Menu

وداعًا أبو شريف

مروان عبد العال

المناضل الراحل عبد الرحيم ملوح

عبد الرحيم ملوح.. الرفيق القائد الوطني الإنسان النبيل والصديق الودود والسمح والبشوش والسهل الممتنع الذي ينبض بعشق تراب فلسطين، يفيض الحضور فيه جذلاً وجدلاً، في حدّه الحد بين الجد واللعب، يؤمن بالعطاء وبالطاقة الإيجابية والشعور الرفاقي وبالحب والقيم الفردية والسلوك الوطني والوحدوي والنشاط المتواصل في التنظيم والفكر والسياسة، قولاً وممارسة.

قبل اللقاء الأخير لن أنسى دمعتك أمام نازحي مخيم نهر البارد يوم حضرت خصيصاً لتفقدهم عام 2007، ولن أنسى سلوك القائد الذي انحنى في مخيم شاتيلا لتقبيل يد الحاجة أم ناظم خنساء المخيم التي قدمت أولادها الأربعة شهداء. ولا اللقاء الأخير في بيروت التي أحبَّ، جاء رغم وضعه الصحي الصعب ليلقي عليها الوداع، المدينة سكنها وسكنته، ألقى النظرة الاخيرة على حاراتها وشوارعها وأزقتها ومحاورها القديمة والجديدة، ويسأل عن ناطور البناية الذي أقام فيها يوماً، عن الجيران وأبنائهم وأين توزع الأصدقاء؟

 ودون أن يبوح بحضور رفاق من قادة الجبهة بأسرار العشق، يوم ساهم في صناعة الصمود في حصارها الدامي عام 1982، لنقرأ المعنى وهو يأمر السائق أن يذهب إلى الشياح والمتحف والبربير والأوزاعي ثم إلى شاتيلا ومقبرة الشهداء، وكأنه يغمض عينيه على سنوات الحرب التي ظلت تعوي سنوات وعلى متاريس الطرقات المقطوعة.

يرحل في الزمن الأكثر جنوناً زمن اكتمال العلاقات الممنوعة والخطط المسربة والسياسات المحرمة والمضادة وعلى الأرض التي عشقها؛ ظلت رصاصات الشرف وكل احتمالات البطولة المتوقعة، كأنما يده تلوح من بعيد على وعد لا يغيب يهمس لنا: ما أجمل الحرية.. وقلبه يخفق على وقع الشهداء والقيم الجميلة والبدايات والذكريات والأحلام والمفردات والكلمات والمعاني وكل ما كنا نتداوله على مساحة الغياب.

رحل ابن يافا في زمن التيه العربي واللاجئ ابن مخيم الجفتلك في منطقة الأغوار، درس في مدرسة الجفتلك التابعة لوكالة الغوث؛ وانتقل إلى الكويت عام 1963؛ انضم إلى جيش التحرير الفلسطيني في بغداد عام 1965، وأكمل تعليمه في دورات مسائية؛ ثقف نفسه بنفسه، شارك في تأسيس الجبهة عام 1967؛ جرح في معركة الكرامة في آذار 1968؛ عضو مكتبها السياسي؛ شغل مهام  عسكرية من الأردن إلى الداخل الى لبنان، قاد قوات الجبهة في حصار بيروت عام 82، شغل نائب الأمين العام  للجبهة  وعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1991؛ عاد إلى الوطن عام 1999؛ رئيس الدائرة السياسية التابعة للجبهة عام 2000؛ اعتقل في معسكر عوفر الصحراوي؛ أمضى سبعة أعوام في المعتقل إضافة إلى عامين في مطلع العام 2007، ترك مناصبه القيادية مفسحاً المجال للجيل الجديد وبقي محتفظاً بعضويته في الجبهة.. سنبقى مع جيل الأحبة الذي معهم، ناضل وكتب وقاتل وأسر وجرح وتناقش وتخانق وظل الود في قلبه.

يا أبا شريف علمتنا روحك النبيلة أن العظماء هم الأوفياء حقيقةً، هذا ليس رثاءً لك، إنما رثاءٌ لنا، ودفقةٌ من الوفاء لمن يستحق.. كي نعلن انحيازنا إلى الحياة التي عشت، بعز وشرف وإباء والأهداف التي على دربها سرت والمشعل الذي حملته على وعد فلسطين التي لا ولن تموت!