Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح 78)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفصل الحادي عشر

الفلسفة في القرن العشرين

أبرز فلاسفة القرن العشرين

إريك فروم (1900 - 1980):

عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي، ولد في مدينة فرانكفورت لوالدين يهوديين، وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934، التحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ، حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

" تدرب على التحليل النفسي في مصحة التحليل النفسي في هايدلبيرغ على يد الطبيبة النفسية فريدا رايخمان التي أخذته لمنعطف مهم في حياته العلمية والعملية بتعريفه على عالم التحليل النفسي الفرويدي، بدأ تحليلاته السريرية الفعلية عام 1927م، وبعدها بثلاثة أعوام التحق بمعهد فرانكفورت للبحوث الاجتماعية، وأتم تدريبه في التحليل النفسي. انتقل فروم إلى جنيف بعد استيلاء النازيين على السلطة في ألمانيا، ومن ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك، وفي عام 1943م ساهم فروم في تأسيس فرع لمدرسة واشنطن للتحليل النفسي في نيويورك، كما شارك في تأسيس "معهد وليام آنسون وايت" للتحليل والطب النفسي" ([1]).

إريك فروم يعتبر أحد كبار فلاسفة التحليل النفسي الاجتماعي، عاصر الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو أيضاً أحد فلاسفة مدرسة فرنكفورت، كان منهجه الفكري عبارة عن عملية دمج بين فرويد وماركس معاً، حيث راى ان العامل الاقتصادي / الاجتماعي يلعب دوراً هاماً في تشكيل العامل النفسي،  على عكس فرويد الذي اقتصر تحليله على العوامل النفسيه.

أما نظرة فروم للدين، فقد قامت –كما يقول يوسف حسين- "على ان الدين من أهم الظواهر المؤثرة على سلوكيات وحياة البشر والمنظومة الاخلاقية للانسان كفرد أو مجتمع ، إلا أن فروم عرَّف الدين على أنه نظام فكري تُشارك فيه مجموعة من الناس كإطار للاخلاق والإخلاص، فهو (الدين) ليس مسألة طارئة بل متجذرة في حياة البشر، وهو أيضاً من صنع البشر، لكن اريك فروم قال بصعوبة حياة البشر بدون الاديان، مؤكداً ان الظاهرة الدينية يمكن ان تكون ظاهرة صحيه، وممكن ان تكون ظاهرة مرضيه غير صحية.

كما "أشار إريك فروم إلى أن الإنسان المتدين، الذي يمارس طقوساً غريبة من السحر والشعوذة وتعذيب الذات والتعصب الأعمى، هو إنسان مريض يرى نفسه على حق مطلق فيما الآخرين من غير المؤمنين على خطأ مطلق"([2]).

"أما الدين الانساني الذي يركز على سعادة الانسان، مثل الديانة الطاوية والكونفوشيه والبوذية، فهي ديانات تفتقر لمفهوم الإله السماوي، كما هو حال الأديان الأخرى التي تميزت -كما يقول فروم- "بالتسلط والإكراه وقبول المؤمنين بإخضاع أنفسهم وإذعانهم وطاعتهم لتعاليم اديانهم دون وعي منهم، حيث تصبح الفضيلة هي الاستسلام في تنفيذ تعاليم الدين رغم قسوتها، وهنا ينتقد فروم هذه الاديان اللاهوتية السماوية التسلطية والمؤمنين بها أو المرضي كما وصفهم ، بسبب استعدادهم للتضحية بأنفسهم أو تعذيب اجسادهم في سبيل تنفيذ تعاليم اديانهم دون أي تأمل أو تفكير، الأمر الذي يؤدي إلى نشر ثقافة الخضوع أو الخنوع كما يقول اريك فروم، وهذه  الأديان -كما يرى فروم- "هي المسئولة عن أحوال المؤمنين بها وتخلفهم وتقوقعهم واستسلامهم بعيداً عن أي دور للعقل، بل الاستسلام الكامل للغيب ارتباطاً بفكرة الثواب والعقاب، والجنه والنار([3]).

أما عن علاقة الدين والإنسان في المجتمع الرأسمالي المعاصر، فإن الإنسان  يفقد قيمته عند فروم ويصبح عبداً دون أن يشعر للتكنولوجيا وللآليات الاستغلاليه الرأسمالية التي أوصلت الانسان إلى مفهوم الاغتراب عن نفسه وحولته إلى مجرد مستهلك غير قادر على المواجهة أو التفكير او الهرب، وبالتالي من السهل في مثل هذه الأوضاع –كما يقول يوسف حسين- ان يذهب الانسان المعاصر إلى الدين للاحتماء به بحثاً عن راحته النفسية، بعيداً عن أي رؤية عقلية أو موضوعية تفسر حياته في ظل الرأسمالية.

من أعماله: "ما وراء الأوهام"، "الخوف من الحرية"(1941) ، "التحليل النفسى والدين" (1950) ، "المجتمع العاقل" (1955)، "رسالة سيجموند فرويد" : تحليل لشخصيته وتأثيره (1959) ،"أزمة التحليل النفسى": مقالات عن فرويد وماركس وعلم النفس الاجتماعي (1970)، "تشريح نزوع الإنسان إلى التدمير" (1973).

كارل بوبر (1902- 1994):

" فيلسوف نمساوي-إنكليزي متخصص في فلسفة العلوم. عمل مدرساً في كلية لندن للاقتصاد. يعتبر كارل بوبر أحد أهم وأغزر المؤلفين في فلسفة العلم في القرن العشرين، كما كتب بشكل موسع عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية، والداه يهوديان بالأصل لكنهما تحولا للديانة المسيحية، إلا أن بوبر يصف نفسه باللاأدري، درس الرياضيات، التاريخ، علم النفس، الفيزياء، الموسيقى، الفلسفة وعلوم التربية.

كتاب بوبر "منطق الاكتشاف العلمي" (1934 – الترجمة الإنجليزية في عام 1959) "هو نص أساسي في فلسفة العلم. وهو على علاقة وثيقة، لكنها نقدية بالتجريبية – الحسية المنطقية، وهو مستمد من التقليد التجريبي – الحسي الذي يرجع إلى الفيلسوف لوك، ويتطلب هذا الموقف التجريبي – الحسي صياغة واضحة للادعاءات، واختباراً قوياً لها بغية تعزيز نمو المعرفة.

وظف بوبر نفسه مصطلح المذهب العقلي النقدي للإشارة إلى نظريته، لكنه قال: نحن نستطيع ذلك باستعمال منهج الاختبار الاستنباطي. وهذا يتضمن أن تختبر الفرضيات أولاً تجريبياً – حسياً بعد اقتراحها، وهكذا يجب تمييز السؤال عن كيفية وصولنا إلى فرضية هي مسألة بسيكولوجية، مسألة يمكن توضيحها بالبحث التجريبي – الحسي، نشير هنا إلى ما كان يهم الوضعيين المنطقيين كثيراً هو أن يميزوا تمييزاً واضحاً بين العلم والميتافيزيقا، وعَرَّفوا ذلك بأنه تمييز بين ما يمكن التحقق منه وما لا يمكن التحقق منه، كذلك هو تمييز بين ما له معنى معرفي وما ليس له معنى معرفي، والنقطة المركزية عند بوبر تمثلت في نفيه إمكانية التحقق من الفرضيات والنظريات العلمية، فقد رأى أن إمكانية التكذيب، لا إمكانية التحقق، هي معيار العلم"([4]).

كان بوبر مهتماً "بالتمييز بين العلم والميتافيزيقا، وعرفه بالتمييز بين ما يمكن تكذيبه تجريبياً – حسياً وما لا يمكن تكذيبه، أي: بمقدار ما تكون النظرية مما لا يمكن تكذيبه تكون نظرية غير علمية برأي بوبر، غير أنه لم يدع أن هذا التمييز هو، في الوقت نفسه، تمييز بين ما له معنى معرفي وما ليس له معنى معرفي. وهنا لم يكن بوبر مشاركاً بوجهة نظر الوضعية المنطقية. غير أنه في الوقت نفسه أضاف قائلاً إنه "يعتقد أن نقاشاً معقولاً يمكن حصوله دائماً بين الفرقاء المهتمين بالحقيقة، والمستعدين لأن يسمع واحدهم الآخر"، فقد "وظف بوبر مصطلح "المذهب العقلي النقدي" للإشارة إلى موقفه الخاص وبعلاقته بالتأكيد الذي وضعه للنقاش العقلي وللعقل في ما يتصل بالشؤون العلمية والعملية كليهما، ورأى أن المسألة هي مسألة الحفاظ على اختبار مفتوح نتحدى فيه التكذيب الذي يقول به معارضون يمكنهم أن يفندوا مزاعمنا، وهو موقف معناه أننا لا نناقش بغية "الفوز" وإنما بقصد التعلم، ونظل منفتحين على إمكانية أن يكون الخصم محقاً ويكون موقفنا الخاص خاطئاً، ولدينا ثقة بالاستعمال المشترك للعقل كمساعد للفريقين، ذلكم هو المذهب العقلي عند بوبر الذي يعتمد على ممارسة العقل في نقاش مفتوح"([5]).

في هذا السياق، يقول مؤلفا "تاريخ الفكر الغربي": "ليست منهجية وإبستيمولوجيا بوبر وحدهما المترابطتتين. فهما مرتبطتان بنظريته السياسية، أيضاً، أي: لكي نكتشف الأخطاء علينا أن نشارك في المناقشة الحرة، وللمشاركة في المناقشة الحرة يجب أن تكون لدينا مؤسسات وتقاليد تمكن من ذلك، أي يجب أن يكون لدينا مجتمع مشكل وفقاً لروح العلم. واعتبر بوبر المجتمع الليبرالي المنفتح هو ذلك المجتمع، ففي نظرته إلى العلم، وبكيفية تشكيل ذلك المجتمع، شارك بوبر في النقاش السياسي، كما حصل، على سبيل المثال، في عمله المؤلف من مجلدين والذي عنوانه المجتمع المنفتح واعداؤه (1945)، وهاجم فيه أفلاطون وهيغل وماركس "لافتقارهم إلى الاهتمام بالتعزيز المنفتح والتدريجي للمعرفة والليبرالية التي يفترضها، حيث راى أن هؤلاء الفلاسفة بنوا عقائدهم على أساس واهٍ، وبنوا على أساس ذلك التعصب العقيدي الواهي نظرية في المجتمع تضر بالنقاش وبالتطور الذي يتقدم بالمعرفة. وبذلك كان بوبر مناصراً للتساهل والليبرالية"([6]).

أما كتاب بوبر فقر المذهب التاريخي (1957) فقد كان مكرساً لـ"ذكرى الرجال والنساء الذين لا حصر لهم ومن جميع المذاهب أو الأمم أو الأعراف الذين سقطوا ضحايا المعتقد الفاشي والشيوعي بقوانين المصير التاريخي الصارمة"، ويهاجم هذا الكتاب الأطروحة التي تقول إننا نستطيع أن نتنبأ عن المجتمع ككل، وهي الأطروحة التي أطلق عليها اسم المذهب التاريخي.

وقد أجمل بوبر حجته الأساسية في المقدمة بما يأتي([7]):

  1. مجرى التاريخ الإنساني يتأثر بقوة بنمو المعرفة الإنسانية، ويجب قبول صدق هذه المقدمة المنطقية حتى من قبل الذين يعتبرون أفكارنا، بما فيها أفكارنا العلمية، مجرد نتاج ثانوي لتطورات مادية من نوع أو آخر.
  2. نحن لا نستطيع أن نتنبأ، بمناهج عقلية أو علمية، بالنمو المستقبلي لمعرفتنا العلمية (ويمكن البرهان المنطقي على هذا التأكيد بواسطة الاعتبارات المخطوطة أدناه).
  3. لذلك لا نستطيع أن نتنبأ المجرى المستقبلي للتاريخ الإنساني.
  4. وهذا معناه أن علينا رفض إمكانية وجود تاريخ نظري، أي وجود علم اجتماعي تاريخي نظير علم الفيزياء النظري، إذ لا يمكن وجود نظرية علمية في التنبؤ التاريخي.
  5. لذلك، فإن تصور الهدف الأساسي للمناهج التاريخية .. مغلوط، ويسقط المذهب التاريخي.

إن "الحجة لا ترفض إمكانية كل نوع من التنبؤ الاجتماعي، بل على خلاف ذلك: إنها منسجمة تماماً مع إمكانية اختبار النظريات الاجتماعية – مثلاً النظريات الاقتصادية من طريق التنبؤ بأن تطورات معينة ستحدث في ظل شروط معينة، فهي لا تدحض إلا إمكانية التنبؤ بتطورات تاريخية بالمقدار الذي تتأثر فيه بنمو المعرفة، لذا، نقول إن بوبر لا ينكر أننا نستطيع التنبؤ بعمليات جزئية. وإنما بخلاف ذلك، فقد رأى أن من واجبنا تكوين فرضيات عن المستقبل: نختبرها، ونتعلم من النتيجة، ونعدل الفرضيات، ونتعلم من النتيجة من جديد، وهكذا، وبكلمات أخرى نقول إنه طبق السمات المركزية لفلسفته العلمية على فلسفته السياسية. وكانت النتيجة الحاصلة مذهباً إصلاحياً علمياً تجريبياً متدرجاً"([8]).

تالكوت بارسونز (1902 - 1979):

تالكوت بارسونز آخر السوسيولوجيين الأمريكيين في التقليد الكلاسيكي، ففي نهاية العقد الثالث من القرن العشرين (1930) "حاول بارسونز أن ينشئ نظرية عامة لوصف الأحوال الاجتماعية المتغيرة، وكان تفكيره المعقد والمتعدد الجوانب بمثابة تركيب كلي للسوسيولوجيا الكلاسيكية وفرويد ونظرية المعرفة الحديثة.

وفي اعماله المتأخرة حاول بارسونز أن يصلح نظرية ذات سمات كلية خاصة بالتطور الاجتماعي. وقد ادت هنا تصورات العقلنة والتمييز دوراً مركزياً"([9])، وأطلق على هذه النظرية "نظرية الفعل".

"يمكن القول إن نظرية الفعل عند بارسونز تُمَثل نقداً معيناً لمذهب المنفعة، فخلافاً لمذهب المنفعة الذي لا يعتمد على قيود مفروضة على ما يتصوره الأفراد المختلفون من غايات، ولا على الوسائل التي يستخدمونها لتحقيقها، فقد "رأى بارسونز في إطار نظريته "الفعل المبكر" أن القيم والمعايير المشتركة تضع قيوداً على أفعال الأفراد وتنسقها، وهذه النظرية أُدخِلَت، في ما بعد، في إطار وظيفي – بنيوي، وتتضمن نظرية الفعل عند بارسونز ما يفيد أننا نختار، ودائماً نختار، من بين البدائل المختلفة، وتُعرِض تلك الخيارات علينا على شكل سلسلة من الثنائيات، لذا فإن المتغير النموذجي هو ثنائية يجب ان يختار الفاعل منها أحد الخيارين ليتحدد معنى الموقف. وقد قدم بارسونز خمس ثنائيات من ذلك القبيل"([10]).

حاول بارسونز، في أعماله الأخيرة، "أن يعيد إحياء نظرية السمات الكلية للتطور الاجتماعي (الكليات التطورية)، كما هي في الأشكال المختلفة من التأليف الطبقي واللغة المكتوبة والقانون والعلم والمال والبيروقراطية والديمقراطية، فنشوء مثل هذه المؤسسات في مجتمع (مثلاً، العلم والديمقراطية سيؤثر إن بشكل قوي على هذا المجتمع ومستقبله). ورأى بارسونز أن التمييز الوظيفي المتزايد، كما عندما ينشئ المجتمع مؤسسات اختصاصية جديدة، هو الذي يجلب معه تلك السمات التطورية الكلية. ومن هذا المنظور اقترح نظرية في النشوء تبدو فيها المجتمعات الغربية الحديثة الحاصل الأخير لتلك العملية التاريخية. وقد عزز انهيار الاتحاد السوفياتي هذه النظرية، أي إن التطور الاجتماعي أجمع يبدو متحركاً في اتجاه المجتمع الغربي الحديث ومؤسساته الكلية – وكل ما عدا ذلك إن هو إلا طريق مسدود. هنا بلغ التاريخ نهايته (في الوقت الحاضر). وعلى الرغم من أن بارسونز رفض فكرة الشرح الغائي للنشوء التاريخي، لكن يكمن النظر إليه بمعنى من المعاني كهيغلي "حديث وسوسيولوجي"، ومثله مثل هيجل وفلاسفة عصر التنوير، فكر بارسونز أنه وجد الآليات التي تخلق المجتمع الحديث"([11]).

جورج بوليتزر  (1903 - 1942):

فيلسوف ومنظّر ومناضل شيوعي فرنسي، ألف العديد من الكتب الفكرية، من بينها كتابه "أصول الفلسفة الماركسية" مع زميله "جي بيس".

"استهل بوليتزر نشاطه الفكري بترجمة كتاب "الحرية الإنسانية" لشلينغ، ثم اتجه نحو الماركسية، ووجه نقداً حاداً وعنيفاً لبرجسون في نهاية استعراض فلسفي: البرغسونية (1929) ولعلم النفس الرسمي. وفي "نقد أسس علم النفس" (1928) فند السلوكية والاستبطان والتحليل النفسي على حد سواء، ودعا إلى دراسة "الدراما البشرية"، أي إلى دراسة سلوك الأفراد العيني.

وتنم المبادئ الأولية للفلسفة (صدر بعد وفاته، في عام 1946) والثورة والثورة المضادة في القرن العشرين (صدر بعد وفاته أيضاً، في عام 1947) –كما يقول جورج طرابيشي- "عن شيء من الإفقار في تفكيره، ناجم على الأرجح عن الضغوط التي كان يمارسها عليه التزامه النضالي السياسي ورغبته في أن يجعل الماركسية في متناول أكبر عدد ممكن من الناس، ومع أنه يستحيل علينا الجزم بصدد المنحى الذي كان سيأخذه تطوره الفكري، يحق لنا الافتراض أنه كان سيساهم مساهمة فعالة في تطوير الفكر الماركسي على نحو ما فرضته أزمة الستالينية بعد الحرب"([12]).

تميز "بوليتزر" بالتزامه المعرفي بالماركسية إلى جانب إلتزامه النضالي السياسي ورغبته في أن يجعل الماركسية في متناول أكبر عدد ممكن من الناس، كما تميز أيضاً بمواقفه الشجاعة في النضال ضد النازية ومشاركته في صفوف المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا، حيث تم اعتقاله وإعدامه في أيار 1942 رمياً بالرصاص على أيدي النازيين مع عدد من رفاقه من المثقفين والمناضلين العماليين.

تيودور  أدورنو (1903 - 1969):

فيلسوف وعالم اجتماعي وعالم موسيقي ألماني، "يعد ألمع مفكري الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، وأوفرهم انتاجا، ولكنه أيضاً أكثرهم غموضاً؛ رغم مكانته الكبرى في الفلسفة الغربية وعلم الاجتماع الحديثين، ولكن أوضح واكمل عمل فلسفي له هو كتاب: "الجدل السلبي" الذي صدر بالألمانية عام 1966 كان غرضه الأساسي هو حل جمود التعريفات والتميزات القائمة على مفاهيم مسبقة وتحطيم كل المقولات أو المفاهيم الفلسفية الجامدة، وإعادتها إلى السيولة اللازمة لحرية الفكر على حد قوله.

"قَدَّمّ في عام 1923 أطروحة عن هوسرل لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة فرانكفورت، ومع صعود النازية هاجر أدورنو إلى انكلترا، ثم إلى الولايات المتحدة (1938) حيث شارك في أعمال معهد الابحاث الاجتماعية، بالتعاون مع ماكس هوركهايمر، وفي عام 1949، عاد أدورنو إلى فرانكفورت وأعاد تأسيس معهد الابحاث الاجتماعية معطياً إياه دفعاً جديداً، وقد رَمَتْ هذه المؤلفات كافة إلى هدف واحد: تحليل "الاستهلاك" الثقافي داخل المجتمع الصناعي، وبدءاً من عام 1960، ارتبط أدورنو ارتباطاً وثيقا بمختلف حركات الرفض في ألمانيا الاتحادية"([13]).

من مقولاته الاساسية "إن جميع الفلاسفة أخطأوا بسعي كل منهم إلى فكرة واحدة مطلقة يبدأون منها – في الميتافيزيقا وعلم المعرفة، يحللون من خلالها كل شيء آخر، ويمضي إلى القول باستحالة وجود مثل تلك الفكرة المطلقة الصالحة لتحليل كل شيء؛ وإلى القول بخطورة التمسك بمثل هذه الفكرة لأنها ستؤدي إلى تشجيع الشمولية والطغيان الفكريين والسياسيين وأشكال الفكر القمعي التي "تصفي" روح الإنسان وتحوله إلى شيء "مفعول به" دائماً وليس فاعلاً أبداً"([14]).

"أصدر عام 1947 مع يوركهايمر كتاب: "جدل التنوير" الذي أكدا فيه أن العقل النقدي قد تم استبعاده لصالح اقتصاد السوق وأن "التكنوقراط" هم النخاسون الذين باعوا الفلسفة للبيروقراطية!"([15]).

توفي أدورنو في 6 آب 1969.

 

هنري كوربان (1903 1978 م):

فيلسوف ومؤرخ ومستشرق فرنسي، تخصص في دراسة الإسلام، وعلى الأخص الفكر الشيعي الأثني عشري في إيران، درس الفلسفة، واللغتين العربية والفارسية في المعهد الوطني للغات الشرقية، ثم شغل وظيفة أمين المكتبة الوطنية في باريس، وبين عامي 1946 و1973، ترأس قسم الثقافة الإيرانية في المعهد الفرنسي الإيراني في طهران.

عَرفَ هنري كوربان، "كيف يتقصى الواقع الغنوصي للإسلام الشيعي الإيراني، وبوضعه إمكاناته الفكرية في خدمة تجربة روحية مُعاشة ؛ حتى إنه استطاع أن يُحَدِّث الإيرانيين انفسهم على إيلاء ثقافتهم الدينية مزيداً من الاهتمام. وقد ركز، بوجه خاص، على الكشف عن الترابطات القائمة بين ديانة فارس القديمة، المزدكية، وبين الشيعية الإيرانية، وعن الدور الذي يؤديه الخيال الصوفي، "عالم الحور" الوسيط بين الحساسية والعقل، موطن أصحاب الرؤى، حيث "يَسْتَحْسِسُ العقل، وتَسْتَعْقِلُ الحساسية "، ذلك الخيال الذي بدون الإحاطة به والنفاذ إلى لبه يمتنع كل تأويل صادق للتجربة الصوفية"([16]).

جان بول سارتر (1905-1980):

فيلسوف وجودي وروائيوكاتب مسرحيوناشط سياسيفرنسي، ويعتبر أحد "المراجع" الثقافية الرئيسية في الغرب كله، وفي العالم العربي نسبياً حتى نهاية الستينات – تقريباً حين انتشرت الفلسفه الوجوديه، مع تيارات الفكر النقدي الاجتماعي، والبنيوي بعد ثورة الطلبة (والشباب في أوروبا الغربية والولايات المتحدة في عام 1968)، وهو الفيلسوف الذي صار لنحو جيل كامل رمزاً للحرية والفردية الفكرية والاجتماعية الواعية ورمزاً لباريس (لاقامته شبه الدائمة في المقاهي المشهورة هناك)"([17]).

التحق بالجيش الفرنسي، وبعد أن أتم خدمته العسكرية عام 1929 "أصبح أستاذاً للفلسفة في الهافر، وفي عام 1933 ارتحل إلى برلين ودرس هوسرل وهايدغر، وعند نشوب الحرب العالمية الثانية إلتحق بالخدمة العسكرية، ووقع في الأسر، وأطلق سراحه عام 1941، وعاد إلى التعليم، وانضم إلى حركة المقاومة التي تأسست على أثر سقوط باريس على يد القوات الألمانية عام 1940، واجتاحت باريس رائحة الهزيمة والدمار، والقتلى، والجثث، والأرامل، والمشردين، نتيجة الاحتلال النازي وهمجيته التي أدخلت الانسان الفرنسي في حالة من اليأس والقنوط من جدوى أي شيء، في عالم عبثي لا معنى له.

يقول يوسف حسين: "جان بول سارتر، الشاب المنتفض الثائر الذي أصبح فيلسوف الحرية في فرنسا، وساهم مع رفاقه (البير كامو واندريه مالرو وسيمون دي بوفوار) في انتشال الفرنسيين من مرارة الهزيمة وأطلق صرخته الوجودية التي قال فيها: "الانسان محكوم عليه بالحرية، وهو يصنع حريته بنفسه، فالانسان في النهاية ما هو إلا ما يفعل وما يقرر أن يكون"، ثم حذر سارتر الفرنسيين من الوقوع في براثن اليأس مؤكداً على الفارق الدقيق بين اليأس وفقدان الأمل، فاليأس هو الظلمة والاستسلام وفقدان الأمل، ولكن قد يفقد الانسان الأمل، لكنه يظل مناضلاً يرفض اليأس.

هذا المناخ الفكري الذي اطلقه سارتر، شجع الفرنسيين على تحدي اليأس والبؤس، والتمسك بالأمل، ومن ثم الانخراط في المقاومة والصمود، وهنا تحولت الفلسفة مع سارتر إلى فلسفة انسانية من خلال إعادة تصويب الفكر نحو الوجود الانساني، لذلك تعتبر وجودية سارتر هي فلسفة الحرية المطلقة للفرد"([18]).

وفي عام 1943 صدر له كتاب "الوجود والعدم"، التأليف المركزي للوجودية الملحدة، ومُثِّلتْ له في عام 1943 مسرحية "الذباب"، وفي عام 1944 "الجلسة السرية". وبعد التحرير نشر المجلدين الأولين من "دروب الحرية: سن الرشد، ووقف التنفيذ"، وفي العام نفسه أسس مجلة "الأزمنة الحديثة"، وترك التعليم. وبدأ يقيم علاقات صعبة مع الحزب الشيوعي.

ورداً على منتقديه والمشنعين عليه -كما يقول المفكر الراحل جورج طربيشي-"ألقى سارتر في عام 1946، محاضرة بعنوان "الوجودية مذهب إنساني"، وفي ذلك العام أيضاً مُثِّلت له مسرحية "البغى الفاضلة"، ونشر "تأملات في المسألة اليهودية"، وفي عام 1947 نشر دراسة عن بودلير، وأتبعها في عام 1948 بمسرحية "الأيدي القذرة"، وأسس "التجمع الديمقراطي الثوري"، فكان نصيبه الفشل. وساند الحزب الشيوعي إلى يوم انتفاضة المجر عام 1956،وفي عام 1949 نشر "الحزب الكبير"، المجلد الثالث من دروب الحرية"([19]).

أعمال سارتر الأدبية هي أعمال غنية بالموضوعات والنصوص الفلسفية بأحجام غير متساوية مثل "الوجود والعدم"(1943)  والكتاب المختصر "الوجودية مذهب إنسانى"(1945)  أو "نقد العقل الجدلي"(1960)  وأيضا النصوص الأدبية في مجموعة القصص القصيرة مثل "الحائط" أو رواياته مثل "الغثيان" (1938) والثلاثية "طرق الحرية".

فلسفته:

يرى سارتر أن هناك ثلاث فلسفات عصر (فلسفات رئيسية) بين القرن السابع عشر والقرن العشرين([20]):

(أ) فلسفة البرجوازية التجارية المتمثلة في ديكارت ولوك.

(ب) فلسفة البرجوازية الصناعية المتمثلة في كانط وهيغل.

(ج) فلسفة الطبقة العاملة الصناعية المتمثلة في كارل ماركس.

وتشكل كل من هذه الفلسفات أفق عصرها، وإطاره الفكري الأساسي، بحيث إن تخطيها لا يتم إلا بتخطي العصر نفسه، ويبدو أن سارتر اعتبر "الوجوديه" من بين أهم فلسفات القرن العشرين.

رأى سارتر أنَّ "وجود الإنسان يَعتمد على حريته، وأنّ تلك الحرية تعني اختياره لِكلّ أفعاله دونَ قيدٍ أو شرطٍ من أيّ مؤثراتٍ خارجية كالمجتمع، أو الأسرة، أو غيرهما، على العكس من الفيلسوف الوجودي الألماني مارتن هايدغر كان يرى أنّ قيمة الوجود تَنبعُ من خلال وجودِ أشخاصٍ آخرين في الحياة "([21]).

هنا سنذكر أشياء قليلة عن الآراء الوجودية لسارتر، وبخاصة كما تم التعبير عنها في كتاب الوجودية والإنسانية، فقد رأى سارتر أن "الوجود يسبق الماهية" عند البشر، وعنى بذلك عدم وجود معايير، ولا "أفكار مقدسة" من زرع الخالق تصف لنا ما يجب أن نفعل بحياتنا، فنحن أحرار بمعنى عدم وجود معايير أو قواعد موضوعية.

إن المبدأ الرئيسي الذي يضعه سارتر للوجودية هو القول بأن (الوجود يسبق الماهية)، ويلاحظ أن هيدجر لم يستعمل تلك العبارة وإن تضمنها مذهبه ومذهب كل وجودي.. وقد كان السائد في الفلسفة المبدأ المضاد لهذا القول، وهي أن "الماهية تسبق الوجود: فقبل أن يوجد العالم كانت صورته أو فكرته موجودة عند الخالق (الله)، وقبل أن يوجد أي شيء تكون صورته في ذهن صانعه"، أما الوجودية ترفض هذا الرأي وتقول أن الوجود يسبق الماهية، وفيما يتعلق بالإنسان مثلاً: الإنسان يوجد أولاً، وينبثق في العالم، ثم يتحدد فِكره من بعد. وما دام الإنسان مشروعاً وتصميماً يضعه لنفسه، فإنه بالضرورة مسؤول عما يكون عليه، وكل إنسان يحمل المسئولية الكاملة عن وجوده"([22]).

إن تمجيد الفعل من المبادئ الرئيسية في (الوجودية).. إذ ليس ثَمَّ حقيقة واقعية إلا في الفعل، والإنسان لا يوجد إلا بقدر ما يحقق نفسه؛ إنه ليس شيئاً آخر غير مجموع أفعاله، والعبقري والمبدع ليس إلا ما عَبَّرَ عنه، فعبقرية (شكسبير) هي مجموعة مؤلفاته، وعدا ذلك فليس ثَمَّ شيء.

بحث سارتر في فلسفته عن معنى الوجود، وعن موقع الانسان في هذا الوجود، حيث يقوم البناء الفلسفي للوجودية على الحرية.

العناوين الأساسية لفلسفة سارتر:

  1. قَسَّمَ سارتر الوجود إلى نوعين :
  • الوجود في ذاته وهو العالم المادي.
  • الوجود لذاته، وهو الوجود الواعي، الذي يتصور ذاته ويحدد ماهيته، وهذا الوجود لذاته ينحصر في الإنسان بحكم كونه ذات عاقلة مالكة للحرية واعية لذاتها.
  1. اما ما يخص اطروحة سارتر حول الحرية، فيمكن تلخيصها في ثلاثة قضايا هي:
  • الانسان حر لإن وجوده سابق على ماهيته.
  • الانسان مسئول عن افعاله ويتحمل نتائجها.
  • نتيجة الحرية ومسئولية الخيار، يتولد القلق عند الانسان.

سارتر إذن، -كما أشرت من قبل- أراد إعادة الاعتبار للإنسان، ليجعله مالكاً لوجوده ولنفسه ومصيره، وألا يكون عبداً للتصورات الغيبيه، فالإنسان عنده، هو مشروع وجود متجدد من خلال وعي ذاته، ووعي محيطه وحياته وتجاربه وخبراته، وكل هذه الأمور تجعل منه إنساناً متغيراً وفق إرادته، مسئول عن أفعاله سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، شجاعاً، كريماً، بخيلاً.. إلخ والمسئولية هنا هي إنعكاس لاختيار هذا الانسان أو ذاك.. ومن هنا قال سارتر: "إن الهزيمة التي تَعَرَّضَ لها الفرنسيين تحققت بسبب تقاعس الفرنسيين أنفسهم، وليست قدرا مكتوباً لا يمكن رده، بل يجب الخلاص منها عبر المقاومة ووعي الفرنسيين لدورهم في تحقيق النصر".

تأثر سارتر -كما يقول يوسف حسين-"بثلاثة فلاسفة هم: نيتشه، وفرويد، وهوسرل صاحب المذهب الظواهري، فقد كان يرى أن الإنسان كائن قَلِقْ بطبعه، وهو قَلَقْ ينقسم إلى نوعين: قَلَقْ حياتي ناجم عن اختيارات الانسان، وقَلَقْ وجودي مثقل بالأسئلة التي دفعت الانسان إلى أوهام الميتافيزيق.

لكن سارتر أراد ان يُحَوِّل القلق الوجودي إلى وعي بالذات لدى الانسان، لكي يشعر بالمعنى الحقيقي لوجوده بعيداً عن الأوهام، ويبدأ رحلة الاختيار الذاتي، وفق قراره وحريته (ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن، أو منتمي لهذا الحزب أو ذاك ، أو يتخذ أي موقف أو فكر (يساري أو يميني) يراه معبراً عن قناعته وحريته واختياره، ليتحمل مسئولية ذلك الاختيار بكل تبعاته، فالحقيقة عند سارتر هي وعي الانسان بذاته، مستخدماً مصطلح ديكارت "أنا أفكر اذن انا موجود" هنا تتجلى الحرية المطلقة.

سارتر حَرِصَ من خلال فلسفته الوجودية، على خلق عوامل الثقة داخل الانسان، ارتباطاً بحريته، وإرادته واختياره ، لكي يكون لحياته معنى، وهي فلسفة تفاؤليه ترفض كل الأوهام والمعتقدات التي تَحُوْل دون حرية الانسان واختياره الذاتي"([23]).

لقد أراد سارتر إعادة الاعتبار للانسان بكونه كائن حر، "فالحرية هي الوجود بحد ذاته، أراد خلق الثقة بالنفس للانسان، لكي يتحرر من كل القيود، وعدم الاكتفاء بلعن الظلام أو لعن القدر.. إلخ وأن يخلق لنفسه غايه لتكون حياته ذات معنى، كما أراد من خلال فلسفته أن يصنع من هذا الوجود العبثي الغير ذي معنى، وجوداً معقولاً يمتلك فيه الانسان بوصفه ذات فاعلة، حريته كاملة، هذه الحرية المطلقة عند سارتر، هي الوجود الانساني، لان الانسان محكوم بها، وبالتالي أكد سارتر أن هذه الحرية جوهر فلسفته الوجودية التي تقوم على الإلحاد كما كان يعلن دائماً كشرط للحرية وإدراك الانسان لذاته"([24]).

انتشر تأثير فلسفته الوجودية، التي نالت شعبية واسعة، في أوساط معظم أدباء ومثقفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة في أوساط الشباب في فرنسا وفي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ثم –بدرجات أقل- في العديد من بلدان العالم بما في ذلك بلداننا العربية.

مسيرة سارتر ومواقفه:

في عام 1952 سافر إلى الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1956 سافر إلى الصين ويوغوسلافيا واليونان، واحتج على حرب الجزائر، وفي عام 1960 سافر إلى كوبا معلناً تضامنه مع الثورة الكوبية،  وفي عام 1964 مُنح جائزة نوبل، فرفضها، بسبب رفضه للتكريم، وبسبب عناده وإخلاصه لنفسه ولأفكاره، لكنه –وهنا المفارقة أو التناقض في مواقفه- حينما قبل أثناء زيارته "إسرائيل"، وقبوله لقب دكتورمن جامعة "أورشليم" عام 1976 رغم إدراكه بطبيعتها الإحلاليه الاستعمارية واغتصابها ل فلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني.

لكنه على العموم، وحتى وفاته في 1980، لم يكف عن تغطية الأحداث التي تدور من حوله، فكان في الحقيقة يخوض جميع المعارك،متخذاً موقفاً واضحاً ومتبنياً بحماسة جميع القضايا التي كانت تبدو له عادلة، لكنه حين قام بزيارة مخيمات اللاجئين في قطاع غزة عام 1963 – حسبما أتذكر- اكتفى بالقول "إنني متعاطف مع هؤلاء اللاجئين، دون أي إشارة إلى إدانة الحركة الصهيونية أو إلى حق اللاجئين في العودة.

"انتشرت افكاره الوجودية من خلال المجلة التي أنشأها في 1945 تحت اسم "الأزمنة الحديثة" التي تناولت العديد من القضايا السياسية والمجتمعية والفكرية، من خلال أبرز المثقفين في فرنسا وأوروبا، إلى جانب سارتر وسيمون دي بوفوار.

بالنسبة لسارتر، الكاتب هو شخص صاحب موقف، وقد طغت هذه الرؤية على جميع النقاشات الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين، ما عدا موقفه من قضية الشعب الفلسطيني العادلة.

في كتابه "الوجودية مذهب إنسانى" أراد سارتر–في إحدى ندواته الثقافية- التقرب من الماركسيين الذين يرفضون فكرة الحرية الجذرية،حيث قام بعرض الفكرة المهيمنة على الوجودية: وهي ان الإنسان لا يستطيع رفض الحرية التي تميل إلى المستقبل، وكل فعل حر هو مشروع، وإن تنفيذ المشروع الفردى يعدل تنفيذ المشروعات الفردية الأخرى، الحرية هي أساس كل القيم الإنسانية، اتخاذ المواقف ضمن الاختيار الصحيح، تجعل الإنسان إنساناً.

رأى سارتر في الشيوعية الحل لمشاكل البروليتاريا، هذا ما جعله يقول "إذا أرادت الطبقة العمالية الانشقاق من الحزب الشيوعى الفرنسي، فلا يوجد أمامها إلا حل واحد وهو الانهدام".

أصبح سارتر صديقاً للحزب الشيوعى بين 1952 و1956، ومنذ هذا الوقت، شارك في الحركة وترأس منظمة فرنسا-الاتحاد السوفيتي، ومن شدة إعجابه بالتجربة السوفيتية آنذاك أعلن سارتر أن "في الاتحاد السوفيتي، حرية النقد كاملة"وأصبح عضوا بالمجلس العالمي للسلام، وفي تلك المرحلة قال جملته الشهيرة "إن الفلسفة الماركسية لا يمكن تجاوزها إلا من خلال تجاوز الرأسمالية".

ظل هذا الإخلاص للحزب الشيوعى الفرنسي حتى خريف 1956، وهو تاريخ دخول الدبابات السوفيتية لانتفاضة بودابست، فإصدر سارتر مع عدد من المثقفين بياناً رفضوا فيه التدخل السوفيتي العسكري، أعطى سارتر لقاء طويلاً لجريدة "l'Express" لاعلان استقالته الجذرية عن الحزب.

في هذا الجانب، يرى المفكر الراحل صادق العظم أن "ماركسية سارتر معادية للمادية في العمق ومُحْتَقِرة لها وللعلم ومٌفَصَّلة إلى حد كبير بما ينسجم مع وجوديته الأولى، فهي ماركسية سليلة تقليد قوي، شعاره الضمني "الماركسية بلا مادية" ومن أعلامه -كما يضيف العظم- جورج لوكاتش المبكر في كتابه الواسع التأثير والنفوذ حتى اليوم "التاريخ والوعي الطبقي"، وكارل كورش في كتابه "الماركسية والفلسفة" بالإضافة إلى الانتاج الغزير لمدرسة فرانكفورت، وكما هو معروف، شن لوكاتش في كتابه هجوماً عنيفاً وصريحاً على العلوم الطبيعية – وهذا حدث نادر في الأدبيات الماركسية – وتبعه كورش في تبني مواقف مشابهة"([25]).

لكن، بالرغم من ابتعاد سارتر عن الحزب الشيوعى إلا انه استكمل نشاطه الفكري والسياسي في تأييد قضايا السلم والديمقراطية والحرية لكل الشعوب، وعلى هذا الأساس اتخذ سارتر منذ 1956، موقفاً معادياً لفكرة جزائر فرنسية وقد تبنى رغبة الشعب الجزائري في الاستقلال. احتج سارتر على التعذيب، وطالب بحرية الشعوب وبتقرير مصائرهم وقد صور العنف على انه غرغريناونتيجة للاستعمار .

كان الفكر الفلسفى لسارتر، ظاهرة نادرة لتاريخ الفكر الفرنسي، فقد لاقى صدى غير معهود من جمهور واسع للغاية، ويمكن تعليل ذلك بعاملين أساسيين : أولاً، أعمال سارتر متعددة الأشكال، وتسمح لكل شخص إيجاد مستوى القراءة الذي يناسبه، ثانياً، الوجودية، التي تنادى بالحرية الكاملة بالإضافة إلى المسئولية الكاملة لافعال الإنسان امام الآخرين وامام نفسه.

نقد العقل الديالكتيكي:

"في سنة 1960 أصدر سارتر كتاباً ضخما في فلسفة التاريخ بعنوان "نقد العقل الديالكتيكي"، أصدر منه الجزء الأول، ومات قبل أن يُصدر الجزء الثاني.. والفكرة الجوهرية في الكتاب هي إنكار فكرة العقل الجماعي في كافة صورها، فمن رأيه، لا يوجد عقل جماعي يعلو على عقول أفراد المجتمع، وبالتالي لا يوجد في التاريخ الإنساني (وِحدة) إنما هو مؤلف من كثرة متعددة جداً من الأعمال غير المتجانسة.. وواضح أن هذا المبدأ يتناقض مع ماركس وإنجلز والماركسيين عامة.. مع أن سارتر في كتابه هذا يقدم نفسه بمثابة الفاهم للماركسية في حين أن أتباعها هم من حرفوها"([26]).

وفي 1967، صعد سارتر إلى رَأَسَ المشهد، عندما رأس محكمة راسل مع بيرتراند راسل، وهي محكمة معلنة وجمعية عالمية للمثقفين والنشطاء والشهود المكلفون بالحكم على الحروب أو إدانتها وبالأخص حرب الأمريكان في فيتنام.

وفي مايو عام 1968، اشتعلت انتفاضة وثورة الشباب الفرنسي ضد الظلم والاستغلال، وقيل يومها إن سارتر كان مُلهم الشباب في ثورتهم، فقد قام بالفعل بصنع أصداء الثورة، في الشارع، وعلى المنابر، وفي الجرائد، وعلى أبواب المصانع المُضْرِبة، لدرجة أن وزير الداخلية آنذاك اقترح على الرئيس الفرنسي ديجول القيام بإعتقال سارتر، لكن ديجول العظيم رد عليه مستنكراً ومؤنباً "هل تريدني أن اعتقل فرنسا .. إن سارتر عندي هو فرنسا".

وبعد ثورة  أيار 1968، أيد سارتر حركات يسارية شتى، وساهم بالكتابة في الصحف الناطقة بلسانها، وعلى الرغم من إصابته بمرض في عينيه جعله أقرب إلى الضرير مما اضطره إلى هجر التأليف.

توفى سارتر في 15 أبريل 1980 عن عمر يناهز 75 عاماً، وفي العالم كله، أثار خبر وفاته ضجة كبيرة، هرع 50 ألف شخصا إلى شوارع باريس للسير في موكب الدفن ولإعطاءه التكريم المناسب لشخصه.

دُفن سارتر في مقبرة مونبارناس بباريس (الحى 14) في 14 أبريل 1986، ودفنت سيمون دى ربوفوار لاحقًا معه في نفس القبر، وكُتب عليه "جان بول سارتر (1905-1980) وسيمون دىبوفوار (1908-1986)".

من أقواله([27]):

  • لقد وجدت ديانتي؛ لا شيء أهم من الكتاب بالنسبة لي، لقد رأيت المكتبة كمعبد.
  • ربما هناك أزمنة أجمل، لكن هذا زماننا نحن.
  • الحياة تفقد معناها، لحظة نفقد الوهم بأنها أبدية.

قالوا عنه([28]):

  • "عندما تتجلى الماركسية في مظهرها الحقيقي لا في المظهر الكاريكاتوري الذي يُلبِسْها سارتر إياها سنتبين للحال تنافيها الجوهري مع الوجودية". (جورج لوكاتش).
  • "إن لغة جدل التاريخ وفلسفته مندمجة بالماركسية إلى حد ان الكلام عن تلك بدون استعمال هذه يمثل مشروعاً جديداً مطلق الجدة: وتلكم هي الاهمية القصوى لمحاولات سارتر" (موريس ميرلو– بونتي).

 

 

 

([1]) موقع ويكيبيديا - https://ar.wikipedia.org

([2]) يوسف حسين – محاضرة في اليوتيوب– الانترنت.

([3]) المرجع نفسه

([4])غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره– تاريخ الفكر الغربي - ص 885

([5]) المرجع نفسه - ص 887

([6]) المرجع نفسه - ص 888

([7]) المرجع نفسه - ص 889

([8]) المرجع نفسه - ص 890

([9]) المرجع نفسه - ص 841

([10]) المرجع نفسه - ص 842

([11]) المرجع نفسه - ص 846

([12]) جورج طرابيشي  - معجم الفلاسفة –  دار الطليعة – بيروت – ط2 - ديسمبر 1997 –  ص210

([13])  المرجع نفسه –ص 47

([14])سامى خشبة – مفكرون من عصرنا – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة - 2008– ص 66+67

([15]) المرجع نفسه -  ص 66+67

([16])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 530 - 531

([17])سامى خشبة – مرجع سبق ذكره - مفكرون من عصرنا – ص 455

([18]) مرجع سبق ذكره – يوسف حسين.

([19])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 348-349

([20])د.هشام غصيب – نقد العقل الجدلي – دار التنوير – بيروت – 2011 – ص286.

([21]) ليلى العاجيب – بحث حول الفلسفة المعاصرة – الانترنت- موقع: موضوع – 31 يناير 2016.

([22]) موسوعة الفلسفة: الجزء الأول- الدكتور عبد الرحمن بدوي - المؤسسة العربية للدراسات والنشر -  الطبعة الأولى 1984 – صفحة 563 وما بعدها .

([23]) مرجع سبق ذكره – يوسف حسين.

([24]) المرجع نفسه .

([25]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 99

([26]) موسوعة الفلسفة: الجزء الأول- الدكتور عبد الرحمن بدوي - المؤسسة العربية للدراسات والنشر -  الطبعة الأولى 1984 –صفحة 563 وما بعدها .

([27]) عبد الله برالي – تعرف على أهم فلاسفة القرن العشرين واشهر أقوالهم – الانترنت – 14 أكتوبر 2015

([28])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 348-349