Menu

طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية الحلقة 8

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف

العنصرية الصهيونية الطريق إلى الأبارتهايد وسلطة الفاشية (أ)

لا يمكن لأي مؤلف منفرد أن يحيط بوصف دقيق ومفصل وشامل للعنصرية الصهيونية ضد العرب الفلسطينيين سواء الخاضعين للاحتلال منذ 1948 وتحولوا شكليًا إلى مواطنين في دولة "إسرائيل" أو أولئك الذين يخضعون منذ 1967 لاحتلال عسكري مباشر.

ومن الثابت أن كل يوم يمر يشهد حالات جديدة من التمييز العنصري وأشكال مختلفة وبدرجات مختلفة حتى لم يبقَ فلسطيني واحد لم يعانِ من هذا الاضطهاد.

لقد سبق وناقشنا الأساس الأيدلوجي والديني للتمييز العنصري الذي يسري في عروق الحركة الصهيونية كصفة لازمة وشرط وجود، وفي هذه الحلقة سنحلل الأسس القانونية التي تقوم عليها هذه العنصرية عبر استعراض القوانين وتسليط الضوء على الممارسة المباشرة وسنكشف الارتباط الوثيق بين القوانين والممارسات الصهيونية وكلاسيكيات الفاشية مع جرعة زائدة من تطوير هذه الممارسات وتعديلها.

من الواضح أن الخطاب التقليدي الذي يبرر التمييز ويحميه ما زال مؤطرًا بالمقولات الصهيونية التقليدية حول هوية الدولة ومكانة العرب الهامشية، وفي الحقيقة أن ثمة توصيف صهيوني شائع ملخصه أنه «بدلاً من تربية العرب على أحلام المساواة يجب أن نقول لهم بكل إخلاص أن هذه هي الدولة اليهودية الوحيدة وأن غاية الصهيونية كانت أبدًا تهويد هذه البلاد بواسطة الهجرة اليهودية وتملك الأرض وإسكان اليهود عليها وإعداد الأرض لهم وحمايتهم من تغلب العنصر غير اليهودي وأن الدولة ستبذل كل ما بوسعها لمنع تغيير صفة دولة إسرائيل كدولة مخصصة لتحقيق الحلم الصهيوني وهو إنقاذ البلاد وإنقاذ الشعب».

تلك الكلمات التي تفضح حقيقة الصهيونية القائمة على الاستعمار والإلغاء ونفي الآخر وإبادته، لم يعثر عليها في محاضر سرية، وإنما نُشرت علنًا في يديعوت أحرونوت بقلم تسفي شيلواح(1). وقد جاء في كراس وزعته وزارة التربية حول موضوع الأمان على الطرق في 30/5/1976 بأن العدو رقم 1 لـ "إسرائيل" هو حوادث الطرق والعدو رقم 2 هو العرب. وهكذا كان الحكم العسكري الذي تم تطبيقه ضد العرب الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948 ولغاية 1966 هو التجسيد البشع للسياسة العنصرية الصهيونية، والتي استهدفت عدة أغراض ومقاصد، أبرزها عزل الأقلية عن الأكثرية اليهودية، بل أيضًا عن امتدادها العربي وعن العالم، وأكثر من ذلك إقامة الحواجز بين القرى وتجريدها من عمقها الزراعي عبر إبعاد المواطنين العرب عن أراضيهم، بإعلان بعض القرى أو الأراضي مناطق عسكرية بمنع الدخول إليها، ووضع القوانين التي تسهل مهمة شركات يهودية ودائرة أراضي "إسرائيل" في الاستيلاء على الأراضي العربية وتصفية الروح الوطنية القومية وإشاعة العدمية ومنع التنظيم السياسي المستقل؛ عبر سياسة الأسرلة وتقطيع أوصال العرب وتفريقهم إلى طوائف ومذاهب، وفرض أجواء الخوف والإرهاب ودفعهم للتعامل مع الحكم العسكري ومصادرة الموارد الاقتصادية المتاحة لهم ومصادر المياه وتحويلهم من فلاحين مستقلين إلى يد عاملة رخيصة يعتمدون في حياتهم الإطار الاقتصادي الإسرائيلي(2).

ومن ناحية قانونية، فإن ضياع حقوق العرب قانونيًا والتمييز العنصري ضدهم يتأتى ابتداء من انتفاء وجود دستور "لإسرائيل" ينظم العلاقة بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية، ويستمر هذا بفعل عدم وجود أي قانون أساس أو نص قانوني مستقل يختص بتنظيم تلك العلاقة، بل إن "إسرائيل" أصدرت سلسلة قوانين أساس جسدت التعريف الوارد في "وثيقة الاستقلال" وعكست المضمون الإثني اليهودي ممتنعة بشكل تام عن الاقتراب من تطور مدنية شاملة، وطبعًا يغيب تمامًا، أي قانون أساس يردع الأكثرية عن سن قوانين تضمن امتيازات لها وتنافي مبدأ المساواة في الحقوق(3).

وثيقة الاستقلال: أساس التمييز القانوني(4)

تبدأ "وثيقة استقلال إسرائيل" بإطلاق اسم «أرض إسرائيل» على فلسطين مؤكدة ارتباط اليهود بها ونافية بشكل مباشر حقوق العرب الفلسطينيين التاريخية والواقعية، ثم تعود لتؤكد الحق الطبيعي والتاريخي لليهود في البلاد. ومفهوم «الدولة اليهودية» الوارد في الوثيقة هو مفهوم انعزالي وعرقي يثير مشكلة للأقلية العربية، وكذلك المحتوى الديني لدولة (اليهودي) والقومي لخدمة (اليهودية).

إن النص على يهودية الدولة يعني عمليًا الاستيلاء على الأرض وتهويدها واستقدام المهاجرين اليهود وبناء المستعمرات وعبرنة العمل والإنتاج والاقتصاد ككل وتعميم الثقافة اليهودية. وعندما تحدثت الوثيقة عن المساواة، فإن هذا الحديث جاء منسجمًا في الفقرة العامة، أي بخصوص اليهود، أما فكرة المساواة الواردة في الفقرة الثانية التي تخص العرب؛ فجاءت مشروطة عبر دعوتهم للقيام بنصيبهم في إقامة الدولة، ما يعني دعوتهم للمساهمة في إكمال الكارثة التي حلت بمجتمعهم وكيانهم على يد الصهيونية. إن الوثيقة لا تتحدث عن حقوق العرب كأقلية قومية مكرسة المساواة الحصرية ضمن الجماعة اليهودية، وهذا يعني التعامل مع العرب كمجرد سكان فيما يطابق بسياسة الأبارتهايد.

قانون القومية(5)

حتى ورقة التوت التي حاول الصهاينة وضعها في "وثيقة الاستقلال" تم تمزيقها عبر قانون القومية، الذي يكرس تمامًا فكرة وجود أكثرية متميزة، تتمتع بكل الحقوق، وأقلية مسحوقة مهمشة عليها أن تقاتل بالأظافر والأسنان لانتزاع ما يسمح به القانون العنصري، حيث أن هذا القانون يشرعن التفوق لليهود في الكيان على جميع الفئات والأقليات الأخرى، ويعلن صراحة عن "إسرائيل" كوطن قومي لليهود فقط، ويكرس النظام كنظام عنصري يقوم على الفصل.

ويضمن هذا القانون طابع "إسرائيل" كدولة دينية، مانحا جميع الامتيازات لليهود فقط حتى لو لو يكونوا من السكان، فيكفي أن يكون أحدهم يهوديا في أي مكان من العالم ليحوز هذه الحقوق التي يحرم منها الفلسطيني الذي هو نتاج سلالة ثابتة مستقرة في هذا البلد، كما أن القانون  يشرعن الإقصاء والعنصرية وعدم المساواة.

الأخطر من ذلك أن هذا القانون الفاشي يتجاوز بمفاعيله حدود الخط الأخضر، فهو لا يشرعن فقط التمييز الإيجابي لليهود على العرب داخل هذا الخط، بل يمتد أيضا ليشرعن تفوق وتميز المستوطنين الصهاينة في لاالضفة الغربية والأراضي المحتلة على الفلسطينيين هناك، ساعيا لتكريس شرعنه تفوق جميع اليهود على جميع الفلسطينيين(6).

التهويد والاستيطان:

ما جاء في ما يسمى وثيقة استقلال "دولة إسرائيل" تحول إلى هوس بالتهويد (7) وهو هوس السيطرة على المكان وعدم تحملها ترك بقعة أرض دون فرض سيادتها عليها بشتى الأساليب والوسائل والتهويد بغية الاستيطان في كل مكان يقيم عليه تجمع سكاني عربي عن طريق قوننة الأشياء والمناطق والعلامات واللغة والسلوك.

ثمة قصة شهيرة متداولة (8)، حيث قام بن غوريون بجولة في الجليل وصرح بلهجة عنصرية غاضبة «كل من يتجول في الجليل ينتابه إحساس بأنها ليست جزءًا من أرض إسرائيل». وفي رواية أخرى للمحادثة(9) أن بن غوريون قام بجولة في الجليل بينما كان يعبر الطريق بين عكا وصفد فمر بقرى عربية وسأل عن أسمائها وعندما قيل له أنها مجد الكروم ودير الأسد وراما ذكر أنه أجاب «أأسافر داخل سورية» وأصدر على الفور أوامره ببناء مستوطنة الكرمل في المنطقة.

ولا شك أن موضوع الاستيطان ومواقع تنفيذه وتوقيته من الأيدلوجيا الجيوبوليتيكية والاستراتيجيات الإقليمية المتبعة، وتوقيت التهويد مرتبط بقضايا يطلعنا الباحث باروخ كفنيس عليها «جدول الأعمال القومي والوضع الديمغرافي في البلاد وحجم الدعم المادي الخارجي والوضع الاقتصادي وسيطرة الأمة على الأراضي»(10).

وقد جاء في أحد المستندات الرسمية (سبتمبر أيلول 1959) تحت تصنيف (أمني –سري جدًا – للمرسل إليه فقط)، يحمل عنوان «توصيات لمعالجة شؤون الأقلية العربية في إسرائيل» أن هدف السلطات الإسرائيلية من إنشاء سلطات محلية في القرى العربية كان أولًا تحويل الصراع من صراع قومي بين العرب واليهود إلى صراع بين العائلات في المدن والقرى، بهدف تقويض أي سياسة عربية (11)، ولا شك أن هذه المذكرة تعكس بشكل واضح مقاصد الحكم العسكري الآنف الذكر، ولكن مسألة الاستيطان تحتاج لمزيد من البحث.

من العسير جدًا بداية فهم الاستيطان الصهيوني بشكل عميق دون العودة إلى مفاهيم يهودية مركزية وإدراكها على صعيد تأويلاتها المختلفة في الفكر الصهيوني، مثل مفهومي المكان وتهويد المكان وأهميتها في النسق الديني اليهودي، من جانب آخر يعكس النشاط الاستيطاني الخطاب الاقصائي الإثني القائم في صلب الأيدلوجيا الصهيونية، بحيث تتحول الصهيونية إلى معيار أولي بديهي، يصبح الإلغاء والمحو صفة ملازمة لفعل الاستيطان، وإرسال العرب إلى عزلتهم كمجرد سكان لا يحوزون أو يملكون حق حيازة المكان ويتم النظر إليهم فقط كرعايا للدولة لا يشاركون حاضرها ومداها الجغرافيين.

لقد كتب آلون، القائد العسكري لمنظمة البالماح (شرح 1) يوم 10/5/1948 «رأينا هناك حاجة لتطهير الجليل من السكان العرب لتقيم منطقة إقليمية يهودية في كل أنحاء الجليل الأعلى وأمامها تكمن واجبات كبيرة هي إجبار عشرات آلاف العرب الذين بقوا في الجليل على الهرب»(12).

[شرح رقم 1: تقرأ بالماح وليس بالماخ كما هو الخطأ الشائع، وهي الأحرف الأولى من الكلمتين العبريتين بلوجوت ماحتس أي القوة الضاربة أو سرايا الصاعقة، تشكلت هذه المنظمة في آذار 1941 في إطار الهاجاناة، التي أقرت قيادتها العليا بموافقة المجلس التنفيذي العالمي للحركة الصهيونية اقتراحًا بانشاء قوة سرية يهودية ضاربة تكون معبأة بصورة دائمة للعمل في أي وقت وأي مكان، وفي السنة الثالثة لنشوئها تقرر إنشاء نظام للإحتياط خاص بها، فكان كل فرد يعفى من الخدمة العسكرية الفعلية بعد سنتين يوضع في وحدة احتياطية وهذا النظام هو أساس نظام الاحتياط الذي أصبح من معالم القوات المسلحة الاسرائيلية على الدوام (يغئال آلون. انشاء وتكوين الجيش الاسرائيلي. ترجمة عثمان سعيد (بيروت: دار العودة. 1971) ص93. وقد جاء معظم أفراد البالماح من الكيبوتزات التي كانت تعد أن هذه القوات تشكل امتدادها العسكري-السياسي في الحياة الصهيونية وكان لها أثر ودور كبير في تكوين الجيش، فيما بعد إذ أن غالبية ضباط الجيش قد تخرجوا منها ومنهم موشيه دايان وايغال آلون واسحاق رابين وحاييم بارليف وغيرهم كثيرون].

العنصرية كثقافة:

يمكن إدراج ثقافة العنصرية في إسرائيل ضمن أربع مجموعات(13):

  1. تصريحات عنصرية: وتقسم إلى رسمية نطقت بها شخصيات تشغل منصبًا رسميًا حكوميًا وغير رسمية لشخصيات لا تشمل منصبًا كهذا.
  2. سلوك عنصري: أفعال وسلوكيات تجاه الأقلية العربية منبعها الثقافة السائدة والمترجمة إلى عمل ملموس.
  3. قوانين عنصرية/ أي سن قوانين أو تقديم اقتراحات قوانين تمس بالأقلية العربية كمجموعة قومية.
  4. ثقافة شعبية عنصرية.

التصريحات العنصرية الرسمية:

نظرًا لأن هذه التصريحات لا يمكن إحصائها وتكاد تتكرر بشكل شبه يومي على ألسنة الساسة والعسكريين وعموم الرسميين الصهاينة، فسنكتفي بعرض بعض نماذج منها على سبيل المثال لا الحصر. فـ (إيفي إيتام) عضو الكنيست عن الحزب اليميني (مفدال- ووزير البناء والإسكان السابق في حكومة شارون، عرض في برنامج حزبه السياسي تصورًا لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يدعو فيه إلى تصويت «المواطنين العرب للبرلمان الأردني وإقامة دولة فلسطينية في سيناء»، داعيًا إلى تجريد المواطنين العرب من حقهم في المشاركة السياسية بما في ذلك الاقتراع للكنيست(14). هذا الطرح ليس متطرفًا ولا غريبًا؛ فإقامة دولة فلسطين في الأردن كان أحد طروحات شارون الجوهرية. بدوره زئيف بويم نائب وزير الحرب في حينه، قال عن العرب الفلسطينيين أنهم «يعانون من خلل في الجينات الوراثية وعدمية ثقافية»(15).

أما يحئيل حزان عضو الكنيست الليكودي فقد قال «على ضوء الحقيقة المتجسدة في أن العرب على مدى عشرات السنين يذبحون اليهود، فبالنسبة لهم هذا أمر مغروس في دمائهم وقتل اليهود هو عمل يجري بشكل طبيعي، وهذا بالضبط معنى المصطلح أنه ممنوع إدارة الظهر إلى العربي»(16).

أيهود أولمرت عندما كان قائمًا بأعمال رئيس الحكومة ووزيرًا للمالية وعضو كنيست عن الليكود؛ وصف أصحاب البيوت المهدمة في قرية البعنة (قرية عربية في الجليل الأعلى) بأنهم لصوص وقطاع طرق وخارجين عن القانون(17). كذلك وصف أعضاء الكنيست العرب في نفس السياق «بالخارجين عن القانون». أيضًا ميخائيل راتسون عضو الكنيست عن الليكود ونائب وزير الصناعة والتجارة وخلال مؤتمر نظمته جريدة (شيبع) اليمينية المتطرفة دعا إلى تنظيم حملة لتهجير العرب طوعيًا(18).

أفيغدور ليبرمان عضو الكنيست عن الحزب اليميني المتطرف (إسرائيل بيتنا) ووزير المواصلات والحرب والخارجية السابق كان دعا لقصف السد العالي في مصر وتدمير القاهرة، واقترح حلًا سياسيًا عنصريًا أحد بنوده ترحيل 90% من المواطنين العرب إلى الضفة وقام بعرض هذه الخطة خلال لقاءه مع مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما قام بعرضها على سفير الاتحاد الأوربي في "إسرائيل"(19). طبعًا كما هو معروف لم يعد لافتراحه معنى في ظل رغبة الكيان الاستيلاء على الضفة أيضًا.

أما جدعون عزرا عضو الكنيست عن الليكود ووزير الأمن الداخلي السابق فوصف القيادات العربية داخل "إسرائيل" بأنهم أعداء للدولة، وقال مثلًا إن النائب عصام مخول «يشكل خطرًا على الدولة فهو ضد المفاعل النووي وضد الجدار، فليذهب للسكن في مكان آخر، وهو مسيحي ويريد أن يعطي انطباعًا للمسلمين بأنه متطرف أكثر منهم»(20). وسبق أن اقترح حلًا أمنيًا لحراسة المراكز التجارية عبر تشغيل عرب فيها، ليس لأنه يثق بالعرب، ولكن لأن «العربي يشم رائحة العربي»21).

وكان بيني مورس المؤرخ المعروف المرتد عن كونه (مؤرخًا جديدًا) قد أجرى مقابلة مع أيهود باراك رئيس الوزراء والحرب وزعيم حزب العمل السابق (22).  وقد صرح باراك خلال هذه المقابلة أنه مستعد لضم مناطق في المثلث إلى الدولة الفلسطينية، مقابل ضم كتلة استيطانية إلى "إسرائيل"، وفيما يخص التعامل مع الأقلية العربية في الداخل، فقد تضمنت اقتراحات بارك تقييد الديمقراطية "الإسرائيلية" ومنع الشرعية البرلمانية عن مواقف سياسية قومية عربية وتقليل عدد المواطنين العرب عبر مبادلة بعض القرى العربية  وعبر عن اقتناعه بأن السلام مع الفلسطينيين غير وارد طالما أن جيل النكبة ما زال حيًا، بالتالي يجب الاعتماد على سياسات القوة، يضاف إليها الفصل من طرف واحد وهي الخطة التي اعتمدها الليكودي شارون فيما بعد.

والأفكار الرئيسية لمذكرة كونيغ عام 1976 التي أوصت بعدة إجراءات لاحتواء مشكلة السكان العرب منها الإسراع في استيطان الجليل، في تلك المذكرة التي وضعها إسرائيل كونيغ حاكم المنطقة الشمالية آنذاك، وتتلخص في وصف العقلية العربية بأنها شرقية وسطحية متخلفة وتوصية بالتشدد في استعمال السيطرة القوية ضد العرب وضرورة السعي لتأسيس جهاز مخابرات متخصص للتجسس على قادة العرب في "إسرائيل"(23).

نموذج من تصريحات عنصرية غير رسمية:

في كانون الثاني عام 2005 صادق مسجل الأحزاب على إقامة الحزب اليميني المتطرف (الجبهة اليهودية القومية)، والذي نص برنامجه السياسي على اقتلاع وهدم قرى عربية فلسطينية ونقل أهاليها إلى ما وراء نهر الأردن(24).

يسرائيل بنحاس عضو المجلس الديني في مدينة الخضيرة نشر مقالًا في صحيفة معاريف كتب فيه أن «الإسلام هو دين متخلف ويدعو إلى القتل»(25). وأثناء استدعائه للشهادة في المحكمة ضد قيادة الحركة الإسلامية وزعيمها رائد صلاح يوم 2-5-2003 أطلق البروفيسور رفائيل يسرائيلي شاهد النيابة باعتباره متخصصًا بالإسلام السياسي عدة تصريحات لم تتوقف المحكمة أمامها؛ جاءت مليئة بالعنصرية والكراهية ضد العرب، فقد قال مثلًا «إن على العرب أن يبيعوا ممتلكاتهم وعقاراتهم ويرحلوا عن الدولة أو أن يخدموا في الجيش ويقسموا يمين الولاء أو يعيشوا منزوعي الحقوق المدنية»، وأضاف أن عدد قتلى العرب في هبة الأقصى (يقصد عرب 48 في أحداث أكتوبر 2000 وهم 13 شهيداً) قليل بالنسبة لحجم المشاغبات التي قاموا بها، وأن «العربي يفضل الجلوس على القمامة، بدلًا من تنظيفها»(26).

العنصرية المقوننة: شرعنة التمييز

سنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عبر الكنيست عشرات القوانين التي تنضح بالعنصرية وتستهدف تضييق الحياة على العرب وتمكين اضطهادهم ومحاصرتهم، وأبرز تلك القوانين:

  1. قوانين الطوارئ الابتدائية (1945): والمختصة بإغلاق المناطق والتضييق على السكان بذريعة الأمن.
  2. قانون العودة المقر من الكنيست.
  3. قانون أملاك الغائبين الصادر عام 1950 وقانون ملكية الدولة الذين صادرا حقوق العرب وحرماهم من المواطنة ومن إدارة أملاكهم والعمل في أراضيهم.
  4. قانون الجنسية (1952).
  5. قانون الصندوق القومي (الكيرن هاكيميت ليسرائيل) لعام 1953، والذي اعتبر أراضي الدولة ملكًا للشعب اليهودي ومنع المواطنين العرب من شرائها أو السكن في قرى ومدن يهودية أنشئت عليها.
  6. قانون وضع المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية الصادر عن الكنيست عام 1950 الذي جعل مهمة جمع المنفيين اليهود؛ واجبًا مركزيًا لإسرائيل والمنظمة.
  7. قانون التنظيم والبناء: الصادر عام 1965 الذي ترك عشرات القرى العربية خارج الخرائط الرسمية؛ فظلت غير معترف بها، مدعومًا بقوانين الطوارئ وأملاك الغائبين وقانون استملاك الأراضي للصالح العام، وأنظمة مناطق الأمن 1949 وأنظمة استغلال الأراضي البور 1949 وقانون التنظيم والاستيلاء على أراضي وعقارات ساعة الطوارئ عام 1949، وكذلك قانون استثمار الأرض لعام 1953 وقانون التقادم عام 1955 وقانون تركيز الأراضي لعام 1960 والأحراج عام 1956 والمستوطنات الزراعية لعام 1967 وإعادة توزيع السكان لعام 1970.

ذلك غيض من فيض القوانين العنصرية وبدون تفصيل والتي يمكن تصنيفها حسب أنماط الأذى العنصري وهي(27) تنقسم إلى أربع فئات رئيسية:

  •  قوانين تطبق بشكل انتقائي؛ فتعطي امتيازات لليهود وتميز ضد العرب مباشرة وعلنًا، وهذه القوانين هي (العودة – الجنسية – الاستيطان – قوانين المؤسسات اليهودية والمنظمة الصهيونية – الوكالة اليهودية – قانون التعليم الإلزامي). وقوانين أخرى تمس العرب مباشرة (مصادرة الأراضي والطوارئ).
  • قوانين تحوي تمييزًا؛ بسبب استخدامها معايير تتضمن امتيازات للأكثرية اليهودية في توزيع موارد الدولة عبر معايير تمييزية أبرزها الخدمة العسكرية والمنشأ ومكان السكن.
  • قوانين لا تشمل معايير واضحة لتوزيع الموارد.
  • قوانين تمنح امتيازات لمؤسسات يهودية قومية أو شبه حكومية وتمنعها عن نظيرتها العربية.

يضاف إلى ذلك فرض الرموز الصهيونية على العرب مثل علم الدولة والنشيد والأعياد والعطل الرسمية. وقد شهدت الأعوام الأخيرة تشريع قوانين وتقديم اقتراحات لسن قوانين تتصف بالعنصرية؛ كونها تهدف إلى المساس بالحقوق الأساسية للمواطنين العرب الفلسطينيين، ومن أبرز هذه القوانين (قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل) سيء السمعة. ففي 31 تموز عام 2003 كانت الكنيست قد عدلت قانون المواطنة والدخول إلى "إسرائيل"، والذي هدف إلى منع إمكانية إعطاء الجنسية للأزواج الفلسطينيين أو الزوجات الفلسطينيات المتزوجين من مواطنين "إسرائيليين"؛ منعًا باتًا مما يعني إجبارهم على الاختيار بين خيارين مغادرة "إسرائيل" أو تفكيك العائلة.

وفي شهر آب 2004 قدم عضو الكنيست عن حزب (هئيحود هليئومي) (الاتحاد القومي) أريه ألداد اقتراح قانون بشأن قطع مخصصات التأمين الوطني عن عائلات عربية تحمل الهوية "الإسرائيلية"، وذلك بحجة أن أحد أفراد العائلة متهم «بارتكاب أعمال عدائية ضد الدولة»(28). كما قام عضو الكنيست من نفس الحزب تسيفي هندل بتقديم اقتراح قانون يمكن بموجبه إقامة بلدات يقيم فيها أبناء قومية واحدة ممن يرغبون بالحفاظ على طابع مجتمعي، وقال «إن الهدف من مشروع القانون هو إتاحة اقامة بلدات جماهيرية يهودية في إسرائيل من منطلقات قومية ومنع دخول العرب إليها»(29).

وفي شهر تشرين الثاني عاد أرييه ألداد وقدم اقتراحًا يدعو إلى طرد عرب إسرائيل بقدر ما يتم إخلاء مستوطنين من قطاع غزة والضفة الغربية، ورئاسة الكنيست نظرت في مشروع القانون في أعقاب عدم اعتراض المستشارة القضائية عليه والتي اعتبرته «يلامس» العنصرية و«لا مانع» من طرحه للتصويت. وأيضًا اقتراح ألداد إلغاء صفة اللغة الرسمية الثانية عن اللغة العربية بمناسبة يوم اللغة العبرية في الكنيست؛ مقترحًا أن تكتب اللافتات العامة في الدولة باللغة العبرية فقط (30).

واستمرارًا في تعميق القيم العنصرية في الدولة أقرت الكنيست اقتراح قانون تخليد الجنرال رحبعام زئيفي بعد انضمام الحكومة إلى دعم القانون رسميًا، مما يعني تبني تخليد ذكرى وميراث زئيفي رسميًا من قبل الدولة. ومن المعروف أن زئيفي هو عضو الكنيست السابق ووزير السياحة عن حزبه اليميني المتطرف (موليدت – الوطن)، والذي كان يدعو علانية إلى التهجير للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، والذي اغتاله فدائيون فلسطينيون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 2001.

ومن أمثلة قوننة الأعراف العنصرية؛ قانون (الانتفاضة) وهو اقتراح من حكومة شارون لتعديل قانون الأضرار المدنية، ويهدف إلى إعفاء دولة الكيان الصهيوني من دفع تعويضات للفلسطينيين الذين أصيبوا من قبل عناصر قوات الأمن، ومقترحو القانون والذي يسري وفق تعريفهم على «السكان في مناطق المواجهة» لا يخفون نواياهم في تطبيقه على الفلسطينيين من سكان المناطق الفلسطينية.

البند الخامس مثلًا يقطع الطريق على الفلسطينيين للمطالبة بالتعويضات حتى عن الأضرار التي وقعت جراء الإهمال في ميادين التدريب وإطلاق النار غير القانوني وعمليات النهب والعنف الجسدي وأعمال الانتهاك والإذلال على الحواجز، وهذا التعديل يمس بصورة خطيرة الحق في المساواة وكرامة الإنسان؛ نظرًا لكون قاعدة سحب الحق في التعويضات تكمن في هوية المدعي، وليس في الدعوى، وهذا القانون هو حقًا رخصة للقتل تعطى للجنود ليمارسوا القتل والإذلال ضد الشعب الفلسطيني دون أي رادع، ولو بقوانين دولتهم العنصرية(31).

من هذه القوانين أيضًا قانون (الخدمة المدنية الإلزامية)(32)، حيث بعد مؤتمر هرتزليا عام 2003 تبين أن رئيس الحكومة حينها أريئل شارون كلف بعض الجهات المختصة بشؤون الأمن القومي؛ دراسة وبلورة تصور عملي من إمكانية شمل فلسطينيي الداخل في الخدمة الوطنية الإلزامية، وقد حلل "عزمي بشارة" خطاب شارون هذا وبين أن هذا القانون يهدف إلى التمييز بين المواطنة والإقامة الدائمة بسلطة الخدمة الوطنية أو على الأقل التمييز بين مستويين من الحقوق، حيث ترتبط قضية حق الاقتراع بمسألة الولاء لدولة الاحتلال، ويتبين من جوهر طروحات شارون أن هدفها الفصل بين إقامة المواطنين العرب، وبين حقوقهم السياسية التي تحملها المواطنة.

المراجع

  1. حبيب قهوجي (إشراف) الصهيونية والعنصرية بين الفكر والممارسة( دمشق: مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية 1980)، ص68
  2. سميح القاسم. العرب في إسرائيل: حرب الثلاثين عاماً من أجل البقاء والهوية والقومية. مجلة الجديد، عدد 10 (حيفا: تشرين أول 1978) ص9، وعزيز حيدر، التنظيم والعمل السياسي الفلسطيني في إسرائيل. مجلة دراسات عربية السنة 31 عدد 3/4 (بيروت: كانون ثاني –شباط 1995) ص 48
  3. عزيز حيدر، التنظيم والعمل السياسي الفلسطيني في إسرائيل. مجلة دراسات عربية السنة 31 عدد 3/4 (بيروت: كانون ثاني –شباط 1995) ص39-42
  4. وثيقة الاستقلال لاسرائيل، موقع الكنيست على الانترنت.
  5. للاطلاع على هذا القانون بنصه، ومناقشات حوله:       https://www.adalah.org/ar/content/view/9571.
  6. رائف زريق، النظام الجديد لخطاب المستوطنين (بالعبرية) نشر في: هزمان هزه: https://hazmanhazeh.org.il/zreik/
  7. نبيه بشير، وجود السكان العرب يجرد المكان من يهوديته، المشهد الاسرائيلي 8/9/2004
  8. أمينة مينس وناديا حجاب، مواطنون في عزلة (صورة عن أوضاع الفلسطينيين داخل اسرائيل) ترجمة هدى الكيلاني. (دمشق: وزارة الثقافة، 1996) ص55
  9. الفجر في 12 حزيران 1988
  10. نبيه بشير، مرجع سابق
  11. المرجع السابق
  12. نواف الزرو، قراءة في الخريطة الحزبية السياسية وفي آفاق المشهد الانتخابي الإسرائيلي للكنيست الـ17. نشر على حلقات في جريدة الصباح. الحلقة الأولى في 22 آذار والثانية في 23 والثالثة في 24 والرابعة في 25 آذار 2006
  13. "على الهام"ش، التقرير السنوي لانتهاكات حقوق الأقلية الفلسطينية في اسرائيل للعام 2004، المؤسسة العربية لحقوق الانسان، أيار 2005 www.arabhra.org ص9
  14. الاتحاد الحيفاوية-18-2-2004
  15. صوت الحق والحرية-27/2/2004
  16. المرجع السابق
  17. الاتحاد الحيفاوية 2-3-2004
  18. (الاتحاد الحيفاوية 17-3-2004)
  19. كل العرب 4-6-2004
  20. كل العرب 2-10-2004
  21. www.walla.co.il 21-5-2003
  22. new york review of books 13-6- 2002
  23. أمينة مينس، مرجع سابق، ص 56
  24. معاريف 17-3-2004
  25. صوت الحق والحرية، 27/2/2004
  26. صوت الحق والحرية 31-12-2004
  27. التمييز العنصري في الأراضي المحتلة، دراسة حالة تطبيقية في العنصرية الصهيونية، www.moqawama.org
  28. حديث الناس 27/8/2004
  29. الاتحاد الحيفاوية 14-10- 2004
  30. الميثاق 7/1/2005
  31. أحمد.م. جابر، قوننة الأعراف العنصرية. في: الهدف 368 ، 2005، ص22
  32. هاشم حمدان، عرب 48 والخدمة العسكرية وأشكالها وبدائلها.. بين الهاجس والتطبيق، عرب 48www.arabs48.com  24/1/2005