يستسهل المعزون في تجمعات العزاء، أو في أقوالهم، أو كتاباتهم قول تعبير "خسرناه".
لاشك أن كل فقيد، هو خسارة لمن يحبه، أو لمن كان بحاجة إليه ، أو لمن يظن أن رحيله كان قبل الأوان، والأوان عادة، هو توقيت تقديري لعمر الإنسان، واقتراب ذلك العمر من نهاياته، لكن تعبير "خسرناه"، له معنى عميق، ومعبر عندما يطال ذلك مناضلا ضحى طوال حياته في سبيل الوطن، وتحريره، ولا شك لدي أن هذا التعبير بمعناه، ومضمونه العميقين عندما يستخدم حين يستشهد مناضل، أو يموت يعني الكثير.... الكثير.
ورحيل عبدالرحيم ملوح.... صديقي، ورفيقي، وأخي، هو بالفعل خسارة للثورة، وللنضال الوطني لأن الفراغ الذي تركه لن يكون ملؤه سهلا، بل سيحتاج إلى كفاءة، ووقت..... عبدالرحيم ملوح كان بشوشا دائما، ويضحك في مواجهة الصعاب، وكان في كثير من الأحيان يتصرف إزاء مأزق، أو موقف صعب، أو كمين محكم تصرف اللا مبالي.... كنا نلومه على هذا، لكنه كان يبرهن دائما أنه لا يعير الخطر أهمية، بل يقدم بكل شجاعة على المهمة، وإن كانت تحت مرمى نيران العدو.
عندما انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كان عليه أن يلتحق بركب الذين سبقوه في التمرس في الفكر السياسي والفلسفي؛ إذ لا يكفي أن تكون ملما بالعلم العسكري لتقود ضمن مسيرة الثورة، فكان من الذين انهمكوا بالقراءة، والمطالعة، والتعلم حتى يرتقي بوضعه النضالي السياسي، وليتمكن من المساهمة في تحليل التطورات، وتصور المسار المستقبلي، ورسم الخطط لمواجهة العدو، فتمكن في فترة وجيزة نسبيا من أن يرتقي بوضعه على الصعيد الفكري والسياسي، والفلسفي ط، وأهله هذا لأن تنظر إليه القواعد التنظيمية، والمقاتلة نظرة احترام، وخاض ملوح معركة مع نفسه على صعيد التعامل الاجتماعي، فقد نشأ في بيئة بعيدة عن الجامعيين، أو المتعلمين، والذين اكتسبوا من خلال تدرجهم في بحر العلوم ... القواعد الأساسية للتعامل الاجتماعي.
وكانت بيروت المكان الذي بدأ فيه عبدالرحيم ملوح ببلورة مسلك اجتماعي يليق بقيادي يخوض معركة ضد العدو تكسبه احتراما على صعيد المجتمع.... لم أره يوما يهاب التقدم ومواجهة الجديد، والتعامل معه بهذه المقاييس.. كان رحيله خسارة للعمل الوطني.... لقد زف إلى مسيرة الشهداء بعد وداع يليق بالشهداء.
رحمه الله، وللجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورفاقه، وأخوته، وعائلته الصبر والسلوان.

