يمكن تعريف اللاعقلانية irrationalism إجرائيًا بأنها(1) تيار مثالي في التفكير الفلسفي يقول: إن العالم مشوش لا عقلاني ولا يمكن معرفته على حقيقته باستخدام التفكير العلمي، ويمكن القول دون شطط أن اللاعقلانية هي نتاج تحديات العقلانية نفسها في الأساس، وهذه التحديات نتجت عن عدة أسباب نفصلها تاليًا، ولكن يمكن التلخيص بكثافة والقول: إن أصحاب النزعة اللاعقلانية بإنكارهم قوة العقل يضعون في مقدمة الأشياء، الإيمان (النزعة الإيمانية) والغريزة (بالمعنى الفرويدي) والإرادة اللا شعورية (كما يرى شوبنهور) والحدس (عند برغسون ووليم جيمس) والوجودية (كما شرحها كيركيغارد).
في التفاصيل أكثر، فإن التحدي الأول جاء من حدود العقلانية نفسها، وعجزها عن تفسير بعض المفاهيم (العليا) ىأن صح التعبير، مثل الحقيقة، والخير والجمال وغيرها.
وظهر ذلك واضحًا في الفلسفة اليونانية وأيضًا في عصر التنوير، فمثلًا بقي فولتير، الممثل النموذجي للتنويرـ "Lumières" ، متشككًا جدًا في الأضواء الطبيعية للعقل البشري والقدرة على إيجاد إجابات نهائية، وكذلك الوضعية في القرن التاسع عشر، التي وصفت بأنها ذروة ثقة الإنسان في العقل على أساس التقدم العلمي، ومع ذلك ، سرعان ما تم رفض الاعتقاد الوضعي بأن العقل العلمي سيجعل جميع المقاربات الأخرى وقد عفا عليها الزمن، وبالتالي استجابة لهذا التحدي عملت اللاعقلانية كتحد متكرر للاعتقاد بأن التفكير التحليلي أو الاستنتاجي نتاجًا لعمليات ألفا وأوميغا للعقل البشري، التي تعكس الشخصية البشرية، وقد تم تلخيص هذا جيدًا في تصريح الأمير الصغير (رواية) لأنطوان دو سانت إكزوبيري :"ما هو أساسي يبقى مخفيًا للعين".
جاء التحدي الثاني لغلبة العقل من الجانب الديني ومن فهم أن جميع التقاليد الدينية في العالم، القائمة على التجربة المباشرة بقدر ما هي الوحي، لديها وعي حاد بأن المأزق البشري يتعارض مع المثل الأعلى للكمال والسعادة؛ في الفكر المسيحي مثلًا، هناك مفهوم مزدوج لدينونة الله ونعمته، وهو الموقف الذي عبَّر عنه بولس بشكل أفضل واشتهر عبر المصلحان مارتن لوثر وجان كالفين. إن فكرة الخطيئة ذاتها في عالم خلقه الله كلي القدرة والصلاح تبدو متناقضة، وهكذا في السياق الديني، بالتالي، تأخذ اللاعقلانية طبيعة التناقض والغموض، حيث تؤكد أنه لا يمكن للعقل البشري دون مساعدة أن يفهم تمامًا معنى حالة الإنسان.
في سياقات مختلفة، تعاملت ديانات العالم الأخرى مع نفس القضية الأساسية وقدمت استجابة ترقى دائمًا إلى رفض العقلانية، دون حاجة هنا للتوسع في هذا الأمر. أما الذروة التاريخية للاعقلانية فيمكن الادعاء إنها جاءت مع رد الفعل العنيف ضد عقلانية التنوير والموجة اللاحقة من الوضعية، في نهاية القرن الثامن عشر، حيث خلص إمانويل كانط إلى أن العقل لا يمكن أن يعطي معرفة مؤكدة ونهائية عن الواقع، لا سيما عن الله المتعالي، وبالتالي يفسح المجال للإيمان، الذي اعتبره كانط بدون أي شعور بالتناقض، ربما كشكل من أشكال العقل.
يصبح السؤال حول ما يعتبر سببًا وما لا يعتبر سؤالًا مهمًا، بالنسبة للكثيرين، أي شيء لا يتعلق بالمعرفة العلمية للكون المعروف تجريبيًا لا يعتبر سببًا، بالنسبة للآخرين، وخاصة في عصر الرومانسي، فإن قدرة العقل الفطرية على التعرف على حقيقة المطلق تمثل أعلى قمة للعقل، في هذه المرحلة، حيث يوجد تقارب بين العقلانية واللاعقلانية، مع وجود اختلاف في المصطلحات في الغالب، ونجد أن أبرز الممثلين لهذه المرحلة: فريدريش هاينريش جاكوبي، جاكوب فريدريش فرايز، ويوهان جورج هامان.
يعتبر المثاليون الألمان مثالًا آخر على أنظمة التفكير التي تم تطويرها مع التركيز بشكل كبير على التفكير العقلاني، ولكنها بلغت ذروتها في كثير من الأحيان في التخمينات غير العقلانية، وهذا واضح لدى هيجل والهيجليين، وأكثر من ذلك شيلنغ، خاصة في مرحلته الصوفية المتأخرة.
ودون المضي في سرد تاريخي للأفكار، يمكن القول أنه إذا كانت النزعات المذكورة هي ركائز التيار المضاد للسلطة العقلية في التيار اللاعقلاني، فإن روافد هذا التيار تنبع أيضًا من أفكار أخرى تتراوح بين العدمية وعلم الاجتماع الرومانسي والإرادوية.
ومن المناسب هنا إلقاء الضوء على المجرى التاريخي الذي صعد فيه تيار الفلسفة اللاعقلانية للتمكن من تصنيفه والحكم عليه إذا كان ذلك ممكنًا.
سياق تاريخي
في 8 أكتوبر 1806 بدأ الجيش الفرنسي النابليوني حربه ضد بروسيا، كانت تلك بداية لما يمكن تسميته تصدير الثورة إلى أوربا وأدت المعركة التي استمرت ستة أيام فقط إلى اختفاء بروسيا من الوجود. وتمكن نابليون من القضاء على تحالف خمسة قوى أوربية، مثلت أوربا الإقطاعية الملكية، وحيثما حلت الجيوش الفرنسية كان ذلك يعني زوال نظم قديمة وإحلال نظم علاقات برجوازية أكثر تقدمًا في ذلك الوقت. ولعل أهم إنجازات نابليون تصفية الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، الممثل الأكثر تعبيرًا عن اهتراء العصر القديم، وهكذا تطايرت خارطة أوربا ليعاد تشكيلها من جديد.
صعود المقاومة الشعبية ضد نابليون وجيوشه كانت الرد البليغ والمبكر تاريخيًا على فكرة تصدير الثورة وتعميم الإمبراطورية في رداء ثوري، ونتيجة لذلك لم تستمر موجة الانتصارات، إذ هزم نابليون عام 1814 وعادت أسرة البوربون للحكم في فرنسا، وهزيمة نابليون أعادت الاعتبار نوعًا ما للرجعيات الأوربية التي بادرت عام 1814 لعقد مؤتمر في أكتوبر بحضور 216 ممثلًا غاب عنهم تمامًا التيار الديمقراطي المتصاعد، وكان هناك خمسة أشخاص تحديدا حسموا اتجاهات القرارات، قيصر روسيا ومستشار النمسا مترنيخ ووزراء خارجية بريطانيا وبروسيا وفرنسا البوربونية.
المبدأ الحاسم للمداولات كان مبدأ الشرعية العتيدة الذي يُعيد الملوك إلى عروشهم، وأصبح هذا المبدأ هو السلاح الأيدلوجي في يد الرجعية لإلغاء التغييرات التي أعقبت الثورة الفرنسية وحرب نابليون. واكتمل التحالف بين الملوك الاستبداديين بانضمام الكنيسة الكاثوليكية الرجعية بقوانين الجزويت؛ فصار الهدف القضاء على «غواية الثورة» و«الهرطقة الثورية» (2). وهكذا عادت الرجعية لتستولي على زمام الأمور بالترافق مع السخط الشعبي.
وتتالت الثورات منذ عام 1830 وما قبلها، فثار الأسبان عام 1820 مطالبين باستعادة دستور عام 1812 فقمع الحلف المقدس الثورة بقسوة وقضي عليها على يد فرنسا، وكان هذا هو حال الثورة الإيطالية المتزامنة التي أخمدتها النمسان وثار اليونانيون في مارس عام 1821 ضد الاحتلال التركي؛ تم تكليف محمد علي حاكم مصر بقمع الثورة، وهو كان حليف مترنيخ، ولكن شعب اليونان انتصر وحقق استقلاله عام 1930. تلك الفترة كانت مرحلة التحرر الكبرى، حيث تحررت أمريكا اللاتينية ورمت بالمستعمرين الأسبان والبرتغال خارجًا، مما وجه ضربة قاسية للحلف المقدس.
وصعدت الثورة الصناعية واجتاحت أوربا، ومع نمو حركة العمال نمت البرجوازية وتضخمت رؤوس الأموال ومصادرها وتطلعت البرجوازية للعب دور أكبر والاستيلاء على السلطة، ولكنها توجست أيضًا من العمال المستغلين ورأت إن النبالة والملكيات الرجعية أقل خطورة من العمال. وتوسعت الكولونيالية بشكل كبير وشنت حروب الاستعمار وضمت الدول واحتلت الشعوب وتسلمت البرجوازية السلطة في فرنسا عام 1830 على حساب كفاح الشعب العامل وتوطد نظام محافظ وبوليسي وأصبحت فرنسا أحد أعمدة الحلف المقدس كما ذكرنا.
واستمر الوضع حتى 1848 عدما انفجر وهزت الثورات أوربا وتفكك الحلف المقدس، ولكن هذه الثورات لم يكن مقدرًا لها الانتصار؛ بسبب افتقار البروليتاريا الفرنسية للوعي الكافي وغياب التنظيم، فاستغلت البرجوازية الفرصة ونجحت في تشكيل حكومة، لتبدأ هجومها المضاد على البروليتاريا، وقضي على التحرك العمالي المضاد الذي بدأ يوم 22 يونيو بقوة الحديد والنار؛ فدمرت قوة الثورة بعد إعدام 11000 عامل(3).
هزيمة ثورة 1848 فتحت الباب واسعًا أمام سيطرة الرجعية السوداء، في عموم أوربا وتوجت بترشيح لويس نابليون الذي انتخب رئيسًا للجمهورية الثانية واستخدم كل قدراته للقضاء على الجمهورية وفي 2 ديسمبر 1851 قام بالانقلاب الذي منحه كل السلطات؛ معتمدًا على الجيش وبعد عام في 2 ديسمبر 1852 صفيت الجمهورية رسميًا وأعلنت فرنسا إمبراطورية على رأسها لويس بونابرت إمبراطورًا باسم نابليون الثالث(4) الذي اتسم عهده بالرجعية والعدوانية.
لاقت ثورة ربيع 1848 في ألمانيا نفس المصير بعد بروفات بائسة قامت بها البرجوازية المتحولة إلى اليمين، كما سحق الجيش النمساوي المقاومة الباسلة لشعب براغ في 12-17 يونيو 1848، أيضا سحقت الثورة الشعبية في فيينا بوحشية وعلى يد تحالف فرانسوا جوزيف إمبراطور النمسا ونيقولا الأول إمبراطور روسيا تم قمع الثورة المجرية ولاقت الثورة الإيطالية والبلجيكية والأسبانية والسويسرية نفس المصير(5). وهكذا أسدل الستار على الأمل الثوري الناهض عام 1848 في أوربا، وكان ذلك إيذانًا بالتحول الكبير الذي سيعم القارة بمجملها مع سيادة الرجعية وقبضها على السلطة، وكان ذلك إيذانًا بحدوث تحولات وتغييرات في مواقف وأفكار المفكرين والساسة البرجوازيين وانتقالهم إلى مواقع الجبهة المعادية للحركة الشعبية وصعدت اللاعقلانية بقوة.
بعد هذه النظرة المختصرة على أوضاع أوربا غداة ثورات 1848، وإن كانت الأمور استقرت مؤقتًا لمصلحة الرجعية، إلا أن فوران القوة الشعبية العمالية الصاعدة، كان يهدد هذا الاستقرار الرجعي، وهكذا كان شعور البرجوازية اليائس بالخطر المحدق، مما جعلها تستدير على نفسها لتتحالف مع الرجعية الإقطاعية، مما جعل جوًا من التشاؤم واليأس مخيمًا على صفوف البرجوازية ومفكريها، مما قاد إلى صعود التيارات التي سبق وذكرناها، من عدمية وتشاؤم وخوف من المستقبل، وكانت تلك الأجواء مترافقة مع صعود الكولونيالية التي صعدت عبرها العرقية والعنصرية والبراغماتية البرجوازية الانتهازية والداروينية الاجتماعية كانت تربة مناسبة لصعود اللاعقلانية التي قادت إلى الفاشية. تلك إذن كانت مرحلة أزمة واللاعقلانية هي رد خاطئ على الأزمة، محاولة يائسة لقلب الأوضاع وإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وهي السمة الأكيدة والثابتة للفلسفة الرجعية، وكما يحددها لوكاتش «إجابة خاطئة عن مسألة صحيحة، اللاعقلانية هي الشكل الذي يتخذه فكر يهرب أمام جواب جدلي عن سؤال جدلي».
هزيمة ثورات 1848 أثبتت استخلاصًا أساسيًا هو أن البرجوازية الليبرالية فقدت نهائيًا ثوريتها وتحولت إلى طبقة معادية للتقدم، وصار منظّرُوها يرون البروليتاريا قوة اجتماعية تهدد وجود ديمقراطيتهم، فاتجهت لعقد حلفها المقدس مع القوى الإقطاعية الرجعية(6)، وهكذا بعد فشل هذه الثورات، دخلت هذه الفلسفة مرحلة الانحطاط الفعلي، لتنفض يديها من إنجازات ما سبقها ملقية بالديالكتيك ومبشرة بالعلاقات الاجتماعية الرأسمالية، حاطة من قدر العلم والعقل، ناشرة اللا أدرية التي أصبحت في نظر معظم الفلاسفة البرجوازيين المدخل الفلسفي الوحيد لدراسة الواقع. ليس مجهولًا إنه في مراحل الأزمة المتسمة بالهزيمة والانحدار يفقد مثقفو البرجوازية عادة ثقتهم ويقينهم في متانة المجتمع ونظامه، وهنا يصبح المسعى متجهًا إلى إخفاء المشاكل والعيوب والتناقضات ومحاولة رفع جسور أيدلوجية فوق مظاهر الفوضى والاضطراب، وقد أطلق ماركس في رأس المال اسم (الاتجاه الاعتذاري التبريري) على هذا الوضع(7)، ولإزالة التناقض عن عالمه المتفسخ يلجأ المثقف اللاعقلاني في مرحلة الأزمة إلى الهرب من العالم المركب إلى عالم بسيط، من عالم فاسد إلى عالم خير، من عالم المدينة والصناعة والتلوث إلى عالم القرية والطبيعة والنقاء والطهر.
هنا تجد الرومانسية قوامها في العودة للتاريخ والماضي الملهم، وزمن الأبطال الملحميين، والارتباط بالأرض وتقديس القوة وتمجيد الآباء، ورفض الحاضر البائس والتطلع إلى مستقبل سلفي إن صح التعبير يستعيد بريق الماضي؛ مستقبل، ركيزته النوستالجيا اليائسة فاللاعقلاني لا يرى الخلاص إلا بالماضي والعودة إليه هي الأمل المنشود.
هناك عدد كبير من الفلاسفة المؤسسين للاعقلانية في الفلسفة وهم في الحقيقة نتاج عصر الأزمة وناطقي الهزيمة وسنكتفي باستعراض من نعتبرهم الأكثر أهمية وتأثيرًا، والذي كان لأعمالهم أثر بالغ في استلهامات الفاشية ورجعيات النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ولنبدأ من عند شوبنهور (1788-1860) سليل عائلة البنوك والعدو الطبقي الطبيعي للجماهير وتطلعاتها الثورية؛ جاءت مساهمته في التيار اللاعقلاني عبر معارضته للنظرة التاريخية عند هيجل ورفضه لتاريخية الشخصية، ومناداته بالفردية في الأخلاق، وقصره لمهمات الدولة على المهمات البوليسية، معتبرًا أن ماهية الإنسان هي إرادة مستقلة عن العقل ورغبة عمياء لا تنفصل عن الوجود الفيزيولوجي للإنسان معتبرًا الإرادة الفردية شاملة وتشكل الأساس والمحتوى الحقيقي لكل ما هو قائم(8)، وهو يقترح الانطلاق ليس من الموضوع كما يرى الماديون ولا من الذات كما حال المثاليين الكلاسيكيين، بل من التصورات التي تولدها الإرادة اللا واعية وتتجلى نزعته اللا علمية في رفضه اعتبار العلم نشاطًا معرفيًا، بل عبارة عن تلبية الاهتمامات العملية. وهو تشاؤمي تتراوح حياة الإنسان عنده بين الرغبة وإشباعها وما إن تُشبع حتى تنتاب الإنسان مشاعر القرف والسأم، مولدة ألمًا جديدًا؛ فالألم يرافق الحياة دائمًا، وينتمي شوبنهور إلى التيار التبريري الذي تحدث عنه ماركس، وتبريرية شوبنهور هي غير مباشرة وتبدأ بالاعتراف بالتناقضات والتسليم بوجودها، ولكن تزيح جدلية هيغل وتاريخيته لجل التبرير مقبولًا وتصبح الشرور والسيئات صفات ملتصقة بالإنسانية قاطبة، وليس فقط بالرأسمالية وبحركة التاريخ. والحصيلة لفلسفة شوبنهور هي دعوته للعزوف عن أي عمل أو حقل اجتماعي أو سياسي والكف بوجه خاص عن أي محاولة لتغيير المجتمع(9)، مما يجعله مناهضًا للثورة بامتياز؛ داعيًا المحرومين للتخلي عن النضال، بل عن الرغبات والحاجات أيضًا لتتجلى نزعته الإرادية التشاؤمية الكارهة للجماهير في آراءه السياسية عبر مناداته بالدولة البوليسية وجهاز القمع والإرهاب لقمع الجماهير المنتفضة على طغيان الملكية الخاصة.
ومما يجدر ذكره أن شوبنهور الذي لم يلفت الأنظار في العشرينات سرعان ما أصبح مرجعًا فكريًا هامًا بعد أن انقلب دراماتيكيا نحو التشاؤم والريبية والإرادوية؛ بسبب مواقف البرجوازية الألمانية قبيل الثورة عام 1848 وبعدها، والتي انتابها الذعر القاتل أمام تصاعد الحركة العمالية الثورية ونجاحاتها الأولى، مما يكشف انعطاف البرجوازية نحو الرجعية السياسية(10).
الشخصية الثانية في تاريخ الفلسفة الرجعية الأوربية تمثلت في النمساوي سيورين كيركيجارد (1813-1855) الذي نادى كسابقه باللاعقلانية، حيث رأى أن الفكر لن يستطيع أبدًا إدراك الواقع معتبرًا أن مذهبًا فلسفيًا أيا كان يستطيع فقط احتواء التجربة الماضية، وهكذا فالمذهب العقلاني برأيه عاجز عن تمثل الأشياء التي تتطور زمنيًا (11). والوجود هو حجر الزاوية في فلسفة كيركيجارد، وهو عنده تغير في الزمن، ولكنه يرفض الفهم الديالكتيكي للتغيير، ويعارض الجدل الهيجلي، فالعملية الحياتية لا تتم عنده إلا على شكل دفعات ويتجلى رفضه الديالكتيك عبر قانونه (إما – أو ) وهو قانون مؤثر وفاعل في الفكر الفاشي كما سنرى لاحقًا.
وينكر كيركيغارد الواقعية الاجتماعية، والواقعية عنده فقط هي الذوات الفردية؛ معارضًا القول بأولوية الاجتماعي أمام الفردي، ولكن ذلك مقدمة لرفض الحياة الاجتماعية؛ معتبرًا الدولة هي المعنية بكل ما يهم المجتمع ككل، وعلى الفرد أن يحترم قدسية السلطة الحكومية القائمة، وهو يرى في عصاة رجل البوليس رمزًا لهذه القدس ية المطلقة(12).
أما الفرنسي الوضعي أوغست كونت (1798-1857) فقد جاءت فلسفته كرد فعل على النمو المتصاعد لحركة الكادحين التحررية، وتتجلى رجعيته الاجتماعية باعتباره المجتمع كائنًا اجتماعيًا، يتعاون أعضاؤه جميعًا لما فيه «مصلحة الكل»، وأكد على أن المصلحة السياسية يجب أن تتركز بيد « أقطاب الصناعة» لا سيما المصرفيين ورجال البنوك. وهو ومن إيمانه بعجز الثورة البرجوازية عن إصلاح المجتمع، وإقامة دعائمه على أساس عقلاني، يرفض الثورة أيًا كانت لأنها برأيه تخرب النظام، ويتمادى ليرفض فكرة مساواة الجميع ويرفض مبدأ السلطة للشعب. وهكذا تواصل الفلسفة انحطاطها، حيث تتخلى الفلسفة البرجوازية نهائيًا عن تقاليدها التقدمية تاريخيًا لتصبح مسرحًا لمختلف الآراء الرجعية والمثالية الذاتية والإرادية والوضعية والتلفيقية(13).
مع هربرت سبنسر (1820-1903) ينضم رافدًا جديدًا إلى تيار اللاعقلانية والعرقية، عبر نظريته العضوية في المجتمع، والتي يعرضها في مؤلفه الرئيسي (المبادئ الأولى) لتشمل عنده البيولوجيا والسوسيولوجيا والسيكلوجيا والأخلاق؛ معتبرًا البيولوجيا العلم العياني الرئيسي، مفترضًا أن الحياة تحكمها القوانين البيولوجية، وقد أكد (14) أن الفقراء بطبيعتهم لا يستحقون، وأن الواجب؛ ألا يشجع بقاءهم أو نسلهم. وهو يشبه المجتمع بكائن حي ينشأ ويتطور وفقًا لقوانين الطبيعة لتؤد آراؤه إلى عضوية الظواهر الاجتماعية مظهرًا الاستغلال والاضطهاد كظاهرتين طبيعيتين ممهدًا عبر تعميم مبدأ «الصراع من أجل البقاء» الدارويني على الحياة الاجتماعية الطريق لرجعية (الداروينية الاجتماعية)(15).
الدفعة القوية للرجعية واللاعقلانية العدمية المعادية للتطور والمجتمع، جاءت مع فريدريك نيتشه (1844-1900)، الذي ظهرت فلسفته كرد فعل من قبل الدوائر البرجوازية الأكثر رجعية في ألمانيا على كومونة باريس وانتشار الماركسية، ونمو الحركة العمالية المنظمة.
علق مكسيم غوركي على فلسفة نيتشه(16) قائلًا: «يبدأ تاريخ مرض الرأسمالية فور انتزاع البرجوازية للسلطة، من أيدي الإقطاعيين، ويمكن القول إن أول من أشار إلى هذا المرض واندفع ينتحب بأسى قاتل كان فيدريك نيتشه، معاصر كارل ماركس، وفي حين كان ماركس يقدم البرهان العلمي الأكيد على حتمية هلاك الرأسمالية، وحتمية سلطة البروليتاريا، كان نيتشه ينادي بحمأة المريض وهلع المتعصب، بمشروعية ومطلقية سلطة (المحتال الأشقر)».
تشكلت آراء نيتشه في الفترة من (1869-1879) وهي الفترة التي دخلت فيها الرأسمالية مرحلة الإمبريالية كرد فعل البرجوازية على تضخم التناقضات الطبقية(17)، حيث سيطرت على نظرته للعالم فكرة الكراهية لـ (روح الثورة) وللجماهير، معتبرًا أن العبودية هي شأن يخص «جوهر الثقافة»، أما الاستغلال فيرتبط "«بجوهر كل شيء حي»؛ مركزًا على إعاقة تيار الثورة، ومن هذه الزاوية أعاد تقييم المبادئ الأيدلوجية البرجوازية الليبرالية ومعاييرها الفلسفية العقلانية وعلم الأخلاق التقليدي والدين المسيحي؛ معتبرًا أن هذه المسائل تضعف إرادة الصراع وغير قادرة على سحق حركة الثورة الصاعدة، وهكذا فالحل بنظره هو أن تحل محلها المبادئ اللا إنسانية وغير الديمقراطية؛ معارضا إرادة العقل، مقدسًا إرادة القوة باعتبارها القوة الدافعة الكلية للتطور، باعتبار القوة هي التي ستنقذ ألمانيا وتقضي على الاشتراكية والليبرالية دفعة واحدة، ليضع أسطورة العود الأبدي للأشياء؛ معارضًا نظرية التقدم؛ رافضًا مفهوم التقدم الاجتماعي باعتباره خاطئًا ومغلوطًا.
وفلسفته أيضًا جاءت مفعمة بالتناقض وعدم الاتساق، ولكنها أيضًا تشكل وحدة تامة من حيث الروح والنزعة والهدف، مشبعة بالهلع والذعر أمام الاشتراكية الصاعدة وبالحقد على الجماهير العاملة. وينطلق في فلسفته من الاعتراف بأن حضارة أوربا تسير إلى الهاوية نتيجة الضعف العام الذي انتاب الحياة الروحية في انتشار التشاؤم والولع بالأفكار الانحطاطية؛ متطلعًا إلى التخلص من العدمية وإحلال نزعة التفاؤل، ولكن التشاؤمية والعدمية المسطرتان على المثقفين البرجوازيين أواخر القرن التاسع عشر كانت في الواقع؛ تعبيرًا عن انهيار الآمال في تطور «منسجم وهادئ» للمجتمع الرأسمالي، وذلك تحت ضربات الانتفاضات البروليتارية الثورية، والآمال الجديدة مع بوادر عصر الإمبريالية، لم تكن إلا أنوارًا خادعة سرابية لم تفلح في استعادة الثقة، هكذا كانت فلسفة نيتشه هي الأخرى انعكاسًا لهذا الانهيار(18)، وبالنسبة له لم يكن هناك حضارة سوى الحضارة البرجوازية؛ فـ«انحطاطها هو انحطاط للقيم الإنسانية كلها وهلاك محدق بمجمل الحضارة البشرية».
انطلاقًا من الريبية والإرادية البيولوجية صاغ نيتشه مفهوم (الحياة)؛ المفهوم المركزي في فلسفته كلها، ويتفق مع شوبنهور في أن الإرادة أساس الحياة، ولكنها عنده ليست الإرادة الكونية المجردة كما يرى زميله المتشائم، بل إرادة ملموسة محددة؛ (إرادة القوة) التي يصورها باعتبارها مبدءًا غريزيًا لا عقلاني بطبيعته، فالإنسان يعيش بغرائزه وببواعثه اللا شعورية ويتحول نطاق إرادة القوة عنده إلى مبدأ كوني، هو القوة المحركة للعملية العالمية(19). ويزعم نيتشه أن العالم المتكون مستعص على المعرفة، لأن جهازنا المعرفي ليس مهيئًا للمعرفة، بل لامتلاك الأشياء بهدف الإبقاء على حياة إرادة القوة وتدعيمها؛ فثقافة القوة عنده هي التي ستنقذ ألمانيا وتقضي على الليبرالية والاشتراكية(20). وهو لا ينكر عداءه للعلم، بل يزعم أن ما يدعوه العلم حقيقة ليس إلا نوعًا من الضلالات الغبيّة، فهو باطل وليس حقيقي؛ جاعلًا من عدميته مبدءًا عامًا «لم يعد هناك من شيء أؤمن به»؛ معلنًا موت الله.
وللفلسفة عنده مهمة أسطورية وهو يصوغ عددًا من الأساطير لشرح هذه المهمة، وكما سبق فإن نظريته في إرادة القوة، تأتي كأساس للعملية العالمية، ومن هذه الأساطير فكرة العود الأبدي التي سنجدها لاحقًا في أفكار الفاشية، بكل تجلياتها، كما في النازية الألمانية والفاشية الهندوكية والنوستالجيا الرجعية الصهيونية حول الميعاد وحلم صهيون والنظرية النازية عن خلود الجنس، والتي تجعل من الرايخ الثالث بعثًا وإحياءً لما هو ثابت في الطبيعة لا يتغير لا تعدو كونها التطبيق المباشر لمفهوم العود الأزلي النيتشوي(21). ولتجنب الكارثة التي يتوقع إحاقتها بالمجتمع البرجوازي، فإن نيتشه كأيدلوجي للطبقة السائدة يرفض رؤية قوانين الظواهر الاجتماعية الموضوعية، ويعارض فكرة المساواة الاجتماعية بأسطورة التفاوت الطبيعي الجبري بين الناس، «يتعين على الأرستقراطية الصحيحة أن تضحي دونما تأنيب ضمير بمجهود الكائنات البشرية، وتخضعها لمصلحتها، لتهبط بها إلى حالة من الإنسانية المسحوقة.. إلى عبيد وأدوات» (22)، متوجهًا مباشرة إلى الصفوة «السادة الجدد»، ولذلك تخلو فلسفته من الديماغوجيا والرياء الاجتماعي المضاد والهادف إلى جذب الجماهير الشعبية والكتل، فهو يعلن احتقاره العلني لهذه الجماهير(23).
وفي زعمه بوجود عرق السادة وعرق العبيد، يدعو لـ(تقييم القيم) ويدعو الطبقات السائدة للتخلي عن أفكارها الليبرالية وتقاليدها الديمقراطية، وقيمها الأخلاقية واعتقاداتها الدينية ومن كافة القيم السياسية والروحية التي تعترف بحقوق الكادحين، ويطالب بإعادة العبودية والتقسيم المراتبي للمجتمع وتنشئة فئة جديدة من السادة وتعزيز إرادة القوة عندهم، ومن أجل ذلك يجب التخلي عن الأخلاق المسيحية «أخلاق العبيد» وسيطرة «أخلاق السادة» التي لا تعرف شفقة ولا رحمة وتتيح للقوي أن يفعل ما يشاء(24). وعبر الإنسان الأعلى (السوبرمان) يجسد نيتشه مثال السادة مسبغا على سوبرمانه هالة شعرية أسطورية «كل شيء باطل، كل شيء مباح»، وهكذا تتجلى فلسفة نيتشه كأحد أهم روافد الأيدلوجية الفاشية التي تبنت أرائها الأساسية، وإن كان نيتشه هو ذاته الذي حذر من استغلال أفكاره من قبل أشخاص غير مهيئين لتلقيها، بزعم أنه يكتب لإنسان المستقبل، كما كتب في إحدى رسائله لأخته إليزابيث عام 1884 "إنني أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء، أعني الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها كسلطة".
عمومًا، ومع اللقاء الاستراتيجي بين الرجعية القومية الشوفينية والعنصرة العرقية الداروينية وسقوط عصر الثورة، مما أدى إلى أخطر اضطراب عرفته أوربا من أزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة؛ تركت خسائر فادحة في الدول ولدى الطبقات الرأسمالية العليا، ونتيجة للاضطراب الشديد في الفكر والفلسفة ومفاهيم الوجود؛ سادت الحركة التشاؤمية ورفض المجتمع الصناعي الذي يهدد باختلاط الفئات الاجتماعية العرقية والدينية نتيجة حركة العمالة وانتشار النقابات، فساد الحنين الرومانسي إلى الماضي مما ساعد في نمو الحركة الفولكية في أوربا كرد فعل على العقلانية وفكرة التقدم وهي التي تميز بها القرن الثامن عشر ومرحلة عصر الأنوار.
رفضت حركة الفولك الواقع الموجود وأي تفسير له استنادًا إلى العقل؛ فانتقل مركز الثقل من العقل إلى العاطفة وأصر الفولكيون على ربط الإنسان بجذوره البعيدة في تربيته ومحيطه الأصلي في الريف وتاريخه الروحي البعيد(25). وفي هذا الجو ستجد الرجعية اليهودية طريقها لتأسيس عرقيتها الخاصة وفلسفتها الرجعية الخاصة التي ستسمى الصهيونية، ولكن قبل مناقشة اللاعقلانية الصهيونية، سنلقي الضوء على الأزمة الخاصة التي مر بها الفكر اليهودي، والتي قادته إلى هذا الطريق اللاعقلاني في أجواء أوربا المضطربة. فكما كانت الفلسفة الرجعية الأوربية نتاجًا لعصر الاضطراب والابنة الشرعية للهزيمة والتشاؤمية ورد فعل على العقلانية والصعود الثوري والتحرير، كذلك جاءت الصهيونية رد فعل على الاندماج والمواطنة والتنوير في صفوف اليهود، وليس كما تدعي الدراسات الصهيونية، وغيرها من أنها جاءت كرد فعل على معاداة السامية في تحليل مختزل وسطحي لا قيمة علمية له.
التنوير
جاءت حركة التنوير ومن ضمنها التيارات الاندماجية اليهودية في فترة صعود الرأسمالية كثمرة مباشرة لتيارات التحرير السياسية منذ القرن السابع عشر، ويعد موسى مندلسون (1729-1786)، بحق أبرز ممثلي حركة الإصلاح الديني اليهودي بل رائدها، وجاءت أفكاره متأثرة بتيار الاستنارة والعقلانية، وقد انطلقت حركة التنوير اليهودية من الأفكار الأساسية في حركة الاستنارة الغربية مثل الإيمان بالعقل ونسبية المعرفة والقيم، وإمكانية إصلاح الإنسان عبر المواطنة. وكان العنصر الأساسي والحاسم الذي أدى إلى انتشار قيم ومثل التنوير بين اليهود هو التحولات التي كان المجتمع الغربي يخوضها وتزايد معدلات العلمنة وسيادة القيم النفعية، مما أتاح الفرصة أمام أعضاء الجماعات للتحرك من الهامش الثقافي والاقتصادي والوظيفي للمجتمع نحو مركزه، وهي تحولات غيرت أسلوب حياتهم وغيرت البناء الوظيفي والمهني لعدد كبير منهم(26).
وقد بدأت حركة التنوير بالمعنى المحدد في برلين، حيث المجتمع المركنتيلي في ألمانيا تحت حكم فريدريك الثاني (1740-1786) خلق مناخًا مواتيًا لتشجيع اليهود على الاستيطان في بروسيا والاشتغال في التجارة ومنح بعض قطاعاتهم حقوقهم كاملة فنشأت طبقة رأسمالية تجارية وجدت أن من مصلحتها الاندماج في المجتمع. وقد يعيد البعض تاريخ نشأة حركة التنوير إلى العام 1782 عندما أصدر جوزيف الثاني براءة التسامح(27).
كان العمل الهام الذي قام به مندلسون ولعله يعتبر أهم تحدياته للنظام الديني القديم قيامه لأول مرة عام 1783 وبعد عام واحد من إصدار براءة التسامح بترجمة أسفار موسى الخمسة إلى اللغة الألمانية؛ محطمًا بذلك جدار الغيتو العقلي ومستخدمًا لغة رشيقة ومنفتحة وحديثة في ترجمة النص الديني، ولم يكن مندلسون متمردًا على الدين اليهودي جوهريًا، ولكنه سعى إلى الملاءمة وإيجاد توافق بيين العقيدة القديمة وعصر التنوير ساعيًا لتطهير الدين اليهودي من محتواه العرقي محاولًا أن يعيد إلى العقيدة جوهرها الأخلاقي الإنساني(28).
كان مندلسون منتميًا بامتياز إلى قيم العقلانية وفلسفة التنوير رافضًا الاعتراف بأية حقائق غير قابلة للتفسير العقلي، أو لا يقبلها العقل. داعيا لفصل الدين عن المواطنة والانتماء للدولة المحددة، وعمل في كتابه (أورشليم) على هدم فلسفة المفهوم العبري التراثي الذي يوحد عضويًا بين العقيدة اليهودية والشعب اليهودي(29).
جاءت حركة التنوير اليهودية والهسكلاة ما بين عامي (1750-1880) لتحدث هزة هائلة في صفوف التجمعات اليهودية في أوربا قبل أن يقدر لها الانكسار، وهي إن جاءت بشكل منفصل عن حركة مندلسون وأفكاره، إلا أنها تبعت خطاه العقلانية، وقد صب المسكليم أبناء الهسكلاة جام غضبهم على المعبد اليهودي، وخصوصًا لأنه كان مشبعًا بالجو القومي اليهود وهاجموا التراث الشفهي التلمودي وشروحاته؛ خصوصًا شولحان اروخ (شرح 1) مبقين فقط على التراث المكتوب ماحين كلمات (صهيون) و(أورشليم) من كتاب الصلوات؛ رافضين فكرة الخلاص عن طريق العودة فمحو كل الصلوات التي تدعو للعودة إلى (صهيون) أو لإحياء (مملكة إسرائيل)، بل وصل كثيرون منهم إلى حد إنكار القومية اليهودية، بل وأيضًا إنكار الدين اليهودي ذاته، وفي معابد كثيرة اتبعوا خطى مندلسون؛ فمنعوا استخدام العبرية واعتمدت الصلاة بالألمانية والفرنسية، بل جرت محاولات لاستبدال يوم السبت بيوم الأحد(30).
[شرح 1/ شولحان أروخ: بالعربية: المائدة المنضودة، مصنف تلمودي فقهي يحتوي سائر القواعد الدينية والتقليدية للسلوك، ويعد حتى اليوم المصنف المعول عليه بلا منازع للشريعة والعرف اليهوديين ويشار إليه باعتباره التلمود الأصغر، أعده جوزيف كارو ونشره عام 1565 مستندا الى العهد القديم والتلمود وآراء الحاخامات وفتاواهم، تعرض لنقد شديد من المتنورين اليهود ودعاة التحديث بسبب تشدد تعاليمه].
وفي إطار رفضهم للعودة كخلاص هاجم دعاة الاستنارة فكرة انتظار المسيح ورأوا أن اليهود يجب أن يحصلوا على الخلاص بأنفسهم(31) عن طريق الاندماج والاستفادة من حركة المساواة والحقوق المدنية، ومن أهم التعديلات التي أدخلتها حركة التنوير القول: بأن الخلاص يتحقق على الأرض عبر الحصول على الحقوق، وليس بمجيء المسيح أو العودة إلى فلسطين. وقد تحدد الدستور السياسي والاجتماعي للحركة بالقول أنه يتعين على اليهود الاندماج في إنسانية العصر والخروج من قوقعة العنصرية التي حبسوا فيها أنفاسهم، باعتبار اليهودية دينًا وليست عرقًا(32).
المراجع
- روزنتال روزنتال ويودين(اشراف)، مجموعة من العلماء السوفييت، الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، ط4 (بيروت: دار الطليعة، 1981) ص404.
- أديب ديمتري، نفي العقل، ط1(دمشق: كنعان للدراسات والنشر، 1993) ص 91.
- المرجع السابق. ص99.
- المرجع السابق. ص100.
- المرجع السابق. ص103.
- مجموعة من الباحثين. موجز تاريخ الفلسفة. ترجمة توفيق ابراهيم سلوم. ط3(موسكو: دار الفكر+ بيروت: الفارابي.1979) ص585 (لاحقا سيشار إليه بـ: الموجز).
- ديمتري. مرجع سابق. ص323.
- الموجز. مرجع سابق. ص 587.
- ديمتري. مرجع سابق. ص 324.
- الموجز.مرجع سابق.591.
- المرجع السابق. ص592.
- المرجع السابق. ص 595.
- المرجع السابق.ص 602.
- أحمد مستجير. سقطت اليوجينيا ولم يسقط اليوجينيون- حرب وراثة. في: الكتب وجهات نظر. عدد 53 (القاهرة: يونيو 2003) ص 58.
- الموجز. مرجع سابق. ص 728.
- المرجع السابق. ص744.
- روزنتال. مرجع سابق. ص552.
- الموجز. مرجع سابق. ص745.
- المرجع السابق. ص746.
- ديمتري. مرجع سابق. ص 306.
- المرجع السابق. ص315.
- المرجع السابق. ص314.
- المرجع السابق. ص .304
- الموجز. مرجع سابق. ص748.
- خالد القشطيني. الجذور التاريخية للعنصرية الصهيونية. ط1(بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981) ص31.
- عبد الوهاب المسيري. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. المجلد الثالث. الجزء الأول. ط1(القاهرة: دار الشروق 1999) ص75.
- المرجع السابق. ص77.
- ديمتري. مرجع سابق. ص29.
- المرجع السابق. ص33.
- رشاد عبد الله الشامي. الشخصية اليهودية الاسرائيلية والروح العدوانية. عالم المعرفة 102(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. حزيران 1986) ص43.
- عبد الوهاب المسيري. الأيدلوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم الاجتماع. القسم الأول. عالم المعرفة 60 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. كانون أول 1982) ص73.
- ديمتري. مرجع سابق. ص40.

