Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح49)

غازي الصوراني

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل التاسع

عصر التنوير والحداثة في القرن الثامن عشر

أولاً: عصر التنوير العقل والتقدم

أبرز فلاسفة عصر التنوير والحداثة

سان سيمون (1760 - 1825):

مفكر فرنسي، احترف مهنة الكتابة، وتميز بمواقفه الإنسانية، يعتبر من أهم الاشتراكيين الطوباويين في إطار الثالوث الطوباوي: شارل فورييه وروبرت أوين وسان سيمون، حيث يقول البيان الشيوعي عن أفكار هذا الثالوث: "إنها ظهرت في الفترة الأولى للنمو الجنيني للصراع الطبقي بين البروليتاريا والبورجوازية، وعلى الرغم من طوباويتهم، فقد حملت أفكارهم عناصر نقديه للمجتمع الرأسمالي، حيث أنهم هاجموا أسس المجتمع القائم.

في هذا الجانب قال لينين "إن سان سيمون وفورييه وروبرت أوين، يُعَدون من اعظم العقول في كل العصور".

اهتم سان سيمون بنقد الرأسمالية الصناعية والدفاع عن العمال والدعوة إلى التعاون بينهم وبين رأس المال، فكان يخلط أو يجمع بين الاتجاه البورجوازي والاتجاه البروليتاري في آن واحد، لكن مأثرة سان سيمون –كما يقول انجلز- تكمن في فكرته القائلة أن العلم والصناعة ينبغي ان يسود المجتمع وأن يخلق "مسيحية جديدة" تعمل لصالح حقوق العمال باعتبارهم الطبقة الأكثر عدداً والأشد فقراً"([1]).

في عام 1819 صار أوغست كونت سكرتيراً ثم معاوناً له، تطالعنا تأملات سان –سيمون في العلوم بموضوعتين متمايزتين أتم التمايز:

"من جهة أولى: موضوعة وحدة العلم التي كان قال بها أخذاً عن ديكارت، ومن الجهة الثانية موضوعة الانتقال الضروري للعلوم من حالة تخمينية، تكون فيها المعرفة عبارة عن إلهيات أو ميتافيزيقا، إلى حالة وضعية، فالموضوعة الأولى لا تقيم تمييزاً جوهرياً حقاً بين موضوعات العلوم؛ أما الموضوعة الثانية فتفصل على العكس بقوة العلوم الرياضية والفيزيائية عن العلوم الفيزيولوجية والانسانية، وقد هجر سان – سيمون رويداً رويداً الموضوعة الأولى لصالح الثانية"([2]).

في مشروعه إعادة تنظيم المجتمع الأوروبي (تشرين الأول 1814) يَعْتَبر سان – سيمون أن السِّلْم يكون بحكم المُوَطَّد إذا ما ألَّفَتْ أوروبا جسماً سياسياً واحداً، مع الإعلان في الوقت نفسه عن استقلال كل شعب، وعلى هذا الأساس شارك سان سيمون في حرب الاستقلال الأمريكية.

جاء في مشروعه، "أن النظام الاجتماعي القديم كان ينطلق من فكرة مؤداها أن البلد ميراث للحكام الذين يسوسون أمره لصالحهم؛ أما في الأزمنة الراهنة فيسود على العكس الاعتقاد بان الهدف الذي ينبغي على النظام السياسي أن يضعه نصب عينيه هو سعادة المحكومين، وفي النظام السياسي الجديد يقول سان سيمون "سيضطلع العلماء بمهام القيادة الروحية، التي كانت حتى ذلك الحين حكراً لرجال الدين، مثلما سيتولي الصناعيون تسيير المصالح المادية؛ وعلى هذا النحو تغدو قدرة كل فرد على أداء وظيفة محددة واضحة، ومن ثم نستعيد صيغة العدالة الاجتماعية، "من كلٍ حسب استطاعته، ولكل استطاعة حسب أعمالها"([3]).

أما فيما يتعلق بالديانة البروتستانتية، فقد كانت اللوثرية بكلمة واحدة، بمثابة تراجع؛ فقد عادت بالمسيحية القهقري وصولاً إلى النقطة التي كان منها منطلقها، أي إلى طور المسيحية في زمن يسوع، وعلى هذا النحو تكون البروتستانتية قد أبقت على الدين في حالة تبعية للسلطة السياسية، ولذلك يقول إن "المسيحية الجديدة" مطالبة بأن تعيد تنظيم المجتمع بالاعتماد على القوة الجديدة التي تحبى بها القاعدة الانجيلية، بيد أن مبادرة الحركة لن تأتي من أولئك الذين ستعود عليهم بالفائدة، أي من الطبقة الفقيرة؛ فنشر المسيحية لم تكن وراءه، في أول الأمر، حركة شعبية بقدر ما كان وراءه "رجل روماني" مثل القديس بولس"([4]).

والحال أن سان – سيمون يعتقد أن الأديان المسيحية المزعومة، فقدت معنى رسالتها؛ خلاصة القول أن سان – سيمون يرى في الكاثوليكية عميلاً للرجعية وسنداً لقوى الماضي، على نحو ما كان دورها في عهد عودة الملكية.

والحق –كما يقول برهييه- "أن سان – سيمون كان أكثر أرستقراطية من أن يداخله الاعتقاد بان الشعب، الذي في سبيله يعمل، قادر على أن يفعل شيئاً في سبيل تجدده؛ فحتى ثورة 1789 لم تجئ من حركة شعبية بقدر ما جاءت من ميتافيزيقيين وقانونيين؛ وفي ظل الإحياء الجديد ينبغي أن يتم كل شيء بالتفاهم بين الملك و"محبي الانسانية" الممثلين للعلماء والصناعيين؛ ولن يكون المطلوب تغيير شكل الدولة بقدرما سيكون بيت القصيد إنابة العلم مناب الاكليروس، والصناعة مع الصيرفة مناب النبالة، أما احتمال نشوب نزاع بين هذه السلطات الجديدة وبين مصالح الطبقة الفقيرة فأمر لا يدور له في خلد، وهو لا يعتقد أصلاً بوجود مسألة اجتماعية بالمعنى الحقيقي للكلمة"([5]).

لكن، على الرغم من مثاليته الطوباويه، " كان سان سيمون –وهنا المفارقة ولكن بالمعنى الايجابي- وثيق الصلة باليعاقبة، وهم الاكثر ثورية بالمعنى الطبقي في الثورة الفرنسية، فقد شارك في آراء الماديين الفرنسيين وعارض التقاليد المثالية وخاصة المثالية الالمانية، وأقام ضدها "الفلسفة الطبيعية" أي دراسة الطبيعة.

أما مجتمع المستقبل عنده، فيقوم على أساس صناعة واسعة النطاق منظمة تنظيماً علمياً، ولكن مع الاحتفاظ بالملكية الخاصة والطبقات، وسوف يكون الدور السائد فيه من نصيب العلم والصناعة، وسيقوم به العلماء والصناعيون، ويضع سان سيمون بين هؤلاء أيضاً العمال والتجار ورجال البنوك، وسوف يتم تخطيط الصناعة لمصلحة غالبية أعضاء المجتمع، وخاصة الفقراء والبسطاء، وينبغي أن يعطى للجميع حق العمل، كل انسان حسب قدرته، ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة تخمينه القائل بأن مجتمع المستقبل سوف يدير الاشياء ويدير الإنتاج بدلاً من ان يحكم الناس"([6]).

يصبو المثال السانسيموني إلى إحلال التشارك محل التنافس، ومحل استغلال الإنسان للإنسان؛ فبفضل التربية يتأتى لكل فرد أن يزيح النقاب عن استطاعاته، واستطاعاته المتكشفة على هذا النحو تُعَيِّن مكانه في التشارك بحيث لا يتميز عمله في سبيل المجموع عن عمله في سبيل نفسه؛ وعلى هذا النحو تغدو كل مهنة وظيفة عامة حقيقية؛ وهذه نظرية تفترض ضرباً من توافق مقرر من قبل العناية الإلهية بين استطاعات البشر الطبيعية وبين ضرورات حسن أداء الوظيفة الاجتماعية؛ وأرجح الظن –كما يقول برهييه- ان عدم اعتقاد السانسيمونيين بعفوية مثل ذلك التوافق، خلافاً لما ذهب إليه فورييه، هو ما حدا بهم إلى أن يتركوا للدولة دوراً انضباطياً لقيادة العمل، بل حتى للإرغام عليه، لكن شرط هذا الانضباط ألا تحافظ الملكية على ذلك الطابع المطلق الذي يخول المالكين حقاً في عدم المشاركة في العمل الاجتماعي، وبما أنهم أرادوا أن تصير الملكية وظيفة اجتماعية فلا تعود معقلاً للأنانية، فقد "تصدوا لقوانين الإرث؛ فاقترحوا من جهة أولى أن تكون الدولة هي الوريث الرئيسي في جميع التركات من عمود الحواشي، ومن الجهة الثانية أن تتاح لكل فرد إمكانية اختيار وارث إذا كان أولاده غير اهل لتثمير ثروته"([7]). 

بالنسبة لوسائله في العمل، " فكانت لا تعدو خطابات إلى الملك، مشروع إعلان، رسالة إلى وزير العدل، رسالة إلى الصيارفة؛ أما مشاريعه فهي التالية: تعليم ديني قومي يحرره معهد فرنسا لتلقين الشعب أُسس التنظيم الجديد، ميزانية يقترع عليها الصناعيون، إلغاء ألقاب النبالة، إعادة تنظيم الحرس القومي وانتخاب الضباط من قبل الجنود، حل البرلمان، إعلان الدكتاتورية لفرض الإصلاحات.

وفضلاً عن ذلك، يتعين على الدولة أن تنشئ مصارف اعتماد لتزود بأدوات العمل جميع أولئك الذين تتوفر لديهم المقدرة عليه.

مؤلفات سان سيمون الرئيسية هي([8]):

  • "رسائل من أحد سكان جنيف إلى معاصريه" (1803)
  • "بحث في علم الانسان" (1813 – 1816)
  • "بحث في الجاذبية العامة" (1821 – 1822)
  • "النظام الصناعي" (1821)
  • "تعاليم الصناعيين" (1823 – 1824)
  • "المسيحية الجديدة" (1825).

غراكيس بابوف (1760 – 1797):

فيلسوف ومفكر اشتراكي فرنسي ثوري، نظم بابوف في عام 1796 – مع صحبه – "مؤامرة المتساوين" التي كانت نقطة الذروة للحركة الثورية الفرنسية في القرن الثامن عشر، فقد أصدر منشوراً نادى فيه بالمساواة المطلقة بين البشر، وطالب بتأميم الشركات، كما طالب بـ "تأميم ممتلكات الأفراد بعد موتهم، لضمان أن تصبح الملكية كلها في يد الأمة الفرنسية بعد خمسين عاماً، كما طالب أيضاً إدارة عملية الإنتاج الاقتصادي في كافة فروعه بواسطة موظفين أو عمال يتم انتخابهم بالاقتراع العام، وأكد في بيانه وحواراته على عدم السماح بممارسة أي حق سياسي لمن لا يعملون"، وقد " واصل "بابوف" نضاله العنيد من أجل مبادئه العظيمة، من خلال الجماعة التي قام بتأسيسها باسم "المتساون" (من أوائل الحركات الشيوعية في أوروبا)، لكن أجهزة الأمن الفرنسي آنذاك سرعان ما اكتشفت أمر تلك الجماعة، واتهمت "بابوف" بالتحضير لمؤامرة للاستيلاء على الحكم، وألقي القبض عليه وعلى كثيرين من أعضاء جماعته وقدموا للمحاكمة، وأعدم بابوف بالمقصلة عام 1797.

كانت البابوفية خطوة للامام في تطور التفكير الاشتراكي، لانها ظهرت في مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي الاجتماعي لفرنسا، وهي المرحلة التي كانت تتدعم فيها العلاقات الرأسمالية، وكان انصار الحركة أول من حاول ان يُحَوِّل الاشتراكية من نظرية إلى ممارسة في الحركة الثورية، وقد قالوا بفكرة الاحتفاظ بدكتاتورية الشعب العامل بعد انتصار الثورة، وحاولوا ان يحددوا المراحل الرئيسية للتحويل الثوري للمجتمع، ووضعوا الفرض القائل بان التاريخ صراع بين الاغنياء والفقراء، بين النبلاء والعامة، بين السادة والخدم، بين المتخمين والجياع، لكن على الرغم من ان البابوفية كانت تحمل ملامح الواقعية الاشتراكية، فانها لم تتجاوز المؤامرات في مناوراتها، ولهذا السبب ينظر إلى الحركة على أنها طوباوية (خيالية)، رغم أن بابوف وزملاءه – من الناحيتين التنظيمية والايديولوجية – أسهموا في تطوير الاشتراكية من مدينة فاضلة خيالية (يوتوبيا) إلى علم"([9]).

يوهان غولتليب فيخته (1762 1814):

فيلسوف ألماني، واحد من أبرز مؤسسي الحركة الفلسفية المعروفة بالمثالية الألمانية، الحركة التي تطورت من الكتابات النظرية والأخلاقية لأمانويل كانط.

"ولد فيخته في مدينة رامنو في ولاية ساكسونيا، بدأ دراسته في مدرسة جينا لللاهوت، وترك المدرسة عام 1784 دون إكمال دراسته، في 1790 بدأ فيخته في دراسة أعمال الفيلسوف إيمانويل كانط التي كانت مرجعا له طوال مسيرته الفكرية، بعدها بوقت ليس بطويل التقى فيخته باستاذه كانط في مدينة كونيغسبرغ، ومنذ عام 1794 إلى 1799 درس في جامعة إيينا؛ ثم "اضطر إلى مغادرة الجامعه بعد أن وجهت إليه تهمة بالإلحاد، وأقام بعدئذ في برلين من 1799 إلى 1805، وتعرف فيها إلى الرومانسيين حيث ألقى في عامي 1807 و1808، خطاباته الشهيرة إلى الأمة الألمانية وصار أخيراً مدرساً ثم عميداً لجامعة برلين"([10]).

عام 1792 أصدر فيخته كتابه الأول "محاولة في نقد الثورة"، حاول فيه الربط بين الوحي الإلهي وفلسفة كانط النقدية، وانتقد فيخته امتيازات الملكيات العقارية، ودعا إلى وحدة ألمانيا، والغاء تفسيمها الاقطاعي؛ وأكد على أهمية الفلسفة "العملية"، وتبرير الأخلاق، ونظام الدولة والنظام القانوني، ولكنه أحال "الممارسة" إلى مجرد نشاط الوعي الخُلُقي، واعتبر أن نظاماً يقوم على أساس من العلم شرط مسبق للفلسفة "العملية"([11]).

الحرية لدى فيخته :

كتب فيخته في عام 1801 يقول: "إذا قُبِلَتْ نظرية العلم وأذيعت على العموم بين أولئك الذين ترمي إلى الوصول إليهم، فسيتسنى للجنس البشري أن يتخلص من المصادفة العمياء، ولن يعود لحسن الطالع أو لسوئه من وجود، ولسوف تمسك البشرية قاطبة بمصير نفسها بين يديها، غير متقيدة إلا بتصورها الخاص؛ ولسوف تفعل بنفسها، بحرية مطلقة، كل ما يمكن أن تريد فعله بها"([12]).

إن فلسفة فيخته هي، في جملتها –كما يقول برهييه- " برهنة "علمية" على الحرية: فلم يكن من غاية لفيخته في أول الأمر، غير أن يجعل من نفسه مُبَسِّط فلسفة كانط ليستخلص منها، من خلال عروض شعبية، جميع النتائج العملية.

إن واعظ الفعل هذا لم يكن هو نفسه رجل فعل: فلئن أيقظ الضمائر وهز النفوس وناصر الشجعان، فإنه لم يرسم لنفسه قط ما يرسمه رجال العمل لأنفسهم من مناهج واضحة محددة ومن تصميم على التنفيذ.

وهذا التضاد بين حميا المنطلق وضآلة النتائج، هو جوهر الرجل كله وربما زبدة فلسفته؛ فلا هو بمصلح مثل سان سيمون أو أوغست كونت، ولا هو بسياسي مثل هيغل أو فكتور كوزان؛ فقوام الفعل عنده ليس في ما يُنَفَّذ، وإنما في الاستعداد الصميمي والإلهام، والمثال العملي الوحيد لفيخته هو الحرية: والحال أن الحرية تجد حدها الخاص علة وجه التحديد في نتائجها بالذات، وهي لا تستطيع مجاوزته إلا إذا استخدمت هذا النتاج كوسيلة للمضي قدماً إلى الأمام؛ وإلا تهددت الحرية بأن تتثبت وتتجمد في إبداعها وبأن تفقد القدرة المباطنة لها جوهرياً على التقدم"([13]).

أما كتابه الذي يحمل عنوان مساهمات هادفة إلى تصحيح أحكام الجمهور عن الثورة الفرنسية (1793) فهو كما يقول إميل برهييه: "ليس بحال من الاحوال دفاعاً عن المؤسسات البرلمانية، ففيخته يشيد فيه بتدمير امتيازات النبلاء ورجال الدين، وعلى الأخص بوضع الدولة يدها على أملاك الكنيسة، وبكلمة واحدة، بكل ما من شأنه أن ينزع إلى ضمان المساواة المدنية والسياسية، ففيخته يقف بلا مواربة في جانب روسو، لا في جانب مونتسكيو؛ بيد أن العقد الاجتماعي (الذي يجعل منه الأصل الحقوقي، بله التاريخي، لكل مجتمع) ليس في نظره ما يضمن المجتمع ويدعم ركائزه بقدر ما أنه ما يفسح في المجال لإحداث تغيرات فيه؛ وعلى هذا النحو يغدو العقد الاجتماعي مبدءاً ثورياً؛ وقد أقر الدراسون بحق لفيخته، بأنه كان من أوائل من أدرك أن العقد، ما دام يتولد من حرية الأفراد، لا يجوز أن يعيقها بأي صورة من الصور وأنه لا يمكن بالتالي أن يكون مبدأ للإكراه الاجتماعي: فكل فرد يحتفظ في كل لحظة بحق فسخه"([14]).

على مذبح حرية الفرد هذا يستطرد برهييه: "يُضَحِّي فيخته أيضاً بالليبرالية الاقتصادية في كتابه عن الدولة التجارية المغلقة (1800): وقد حثه على تحرير هذا الكتاب مشهد البؤس الذي كان يتواجد، في بروسيا كما في انكلترا، مع ثروات هائلة تتراكم من التجارة، ويعزو فيخته هذا الوضع إلى المركنتلية التي تُضَحِّي بمصالح العدد الأكبر لصالح التطور الضخم لتجارة خارجية تعود فوائدها حصراً على حفنة ضئيلة من الأفراد".

أما "الإصلاحات التي يقترحها، فقد حملت الدارسين على اعتباره المخترع الأول لاشتراكية الدولة: فتقسيم العمل هو في نظره ضرورة للمجتمعات الإنسانية؛ ولكن لا مندوحة له عن التوافق مع العدالة؛ فمن الحق المشروع أن يتمكن كل فرد من أن يعتاش من العمل الذي اختاره أو الذي فرض عليه.

ولئن اتصف فيخته في نشاطه بصفة دائمة، فهي مجهوده ليؤلف حوله مجموعات محدودة العدد من الأشخاص المحتكين، عليها معقد الرجاء لإشعاع روح الحرية"([15]).

أخيراً، إن ما يذود عنه فيخته بأكبر قدر من الحميا –كما يؤكد برهييه- "هو حرية رسالته الخاصة؛ ففي بحر عام 1798، وفي جامعة إييينا، وجد نفسه متهماً بتهمة الإلحاد، مما أدى إلى إقالته؛ فقد كان يحلو له أن يرى في ذلك الاتهام ذريعة يحتج بها أعداؤه ليعرقلوا تعليماً يبث في أفئدة طلابه حب الاستقلال، كتب يقول: "ينبغي أن أحامي عن شخصي طالما وسَعَنْي ذلك، لأن انتصار القضية العادلة مرتبط بكل تأكيد بالنسبة إليَّ بحرية شخصي"([16]).

عندما ألقى فيخته في شتاء 1807 – 1808، بعد معاهدة الصلح التي ألغت القدرة العسكرية البروسية، من قبل قوات نابليون خطاباته الشهيرة – في برلين المحتلة- إلى الأمة الألمانية، كان الروح نفسه هو ما يحرك نزعته الوطنية: فالشعب الألماني أنيطت به، بين سائر الشعوب، الرسالة التحريرية عينها التي أنيطت بفيخته وحلقته بين سائر بني الإنسان، قال فيخته:

"انكم وحدكم (أيها الألمان) من بين جميع الشعوب الحديثة، حاصلون على جرثومة القابلية الانسانية للكمال بأظهر ما تكون، وإليكم يعود حق التَّصَدُّر في تطور البشرية..؛ فإذا هلكتم هلكت معكم الإنسانية جمعاء بغير أمل في إحياء قريب"([17]).

رغم كل ذلك يقول إميل برهييه "إن تأثير فيخته الفوري والمباشر كان مقتضباً بسبب النجاح الباهر الذي أحرزه شلينغ ومن بعده هيغل؛ وهو لم يتخط بالاجمال مفتتح القرن التاسع عشر.

أهم مؤلفاته([18]):

"المبادئ الأساسية لكل نظرية العلم" (1794)؛ "أسس القانون الطبيعي" (1796)، وبه ترتبط ثلاثة مؤلفات: "الدولة التجارية المغلقة" (1800)، و"نظرية القانون" (1812)، و"مذهب النظرية الأخلاقية" (1798)؛ و"الملامح الكبرى للعصر الحاضر" (1806) و"المنهج للوصول إلى الحياة السعيدة" (1806).

قالوا عنه([19]):

  • "إن جوار فيخته محبب جداً إليَّ، وأنا أجني منه فوائد شتى؛ والحديث مع فيخته تنعقد أواصره بسهولة؛ وما دام الرجل يَعدِنا بالتوفيق بين الحس المشترك والفلسفة فما علينا إلا أن نصغي إليه بإمعان". (غوته).
  • "سوف يرفع فيخته الفلسفة إلى ارتفاع شاهق يبدو أمامه معظم الكانطيين، حتى أيامنا هذه، وكأنهم أطفال رُضَّع" (شلينغ).
  • "لقد أدت فلسفة فيخته إلى النتيجة عينها التي أدت إليها فلسفة كانط، أعني أن المتناهي وحده يمكن أن يُعْرَفْ، وأن اللامتناهي يجاوز دائرة الفكر" (هيغل).
  • "الفكرة المركزية في مذهب فيخته هي فكرة الإنسان الخلاق، فكرة أن الإنسان هو ما يصنعه بنفسه، فلأول مرة في تاريخ الفلسفة، توضع موضع الشك التعريفات اللاهوتية لصالح الفاعلية الخلاقة الحرة للإنسان". (روجيه غارودي).
  • "فيخته: ذهن نظري متوتر إلى درجة التعصب، جهود عنيفة نحو مستحيل، بناء عبقري، مُنَظِّر أخلاقي مؤثر، وقد كان تأثيره ضاراً من حيث انه دفع باتجاه التطرف وعدم التسامح" (كارل ياسبرز).

 

 

 

([1]) جورج لابيكا – معجم الماركسية النقدي – دار الفارابي – 2003 – ص741

([2]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة –  الجزء السادس: القرن التاسع عشر 1800 - 1850 – ترجمة: جورج طرابيشي –  دار الطليعة – بيروت – الطبعة الأولى – تشرين الأول (أكتوبر) 1985– ص  325

([3]) المرجع نفسه  - ص  328

([4]) المرجع نفسه  - ص  330

([5]) المرجع نفسه  – ص  331

([6])م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية – دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 239

([7])اميل برهييه – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفلسفة – الجزء السادس – ص  333

([8])م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية –دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 239

([9]) المرجع نفسه - ص 72

([10]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة –  الجزء السادس: القرن التاسع عشر 1800 - 1850 – ترجمة: جورج طرابيشي –  دار الطليعة – بيروت – الطبعة الأولى – تشرين الأول (أكتوبر) 1985– ص  136

([11])م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية –دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 361

([12])اميل برهييه –  مرجع سبق ذكره  - تاريخ الفلسفة – الجزء السادس - ص  137

([13]) المرجع نفسه  - ص  138

([14]) المرجع نفسه  - ص  139

([15]) المرجع نفسه  - ص  141

([16]) المرجع نفسه  - ص  143

([17]) المرجع نفسه  - ص  144

([18]) المرجع نفسه – ص  136

([19])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 481 - 483