Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح 69)

غازي الصوراني

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل العاشر

أبرز فلاسفة القرن التاسع عشر

جورج سنتيانا (1863 - 1952):

ولد سنتيانا في مدريد، وهاجر إلى امريكا عام 1872، وبقي فيها حتى عام 1912، وقد تخرج في جامعة هارفارد، وعين فيها استاذاً، ولبث فيها من سن السابعة والعشرين حتى بلغ الخمسين، ولكنه لم يكن راضياً تماماً بهذه البلاد التي اختارها لنفسه.

عانى الكثير من صخب حياة المدينة الامريكية وسرعتها، واتجه بالغريزة إلى "بوسطن"، وكأنه أراد أن يكون قريباً من أوروبا مهما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ومن "بوسطن" انتقل إلى كامبردج وهارفارد. "وبقي بعيداً عن الجماهير والصحافة، ولكنه كان يعرف حسن حظه لوجوده في اعظم مدرسة للفلسفة لم تشاهدها أَية جامعة أمريكية أخرى"([1]).

لقد كان "أول مقال له في الفلسفة "حاسة الجمال" عام 1896، الذي يعتبر أعظم هبة أمريكية في عالم الذوق والجمال، وبعد خمس سنوات، أخرج مؤلفاً رائعاً في "تفسير الشعر والدين" بعد أن وجد اقبالاً أوسع من مقاله السابق، ولبث بعد ذلك بسبع سنوات لا ينشر شيئاً، حيث كان يُعِد أهم مؤلفاته ألا وهو "حياة العقل"، ولم يكد يُخْرِج إلى الناس هذا الكتاب بمجلداته الخمسة: "العقل في الإدراك السليم، العقل في المجتمع، العقل في الدين، العقل في الفن، العقل في العلم"، حتى ارتفع سنتيانا فوراً إلى أوج الشهرة بين الأوساط الفلسفية، لقد كان سنتيانا مزيجاً صافياً من ارستقراطية شعوب البحر المتوسط، والفردية الأمريكية.

بعد ذلك جلس سنتيانا ناعماً على عرش شهرته، ثم "غادر هارفارد إلى انجلترا ليعيش فيها، وظن العالم أنه قد أتم واجبه، وأدى رسالته، ولكنه أثار دهشة العالم مرة ثانية بنشره كتابه القَيِّم "الشك وإيمان الحيوان" في عام 1923، وأعلن أن هذا الكتاب مقدمة لنظام فلسفي جديد"([2]).

الشك وإيمان الحيوان:

يقول في مقدمة هذا الكتاب اننا "سنجد نظاماً آخراً للفلسفة، فان وجد القارئ في نفسه رغبة في الابتسام فسأبتسم.. أنا لا اطلب من أحد ان يفكر بما افكر إذا كان يفضل تفكير الاخرين، والأفضل إذا استطاع أن ينظف نوافذ روحه، لينشر جمال المنظر وتنوع صوره وإشراق ضوئه امامه.

يريد سنتيانا في هذا الكتاب الأخير –كما يقول ديورانت- "أن يمحو أولاً نسيج العناكب الذي نسجته نظرية المعرفة، فعرقلت نمو الفلسفة الحديثة واخرت تقدمها، وقبل أن يعرف حياة العقل، راح يتحدث عن اصل العقل البشري، لانه يعلم ان أسوأ ما يقع فيه الفكر، هو قبوله الآراء التقليدية قبولاً اعمى، ولهذا فهو يبدأ بالشك، وهو على استعداد لأن يشك في كل شيء، فيقول، يصل إلينا العالم الخارجي خلال الحواس فيمتزج بصفاتها وخصائصها، وتأتي لنا الحوادث الماضية عن طريق الذاكرة التي تؤثر فيها الرغبة وتلونها كما تشاء، إذن فالعالم كما يظهر لنا والماضي كما نذكره قابلان للشك، أما ما يثق "سنتيانا" في صحته ثقة اليقين فهو تجربة اللحظة، فهذا اللون وهذه الصورة، وهذا الطعم وهذه الرائحة، وهذه الصفة، كل هذه وما شاكلها هي العالم "الحقيقي" وادراكها يكون "الكشف عن الجوهر"، ويقول "سنتيانا" ان المذهب المثالي صحيح ولكنه لا ينتهي إلى نتيجة كبيرة، حقاً اننا نعرف العالم عن طريق أفكارنا فقط، ولكن ما دام العالم قد سار خلال الاف السنين تماماً على اساس الايمان بصدق احساساتنا، يمكننا إذن أن نقبل هذا القرار العملي من غير ان نخشى على المستقبل، ويقول أيضاً، "قد تكون عقيدة الإنسان خرافية، ولكن هذه الخرافة نفسها خير ما دامت الحياة تصلح بها، وصلاح الحياة خير من استقامة المنطق الصحيح، اذا كانت الحياة تُصلِحها الخرافة أكثر مما يُقَوِّمها القياس المنطقي"([3]).

العقل في العلم:

في "كتابه "حياة العقل"، يقول "سنتيانا" "ليس العقل عدواً للغرائز، ولكنه يساعدها في توفيق ونجاح، والعقل فينا عبارة عن الطبيعة بلغت مرتبة الادراك، فهي اذ تستهدي به انما تسترشد بضوء نفسها في تبين طريقها ومعرفة الغاية التي تسعى اليها، والعقل ازدواج سعيد من عنصرين – وهما الحافز الذي يحفز ويدفع، والفكر الذي يفهم، ولو انفرط ما بين هذين العنصرين من رباط لانقلب الإنسان وحشاً ضارياً أو مجنوناً لا يعي، والعقل هو تقليد الإنسان لله.

"يقوم كتاب سنتيانا "حياة العقل" على العلم، لأن العلم يشمل جميع أنواع المعرفة التي يوثق بها ويركن اليها، فعلى الرغم من أن "سنتيانا" يعرف مدى ما في العقل من تقلب وعدم ثبات، وما في العلم من قابليه الزلل والخطأ، ولكنه يرى وجوب اعتمادنا على العلم وحده"([4]).

أما بالنسبة إلى "الناس فان سبيل التطور الاخلاقي، يقع في تنمية العواطف الاجتماعية التي تزدهر في جو الحب والوطن، والأسرة هي السبيل إلى دوام الانسانية، فهي لا تزال النظام الاساسي بين الناس، وهي وحدها قادرة على دوام الجنس، حتى ولو فشلت جميع النظم الأخرى.ولكن الاسرة وحدها لا تستطيع السير والرقي بالمدنية الا إلى درجة بسيطة معينة، اذ تحتاج المدنية لاطراد تطورها ومواصلة سيرها وتقدمها إلى نظام أوسع وأكثر تعقيداً، تحل فيه الدولة محل الأسرة.

وقد تكون الدولة وحشاً طاغياً كما قال عنها "نيتشه" ولكن هذا الطغيان الذي يرتكز على سلطة واحدة، يقضي على جميع ضروب الطغيان الاخرى التي كانت تكدر صفو الحياة وامنها قبل انشاء الدولة. فإن كانت الدولة قرصاناً يفرض علينا تقديم الخراج والضريبة، فان تقديمنا لهذه الضريبة إلى قرصان واحد يتقبلها بهدوء افضل من ان يستولي عليها مئات القراصنة بلا انذار أو حدود، ومن هنا نشات الروح الوطنية بين الناس، فهم يعرفون ان ما يدفعونه للحكومة من ثمن أقل من تكاليف الفوضى والاضطراب التي يتعرضون لها اذا لم تقم حكومة قوية بالاشراف على المجتمع والسهر على مصالحهم، ولكن سنتيانا يتساءل فيما إذا كانت مثل هذه الوطنية تؤدي إلى خير الناس أو إلى ضررهم؟ لأن هذه الوطنية تميل إلى اتهام دعاة الاصلاح والتغيير بعدم الاخلاص والخيانة، ذلك إن حب الإنسان لبلاده يدفعه إلى المطالبة بالتغيير وبذل الجهود للوصول بالبلاد إلى الكمال، والوطنية القومية ضرورة لا مفر منها، وبعض الشعوب متفوقة على غيرها.

وسنتيانا "لا يشارك سبنسر افتتانه وحبه للصناعة، هو يعرف جانبي الصناعة الحربي والسلمي، ويميل إلى نظام الحكومة الارستقراطية القديم، ويعتقد أن ما عرفه العالم من ثقافة كان ثمرة لذلك النظام الاستقراطي، وليست المدنية في اعتقاده إلا انتشار عادات نشأت في الطبقات الممتازة، ولم تنبع من عامة الشعب، ثم فرضت نفسها على الشعب فرضاً، أما الدولة التي تتألف خاصة من العمال والفلاحين كما تتألف معظم الأمم الحديثة لهي دولة متأخرة متوحشة، تقضي على كل تقاليد الحرية، ويضيع فيها جوهر الوطنية العقلي والتاريخي"([5]).

إنه يكره المساواة –كما يؤكد ديورانت- "ويوافق افلاطون بأن المساواة بين غير المتساوين لا مساواة، ومع ذلك فهو لم يبع نفسه تماماً للنظام الارستقراطي، ولذلك يقول: "ينبغي ان يكون مبدأ السياسة الأول، ان تعمل الحكومة على رفع حياة أفراد الشعب والنهوض بهم، وتقوية إمكانياتهم ومواهبهم، والديمقراطية من هذه الناحية أفضل من الارستقراطية ولكن للديمقراطية مساوئها وشرورها أيضاً، فهي بالإضافة إلى فسادها وعجزها تمتاز بنوع من الطغيان خاص بها، وهو عبادة المساواة والتشابه التام بين افراد الشعب، ولن نجد طغياناً ممقوتاً ومكروهاً أكثر من هذا الطغيان العامي الذي يقضي على كل تجديد ويسد الطريق امام كل موهبة وعبقرية، ذلك إن أشد ما يكرهه سنتيانا هو الفوضى والسرعة الفاحشة التي ترافق الحياة الحديثة، ويتساءل هل كان الناس أسعد حالاً في ظل النظام الارستقراطي القديم، عندما كانت الحكمة هي الخير لا الحرية"([6]).

ما هو شكل المجتمع أو الحكومة التي يجب أن نسعى لها ونكافح من أجلها؟ "قد يكون الجواب أن لا نكافح من اجل حكومة معينة، اذ الفرق ضيق بينها، ولكن سنتياناً –كما يضيف ديورانت- "يميل إلى تفضيل حكومة تقوم على حكم أصحاب المواهب والشرف من الرجال وهي ما تسمى بالحكومة "التيمقراطية" وهي حكومة ارستقراطية لكنها ليست وراثية، والمجال مفتوح فيها امام الجميع وفقاً لمواهبهم وامكانياتهم ومقدرتهم، بان يكون الطريق للوصول إلى أعلى مناصب الدولة مفتوحاً امام كل رجل وامرأة وفقاً لمقدرتهم ومغلقاً امام العجز وعدم المقدرة والكفاءة مهما بلغت مقدرة المرشحين على جمع الاصوات في الانتخابات والاستفتاء، والمساواة الوحيدة الباقية هي مساواة الفرصة امام الجميع.

في هذه الحكومة ينحصر الفساد في أقل حيز ممكن، ويزدهر العلم والفن بما يجدان من تشجيع، وستكون هذه الحكومة جمعاً وتركيباً من الارستقراطية والديمقراطية، وهي ما ينشده العالم منذ زمن طويل لينجو بنفسه من الفوضى السياسية التي يتعرض لها اليوم، وهي حكومة لن يحكم فيها إلا أفضل الناس، ولكنها تقدم فرصة متساوية لكل إنسان بأن يكون بين أفضل الناس هؤلاء إذا اثبت جدارته وأهليته"([7]).

أخيراً، بالنسبة لموقف "سنتيانا" من الإيمان، فهو "لا يسمح لنفسه –كما يقول ديورانت- باعتناق المذهب الحلولي وهو المذهب الذي يقول بوحدة الكون وتأليهه، أي ان الله هو الكائنات التي هي الله، وهو يعتقد بأن هذا المذهب الحلولي ليس الا مهرباً من الإلحاد، ويقول إننا لا نضيف إلى الطبيعة شيئاً عندما نسميها الله، ولكنه كشاعر بطبيعته، ادرك ان العالم اذا تجرد عن الله يكون بارداً ولا يبعث على راحة القلب والنفس"([8]).

ماكس فيبر (1864 - 1920):

فيلسوف وعالم ألماني في الاقتصاد والسياسة، وأحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث ودراسة الإدارة العامة في مؤسسات الدولة، وهو من أتى بتعريف البيروقراطية([9])، وعمله الأكثر شهرة هو كتاب" الأخلاق البروتستانتية" و"روح الرأسمالية" و "السياسة كمهنة" حيث عَرَّف الدولة: بأنها الكيان الذي يحتكر الاستعمال الشرعي للقوة الطبيعية, وأصبح هذا التعريف محورياً في دراسة علم السياسة.

درس فيبر جميع الأديان وكان يرى أن الأخلاق البروستنتانتية أخلاق مثالية، ومنها استقى النمودج المثالي للبيروقراطية والذي يتميز بالعقلانية والرشادة.

الفكرة المُوَحَّدَة لديه، كانت التركيز على العلاقة المتبادله بين التشكيلات القانونية والسياسية والثقافيه في جانب، والنشاط الاقتصادي في الجانب الآخر، فالمشروع الاقتصادي مثلاً يكون رشيداً عندما تُضْبَط الدولة بواسطة البيروقراطية، بل إن المجتمع بكامله يتجه نحو التنظيم البيروقراطي، وحتى العلم نفسه يعد من وجهة نظر فيبر مظهر العملية العقلية التي تميز المجتمع الحديث.

فلسفة العلم والأنماط المثالية:

رأى فيبر أن ثمة فرقاً أساسياً بين الوقائع والقيم، بين ما هو موجود وما يجب أن يكون، وبوصفنا علماء –كما يقول – "لا يمكننا أن نعلق إلا على الوقائع وليس على القيم، ولا شك في أنه يمكننا أن نبحث في القيم التي يقبلها الشعب، تلك مسألة تجربية عملية، كذلك يمكننا أن ننخرط في الشؤون السياسية والأخلاقية، غير أن مصدر ذلك الانخراط هو وضعنا كمواطنين، وليس كعلماء، لذا علينا أن لا نخلط بين هاتين المنطقتين كإنشاء دعاية سياسية بمظهر العلم، ولا ريب في أن العلم يمكنه أن يفيدنا شيئاً عن الوسائل الملائمة لتحقيق هدف معين، يمكنه ان يخبرنا شيئاً عن "تكلفة" الوصول إلى ذلك الهدف، غير أنه حالما تقدم مثل تلك الوقائع، فعلى الإنسان أن يقوم باختيار شخصي، تلك كانت أطروحة فيبر عن استقلالية العلم عن القيم، أي إن العلم من حيث هو علم لا يستطيع أن يقول شيئاً إلا عما هو موجود وليس عما يجب أن يكون. ففي العلم نحن نطلب الحقيقة التي يعتبرها كل واحد صحيحة"([10]).

أكد فيبر "وجوب استعمال العلوم الاجتماعية، منهج الفهم، فليس من المصادفة أن يكون علم الاجتماع والاقتصاد والمجتمع لديه، عنوان فرعي هو أساس سوسيولوجيا الفهم، فيجب أن لا ينحصر عمل السوسيولوجيا في إيجاد القواعد العامة التي تحكم العمل الاجتماعي، بل السعي إلى فهم نوايا ودوافع الفاعل الذاتية، التي يمكن اعتبارها في مرحلة لاحقة أسباباً للعمل الاجتماعي، ويمكن تطويرها إلى شرح سوسيولوجي بالأسباب، وهذا يطابق تعريف فيبر للسوسيولوجيا، إذ قال: "السوسيولوجيا (بالمعنى الغامض جداً لهذه الكلمة) علم يحاول الوصول إلى فهم تفسيري للعمل الاجتماعي بغية الوصول إلى شرح بالأسباب لمجراه ونتائجه"([11]).

أنماط الفعل وأشكال المشروعية:

أرسى فيبر علمه السوسيولوجي على أربعة انماط فعل "صافية" (أنماط مثالية)([12]):

  1. قد يكون الفعل ذا توجه عقلاني نحو هدف معين (الفعل العقلاني الهدف).
  2. وقد يكون الفعل ذا توجه عقلاني نحو قيمة مطلقة (الفعل العقلاني القيمة).
  3. وقد يتحدد الفعل بحالات عاطفية عند الفاعل (الفعل العاطفي أو الشعوري).
  4. وقد يكون الفعل محدداً بالتقاليد والعادات العميقة الجذور (الفعل الموجه بالتقاليد).

في نمطي الأفعال الأول والثاني كان الفعلان عقليين، ويدل المصطلح "عقلي" على معايير معينة تميز هذين النمطين من الأفعال عن النمطين الآخرين، فنمط الفعل الأول هو عقلي لأنه موجه نحو هدف مصاغ صياغة واضحة وواعية ولأنه يتبنى اعتماداً على المعرفة المتاحة التي ستؤدي إلى تحقيق الهدف، لذا يمكن وصف العقلانية – الهدفية بأنها عقلانية الوسيلة – الموصلة- إلى غاية .

النمط الثاني من الأفعال هو عقلاني لأنه محدد بمعتقد الفاعل الأخلاقي أو الديني، وهو شكل من الفعل له قيمة مطلقة مستقلة عن النتيجة، فقبطان السفينة الذي يغرق نفسه وسفينته لمقتضيات الشرف أو الواجب يفعل ذلك طبقاً للعقلانية – القيمية.

فالأفعال القائمة على "أخلاق الواجب الاخلاقي" هي أفعال ذات عقلانية قيمية، وفي معظم الأحوال، والأمثلة تبين أن ما قد يكون "عقلانياً" عند فاعل قد يكون "لاعقلانياً" عند فاعل آخر.

ويمكننا أن نذكر أيضاً أن "العقلانية" تعرف استناداً إلى هدف الفاعل وقيمه ومعرفته، وليس على أساس ما يعده العالم الاجتماعي أهدافاً وقيماً ومعرفة ذات صلة بموضوع البحث.

لا يصف فيبر نمط الفعل الثالث بأنه نمط عقلاني، فهو نتيجة مباشرة لحالة الفاعل العاطفية، فيمكن القول إن الفعل العصابي، أو رد الفعل الجامح لمثير غير عادي هو فعل عاطفي، ويقع مثل هذا الفعل على الحد الفاصل بين الفعل ذي المعنى والسلوك الذي ليس له معنى، يضم نمط الفعل الرابع كل ما نفعله "بطريقة غير واعية" بعامل التقليد والعادة (أو المعايير) التي لا نعيها، ويصف هذا النمط من الأفعال أيضاً السلوك الذي غالباً ما يزيد على ما يعد فعلاً ذا معنى.

وتقترب الأفعال التقليدية من الأفعال الموجهة قيمياً إذا كان هناك وعي للصلة بما هو "عميق الجذور"، وعندما نكون على وعي بالتقاليد فإن أفعالنا تكون ذات عقلانية قيمية"([13]).

المعنى عند فيبر وثيق الصلة بالعقلانية، فالأفعال ذات المعنى ذات صلة بعقلانية الهدف وعقلانية القيمة.

أما الأفعال التقليدية والعاطفية فهي حالات الحدود الفاصلة، فبوصفهما "سوسيولوجيا فهم" نقول إن مشروع فيبر قام على فكرة الفعل العقلاني.

لقد "مكنت أنماط الفعل الأربعة تلك –كما يقول مؤلفا تاريخ الفكر الغربي- من تعريف معنى العقلنة والتحديث عن كثب في تطور الثقافة الأوروبية، فرأى فيبر أنه يمكن وصف عملية العقلنة الغربية بأنها التطور الذي فيه تحلل الفعل العقلاني الهادف عدداً متزايداً من ميادين الفعل. فأفعال في نطاق الاقتصاد والقانون والإدارة مثلا قريبة إلى النمط المثالي الذي ندعوه "الفعل العقلاني الهادف". وإذا اعتبرنا العقلانية الهادفة قيمة ثقافية أساسية يمكننا أن نتكلم على "التقدم" داخل كل منطقة من تلك المناطق، أي نتكلم على التحول إلى العقلنة والتحديث في اتجاه عقلانية هادفة متزايدة. غير أننا إذا اعتبرنا، من جهة أخرى، "أخلاق الأخوة" الدينية قيمة ثقافية أساسية، فعلينا أن ندرك، ولو كنا مكرهين، أن أخلاق الاخوة تلك في عالم صار علمانياً ستضمحل تدريجياً في عدد متزايد من الميادين. إذاً، هناك أنواع من المسائل المركزية في تشخيص فيبر للحداثة"([14]).

وتوضح نظرية الفعل الفيبرية أيضاً ظاهرة مثل ظاهرة التحول البيروقراطي، أي: جلبت الحياة الاجتماعية الحديثة معها تحولاً متنامياً نحو البيروقراطية، ويرتبط ذلك "بالواقعة التي تفيد أن مؤسسات الأعمال والمجتمع عموماً يتطلبان بشكل متزايد تخطيطاً أفضل وتنظيماً أدق. أصبح العلم جزءاً من الإدارة، فدخل المجتمع كله، فصيرت تلك العملية الأفعال أكثر من عقلانية هادفة، لأننا بذلك سنحصل على المزيد من الأمن، وتقل خسائرنا نتيجة للعوامل الطارئة وغير المنظورة. وكانت النتيجة أن صار لدينا، في الوقت ذاته، تعميم للبيروقراطية وللعلم، وتزايد في العقلنة.

مَثَّلَ ذلك التطور لفيبر "اغتراباً وتزايداً في العقلانية الهادفة، فهو لم يعتقد بوجود تغير نوعي في هذه المنطقة. والمزيد من الديمقراطية معناه، في الوقت نفسه، تزايداً في البيروقراطية. وهنا نرى فرقاً واضحاً بين فيبر وماركس، أي: لم يكن فيبر يتصور حدوث تغير حاسم في بنية المجتمع. كذلك ليست الاشتراكية بالتحسن النوعي، فقد اعتقد فيبر أن إلغاء اقتصاد السوق سيؤدي إلى تعزيز البيروقراطية"([15]).

لقد "أنشأ فيبر ثلاثة أنماط مثالية لشرعنة سلطة الدولة، وهي: السلطة التقليدية، وسلطة القائد الكاريزمي، والسلطة القانونية. وقد ترافق تغير شرعنة الدولة مع ذيوع البيروقراطية – أو نقول بخلاف ذلك، أي إن تغيرات أشكال الشرعنة أدت إلى انتشار ظاهرة البيروقراطية، أي: في المجتمعات التقليدية والساكنة نسبياً لا وجود لشك سلطة الدولة إطلاقاً. فسلطة الدولة تقوم على التقليد، غير أن هذا النمط من السلطة يضعف مع ضعف التقليد (دخول العلم والعقلنة والديمقراطية). والشرعنة البديلة هي ما يدعوه فيبر الكاريزما، أي : تكون شرعية السلطة بفضل روابط المواطنين العاطفية بالحاكم كشخص (انظر الفعل العاطفي). ويطاع القادة الكاريزميون لصفاتهم الشخصية، وليس بفضل القانون أو التقليد: "لقد سمعتم.. أنه قيل للقدماء.. واما أنا فأقول لكم". أما في المجتمع الحديث فإن العقلنة البيروقراطية هي التي تشرعن سلطة الدولة، أي: إن ما يحصل هو عقلاني ومطابق للقانون وللعدالة، وأفعال الدولة عقلانية وشفافة. فالحكم الذي يصدر مثلاً لا يكون صادراً عن نزوات، بل على أساس قوانين كلية وثابتة. لذا تكلم فيبر على السلطة القانونية"([16]).

البروتستانتية والرأسمالية:

العقلانية والعقلنة هما الخيطان العامان المشتركان في بحث فيبر السوسيولوجي– التاريخي، ففي هذا العمل التجريبي الواسع حاول فيبر أن يشرح تطور العقلانية الخاصة بالغرب.

لذا "بحث فيبر في سمات الغرب الاجتماعية والثقافية المتميزة عن صفات الحضارات الأخرى، فرأى أن العلم لم ينشأ إلا في الغرب، وهو العلم الذي يعتبر اليوم أنه صحيح عند كل إنسان، أما المعرفة التجريبية والحكمة الفلسفية واللاهوتية فهما موجودتان في الثقافات الأخرى، مثل ثقافة الهند والصين وبلاد فارس، غير أن المعرفة المكتسبة في تلك الثقافات افتقرت إلى أساس من الرياضيات والبراهين العقلية، كما إنها لم تكن مُشَادة على تجارب علمية، وفي الفن نشاهد ما يشبه ذلك: الموسيقى موجودة عند جميع الشعوب، لكن في الغرب وحده نشأت موسيقى متناغمة وعقلية، وحصل خلال عصر النهضة عقلنة داخل الفنون الجميلة مع إدخال نظرات خطية ومكانية.

إذن – كما يقول ماكس فيبر- "ليس إلا في الغرب جرى الاعتراف "بالدولة" مؤسسة سياسية لها دستور عقلي وأساسي وقوانين عقلية وأساسية، كما رأى فيبر أن الخبراء ذوي الاختصاص العلمي والتكنوقراطيين ذوي المراتب العالية غير موجودين إلا في الثقافة الغربية، ويصح القول ذاته على ما يسميه فيبر "أعظم قوة مميتة في حياتنا الحديثة، نعني الرأسمالية، فالبحث عن المنفعة الاقتصادية معروف في جميع العصور، وعند جميع الأمم في العالم. غير أننا لا نجد إلا في الغرب تنظيماً رأسمالياً عقلياً قائماً على قوة العمل الحر (بشكل رسمي)، فالرأسمالية الغربية الحديثة تعتمد على الواقعة التي تفيد أن جميع العوامل الاقتصادية يمكن حسابها، وصار ذلك ممكناً بفضل العلم العقلي. كذلك تتطلب الرأسمالية الحديثة نظاماً قانونياً وبيروقراطية حكومية لخلق ميدان فعل يمكن التنبؤ به. ولا يستطيع سوى الغرب أن يقدم ذلك لمؤسسات الأعمال"([17]).

لماذا لم ينشأ مثل تلك العمليات العقلانية خارج الغرب؟ ولماذا نشأت الرأسمالية الحديثة في اوروبا أولاً؟ رأى فيبر أن "المواطن" يشخص نمطاً فريداً من الفعل، وهو الفعل ذو الهدف العقلاني فيكون السؤال الحاسم هو: لماذا كان هذا النمط من الأفعال عاماً في الغرب؟

لقد رأينا أن فيبر أشار إلى أحوال خارجية عديدة كانت وراء انتصار الرأسمالية في الغرب (مثل العلم والتشريع .. إلخ). غير أنه "كان مهتماً أيضاً بما يمكن أن نسميه الأسباب الداخلية، ففي كتابه "الأخلاق البروتستانتية" و"روح الرأسمالية" (1904) حاول فيبر أن يحدد العوامل الخاصة التي كانت في زمن حركة الإصلاح الديني التي حطمت المحظورات ومكنت من نشوء المجتمع الحديث"([18]).

كما رأى فيبر أن حركة الإصلاح الديني أدت إلى تغيير جذري في الأفكار الأخلاقية التقليدية الخاصة بالواجب، ومهدت الطريق لأخلاق شرعنت أسلوب حياة عقلاني جديد. لذا فإن الأخلاق البروتستانتية بررت أخلاق العمل المجهولة سابقاً، وموقفاً عقلانياً جديداً من الحياة، وقد نظر فيبر إلى أخلاق العمل تلك على أنها فرض ديني، هكذا. والواقع هو أن العمل المنتج كان له مغزى ديني مهم عند البروتستانت، وصار بمثابة دعوة، وفسر النجاح في الأعمال على أنه علاقة "المختارين" من البشر، لذا ليس الربح في ذاته لا أخلاقياً.

لم يَدَّعِ فيبر أن لوثر وكالفن قصدا بناء الشروط العقلية لنشوء الرأسمالية، كما لو تنشأ أخلاق الرأسمالية لذلك الهدف، فما قاله فيبر "هو أن نشوء الرأسمالية في الغرب كان نتيجة غير مقصودة للمواقف الدينية – الأخلاقية التي نشأت وتطورت في الطوائف البروتستانتية. اما أسلوب الحياة البورجوازية والروح الرأسمالية فقد ظهرا للعيان من وراء المشاهد.

نوقشت نظرية فيبر بكثافة خلال القرن العشرين، "وغالباً ما كان ينظر إليها على أنها بديل للمفهوم الماركسي للعلاقة بين القاعدة (الاقتصاد) والبنية الفوقية (الأيديولوجيا والدين). وفي هذا المجال، من المهم أن نعي ما لم يقله فيبر. فهو لم يقل إن الأخلاق البروتستانتية كانت الشرط الضروري والكافي لنشوء الرأسمالية، وفيبر كان يرفض نماذج الشرح الوحيدة السبب (الشروح المشادة على سبب واحد)، وأكد وجود أسباب عديدة لنشوء الرأسمالية في الغرب، لذا فإن البروتستانتية شرط ضروري، وليست شرطاً كافياً لنشوء الرأسمالية"([19]).

" لقد امتازت الرؤية السوسيولوجية لفيبر بانتباهها إلى قيمة المكون الديني ودوره في عملية التغيير والتحول، الأمر الذي جعله في تقابل وخلاف مع الأطروحة الماركسية على نحو ضدي، لأنها كانت تجعل الدين وغيره من المكونات الثقافية بناء علوياً تابعاً ومشروطاً بالبنية الاقتصادية التي تشكل الأساس التحتي للمجتمع.

ولهذا "كان اسم ماكس فيبر دائماً يحضر في النقاشات السوسيولوجية- وخاصة خلال منتصف القرن العشرين - حيث كانت الأطروحة الماركسية مهيمنة على المناخ الثقافي وفارضة نفسها كمنظور منهجي يفسر صيرورة الانتقال إلى الرأسمالية وفق قانون جدلي مادي يرتكز على تقسيم المجتمع إلى بنية علوية (الثقافة) وبنية تحتية (الاقتصاد)، جاعلاً من البنية التحتية المحدِّد الحتمي.

إن الأطروحة الماركسية جعلت المحدد المادي هو منطلق التغيير وفاعله، لكن ماكس فيبر سيقدم تفسيراً مخالفاً لهذا التصور المادي، حيث سيفسر الانتقال إلى الرأسمالية بالمعتقد الديني، وذلك في كتابه "الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية"([20]).

إن هذه الرؤية إلى نشأة الحداثة الأوروبية عند فيبر ترتبط بطبيعة رؤيته إلى الإنسان ذاته،"فهو يرى أن الكائن الإنساني لا تحركه دوافع مادية فحسب، بل ثمة دوافع ثقافية أيضا لها بالغ التأثير في وعيه وسلوكه في الحياة. لهذا سيهتم فيبر، في دراسته للتحول المجتمعي الأوروبي من النمط الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي، بتحديد الدوافع والمؤثرات الثقافية الفاعلة في إنجاز هذا التحول، فانتهى إلى أهمية العامل الديني، حيث استحضر تلك الملحوظة التاريخية المتمثلة في كون الرأسمالية نشأت أول مرة في الشق الأوروبي البروتستانتي، فكان لا بد أن يستفهم عن سبب اختصاص الدول الأوروبية البروتستانتية بظهور الرأسمالية فيها قبل غيرها.

لتفسير ذلك، "يبحث فيبر عن الروح والوعي الرأسمالي، فيجده ثانوياً في النزعة البروتستانتية الكالفينية، فالنزعة الطهرية الكالفينية خالفت الكاثوليكية في تقديرها للفقر، حيث حَفَزَتْ الإنسان على العمل وجعلته طقساً تعبدياً واجباً، إلى درجة أنها شَرَّطت الفوز في الآخرة بالنجاح الاقتصادي في الدنيا، كما أن الكالفينية كان لها اجتهادات فقهية (خاصة في قبولها بالفائدة) يسرت الطريق أمام نمو وانتعاش التعاملات المالية، ونمو رأس المال وتسييده على باقي القوى الاجتماعية، وهذا المرجع التصوري الكالفيني شكل الدعامة النظرية لتشكيل وتطور الوعي الرأسمالي وانطلاقه الفعلي في القرن السادس عشر حسب فيبر"([21]).

 بعد الحرب العالمية الأولى  سيطر التشاؤم على نظرته إلى المستقبل، وليس إلا بوجود موقف بطولي نحو الحياة يمكن للإنسان الحديث أن يتعلم مواجهة "العالم كما هو حقيقة في رتابته اليومية"، هذا ما رآه فيبر، الذي اعتبر أن كل تفاؤل وهماً، وقال: "ليس أمامنا صيف مزهر، بل ليل قطبي كله ظلام جليدي وقساوة، فليس المهم هو من يربح، خارجياً، الآن، فحيث لا يوجد شيء لن يكون القيصر خاسراً حقوقه، وإنما البروليتاري أيضاً".

 

 

([1]) ول ديورانت – مرجع سبق ذكره – قصة الفلسفة  - ص601

([2])المرجع نفسه - ص602

([3])المرجع نفسه - ص603

([4])المرجع نفسه - ص604

([5])المرجع نفسه - ص611

([6]) المرجع نفسه - ص612

([7]) المرجع نفسه - ص613

([8])المرجع نفسه – ص 605

([9]) فإن كلمة بيروقراطية تعني وببساطة البناء الاجتماعي المتسلسل لإدارة التنظيمات الضخمة بطريقة سليمة وبكفاءة وفعالية وبطريقة غير شخصية. وهو يشير إلى التغيرات التي تحدث في المنظمات الرسمية أو الأهلية بطريقة صحيحة لصنع القرارات لتحقيق الكفاءة والفعالية وتحقيق الأهداف.  ونظراً للزيادة الكبيرة والتعقيدات في حجم المنظمات فإنها تكون في حاجة إلى تنسيق لتحقيق مزيد من الفاعلية والتي تصل إلى أقصى درجاتها عندما يكون هناك سيطرة تامة للإدارة والأدوار محددة وواضحة وكذا الحقوق والواجبات. وتعتبر إسهامات ماكس فيبر في هذا المجال كبيرة حيث أنه استطاع أن يصوغ نظرية محددة للبيروقراطية تعتبر من النظريات الكبرى حيث كان فيبر مهتماً في دراسته للبيروقراطية بتحليل التغير الذي طرأ على التنظيم الاجتماعي في المجتمع الحديث فضلاً عن توضيح الخصائص أو المقومات النموذجية للتنظيمات الرسمية التي أصبحت تمثل أكثر أشكال التنظيم شيوعاً في المجتمع .

([10])غنارسكيربك و نلز غيلجي–  مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 825

([11]) المرجع نفسه - ص 828

([12]) المرجع نفسه - ص 830

([13]) المرجع نفسه - ص 831

([14]) المرجع نفسه - ص 832

([15]) المرجع نفسه - ص 834

([16]) المرجع نفسه - ص 835

([17]) المرجع نفسه - ص 835

([18]) المرجع نفسه - ص  837

([19]) المرجع نفسه - ص 838

([20]) الطيب بوعزة – الحداثة من منظور ماكس فيبر – موقع: مؤمنون بلا حدود -  14 مايو 2013.

([21]) المرجع نفسه.