Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح50)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح50)

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل التاسع

عصر التنوير والحداثة في القرن الثامن عشر

أولاً: عصر التنوير العقل والتقدم

أبرز فلاسفة عصر التنوير والحداثة

جورج ويلهلم هيجل (1770 - 1831 ):

فيلسوف العقل والديالكتيك، ومؤسس الفلسفة الألمانية الحديثة، وأحد أهم المؤسسين للحداثة، ولــد في مدينة "شتوتجارت" في أسرة موظف كبير بإحدى الدويلات الألمانية الصغيرة "إمارة فيورتمبرغ"، فقد عاش في مجتمع إقطاعي تسوده رجعية النبلاء وكذلك عاش مع رياح الثورة الفرنسية التي طالبت بتحرير الإنسان وتأثر بكليهما؛ وقد رحب الطالب هيغل –كما يقول جون لويس- "بالثورة الفرنسية عندما ذهب إلى يينا في اعقاب فيخته وشيلنغ عام 1803، وهو لم يجزع من وصول نابوليون والنصر الفرنسي عام 1806، فقد كان ينظر إلى نابوليون على أساس أنه "روح العالم على صهوة جواد".

ولم يكن هيغل هو الألماني المستنير الوحيد الذي رأى في الثورة الفرنسية تحولاً حاسماً في تاريخ العالم، فالناس قد اخذوا لأول مرة يخضعون الواقع الاجتماعي للعقل، كانوا يرون أن العقل يجب أن يحكم الواقع، بما في ذلك الواقع الاجتماعي"([1]).

تأثر هيجل أيضاً بـ"كانط" وفلسفته العقلية بمثل ما تأثر بصديقيه الفيلسوف "شيلنج" والشاعر الرومانسي "هلدرلين"، درس الفلسفة واللاهوت في معهد "توبنجن" ثم أصبح أستاذاً في جامعة "يينا"([2])، وأصبح بتأثير محاضراته وكتبه من أشهر وأعظم الفلاسفة في عصره، وما تلاه من عصور إلى يومنا هذا.

يعتبر هيجل من المؤسسين الحقيقيين للحداثة، فالعقل عنده أساس الوعي والمعرفة، وبالتالي كل ما هو عقلي عنده هو واقعي وكل ما هو واقعي هو عقلي، بمعنى ان الواقع ما هو إلا إنعكاس للعقل وما ينتجه من أفكار.

إن "مراحل تطور التاريخ عنده لم توجد صدفه، بل يشرف عليها ما يسميه هيجل: الروح المطلق، بمعنى ان حركة التاريخ – من خلال الروح المطلق- هي حركة حرية ولسنا سوى أداة في يد تلك الروح المطلق""([3]).

لكن هيجل على الرغم من مثاليته الميتافيزيقية هذه، ذهب –كما يقول المفكر هشام غصيب- "أبعد مما ذهب إليه كانط، فقال: أن تكون موجوداً يعني أن تكون عقلياً وان تكون عقلياً يعني أن تكون موجوداً، فاليقين مرتبط بالعقل بصورة كلية ، فالعقل هو اليقين الوحيد"([4]).

في هذا الجانب، يقول المفكر الراحل د. صادق العظم، "هيجل أول من عالج جدلياً تاريخ الفلسفة بمنظور تاريخي حقيقي، معروف أن هيجل عد التعاليم الفلسفية لعصر ما بمثابة التعبير الفكري والثقافي الأكثر رقياً عن "روح" ذلك العصر، وبما أن هذا الروح يعبر عن نفسه في بقية تجليات العصر أيضاً (اقتصاد، اجتماع، سياسة، علم، فن، إلخ) فإن أي فهم جدي للتعاليم الفلسفية يصبح متعذراً دون الرجوع إلى تجليات العصر الرئيسية الأخرى ومصدرها الأولي والأصلي، إذ أن هيجل هو القائل: "إن الفلسفة هي زمانها وقد تم استيعابه على مستوى الفكر"، هناك أيضاً رأي هيجل الآخر القائل بأن النسق الفلسفي الأرقى والأكثر تقدماً قادر على استيعاب النسق الفلسفي الأقدم بمشكلاته كلها، وعلى تفسير ضرورة نشوئه كظاهرة داخل تاريخ الفلسفة ذاته، أي ان التعاليم الفلسفية ترتبط عضوياً ببنية متنوعة نشات تاريخياً من بنية سابقة عليها"([5]).

حياته وعصره :

اختلف الباحثون عنه في تقديراتهم له، حتى أن "وليم ولاس" يُشَبِّه اختلافهم باختلاف المفسرين في شرحهم للكتاب المقدس؛ فكان في جميع مراحل دراسته الأول دائماً؛ ترجم الكثير من الكتب اليونانية، ودرس "الإلياذة وشيشرون" وهو في سن السادسة عشر، وفي الثانية عشر درس "الأخلاق" لأرسطو؛ وبعد دخوله الجامعة كان مثله الأعلى "روسو" وخصوصاً مؤلفه "العقد الاجتماعي" وعلى حد تعبيره أن: قراءتي لروسو تحررني من الأصفاد..! ".

أثناء عمله استاذاً في جامعة يينا، أصدر هيجل أول وأهم مؤلف له "فينومينولوجيا الروح" صدر في عام 1806 والذي يشكل حسب تعبير ماركس "المعين الحقيقي" للفلسفة الهيغلية؛ ثم أصدر بعد ذلك مؤلفه الضخم الثاني "علم المنطق".

وعلى أثر ذلك "وصل هيجل –في برلين وبروسيا- إلى أوج الشهرة والقوة، إلى مكانة عظيمة، فالناس من كل الطبقات استمعوا إلى محاضراته. والطلاب من كل أصقاع المانيا، ومن كل أمم أوروبا، وخصوصاً بولندة، بل وأيضاً يونانيون واسكندنافيون جلسوا عند قدميه، وأنصتوا في خشوع لكلماته السحرية التي كان يتفوه بها، وهو يُقَلِّب أوراقه فوق منضدة كرسيه، وهو يسعل، ويمخط ويكرر نفسه، وينطق بمشقه، ولكن عمق المضمون كان ينفذ في العقول ويشع منها حماسه صافية كل الصفاء، فقد اجمعت الشواهد، أو معظمها، على ما حظى به هيجل من مكانة علمية ونفوذ سياسي معاً، خصوصاً بسبب علاقته الوثيقة بالحكومة البروسية في مجموعها، ففي عام 1817 وما تلاه انتشرت الهيغلية حتى أوشكت أن تصبح العقيدة الرسمية للدولة حتى قيل أن الإيمان بالهيجلية أصبح وسيلة للحصول على الوظيفة الحكومية أو الترقي فيها..!، كما أن آثار فلسفته نجدها تعمل في اتجاهات متباينة أشد ما يكون التباين؛ فـ "الماركسية" أخذت عنها وكذلك "البروتستانتية" المتحررة، "والوجودية" تأثرت بها، وكذلك البراجماتية والوضعية المنطقية"([6]).

حدد "انجلز" المكانة التاريخية لـ "هيغل" في تطور الفلسفة بقوله: "لقد بلغت هذه الفلسفة الألمانية الجديدة ذروتها في مذهب "هيجل" والذي تكمن مأثرته التاريخية العظيمة في أنه كان أول من نَظَرَ إلى العالم الطبيعي والتاريخي والروحي بوصفه عملية؛ أي في حركة دائمة وفي تغير وتطور.. وقام بمحاولة للكشف عن العلاقة الداخلية لهذه الحركة وهذا التطور؛ ولا يهمنا هنا أن يكون "هيجل" لم يجد الحل لهذا المسألة.. فمأثرته التاريخية تقوم في طرحه لها"!!

لقد كان للديالكتيك الهيغلي، وقانون التناقضات –كما يقول د.هشامغصيب-"اهمية خاصة في تطور العقل الذي يتطور ويُنتج أشياء جديدة ثم يتمظهر (نفي اثبات نفي) وينتج الطبيعة ثم يعود إلى ذاته (الفكرة المطلقة) ، فالعقل هو كل مغلق، فكان هيجل يسمي العقل الكلي أنه الله ، هنا تتجلى فكرة دين العقل في فلسفة هيجل، وهي (دين العقل) مرحلة متطورة، أزاحت هيمنة الدين الكلي على عقول البشر، في عصر ما قبل هيجل (العصور الوسطى الاقطاعية)، وهذا هو الموقف الفلسفي ( دين العقل) الذي وضعه هيجل، وتبناه الهيغليين الشباب ومنهم شتراوس (الذي كتب ضد يسوع) وبرونو باور وفيورباخ وماركس وانجلز، وجميعهم ارتقوا بأفكار هيجل، ورفضوا مثاليتهواستبدلوها بالفكر المادي الفلسفي في اطار المنهج الجدلي او الديالكتيك، وقاموا جميعاً – خاصة فيورباخ– برد الاعتبار للانسان بعد ان استعملوا العناصر العقلية عند هيجل، لكن فيورباخ كان مثالياً صاحب نظرة سكونيه، وهنا جاء دور ماركس الذي تأثر بفكر فيورباخ ووجه له النقد في نفس الوقت"([7]).

الاطار الاجتماعي لفكر هيجل:

لم تكن الدولة الالمانية في العقد الاخير من القرن الثامن عشر دولة على حد تعبير هيجل. "فقد كانت مخلفات الاستبداد الاقطاعي لا تزال تضرب أطنابها في المانيا، وازداد طغيانها لأنها تفككت إلى كثرة من النظم الاستبدادية الصغيرة التي يتنافس كل منها مع الاخر، وكانت الدولة تتألف من النمسا وبروسيا والامراء الناخبين، و94 أميرا من أمراء الكنيسة والأمراء الزمنيين و103 من البارونات، و40 اسقفا، و51 مدنية دولة، أي انها كانت باختصار تتألف من ثلاثمائة اقليماً. ولم يكن لدى الدولة جندي واحد، ولا كان هنالك تشريع مركزي، وكان رق الارض لا يزال سائداً، والفلاح لا يزال دابة يمشي على رجلين .. أما المحكمة العليا فكانت ساحة تُمارَسْ فيها كل ألوان الجشع والنزوات والرشاوي. وكان بعض الأفراد لا يزالون يؤجرون رعاياهم أو يبيعونهم ليكونوا جنوداً مرتزقة في بلاد اجنبية، كما كانت الرقابة الشديدة مفروضة لقمع ابسط اتجاه مستنير، وباختصار، كان الوضع الراهن آنذاك في المانيا – كما وصفه احد معاصري تلك الفترة- هو ان الناس يعيشون بلا قانون أو عدالة، وبلا حماية من الضرائب التعسفية، غير آمنين على أرواح ابنائهم، أو على حريتهم وحقوقهم، ويَحْيُون ضحايا عاجزين للسلطة الاستبدادية، والأهم من ذلك كله هو أن حياة الالمان كانت تفتقر إلى الوحدة القومية"([8]).

أما النمو الاقتصادي "فقد كان متخلفاً جداً، وكانت البورجوازية بسبب ذلك ضعيفة ومشتتة بين اقاليم متعددة، وكانت مصالحها متباينة، فالمؤسسات الصناعية القليلة الموجودة لم تكن الا جُزُراً صغيرة داخل نظام اقطاعي قديم العهد، وكان الفرد في وجوده الاجتماعي إما مستَعبْدَاً، أو مُستعَبِداً غيره من الناس، وتلك هي حال المانيا في عصر هيجل، فما عساه أن يفعل؟ وهو الألماني الذي كان يحز في نفسه أن يجد بلاده ممزقة على النحو المذكور، هل ينظر لثورة بورجوازية في المانيا على غرار ما فعل المفكرون الفرنسيون في فرنسا والانجليز في انجلترا؟ الواقع أن ذلك ليس هو ما قام به، لسبب بسيط وهو أن مبادئ الثورة المطلوبة صاغتها كلها الثورة الفرنسية من قبل، ولم يَبْدُ لهيجل انها استنفذت اغراضها بعد، أو أنها عفا عليها الزمن وأصبحت بالية، واذن فالمطلوب هو العودة إلى مبدأ الثورة المذكورة، أعني –كما يقول د. حامد خليل- "حُكم العقل، ويبدو أن "هيجل" أخذ على عاتقه مهمة تفسير ذلك المبدأ وتوضيحه"([9]).

ولذلك يصح القول كما يضيف د. حامد خليل- "بأن فلسفته كانت "النظرة الالمانية للثورة الفرنسية" كما عُبَّرَ عن ذلك ماركس فيما بعد، والحق أن النقطة المذكورة بالغة الأهمية بالنسبة إلى فهم هيجل، فالفكرة الشائعة عنه هي أنه فكر مثالي لا يعبأ بالواقع، وانما ينسج في الفكر عالماً مثالياً لاسَنَدَ له على أرض ذلك الواقع، غير أن القراءة الدقيقة لفكره تبين أن مثاليته لا يجب ان تُفْهَم بهذا المعنى بأي حال من الاحوال، فالواقع المذكور كان بالنسبة له الأرض التي انطلق منها، وكان ذلك الواقع هو "المانيا" التي يعود اليها دائماً، ولم يفارقه لحظة واحدة طوال مسيرته، ولتوضيح ذلك يقول د. حامد خليل "ان المانيا المجزأة يجب أولا توحيدها، لكن كيف السبيل إلى ذلك، والنظام الاقتصادي السائد فيها لا يجعل من أمر تلك الوحدة مطلباً ملحا؟ فطبيعة النظام المذكور لا تستدعي وجود سوق قومية موحدة، على غرار ما حدث في دول أوربا الاخرى، وإذن فإن الطريق المتبقي إلى الوحدة لا بد أن يكون الطريق الذي يجب أن يمر عبر العقل وحده، أي أن المطلوب هو تثقيف العقول لكي ترقى المفاهيم العقلية عن طريقه إلى مستوى المفاهيم العقلانية"([10]).

ومن جهة أخرى، فان مطلب الحرية هو – على الرغم من أهميته بالنسبة إلى الالمان الخاضعين لأقسى أنواع الاستبداد – مطلب يتسم بالخطورة إذا ما تم تحقيقه على الطريقة الفرنسية،  والاهم من ذلك أن اطلاق العنان لتلك الحرية الفردية سيكرس التجزئة التي كانت تقض مضجع هجيل.

وإذن كيف السبيل إلى تحقيق الحرية للالمان، وتجنيبهم في الوقت نفسه المذابح والفظائع التي ارتكبت بحق الفرنسيين من جهة، وتحقيق وحدتهم، وبالتالي اقامة دولة ألمانيا الموحدة من جهة أخرى؟

هذا هو بالضبط ما كان يفكر به هيجل، وبناء على ذلك–يقول د. حامد خليل-  يحق لنا أن نقول إن فكره كان محكوماً بالواقع من بدايته وحتى نهايته، وإن اطلاق وصف "مثالية مطلقة" على فلسفته لا يجب أن يقلل من أهميته واقعيته المذكورة بحال من الاحوال"([11]).

لقد أصبحت قضية هيجل وفق هذا التحليل، هي تنظيم حياة الألمان الاجتماعية وفق مبدأ الثورة الفرنسية، وقد كان يرى أن التنظيم المذكور يتوقف في نهاية المطاف على  معرفة أولئك الألمان بأن ثمة تصورات ومبادئ عامة تشير إلى شروط ومعايير ذات صحة مطلقة، تكون هي هي بالنسبة إلى كل فرد مهما كان، وقد أخذ على عاتقه مهمة توضيحها وشرحها لهم، ورأى أن ذلك هو الضامن الوحيد لتحقيق حريتهم، واقامة وحدتهم من جهة، وتجنيبهم مخاطر الرعب والارهاب والقتل التي ارتُكِبَتْ في بلد الثورة، الذي لم يع أبناؤه تماماً مبدأها من جهة أخرى، فكان بحق ابن عصره.

ربما يتساءل أحد–كما يضيف د. حامد خليل-"كيف يمكننا التوفيق بين واقعية هيجل التي شددنا عليها كثيرا قبل قليل، وبين وجه آخر ميتافيزيقي "لانسانه" الذي اخترنا أن نضعه عنواناً لهذه الفقرة؟ ألا يبدو أن الأمر ينطوي على قدر من التناقض في هذا المقام؟وحقيقة الأمر أن "هيجل" لم يخرج عن إطار ما فعله كل فلاسفة الثورات البورجوازية السابقين في أوروبا، بدءا من هوبز وانتهاء بهولباخ في هذا المجال، فقد عالج مشكلة الإنسان على ضوء حالة الإنسان الأوروبي كما وجدها في عصره، واستخلص من ذلك، وبطريقة ميتافيزيقية خالصة، صورة محددة له، انتزعها فيما بعد من سياقها الاجتماعي والتاريخي، واعتبرها مبدأ اولاً، يكون الواقع الاجتماعي الراهن والتاريخ السابق لكل انسان، مجرد نتيجتين حتميتين له([12]).

لكن الشيء الجديد الذي أتى به هيجل، والذي يميزه عن غيره من الميتافيزيقيين، "هو أن الصورة المذكورة هي بالنسبة له نتيجة بقدر ما هي سبب وسواء بسواء. وهنا تكمن جدته، وطرافة فلسفته وأصالتها، ولتوضيح ذلك يقول د.حامد خليل:"إن "هيجل" اتخذ موقفين في وقت واحد في تفسيره للإنسان: موقفاً ميتافيزيقياً وآخر تاريخياً، لكن لما بدا له أن الموقفين متناقضان، ولا يمكن التوفيق بينهما، فَسَّرَ التاريخي بطريقة ميتافيزيقية، فَجَنَّبَ مذهبه خطر الوقوع في حالة من عدم الإتساق، وحَفَظَ له وحدته الشكلية وفق معايير المذهب ذاته وطروحاته،إنها وحدة شكلية، لإن الوحده الحقيقية ليست متحققة في مذهب هيجل بالفعل، وإنما الذي تحقق هو الوحدة المذكورة التي تقوم على التسليم المتبادل بصحة تفسير التاريخ من جانب المذهب، وصحة تفسير المذهب من جانب التاريخ، هو الموقف الذي يصعب تحقيقه الا ضمن اطار مذهب هيجل أو داخله على وجه التحديد"([13]).

فلسفتــه:

وحدة الفكر والوجود .. نقطة الانطلاق في فلسفة "هيجل":

يرى هيجل أنه لا المادة ولا الوعي البشري يمكن اعتبارها أولية.. لأنه لا يمكن منطقياً استنتاج الوعي من المادة كما لا يمكن استنتاج المادة من الوعي الإنساني، وهذا الوعي يجب النظر إليه بوصفه نتيجة للتطور السابق لجوهر أوَلي مطلق؛ لكن هذا الجوهر الأولي المطلق لا ينظر إليه "هيجـل" على أنه وحدة مطلقة للذاتي والموضوعي دون أي تمايز بينهما، ذلك إن الوحدة الأولية التي تشكل الأساس الجوهري للعالم–عند هيجل- هي: "وحدة الوجود والفكر"، وحدة يتمايز فيها _منذ البداية_ الموضوعي والذاتي ؛ لكن هذا التمايز موجود في الفكر فقط.

إن الفكر عند هيجــل ليس نشاطاً إنسانياً ذاتياً فحسب، بل هو أيضاً ماهية موضوعية مستقلة عن الإنسان ومصدر وأساس أوَّلي لكل ما هو موجود، وهذه الوحدة والتمايز بين الوجود والفكر "بين موضوع الفكرة والفكرة ذاتها هي تعبير ضروري عن ماهية الفكر الذي يَعْقل ذاته، يجعل من ذاته مادة للفكر، موضوعاً.. إنه بذلك "ينشطر"، ينقسم إلى ذاتي وموضوعي "الوجــود والفكــر"، فإذا كان المفهوم – هو الصيغة الاساسية للفكر، وبما أن هيجل يُؤَلِّه الفكر، فإنه مضطر، لا محالة، إلى تأليه المفهوم، فالمفهوم، عنده، "بداية كل حياة"، و"صورة خلاقة، لا محدودة، تنطوي على كل ما في المحتوى من غنى، ومصدر لهذا المحتوى في الوقت ذاته".

ان هيجل، اذ يعارض النظرة المادية إلى المفهوم باعتباره شكلا أعلى لعكس الواقع الموضوعي، فانه يقلب الامور رأسا على عقب: فالفكر، عنده، ليس عكسا للوجود، بل، على النقيض من ذلك، الوجود هو تجسيد للفكر، للمفهوم، للفكرة، وهنا تتجلى مثاليته"([14]).

لكن "المفاهيم، عند هيجل، في حركة مستمرة، تنتقل، وتتحول من واحد إلى آخر، تتغير وتتطور، وتتحول إلى ضدها، كاشفة بذلك عن التناقضات الملازمة لها باطنيا، والتي تُشَكِّل القوة المحركة لتطور هذه المفاهيم، كما إن تطور هذه المفاهيم، والأفكار، يتم من المجرد إلى الملموس، من مفهوم وحيد الجانب، فقير بمحتواه – إلى مفهوم اكثر غنى، ينطوي في وحدته على جوانب مختلفة، حتى ومتضادة، ففي دراسته لمفهومي الكمية والكيفية يبين هيجل كيف تؤدي التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية، وذلك على شكل قفزة، وانقطاع في الاستمرار، والانتقال من حالة كيفية إلى أخرى، ويورد هيجل هنا مثال تحول الماء من الحالة السائلة إلى الجامدة، أو الغازية، تحت تأثير التغيرات الكمية الحرارية، كما يسوق أمثلة أخرى من مجالات مختلفة"([15]).

وهكذا "يكشف هيجل في "علم المنطق" عن العلاقة والانتقال المتبادل فيما بين المفاهيم الاساسية الأكثر شمولاً، أو المقولات، في الفكر العلمي – النظري، ويوجه هيجل نقدا عميقا للمعارضة الميتافيزيقية بين مفاهيم الوحدة والتمايز، الجوهر والمظهر، الحرية والضرورة، وغيرها، ليؤكد على أن التضادات ليست مطلقة، بل نسبية، فليس بينها حواجز أو عوائق لا يمكن تجاوزها، والتضاد نسبي، بمعنى أن كلا من المتضادين لا يوجد الا في علاقته مع ضده، في حركة، في تغير وتطور.

لكن المفهوم عند هيجل، "هو عملية التفكير النظري، مرفوعة إلى مطلق، ففعالية الفكر، ومجمل نشاط البشر الواعي والهادف لتحويل العالم، يفسرها هيجل تفسيراً مثالياً، بوصفها ابداعاً، أو وعياً ذاتياً لـ"الفكرة المطلقة"، التي تكشف في ذاتها عن كل ما يبدو على السطح تطورا للطبيعة والمجتمع، وهكذا فان هيجل، الذي يعترف بالتطور ويحاول تقديم لوحة عنه، يُصَوُّره على أنه عملية المعرفة، التي تجري في احضان "الفكرة المطلقة، وهذه العملية تتم، في نظر هيجل، خارج اطار الزمان والمكان، وتتلخص في التطور الذاتي لمفهوم الوجود، من الوجود المجرد، الخالي من المضمون، إلى وجود أكثر غنى، وواقعية، وتعييناً"([16]).

على أي حال، رغم صحة مساهمات هيجلالديالكيتكية.. إلاَ أنه ربط تطور كل هذه العمليات عبر حركة الفكر أو العقل الكلي كعنصر فعال في صياغة العالم؛ ففاعلية الفكر ومجمل نشاط البشر الواعي والهادف إلى تحويل العالم يفسرها هيجــل تفسيراً مثالياً بوصفها إبداعا ذاتياً للفكرة المطلقة.

بهذا الصدد يقول هيجــل: "إن الفكرة المطلقة بعد أن أدركت محتواها الذاتي قررت طوعاً أن تحل نفسها لتشكل الطبيعة"، لكــن.. الســؤال الهــام والرئيسي هنـا: أين كانت "الفكــرة المطلــقة" قبل أن توجـد الطبيعــة؟؟إنه يجيب على هذا التساؤل إجابات بالتأكيـد غير مقنعة ولا منطقية، تنطلق من رؤيته الميتافيزيقيهالمسيحيه، وفيما يتعلق بمسألة خلق النبات والحيوان، فإنه يتصور أن خروجها من الطبيعة الجامدة، إلى الطبيعة الحية، يمثل تتويجاً للعملية الطبيعية ويقول: "هكذا تخرج الروح من الطبيعة".. وهنا يعتبر هيجـل أن الطبيعة ليست إلاَ مرحلة دنيا من تجلي "الفكرة المطلقة" ووعيها لذاتها، أما التجسيد الأعلى المماثل للفكره المطلقة فلا تكتسبه إلاَ في الإنسان، وفي تطور المجتمع؛ إنه أيضاً لا يعترف بالتطور الواقعي للمادة العضوية والكائنات الحية التي في رأيه لا يظهر أحدها من الآخر فكل منها نتاج للفكرة المطلقة، إنهبمثاليته هذه ينفي التطور في الطبيعة بغض النظر عن ديالكتيكه.

وحقيقة الامر–كما يقول د. حامد خليل-"أن مذهب هيجل يقول إن ثمة فكرة مطلقة كلية، تريد أن تفصح عن نفسها، ولذلك فهي بحاجة إلى تاريخ لتحقيق ذلك، أي أن التاريخ هو على هذا الأساس تاريخ لذلك المذهب بالذات، والحق أن "هيجل" كان واقعياً في هذا المجال، فقد قادته قراءته للتاريخ إلى ألا يقول بان الفكرة المذكورة تكشف عن ذاتها دفعة واحدة في الميدان العملي، إذ أن مثل ذلك القول سيؤدي به إلى عقيدة جامدة لا تجد أي سند لها في التاريخ. أما التاريخ فانه يقول – وفق المذهب المذكور- إن الفكرة المذكورة تمر بمسارات متدرجة أو مراحل لكي تفصح عن نفسها، تبدأ بالادني وتنتهي بالاعلى (وطبعاً المقصود الادنى والاعلى من حيث وعيها لذاتها)([17]).

وإذا "ما انتقلنا إلى دراسة الإنسان وفق المنهج المذكور، "نجد من الوجهة الميتافيزيقية أن ثمة حقيقة كلية للإنسان، بما هو انسان، هي في واقع الامر أساس وجود كل انسان فردي، أو قل إن كل فرد بشري لا يكون كذلك الا لأنه ينتمي بشكل أو بآخر إلى تلك الحقيقة أو الفكرة المطلقة.

وبهذا المعنى فهي حقيقة مطلقة سابقة، ولو منطقياً، على وجود كل فرد واقعي، وتشكل ماهيته. وهي من حيث وجودها روح خالصة كامنة في الأفراد بوصفها وجوداً بالقوة، وتسعى باستمرار إلى أن تصبح من خلالهم وجوداً بالفعل. أو قل إنها هي التي تدفع الأفراد إلى هذا الفعل أو ذاك لكي تصبح وجودا بالفعل.

أما من حيث طبيعتها فهي "عقل خالص أو فكر، وفي مسعاها الرامي إلى تحقيق ذاتها أو الافصاح عن نفسها، فإنما تهدف إلى معرفة ذاتها بالكامل، التي هي في نهاية المطاف وعيها بأنها وحدة تامة، وأنها حرة، لكن لما كان يستحيل ذلك إلا إذا ارتبطت بشيء آخر غير ذاتها، لذلك تراها تخلق أفراداً واقعيين وأفعالاً، تماماً مثلما يخلق الفنان أشكالاً ورسوماً لكي يعرف أي نوع من الموهبة لديه، أو أي انسان هو"([18]).

وطبعاً "ليس المقصود بالخلق المذكور، الفعل المادي المعروف، وإنما أن الروح المذكورة هي التي تحرك الأفراد، من وراء الستار أو من حيث لا يدرون، إلى هذا الفعل أو ذاك. أي أنها تمارس تأثيراً من وراء ظهورهم، وفوق رؤوسهم على شكل قوة مجهولة المصدر، ولا يمكن مقاومتها من جانبهم على حد تعبير "هربرت ماركيوز".

وإن شئنا الدقة "فان الفكرة المطلقة أو الروح ليست – بحسب تعبير هيجل نفسه في كتابه "فلسفة التاريخ" – هي التي تشتبك في الصراع والمعارضة وتتعرض للخطر خلال التاريخ، بل إنها تظل في الخلق، دون أن يمسها أو ينال منها شيء، على حين أن الأفراد يضحى بهم وينبذون.

إن الفكرة تدفع عقوبة الوجود والفناء لا من ذاتها، وإنما من انفعالات الأفراد. وذلك ما أطلق عليه هيجل اسم "دهاء العقل"، أعني تلك الصفة التي يشعل بها العقل الانفعالات لكي تعمل من أجله، على حين أن ذلك الذي تمضي حياته بفعل تلك القوة الدافعة، يدفع العقوبة ويعاني الخسارة على حد تعبير هيجل نفسه.

وفي معرض الرد على فكرة "كانط" القائلة ان الإنسان غاية في ذاته، وإنه مما يناقض طبيعته أن يستخدم على أنه مجرد وسيلة، أعلن هيجل في كتابه المذكور أنه يؤيد الفكرة الاخرى القائلة إن الأفراد ورغباتهم واشباعهم لها – كل هؤلاء يضحى بهم، وتعطى سعادتهم قربانا لامبراطورية الصدفة والاتفاق التي تنتمي إليهما، أعني الفكرة القائلة إن الأفراد في عمومهم يندرجون تحت فئة الوسائل، "ولكي يبرر هيجل فكرته  المذكورة، أو لكي يكون في مقدوره تكوين نسق استنباطي تام على أساسها، لجأ إلى الله كأساس لضمان ذلك الفعل"([19])، فالفكرة المطلقة هي، "بشكل من أشكال التعبير عنها، البديل الميتافيزيقي على الاله الغامض المجهول الكالفيني واللوثري، الذي أصبح الآن يقيم في هذا العالم عوضاً عن أن يظل محتجباً عنه ومفارقاً له.

وعن السؤال القائل إذا عزونا إلى الله الكمالات التقليدية ككلية القدرة وكلية العلم، فما الذي يفسر ارادته بخلق عالم يقيم فيه على هذا النحو المذكور؟ يجيب هيجل بأنه دون العالم، فالله ليس الله. ذلك أن كماله لا يتم الا بإكمال ذاته، وهذه العملية تتطلب وجود أدوات خارجية يظهر من خلالها. فالروح لا تتعرف على ذاتها إلا من خلال وسيط، وفي حالة الله، فالوسيط هو هذا العالم. لكن لما كان الله لا يستطيع أن يعرف نفسه بشكل مباشر، وإنما على مراحل، وفقط من خلال أرواح البشر، لذلك فانه ينشأ تاريخ شامل هو في جوهره تاريخ معرفة الله لذاته في الإنسان، ومعرفة الإنسان لله التي تنشأ وتتطور من معرفته لذاته في الله.

وعلى هذا الأساس تكون أرواح الناس هي تجليات لروح مطلق واحد هو روح الله، وبوصفها كذلك، أي بوصفها جميعها تنطوي على عنصر إلهي مشترك كما يقول هيجل، فهي ذات سمة واحدة مشتركة، وهي أنها كلية.

لكن طالما أنه ليس في مقدور الروح أو الفكرة المطلقة الافصاح عن ذاتها دفعة واحدة، "فان الكلية المذكورة تكون ناجزة منذ البداية في كل فرد ولكن بالقوة، أو في حالة كمون ريثما يتحقق لها التعبير صراحة عن نفسها، غير أن ذلك لا يتم الا في فترات التاريخ المتلاحقة، وتظل تظهر على هذا النحو حتى تصل في نهاية المطاف إلى حالة المعرفة التامة والمطلقة بذاتها. وعند هذه النقطة بالذات تتوقف حركة التاريخ، ويصل إلى نهايته، لانه لا تعود توجد وظيفة يتعين عليه انجازها"([20]).

على أنه حين تأتي إلى الوجه التاريخي للإنسان، وتنهمك في تتبع مساره في التاريخ، تخال أنك – إذا ما تغاضيت عن نقطتي البداية والنهاية الميتافيزيقيتين المذكورتين – امام انسان من نوع مختلف تماماً، انسان ليس هو بالإنسان الناجز سلفاً وبشكل معد، وإنما هو، على العكس من ذلك، الإنسان الذي يخلق نفسه ويحلها ويطورها باستمرار، وأول ما يشير إليه هيجل بهذا الصددهو أنه يرفض كافة الآراء التقليدية القائلة بوجود عالم من الأفكار أو الماهيات قائم بذاته، فماهية الإنسان ليست شيئاً في العالم، ولا شيئاً فوق العالم، وإنما هي سلب لكل وجود، لكن السلب المذكور ليس عدماً، وإنما هو حركة لا نهائية لذلك الموجود، لكن هي حركة خارجية عارضة، وإنما هي عملية تنشأ من داخل الذات، وهي عملياً علاقة الماهية المتشكلة على الدوام، والمتغيرة، بالذات التي تتكشف تلك الماهية عليها. أو قل انها العلاقة التي تضم بها الذات تعيناتها على أنها لحظات في تحققها الذاتي.

" على أن الأمرلا يقتصر على الماهية وحدها، فالذات الحاملة لتلك الماهية المتغيرة على الدوام، ليست خارج هذا المسار أو تلك العملية من التحول، وكذلك ليست هي الجوهر الثابت القائم من ورائهما، وإنما هي هذه العملية ذاتها، وكل صفاتها دينامية. ووحدتها هي المجموع الكلي لتلك الحركة التي يصفها هيجل بانها حركة التفكير، وهكذا فإن "هيجل" "يوجه ضربة عنيفة لكافة التصورات الميتافيزيقية السابقة عن الماهية الثابتة التي لا تتغير، فهو يبين، خلافاً لذلك، أن التغير يصيب لا الجوانب الخارجية  وحدها، وإنما الداخلية أيضاً،  لا المظهر فحسب، وإنما الماهية بكافة تحديداتها (السببية والضرورة والقانون وغيرها)، لكنه يفهم تغير الماهية فهما مثاليا بوصفه حركة للفكر، وليس حركة لعلاقات الناس المادية في الواقع"([21]).

ان "مأثرة هيجل تقوم في أنه اكتشف هذه الميزة الهامة لحركة الفكر النظري من المعرفة المجردة إلى المعرفة الملموسة، غير ان هيجل شَوَّه، بشكل مثالي، هذه العملية الواقعية، اذ اعتبرها عملية تَكَوُّن، وتطور تلك الاشياء الطبيعية، التي في هذه الحالة، لا تُسْتَرَجع وتُعْرَف إلا نظرياً، وهكذا فإن "المنطلق الأساسي في منظومة هيجـل الفلسفية هو المطابقة المثالية بين الوجود والفكر وإرجاع كافة العمليات إلى عملية التفكير؛ إن هيجـل يُؤَلِّه عملية المعرفه التي يقوم بها الإنسان، وذلك باعتبارها وعياً ذاتياً لله، وحول هذا الموضوع يقول انجلز: "لقد كان هيجـل مثالياً إذ أن أفكار رأسنا بالنسبة له ليست عكساً على هذا القدر من التجربة أو ذاك للأشياء والعمليات الواقعية بل على العكس يعتبر هيجل الأشياء وتطورها تجسيداً لـ "فكره" يزعم أنها كانت موجودة قبل نشوء العالم.. وهكذا قٌلِبَت الأمور رأساً على عقب وشوِّهت بشكل فظيع العلاقة الواقعية بين ظواهر العالم"([22]).

حدد انجلز المكانة التاريخية لهيجل في تطور الفلسفة بقوله: "لقد بلغت هذه الفلسفة الالمانية الجديدة ذروتها في مذهب هيجل، الذي تكمن مأثرته التاريخية العظيمة في انه كان أول من نظر إلى العالم، الطبيعي والتاريخي والروحي، بوصفه عملية، أي في حركة دائمة، في تغير وتطور، وقام بمحاولة للكشف عن العلاقة الداخلية لهذه الحركة وهذا التطور .. ولا يهمنا هنا، أن يكون هيجل لم يجد الحل لهذه المسألة، فمأثرته التاريخية تقوم في طرحه لها".

ان القيمة العظيمة لفلسفة هيجل تكمن في أنها صاغت، بشكل متسق، النظرة الديالكتيكية إلى العالم، وما يوافق ذلك من منهج ديالكتيكي في البحث، لقد صاغ هيجل الديالكتيك باعتباره علما فلسفيا، يعمم التاريخ لكامل المعرفة، وكذلك القوانين الاكثر شمولا لتطور الواقع الموضوعي، وقام هيجل بمحاولة لدراسة المبادئ الاساسية لطريقة التفكير الديالكتيكية، المتناقضة جذريا مع الميتافيزيقا، ويبرهن عليها من مختلف الجوانب، وانتقد بعمق وحزم المنهج الميتافيزيقي ليصوغ، وان يكن بشكل مثالي مشوه، قوانين ومقولات الديالكتيك"([23]).

فلسفة هيجل والديالكتيك والعلاقة مع الطبيعة والتاريخ والانسان:

إن المساهمات الرئيسية للديالكتيك الهيغلي يمكن تلخيصها فيترابط الأشياء، فلا يمكن قبول أي حدث بمعزل عن الأحداث الأخرى عموماً، انسجاماً مع قوانين الديالكتيك خصوصاً، إذ يدعونا إلى النظر إلى الأشياء كافة لا كأشياء جامدة لا تتحرك، ولكن أن ننظر إليها كأشياء سبق أن كانت أشياء أخرى وستكون في المستقبل شيئاً جديداً مختلفاً، فليس هناك من شيء دائم؛ كل شيء في مرحلة انتقال وفي تطور دائم .. هذه هي عظمة المنهج الجدلي عند هيجل.

عبر الحركة والصراع الموجودتان في كل شيء يولد الجديد من خلال وصول التراكمات الكمية في لحظة من اللحظات إلى مرحلة التفجر أو الطفرة، وبالتالي ظهور حالة نوعية جديدة .. هذا يعني أن لاشئ ثابت أبداً .. في الطبيعة أو المجتمع .. وإن وعينا لاستمرار الحركة يعزز تفاؤلنا بالمستقبل.

 

([1]) جون لويس – ترجمة: انور عبد الملك - مدخل إلى الفلسفة –  دار الحقيقة – بيروت -  الطبعة الثانية – 1973 - ص 196

([2])يقول د. عبد الرحمن بدوي : "كانت جامعة يينا – على صغرها- آنذاك الدرة الثمينة في تاج الجامعات الألمانية كلها، بل أعظم جامعات العالم كله في العقد الأخير من القرن الثامن عشر والعقد الأول من القرن التاسع عشر. وصارت مدينة يينا كعبة الأدب والفلسفة والعلم في تلك الفترة، وقد كان الحدث الأكبر في أثناء إقامة هيجل في يينااصدراره لكتابه العظيم "ظاهريات العقل" أو "فينومينولوجيا الروح" قصد من هذا الكتاب أن يكون نقداً لمذاهب السابقين من الفلاسفة في حقيقة المعرفة، وتمهيداً لتقرير المعرفة المطلقة . وفي هذا السبيل –كما يضيف د. بدوي- دار العرض حول : (1) الوعي أو الشعور. (2) والعقل .  (3) المعرفة المطلقة بوصفها وعي (أو شعور) العقل المطلق. ويمكن أن ندرك شعور هيجل بما حققه في هذا الكتاب – من قوله في ختام محاضراته عن الفلسفة النظرية في 18 سبتمبر سنة 1806: "تلك ، يا سادتي، هي الفلسفة النظرية كما وصلت إلى تكوينها، فاعتبروها بداية للتفلسف ستواصلون السير فيها . إننا نقف اليوم في عصر مهم، في عصر غليان قامت فيه الروح (أو العقل) بهزة ابتغاء ان تتجاوز شكلها الذي اتخذته حتى الآن ، وان تكتسب شكلاً جديداً . وجماع التصورات والأفكار وروابط العالم قد انفكت وتهافتت كرؤيا حلم . وثم تمهيد لمسيرة جديدة للعقل (للروح) . وينبغي على الفلسفة أن تحيي ظهورها وأن تقر بها ، بينما ثم آخرون يقاومونها عبثاً متشبثين بالماضي ، والغالبية يبينون كتلة ظهورها دون وعي واضح . لكن على الفلسفة أن تظهر لها التوقير مدركة انها هي الخالدة . واستئناساً بذكراكم الطيبة ، ارجو لكم اجازة سعيدة "(د. عبد الرحمن بدوي – حياة هيجل – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة 1 – 1980- ص45)".

([3]) يوسف حسين – محاضرة باليوتيوب - الانترنت

([4]) محاضرة د. هشام غصيب– علمنة الفلسفة الأوروبية – يوتيوب – قناة الفنيق – الانترنت.

([5]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص26

([6]) د. عبد الرحمن بدوي – حياة هيجل – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة 1 – 1980 – ص142

([7]) محاضرة د. هشام غصيب - مرجع سبق ذكره .

([8]) حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م -  ص 181

([9]) المرجع نفسه - ص 182

([10]) المرجع نفسه - ص 182

([11]) المرجع نفسه - ص 183

([12]) المرجع نفسه - ص 184

([13]) المرجع نفسه - ص 185

([14])موجز تاريخ الفلسفة – جماعة من الأساتذة السوفيات – تعريب: توفيق ابراهيم سلوم – دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م) – ص 417

([15]) المرجع نفسه - ص 420

([16]) المرجع نفسه - ص421

([17]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م -  ص 185

([18]) المرجع نفسه - ص 186

([19]) المرجع نفسه - ص 187

([20]) المرجع نفسه - ص 188

([21]) المرجع نفسه - ص 189

([22])جماعة من الأساتذة السوفيت - مرجع سبق ذكره – موجز تاريخ الفلسفة – ص418

([23]) المرجع نفسه - ص 411