لن نأتي بجديد إذا قلنا، أن استعصاء الأزمة السياسيّة الراهنة لا تكمن في الحاضر، وإنما لها جذورها الممتدة والمتشعّبة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، وإذا أطلقنا العنان لخيالنا في محاولة تقصي هذه الحالة في بعدها التاريخي، ربما قد نصل بها إلى مراحل ومحطات بعيدة، الأمر الذي لا يسمح بإجراء أيّة مقاربة سياسيّة واقعيّة للبحث عن الحلول، وسبل الانفكاك من الأزمة والتحليق خارجها لتوفّر لنا زاوية رؤية واضحة. وإذ تدرك الحالة الفلسطينية في مختلف مكوناتها السياسية والوطنية مخاطر هذه المحطة التاريخية؛ فأزمة الحركة الوطنية الفلسطينية تتغذى من الإخفاق في إنجاز التحرّر الوطني وهذا ما يتحمّل مسؤوليته الجميع، وليس طرفًا دون آخر.
ومن ناحيتنا كحزب نتحمّل جزءًا من المسؤولية، ولا يجوز لنا أن نلقي باللائمة على الآخرين ونعفي أنفسنا أو على الأقل السعي للانفكاك من الأزمات الداخلية التي تمنعنا من التحليق والقدرة على الفعل والتأثير حتى باتت الساحة مفتوحة لثنائية فتح وحماس فقط، فيما ظلت بقية الفصائل هامشية الفعل والتأثير.
إن عدم قدرتنا كحزب على قراءة الواقع وما أنتجته التسوية ولاحقًا الانقسام وسيطرة حماس على القطاع، هذا ما يجعلنا غير قادرين على الرؤية الصحيحة، وبالتالي تقديم الحلول والبدائل الملائمة.
وإذا أمعنا النظر في النتائج التي ما فتئت تترسّخ منذ أوسلو وحتى اليوم، وكذلك منذ هيمنة حماس على القطاع، فإن هذه النتائج باتت أصعب من قدرتنا على تجاوزها طالما بقينا نلعب في الهامش السياسي والكفاحي، بحيث يهيمن طرف على القرار السياسي والوطني (فتح) منذ سنواتٍ طويلة، فيما يهمين طرف آخر على قرار المقاومة (حماس) وباتت الحالة الفلسطينية رهينة منذ سنوات طويلة لهذه القطبية الثنائية، فيما بقينا نحن كحزب وبقية الأحزاب في موقع المتفرج وغير الفاعل، ولا حتى القادر على صناعة الحدث، وإذا شاركنا فيه نكون في موقع التابع وحسب.
فالطرف الأول، ومنذ قيام السلطة، وما نجم عنها من نشوء واقع طبقي ونخب وشرائح ومراكز قوى وأجهزة أمنية؛ باتت محكومة لمنطق السلطة والمصلحة، وليست مستعدة للتنازل عن امتيازاتها ومصالحها، ضاربةً بعرض الحائط أي حلول تقتضيها المصلحة الوطنية. وأصبحت السلطة في المخيال العام مجرد وكالة أو مؤسسة توفّر الرواتب والبحث عن حلول للمشاكل التي تعترض إمكانية انقطاعها.
أمّا السلطة الأخرى في غزة – فهي الأخرى لديها اشكالياتها المتراكمة بفعل الحصار والحروب والملاحقة، وباتت تشعر أن قطاع غزة هو قبلتها الأخيرة التي يجب الدفاع عنها بكافة السبل، ووقعنا في فخ الحفاظ على سلطة "القلعة" على حساب المسائل الوطنية الكبرى.
إن التمترس داخل القلاع السياسية والحزبية وما تنطوي عليه من مصالح وارتباطات وتحالفات داخلية وخارجية، ترك الساحة الفلسطينية والموقف الوطني عرضة للاختراق ومكشوفة أمام المتغيرات العاصفة؛ فالثنائية المتصارعة على الساحة الوطنية أفرزت واقعًا صعبًا أمام الجميع. أمّا الفصائل الأخرى بما فيها حزبنا، فباتت لا تملك أي قدرة على التأثير ليس لأنها عاجزة وحسب، إنما لأنها لا تملك الإرادة، وعلى ما يبدو رضيت بمواقعها الصغيرة طوال تلك السنوات الطويلة.
لنتحدّث بصراحة؛ نحن ليست لدينا رؤية؛ فالرؤية ليست مجرد مواقف وتصريحات إعلاميّة أو مواد مكتوبة. إن الرؤية حتى تكون رؤية يجب أن ترتبط بالقدرة على الفعل في الميدان، وإلّا فإنها لا تعدو كونها مجرد تنظير، فإذا كنّا قادرين على قراءة الواقع وندّعي بأن لدينا رؤية سياسية سليمة، وأن هذه الرؤية صائبة في تحليلها للواقع لبلورة علمية وواقعية بما الذي يمنعنا من الانطلاق لترجمتها في الميدان؟
بوسعنا أن نسوق عشرات الأسباب التي تحول دون قدرتنا على الفعل والامساك باللحظة التاريخية، وتبدأ هذه الذرائع والأسباب بالمال والامكانيات المادية ولا تنتهي بالمتغيرات المتسارعة، وهذه الأسباب والذرائع، وإن كانت حقيقية؛ غير أنها في ذات الوقت ليست واقعية، وإنما تعبّر عن العجز وقلة الحيلة وافتقادنا للإرادة الكافية للشروع في عملية التغيير.
إن المعادلة ببساطة وبعيدًا عن أيّة فزلكات إعلامية كلامية، ترتبط بالإرادة؛ هل نحن بالفعل نمتلك الإرادة والاستعداد والجرأة والمغامرة للمبادرة ومغادرة حالة التلكؤ والتردد وحتى البقاء تحت عباءة التبعية؟ وكيف يمكن لفعلنا السياسي والكفاحي والجماهيري والإعلامي أن يثمر بلا إرادة وعزيمة؟
إن إشكالية الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، تتمثل بتحوّل الفصائل والحركات السياسية من وسائل إلى غايات، وفي ذات الوقت تحوّلت الغاية (القضية الفلسطينية) إلى وسيلة للبقاء السياسي والحزبي وحتى الشخصي. فبالرغم من امتلاكها لخطاب سياسي وكفاحي ووطني مميّز، إلّا أننا لا نختلف في المضمون عن بقية الحركات التي تسعى للبقاء بأي ثمن. فهذه الإشكالية تمثّل نقطة ضعف بل ونقطة مقتل لأي حركة سياسية تتحوّل إلى غاية بحد ذاتها على حساب القضايا الوطنية والاجتماعية الكبرى.
إنّ أوّل ما يجب أن نبدأ به هو المراجعة الذاتية؛ فقبل أن نصوّب سهامنا نحو الآخرين يتعيّن علينا إصلاح أوضاعنا الداخلية؛ فنحن نعاني من إشكاليات كبيرة ومركبة وتاريخية؛ تبدأ في طريقة إدارتنا للخلافات، وتنتهي بقدرتنا على الفعل المثابر والمثمر والعنيد وترجمة ما يجمله من رؤى ومواقف في الميدان.
أمّا الإشكالية الأساسيّة التي نعاني منها منذ سنوات طويلة وتمثّل الحلقة المركزيّة في اخفاقاتنا المزمنة تتمثّل بالتنظيم؛ نحن بصراحة لدينا اهتراء وتهتك في مختلف الفروع والهيئات والآليات وأساليب العمل، وهذا التهتك يقود إلى الضعف، والضعف يقود إلى المزيد من التهتك، ونبقى ندور في هذه الحلقة المفرغة من دون أن نفلح في كسرها؛ فكيف يمكن لنا التصدي لمهامنا ومسؤولياتنا السياسية والوطنية الكبرى ونحن عاجزين عن حلحلة إشكالياتنا الداخلية الصغيرة؟
المسألة الأخرى، مرتبطة بالإرادة. نحن ماذا نريد؟
نحن لدينا خطاب وشعارات، ولكن ليست لدينا إرادة؛ فالخطاب والشعارات وحدها لا تكفي في إقناع الجماهير بالالتفاف حولنا؛ فنحن من أكثر الفصائل حديثًا عن المقاومة والثورة والجماهير غير أننا لا نسعى ولو بالحد الأدنى لممارسة شعاراتنا وترجمتها في الميدان؛ ليست لدينا منهجية واضحة، ولا حتى عقل تنظيمي وسياسي يضبط إيقاع العمل؛ نعاني من عجز بسبب الشيخوخة، والشيخوخة لا تعني تسلّم الكبار في العمر للمهام القيادية في الحزب على حساب الشباب؛ إنّها شيخوخة الآليات والطقوس والمنهج والخطاب والمفردات، ولا يوجد لدينا ابتكارات وتجديدات في الوسائل والآليات.. إن لدينا طاقات كافية ينبغي تحفيزها وتطوير أدائها لتتحرك وتنشط في مختلف الميادين.
أمّا معضلة المال والامكانيات المادية، فإن مواصلة اجترارها والحديث عنها يشكّل معضلة أخرى تستعصي على الفهم؛ كيف يمكن لهيئات عليا أن تواصل الحديث منذ سنواتٍ طويلة عن الأزمة المالية من دون أن تتمكّن من حلها؟ باتت لدينا شكوك أنّه لو تمكّنا من حل هذه الأزمة، فإنها قد لا تحل بقية الإشكاليا؛ يتعيّن علينا البحث عن وسائل لحل هذه الإشكالية وعن بدائل أخرى غير صندوق المنظمة. كما أن لدينا تقصير وتأخر عن أداء مهامنا الاجتماعية كرعاية أسر الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين، وفي القدرة على ترجمة شعاراتنا وخطاباتنا الفكرية والسياسية عن العمال والمرأة والفلاحين والفقراء والشباب.
إنّ هذه الأزمات تتغذى من بعضها البعض وعلى ما يبدو لا يوجد لدينا عقل تنظيمي واحد؛ يفكّر بطريقة شاملة ويأخذ بعين الاعتبار التفاصيل الصغيرة؛ فالنجاح في أيّة مهمة يتطلّب القدرة على الإحاطة بالتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة وامتلاك الخبرة في إدارة الأزمات وحلها واختيار مربعات الانطلاق.
إن قدرتنا على الانفكاك والتحرّر من أزماتنا الداخلية التي نشكو منها منذ سنواتٍ طويلة يعني أنّنا نستطيع التأثير والتحرّك والفعل، ويظل السؤال قائمًا: هل نحن عاجزون إلى هذا الحد عن معالجة إشكالياتنا الداخلية؟
ببساطة لا توجد أدوات سحرية في العمل؛ إنّها الإرادة. ووحدها الإرادة تصنع المستحيل، فإذا امتلك بضع أفراد في القيادة الإرادة والانسجام وحسن التخطيط والتنظيم والإدارة؛ سيكون بمقدورنا تحريك آلة الحزب المعطلة؛ فالأشياء تتطوّر من الحركة ولا تتطوّر من السكون.

