Menu

العلاقة مع منظمة التحرير: رؤية جديدة تتطلبها مرحلة جديدة

وسام رفيدي

نشر هذا المقال في العدد 21 من مجلة الهدف الرقمية

في تاريخ العلاقة مع اليمين الفلسطيني داخل منظمة التحرير حدد اليسار الفلسطيني، وممثله الأبرز الجبهة الشعبية، طابع هذه العلاقة وفق معادلة: تحالف- نقد- تحالف. كانت المعادلة تلك محكومة بظرف تاريخي محدد طبعت ملامحة حقيقة ساطعة: الكل يحمل السلاح ويقاتل، ولذلك وجب تدعيم وحدة المقاتلين في المنظمة على قاعدة حرية النقد واستقلالية الموقف الفصائلي والتي تجسدت، كاستقلالية، في لحظات كثيرة مفصلية أهمها بتقديري العام 1974 بإقرار برنامج (السلطة الوطنية) والعام 1985 بتوقيع اتفاق عمان بين المنظمة والحكومة الأردنية، وفي المرحلتين ارتفع صوت النقد اليساري في المعادلة المذكورة، وتجسد بإجراءات كان أبرزها تأسيس جبهة الرفض والانسحاب من اللجنة التنفيذية. ومع ذلك، استمر الطرف الآخر في المعادلة؛ التحالف، يفعل فعله وفق مقولة صحيحة تماماً قوامها: تجميع عوامل القوة في مواجهة العدو الصهيوني.

مرحلة تاريخية ما اقتضت معادلة ما ضابطة للعلاقة مع اليمين الفلسطيني، ولكن ماذا عن المرحلة الجديدة التي انطلقت بتوقيع اتفاقات أوسلو في العام 1993؟ ألا يستدعي ذلك صياغة معادلة بديلة مثلاً؟ لا نقول ذلك على سبيل الشطط، بل بالاستناد لحقيقة التغيّرات الجوهرية في مواقع القوى ودورها؛ تغيّرات تجسدت على الأرض عبر اتفاقات أوسلو. لنذكّر بما غدا بديهياً، ولكن على ما يبدو أن التذكير بات ملحاً للبعض.

عبر أوسلو انتقل الفريق اليميني المهيمن من خندق المقاومة لخندق التفاوض، كخيار وحيد له، فأوصلنا لكارثة وطنية بكل ما في الكلمة من معنى الكارثة، ومن خندق المواجهة لخندق التعاون والتبعية، حتى على المستوى الأمني. إن أوسلو في جوهره الأمني هو اتفاق وظيفي يتعهد فيه الطرف الفلسطيني بحماية أمن المحتلين ومستوطنيه، وهذا هو بالذات حقيقة التنسيق الأمني الذي هو في واقع الأمر تعاون أمني مع العدو.

عبر أوسلو تنازل الفريق اليميني عن فلسطين؛ الوطن التاريخي واعترف لا بدولة إسرائيل فحسب، بل وبشرعيتها أي بشرعية المشروع الصهيوني (ألا يعني هذا موافقة اليمين على تصريح بلفور؟) عبر شطب الميثاق الوطني الفلسطيني، ما يعني تالياً التنازل رسمياً وقانونياً عن 72% من فلسطين، وكذا تمثيل فلسطينيي العام 48.

عبر أوسلو ومؤسساته واتفاقاته الاقتصادية؛ تشكلت نخبة طبقية فلسطينية.فمن جهة، ومن خلال تسلم الرموز والمناضلين السابقين للمؤسسات والوزارات والهيئات والمواقع التنظيمية؛ تشكلت نخبة بيروقراطية جديدة؛ اندغمت مع بيروقراطية المنظمة المتشكلة منذ أواسط السبعينيات، ومن جهة ثانية من خلال اتفاقيات باريس والوكالات التجارية والعمولات؛ تشكلت نخبة من وكلاء الشركات، يرون مصلحتهم الاقتصادية مع العدو.

وكنتاج لأوسلو استبدلت مؤسسة السلطة؛ مؤسسة المنظمة، والأخيرة لم تعمل أصلاً كمؤسسة حتى في عز النصال الوطني، في ظل هيمنة وتفرد اليمين، فيما تم استبدال مؤسسة السلطة بفريق،لنكون فعلياً أمام استبدال الفريق بشخص (القائد الرمز) الذي يحوز ستة ألقاب!!! لذلك مَنْ يشير لشطب مؤسسات المنظمة، مؤكداً أن مؤسسة السلطة ابتلعتها ليراجع حساباته: فمؤسسة السلطة ذاتها مبلوعة.

أما مَنْ يبرر بقاء العلاقة مع اليمين بدعوى موقفه ضد صفقة القرن، ولاحقاً التطبيع، فيمكن القول بتأكيد لا يعوزه الدلائل؛ من أن هذا الموقف ضجيج إعلامي أكثر منه جدية،تتطلب تجسيدها بحركة مجابهة لصفقة القرن والتطبيع. فكل القرارات التي اتخذت لمواجهة صفقة القرن تم دفنها بعد لحظة من إعلانها: هل تتذكرون الإعلان عن القيادة الموحدة للانتفاضة والبيان رقم واحد؟ هل تتذكرون الحديث عن انتخابات وانهاء انقسام واجتماع أمناء عامون؟ هل تتذكرون تصعيد المقاومة الشعبية، رغم كل الالتباس في هذا المصطلح؟ ثم ما معنى إعادة السفيرين للإمارات و البحرين ، والصمت المريب على التطبيع المغربي، وعلى التنسيق السعودي الصهيوني العلني؟!

كل ما قيل أعلاه يعني ببساطة أن اليمين الفلسطيني سجل بتوقيعه اتفاقيات أوسلو وسياساته اللاحقة وبنية مؤسساته بداية مرحلة جديدة، ومع ذلك نعتقد أن سياسات اليسار، ونعني الجبهة الشعبية بشكل خاص، لم تتعامل مع هذا التحول التاريخي، بما يليق بأهميته الجوهرية وخطورته، ولا بدورها كقائد لليسار تاريخياً. صحيح أن الجبهة الشعبية لم تتحول لشاهد زور في (مؤسسات) المنظمة لتبصم كما يبصم غيرها؛ فسجلت انسحابها من المجلس الوطني والمركزي في اجتماعتهما الأخيرة، وكذا من اللجنة التنفيذية، ودفعت مقابل ذلك الكثير من التشهير ووقف مخصصاتها من الصندوق القومي كحق من حقوقها كفصيل. وصحيح أن الجبهة الشعبية لم توقف مقاومتها في غزة والضفة، ولم ترهن موقفها (للقائد الرمز) وسياساته مثل العديد العديد من الفصائل والقوى، ودفعت وتدفع ثمن ذلك؛ شهداء ومعتقلين وهجمات استخبارية وتعذيب بربري، كل ذلك صحيح وهو ما زال يميز الجبهة الشعبية عن باقي قوى اليسار، ولكن، ومع ذلك، يبقى موقفها ومطالبها بخصوص منظمة التحرير والعلاقة مع اليمين موضع إدانة في أشد المواقف، وعدم تفهم في أقلها.

حين نتحدث عن المواقف والمطالب، فإننا نعني حصراً: الدعوة لإعادة بناء المنظمة على أسس ديموقراطية، والرهان على اجتماعات الأمناء العامين وصيغ سياسية (للوحدة الوطنية)؛ تتكرر منذ سنين وسنين.

لنسارع للقول خشية النية السيئة في الفهم: التمسك بمنظمة التحرير كممثل شرعي كان ولا يزال مطلباً وطنياً صحيحاً على قاعدة التفريق بين المنظمة، ككيانية وطنية، وبين الفريق اليميني المتسلط عليها. ولتقوم بدورها، ككيانية وطنية وكقائدة للنضال، ينبغي بناؤها على أسس سياسية أولها دون أدنى تردد؛ العودة للميثاق الوطني، فبدونه تفقد المنظمة شرعيتها وكيانيتها؛ فالكيانية هوية والميثاق تجسيد للرؤية/الهوية.

وبالتأكيد يجب بناء المنظمة على أسس ديموقراطية، بضم كل القوى إليها وبتشكيل مؤسساتها على قاعدة الانتخاب الديموقراطي حيثما أمكن، وبالتوافق وفق أسس متفق عليها حيث لا يمكن. فهناك قوى أساسية وجدية وفاعلة وذات وزن لا زالت خارج المنظمة مثل حماس والجهاد، وهناك قوى ممثلة في المنظمة وهي غير موجودة بكل ما في الكلمة من معنى حقيقي لا مجازي، مثل جبهة التحرير الفلسطينية والجبهة العربية الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي وغيرهم؛ بات الأمر أشبه بمهزلة حينما يتم استعراض أسماء التنظيمات في المنظمة وبعضها لا يملك غير حفنة مرافقين للأمين العام، وجل نضاله مسيرة حول دوار المنارة.

أما أن يتم الحديث عن إعادة بناء المنظمة على أسس ديموقراطية دون التطرق للرؤية  السياسية الوطنية لبنائها، فذلك أقله مساومة مع كل نهج أوسلو. لا معنى للمنظمة ككيانية وشرعية تمثيلية، سواء تشكلت بانتخابات أم لا، دون الرؤية السياسية الوطنية لتلك الكيانية وتلك الشرعية وهي حصراً؛ الميثاق الوطني الفلسطيني الذي شُطب إكراماً لبيرس ورابين وكلينتون. أما استمرار الحديث عن الحل المرحلي دون ربطه صراحة بتحرير فلسطين، كل فلسطين، على المدى الاستراتيجي، فهذا مغازلة، وإن غير واعية، مع الشعار البائس (دولتان لشعبين). أما ثالثة الأثافي للرؤية السياسية الوطنية، فهو التأكيد على خيار المقاومة بكافة أشكالها، وهذا وللحق، لم تتنازل عنه الجبهة الشعبية، لا كموقف ولا كممارسة، فيما آخرون، ليس فقط يهاجمونه ويسخرون منه، لا وبل يعتقلون مَنْ يتبناه ويمارسه وينسقون مع المحتل لضرب ممارسيه.

لذلك وجب الكف عن الحديث عن إعادة بناء المنظمة وفق الكليشيهات التاريخية، دون توضيح أن إعادة البناء إن لم تتم على أسس سياسية وطنية (الميثاق/تحرير فلسطين/ المقاومة)؛ فلا قيمة لتلك العملية حتى لو تمت بعملية ديموقراطية. ومع ذلك حتى تلك؛ فاليمين لا نية له للإقدام عليها. إن المطلوب هو تحرير منظمة التحرير لإعادتها، كمؤسسة وكيانية، لجادة المشروع الوطني التاريخي بتحرير فلسطين.

كل سياسة اليمين الفلسطيني خلال السنة الأخيرة قائمة على قاعدتين: سقوط نتياهو لصالح بايدن، وسقوط نتنياهو لصالح غانتس.. لكم أن تتخيلوا طبيعة تلك القيادة التي ترهن مستقبل ونضال شعبها لا بإرادة شعبها للمقاومة، وهي حقيقية، بل بمتغيرات سياسية انتخابية في معقل الامبريالية والمشروع الصهيوني. لذلك علا صوت اليمين؛ صوت لا أكثر، داعياً للمصالحة وانهاء الانقسام والوحدة الوطنية ووووو فاندفع الجميع مهرولين لملاقاته، في حفلة من إشاعة الأوهام. لم تطل الحفلة كثيراً: بمجرد بدأت (تباشير) نجاح (المناضل) بايدن حتى سحبت ماكينة اليمين الخطابية والإعلامية كل مفرداتها، فلا حديث لا عن مصالحة ولا إنهاء انقسام ولا وحدة ولا قيادة موحدة للانتفاضة، فلم يعد هناك داع لإرسال رسائل للأمريكان والإسرائيليين عنوانها: أعطونا بعضاً مما عندكم، ولو فتات، وإلا سنتوجه للوحدة مع الفصائل!

لكل ما قيل أعلاه، يجب إعادة النظر في العديد من الصيغ الخطابية والشعاراتية لاستبدالها بشعارات تتناسب والمتغيرات؛ فالمطلوب ليست صيغة ملتبسة للوحدة الوطنية مع اليمين، بل وطنية الوحدة مع المقاومين؛ ميدانية تقفز فوق الفصائلية، ورسمية مع فصائل المقاومة.

المطلوب تحرير منظمة التحرير من قيادتها وإعادتها لموقعها الطبيعي الذي تشكلت لأجله: تحرير فلسطين وفق رؤية الميثاق الوطني الفلسطيني.