والغاء الرق والعبودية والاستغلال، وان يتعهد هذا النظام الدولي بنشر السلام في العالم.

ان مهمة الحكومة –كما يقول كانط- هي الاخذ بيد الفرد ومساعدته على النمو والتطور، وليس استخدامه وانتهاك حقوقه واستغلاله "ان احترام الفرد واجب لذاته، وانها لجريمة ضد كرامة الفرد كانسان ان تقوم الحكومة باستخدامه كوسيلة لتحقيق مطامعها ومآربها في الخارج، "انه جزء من مجموعة المبادئ الخلقيه التي اذا تجرد الدين منها يتحول إلى نفاق ورياء وسخافة مضحكة.

ولذلك فإن "كانط" يدعو إلى المساواة بين افراد المجتمع، واتاحة الفرص امامهم للتطور بالمواهب والامكانيات الكامنة فيهم، وهو يرفض كل ضروب الامتيازات الطائفية والعائلية والطبقية، وهو يعزو جميع انواع الامتيازات الوراثية إلى اعمال الغزو والعنف الذي ظفرت فيه الاسر بهذه الامتيازات في الماضي.

وعلى هذا الأساس، فإن مبدأ كانط الأساسي الطبيعي أو القانوني – العقلي، يذكر الشروط التي في ظلها يمكن التوفيق بين الاختيار الحر لشخص مع الاختيار الحر لشخص آخر بما يتفق والقانون العام للحرية.

وهكذا، تفيد النقطة الرئيسية عند كانط وجوب تقييد حرية التصرف اللامحدودة عند الفرد، بشكل متسق غير متناقض مع حرية كل فرد آخر، وطبقاً للقانون العام، فقد ربط كانط معايير الصحة الكلية للقوانين والمبادئ الدستورية بحرية واستقلالية المواطنين أو بالتشريع – الذاتي: المبادئ الدستورية والقانون الفعال اللذان يجب أن يحوزا، مبدئياً، على الدعم الكامل من جميع الأطراف المعنية (إجماع كلي).

وفي الممارسة، "يجب على المُشَرِّعْ أن يكافح لإجازة القوانين التي من الممكن أن تنال تأييد المواطنين، مبدئياً، ذلك هو محك مشروعية القوانين. فالقوانين التي تلبي هذا الشرط هي وحدها الملائمة لتنظيم العلاقة المتبادلة بين المواطنين"([7]).

في هذا الجانب رأى كانط، أن حرية الصحافة وحرية الكلام (حرية القلم) متطابقتان مع مبادئ القانون القائمة على الإجماع، وإذا كان واجب حقوق الإنسان أن توفر ضماناً حقيقياً، فمن الضروري أحياناً التدخل ضد الأشخاص أو المؤسسات التي تقمع الحرية المشروعة، لذا، للدولة الحق المشروع في التدخل في الحالات التي تنتهك فيها الحقوق الإنسانية.

لكن كانط بوصفه ليبرالياً، عارض جميع محاولات جعل القانون أخلاقياً، فالواجبات ذات الصلة بالأخلاق الشخصية، أي واجباتنا تجاه أنفسنا، وواجباتنا نحو الآخرين، ليست بالضرورة شروطاً قانونية.

والخلاصة هي أن كانط ميز بين الأخلاق والقانون. فهو لم يشرعن الأخلاق، كما إنه لم يُدْخِل الأخلاق في القانون. وهذا هو الموقف الذي يميز المجتمعات الليبرالية الحديثة جميعها.

رأى كانط أن "علاقة المشهد الدولي البارزة هي "كل يحارب كلا"، فهناك حالة طبيعة لا قانون لها بين الدول ذات السيادة، "فحق القوي" هو المبدأ السائد في السياسة الدولية، كما هو حال البشريه اليوم، وقد وجد كانط هذا الوضع وضعاً لا قيمة له ولا عقلانياً – في هذا الوضع أيضاً يجب "أن نملك الشجاعة فنستعمل عقلنا"، لذا، دافع كانط في مقالته القصيرة التي عنوانها السلام الدائم عن فكرة إنشاء "عصبة أمم" عالمية لتنظيم العلاقات بين الدول ذات السيادة. وتكون جميع الأطراف المشتركة قادرة على تأييدها، وحصل أول تحقيق عملي لفلسفة السلام الكنتية بتأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية"([8]).

كان كانط ابناً لعصر التنوير. فدافع عن التنوير وعن الاستقلالية ورأى أن التنوير يوظف العقل توظيفاً عاماً: فقد أصبحنا متنورين بالتفكير، في مجتمع مع الآخرين، ويجب ممارسة هذا التوظيف العام للعقل بحرية، فالمستقبل يقدم أملاً بأن النقاش الحر المستمر والعام بين الأفراد العقلانين، سوف يزيد من جلاء الحقيقة.

في ضوء تطوره المعرفي السياسي، "تحول "كانط" عن آرائه المحافظة التي امتازت بها افكاره في ايام نضجه ورجولته إلى اعتناق مذهب الاحرار والايمان بالحرية والدعوة لها بشجاعة وجرأة في ايام فردريك الكبير، وفي هذا الجانب، يقول ديورانت: "كان من الممكن الحكم عليه بالإعدام بسبب هذه الأفكار الحرة التي تتنافى مع نظام الحكم في ذلك الوقت، ولم يشفع له سوى كبر سنه وشهرته حيث كان قد بلغ من العمر سن السبعين"([9]).

في الدين والعقل:

لم يكن (كانط) فيما دعا له مبتذلاً وهياباً أو رجعياً محافظاً، والعكس هو الصحيح –كما يقول ديورانت- فقد كان جريئاً وشجاعاً في انكاره اللاهوت النظري، وانكاره ان يكون الدين قائماً على العقل.

لقد "اثار ما ذهب اليه من خفض الدين والنزول به إلى مجرد ايمان اخلاقي جميع رجال الدين في المانيا فقاموا بالاحتجاج. لقد تطلبت عاصفة احتجاج رجال الدين في المانيا شجاعة كبيرة من "كانط"، كما ابدى شجاعة نادرة عندما نشر وهو في سن السادس والستين كتابه (نقد الحكم) واعقبه بكتابه (الدين في حدود العقل الخالص) الذي نشره وهو في سن التاسعة والستين"([10]).

ففي نقده للتعصب الديني، -كما ورد في كتابه الدين في حدود العقل الخالص (سنة 1793)- يقول كانط: "إنّ ديناً يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه"([11]).

" أمّا عن الدين الخارج عن حدود العقل–كما يقول كانط- فيقوم على الاستبداد اللاهوتي والوصاية على عقائد الناس وضمائرهم وهو دين مضادّ للعقل لأنّه قائم على الخرافة والحماسة والتعصّب، (كما هو حال مجتمعاتنا العربية)، وبهذا الموقف الشجاع، كان كانط ينقد محاكم التفتيش الكنسيّة واضطهاد الكاثوليك للبروتستانت وكلّ أشكال الفظاعة التي حدثت تحت راية ما يسمّيه كانط "عبادة العبيد"، وهو "إيمان مشعوذ من خلاله يتمّ حكم الجمهور، وتُسلَب منه حريته ، وفيه "تهيمن طبقة من القساوسة تعتقد أنّها تستطيع الاستغناء عن العقل وحتى عن الكتاب المقدّس نفسه".

إنّ "ما يقصده كانط إنّما هو تحرير الإنسانية الحديثة من دين "صناعة الشعوذة، دين السماسرة والمنافقين" الذين حوّلوا دائرة المقدّس العميقة للشعوب إلى تعلّة للوصاية على عقولهم، أمّا عن الدين خارج حدود العقل فهو دين تجارة الأوهام والاستثمار في النفوس الضعيفة، وإنّ هذا النوع من الدين اللاعقلي هو بعبارات كانط "بمثابة الموت الأخلاقي للعقل، الذي من دونه لا يمكن أن يوجد أيّ دين أبدا"، فما نغنمه من كتاب "الدين في حدود مجرّد العقل"-كما تقول الكاتبة التقدمية أم الزين بنشيخة- "هو مكسب الحريّة كطريق وحيد لخلاص البشر من الخرافة والتعصّب وكلّ  القيود الروحية التي تعطّلهم عن تغيير ما بأنفسهم، إذ أن الإيمان الحر وحده يحفظ للشعوب كرامتها وللأديان قداستها. من أجل ذلك يملك البشر العقل قيمة رمزية كونية يتمسّكون بها"([12]).

أما رسالته عن الدين فهي –كما يؤكد ديورانت- "انتاج عظيم بالنسبة إلى رجل في التاسعة والستين من عمره، وقد بلغ "كانط" في هذه الرسالة ذروة الجرأة والشجاعة، وهو يقول في هذه الرسالة ان الدين لا يجوز ان يقوم على أساس منطق العقل النظري ويجب أن يقوم على العقل العملي للشعور الاخلاقي، ذلك ان أي كتاب من الكتب المقدسة وكل ما ينزل به الوحي –كما يقول كانط-، يجب أن يُحْكَمْ عليه بما له من قيمة اخلاقية، ولا ينبغي ان يكون هو نفسه الحاكم أو القاضي الذي يرجع اليه في القانون الاخلاقي، ذلك إن "قيمة الكنائس والمعتقدات الدينية تكون بمقدار ما تعاون الجنس البشري على التطور والرقي الاخلاقي، اما اذا تحول الدين إلى مجموعة من المراسيم والعقائد والطقوس الشكلية وعلق الناس اهمية بالغة على هذه الطقوس والمراسيم وفضلوها على الناحية الاخلاقية التي جاء بها الدين وجعلوا المراسيم والطقوس امتحاناً تقاس به الفضيلة فان هذا يعني انتهاء أمر الدين وزواله"([13]).

لقد كان "كانط" جريئاً جداً في نشر هذه الآراء التي تعرض فيها إلى وصف الأوضاع في بروسيا في ذلك الوقت، "كان من الممكن ان تتسامح الحكومة البروسية مع ما نشره (كانط) من آراء في الدين على الرغم مما جاء فيها من الإلحاد، ولكن لم يكن من السهل التسامح في آرائه السياسية المتطرفة في ذلك العهد، فقد "جمع كانط –كما يقول ديورانت- بين الالحاد في الدين والتطرف في السياسة أيضاً، فبعد ثلاث سنوات من اعتلاء فردريك وليام (الرجعي) عرش بروسيا، اندلعت الثورة الفرنسية وزلزلت قوائم العروش كلها في أوربا.

وفي الوقت الذي هرع فيه اساتذة الجامعات في بروسيا لتقديم ولائهم وتأييدها للنظام الملكي، استقبل (كانط) انباء الثورة الفرنسية بالبشر والسرور على الرغم من كهولته، وقال لاصدقائه والدموع تغمر عينيه: "استطيع الآن ان اقول ما قاله "سيمون" يا الهي اسمح لعبدك ان يفارق العالم بسلام، لأني رأيت خلاصك وانقاذك"([14]).

أخيراً، "لقد وقف "كانط" مؤيداً للديمقراطية والحرية في الوقت الذي اجمعت فيه الرجعية والظلم واتحاد ملوك أوروبا على سحق الثورة الفرنسية، وقد اتخذ موقفه هذا على الرغم من انه كان في السبعين من عمره، فقد دعا إلى اقامة النظام الديمقراطي والحرية في كل مكان ولم يشاهد التاريخ كهلاً دعا إلى مبادئه بشجاعة لا تقل عن شجاعة الشباب مثله"([15]).

في اواخر ايامه لزم بيته بعناية اخته (كاترينا) بعد ان اصابته نوبة قلبية لم يغادر الفراش بعدها، وفي الساعة العاشرة من صباح يوم 12/2/1804 قال كانط: آخر عباره له: كان كل شيء حسناً.. ومات بكل هدوء عن عمر 80 عاماً، وعلامات الرضى على وجهه.

اقيمت له مراسم تشييع لم تشهد لها المدينة مثيلاً حتى اللحظة، فقد جاء المشيعين من كل المانيا وغيرها، وورى التراب في مقبرة كونيغسبرج، دون أي صلاه ومراسم دينية، ونقش على قبره جملة تقول: "شيئان يملآن الوجدان بخيلاء وإعجاب يتجددان ويزدادان على الدوام كلما أمعنت التأمل فيهما: السماء ذات النجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في صدري "انها الجملة التي اختتم فيها كتابه العظيم "نقد العقل المحض".

نقد وتقدير فلسفة كانط:

في تحليله النقدي الموضوعي لفلسفة كانط، يقول "ول ديورانت" متسائلاً: "كيف استطاع هذا الصرح المُرَكَّب الذي شيده "كانط" الصمود أمام العواصف والاعاصير الفلسفية التي عصفت به طيلة قرن من الزمان؟ كيف استطاع هذا الصرح الذي يجمع بين المنطق، والميتافيزيقا، وعلم النفس، والاخلاق والسياسة ان يقف إلى اليوم ؟ ويجيب: "من الممتع الاجابة بان الكثير من هذا الصرح لا زال باقياً، وأن الفلسفة النقدية التي اقامها ذات أهمية دائمة في تاريخ الفكر على الرغم من تداعي بعض النواحي التفصيلية في هذا البناء العظيم الذي قام بتشييده"([16]).

لقد انتهى العلم الحديث بنظرية النسبية إلى نفس ما قاله (كانط) عن الزمان والمكان، ولكن يؤخذ عليه ما ذهب اليه من ان الحقيقة مطلقة من حيث الثبوت واليقين، فقد جاءت الدراسات الحديثة التي قام بها بيرسون في انجلترا وماخ في المانيا وهنري بوانكاريه في فرنسا، مؤيدة لهيوم، فأثبتت بأن جميع العلوم حتى الرياضيات الدقيقة نسبية في حقيقتها، وأصبح العلم يقنع برجحان كفة الاحتمال دون ان يطالب بحقيقة مطلقة، كما "تناول الناقدون في القرن التاسع عشر نظرية "كانط" في الاخلاق –كما يقول ديورانت- "بالنقد الشديد، وانكروا اطلاقها وفطريتها، وذهبت فلسفة التطور إلى أن شعور الإنسان بواجبه ليس صادراً عن اخلاقية فطرية كما ذهب اليه "كانط" ولكنه مستمد مما أودعه المجتمع في الفرد من قواعد للسلوك، "فالاخلاق، والانسان الاجتماعي "ليس مخلوقاً خاصاً" صنعه الله كما هو عليه الان، ولكنها نتيجة تطور استغرق فترة طويلة من الزمان، وليست الاخلاق عامة مطلقة، ولكنها قانون للسلوك يتطور وينمو بما هو ملائم لحياة الجماعة، وهي متغيرة بتغير طبيعة الجماعة وظروفها، فالنزعة الفردية مثلا تتنافى مع الاخلاق في شعب يحاصره العدو، ولكنها تكون وسيلة ضرورية بالنسبة إلى امة فتية آمنة لاستغلال ثروتها ومصادرها الطبيعية وتكوين اخلاقها القومية، وتساعدها في تطورها وتقدمها ونهوضه. فليس هناك عمل خَيِّر في ذاته كما يقول "كانط"([17]).

 "ان ما يستدعي النظر في فلسفة "كانط" –كما يستطرد ديورانت- هو أنه عاد في كتابه النقدي الثاني إلى إعادة احياء فكرة الله، وحرية الإرادة والخلود التي دمرها في كتابه الاول، وقد قال عنه احد النقاد "انك تشعر عندما تقرأ كتب "كانط" انك في سوق ريفية، وانك لا تستطيع ان تشتري منه أي شيء تريد من حرية الإرادة وجبرها، المثالية ودحضها، الالحاد والايمان بالله.

في هذا الجانب، يعتقد "شوبنهور" ان "كانط" "كان في حقيقة الامر شاكاً كفرد بالدين نفسه، ولكنه تردد في هَدم إيمان الناس إشفاقاً على الاخلاق العامة من ان يصيبها الدمار".

"لقد كشف "كانط" عن الأسس العقلية الواهية التي يقوم عليها اللاهوت الشعبي من غير ان يمسه، ودعمه بطريقة اكثر نُبلاً، بجعله الايمان يقوم على الشعور الاخلاقي، "وكأنه ادرك الخطأ الناجم عن هدمه اللاهوت القديم، فاتجه إلى اللاهوت الاخلاقي يستمد منه بعض الدعائم الواهية المؤقتة عسى ان يظل البناء قائماً، ليتمكن من الفرار قبل ان تسقط انقاضه عليه، ولكن يجب ان لا نأخذ بعين الجد داخلية "كانط" وكونه يبطن في نفسه إلحادا، فان لهجته الحماسية في مقاله عن "الدين في حدود العقل الخالص" تدل على اخلاص شديد لا يمكن الشك فيه، كما ان محاولته تغيير الأسس الدينية من لاهوت نظري إلى اخلاقي، ومن عقيدة إلى سلوك، تدل على عقلية دينية عميقة، فقد كتب إلى صديقه ميندلسون في عام 1766 يقول: "انني افكر في اشياء كثيرة اوقن بصحتها.. ولكني لم اجد الشجاعة اطلاقاً على الافضاء بها، ولكن لن اقول شيئاً اطلاقاً لا اعتقد بصحته"([18]).

"وطبيعي –يقول ديورانت- ان تتضارب التفسيرات وتتناقض التعليقات حول كتاب "النقد" العظيم لما فيه من غموض وإسهاب، فقد أعلن المتدينون العقائديون بان "كانط" في كتابه "نقد العقل الخالص" حاول تقويض يقين المعرفة الدينية، وقال أصحاب الشك، "ان هذا الكتاب إدعاء وقح يحاول بناء صورة جديدة من اليقين في العقيدة على انقاض الانظمة الماضية".

"وقال المعتقدون بما فوق الطبيعة انه حيلة مدبرة خبيثة لمحو أسس الدين التاريخية واقامة المذهب الطبيعي بلا جدال، وقال الطبيعيون انه دعامة جديدة لفلسفة الايمان التي تختضر، وقال الماديون انه مثالية تحاول نقض حقيقة المادة، وقال الروحانيون، انه تحديد لا مبرر له للحقيقة كلها وحصرها في العالم المادي"([19]).

"والواقع ان عظمة هذا الكتاب ومجده –كما يؤكد ول ديورانت- تقع في تقديره لجميع وجهات النظر وذكاء "كانط" نفسه، ولعله قد وَفَّقَ بينها وصهرها جميعها في بوتقة من وحدة الحقيقة لم تشاهد الفلسفة لها مثيلاً في تاريخها الماضي كله.

أما بالنسبة إلى تأثير آرائه، "فحسبنا ان نقول ان افكار القرن التاسع عشر الفلسفية كانت تلف وتدور حول آرائه، واخذت المانيا كلها تتحدث عن الميتافيزيقا من بعده، وقام شيلر وجوته بدراسته واقتبس بيتهوفن باعجاب شديد كلماته المشهورة عن غرائب الحياة الاثنين، السماء المرصعة بالنجوم فوقنا، والقانون الاخلاقي فينا "وانتج فخته، وشلنج، وهجل وشوبنهور في تعاقب سريع أنظمة من الأفكار استمدت ثقافتها منه.

لقد "مهد نقد "كانط" للعقل، وتمجيده للشعور، الطريق لمذهب الإرادة في شوبنهور، ونيتشه، والوجدانية في برجسون والبراجماتزم في وليام جيمس. كما استمد هيجل نظاماً تاماً من الفلسفة من تشبيهه قوانين الفكر بقوانين الحقيقة" ([20]).

الكانطية الجديدة:

ظهرت الكانطية الجديدة، كتيار فلسفي، في المانيا، في اواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وسرعان مالقيت أفكارها انتشارا واسعا في النمسا، وفرنسا، وروسيا، وبلدان أخرى.

"ينكر معظم الكانطيين الجدد "الشيء في ذاته" الكانطي، كما يرفضون التسليم بأية امكانية لتجاوز المعرفة لحدود ظاهر الوعي، وهم يرون أن مهمة الفلسفة تقوم، قبل كل شيء، على معالجة وصياغة الأسس الميتودولوجية والمنطقية للمعرفة العلمية من واقع مثالية أكثر علنية واتساقا منها في الماخية.

اما من حيث الوجهة السياسية فقد جاءت الكانطية الجديدة تياراً متعدد الالوان، يُعَبُّر عن مصالح فئات برجوازية جد مختلفة من ليبرالية، تنادي بسياسة التراجعات والاصلاحات، إلى يمينية متطرفة.

بيد ان الهدف الرئيسي، الذي انيط بالكانطية الجديدة، هو الصراع ضد الماركسية، ومحاولة تقديم الدحض النظري للمذهب الماركسي"([21]).

قالوا عنه([22]):

  • "لا شك أن كانط هو خير (الفلاسفة المحدثين) كما أنه ذاك الذي كان لتعليمه تأثير دائم في ثقافتنا بزّ في العمق كل تأثير آخر". (غوته).
  • "بصفة عامة يملك كانط الفلسفة الحقة، ولكن فقط في نتائجها، لا في المبادئ القادرة على تأسيسها، إن هذا المفكر الفريد يتبدى لي دوماً أحق بالإعجاب؛ فَلَهُ، على ما يتراءى لي، تلك العبقرية التي تكشف له عن الحقيقة بدون أن تريه أسبابها". (فيخته).
  • "ابتداء من كانط ينبغي أن يُعد الاستقلال المطلق للعقل مبدءاً أساسياً للفلسفة وواحداً من اعتقادات عصرنا". (هيغل)
  • "ما حدث قط – هكذا سيكون حكم التاريخ – أن شُنَّتْ في أي عصر آخر، معركة أكبر من تلك التي شُنَّت في زمن كانط من أجل المصالح العليا للفكر الإنساني؛ وما سبق قط للذهن العلمي أن مر، في توتر جهده، بتجارب أعمق وأغنى بالنتائج، فبظهور كانط تغير المجرى السابق للفلسفة دفعة واحدة، مثله مثل النهر الذي يشق لنفسه، في نهاية المطاف، بعد طول احتجاز واحتباس، منفذاً لا يلبث أن يعمل على توسيعه بلا هوادة إلى أن يتمكن من التدفق عبره بملء الحرية وبدون أي عائق.. ومنذ ان بدأ كانط فعله، لم تعد هناك مذاهب متعددة، وإنما فقط مذهب واحد يتعجل الخطى إلى النقطة الأخيرة لتجليه تحت مظاهر متنوعة". (شلينغ).

 

 

([1])ول ديورانت– مرجع سبق ذكره - قصة الفلسفة – ص325

([2]) روبرت أ.جولدون- مقال بعنوان: جون لوك  –تاريخ الفلسفة السياسية (مجموعة مؤلفين)  - تحرير: ليوشتراوس و جوزيف كروبسي – ترجمة: محمود سيد أحمد – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة – الجزء الثاني – 2005 – ص174

([3])  عبارة كانط هي "لا ينبغي أن تطلب من الأخلاق تنظيم الدولة تنظيماً سياسياً صالحاً، بل ينبغي أن نتوقع من التنظيم السياسي الصالح تثقيف الشعب تثقيفاً أخلاقياً صالحاً.  (مرجع سبق ذكره-  روبرت أ.جولدون –تاريخ الفلسفة السياسية  – ص 212).

([4])جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص 396

([5])غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره –تاريخ الفكر الغربي - ص 597

([6]) المرجع نفسه –  ص 598

([7]) المرجع نفسه - ص  600

([8]) المرجع نفسه - ص604 

([9]) ول ديورانت– قصة الفلسفة – ترجمة: د.فتح الله محمد المشعشع - مكتبة المعارف – بيروت – الطبعة الخامسة 1985م - ص327

([10]) المرجع نفسه  - ص354

([11]) أم الزين بنشيخة المسكيني – كانط ونقد التعصب – الانترنت – 9 أغسطس 2017.

([12]) المرجع نفسه .

([13])ول ديورانت –  مرجع سبق ذكره - قصة الفلسفة - ص356

([14]) المرجع نفسه - ص360

([15]) المرجع نفسه - ص365

([16])المرجع نفسه - ص367

([17])المرجع نفسه - ص370

([18])المرجع نفسه -  ص371

([19]) المرجع نفسه - ص372

([20]) المرجع نفسه - ص373

([21])جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص 736

([22])  مرجع سبق ذكره – جورج طرابيشي – معجم الفلاسفة – ص 513-516