إن أشدَّ ما يُضحك الرائي المتابعُ هو أن العديد ممن ينتقدون نظام الولايات المتحدة الديمقراطي، الأعرج على كل حال، هم ذاتهم من يمتدحون أنظمة أقل ديمقراطية وقد تكون أكثر دكتاتورية وأشدّ عرجاً. لكن ذلك لا ينفي فحوى نظام الاحتيال الديمقراطي "المحكم وذا التجربة الواسعة منذ نهاية الحرب الأهلية الأميركية، ففي الوقت الذي ترد فيه مفردات مثل (حرية) على لسان الأمريكيين العنصريين تزداد الكراهية العرقية والإثنية والدينية والمناطقية في دواخلهم، وفي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن حقوق الإنسان يتم انتهاكها من قبل الدعاة ذاتهم في مواضع عدة من العالم، كما وفي الوقت ذاته الذي تسود فيه خطابات (العدالة)، فإن الولايات المتحدة وعلى الرغم من تسجيلها قفزات مهمة في هذا المجال إلا أنها ما زالت في مكانة متراجعة عالمياً فالعدالة القانونية متخشبة هنا، ولا إنسانية هناك".
لقد عُززت فكرة الديمقراطية الأمريكية عبر ضخ وسائل الإعلام لا التجربة الحقيقية بحد ذاتها، على الرغم من أنها كانت نتاج الثورة على بريطانيا- في الواقع كانت صراعاً بين محتلين اثنين لا ثورة تحرر- والتي انهت سيادة بريطانيا على ما سيُعرف بالولايات الأمريكية في 1788؛ ترأس توماس جيفرسون لجنة كتابة الإعلان الدستوري، وذلك بناءً على شعارات مثل "الحق في الحياة، والحرية، والبحث عن السعادة"، ومنذ ذلك التاريخ جرت تطويرات مهمة على ذلك النظام في كافة مناحيه باستثناء خلق ثقافة مغايرة!
أما اليوم فإن مجرد صعود ترامب إلى سُدّة الرئاسة هو إدانة لحق الحياة والحرية وللعقل والنظام ولنزوعات المجتمع الأمريكي وقيمه ذاتها، ذلك أنه اختير بناء على إعادة تفشي فيروس اليمينية العنصرية والنزعة الطبقية الإمبريالية بصورتها السلبية القصوى وهزيمة العلمانية أمام الأفكار الطوباوية والدينية العنصرية المتخلفة، وهو ما يعزز تباعد الإثنية (الإثنية في الولايات المتحدة ليست عرقية ودينية وحسب، بل تشمل شتى التوصيفات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والانتمائية...). هكذا تبلورت مجدداً فلسفة إنشاء الولايات المتحدة ليس كما في الأصل، بناء على ما أُنتج قبل ذلك استناداً إلى نظرية البقاء للأقوى فتكاً، وليست الترامبية سوى صورة معاصرة ومستحدثة عن الحرب الأهلية الأولى و"الثورة" آنذاك.
يا للغرابة! فبعد ألفي عام من ظهور أفلاطون وأفكاره ومدينته الفاضلة، لم تستطع الثقافة الغربية عموماً تجاوز مفاهيمه المتخلفة اليوم وغير الفاضلة على الإطلاق، حتى أن إيراد "الفاضلة" بقوة كلما ذكرت المدينة الأفلاطونية هو تنحية للعقلية النقدية، فجوهر النظرة الأفلاطونية ذاتها طبقي وعنصري ومجحف ومتخلف وانتقائي، ومن هنا كانت نقطة البدء في الخلل الإنساني. لكن، الآن حيث فلسفة القوة لا العدالة أو النزعة الإنسانية القانونية خلقت ثقافة عرجاء بدورها لا تكترث للحق والقيم، بل للقوة كما يحدث في سطوع المشهد المبهر في فلسطين، حيث قامت عصابات إرهابية بتأسيس "دولة" مكان أول دولة وجدت في التاريخ الإنساني وقدمت كل هذه المعرفة والعلوم والفلسفة والديانات للبشرية جمعاء، هذا أولاً أعاد خلق ثقافة الاستيلاء على أملاك وأراضي الغير بالقوة بمعزل عن أية إنسانية أو مبرر قانوني أو منطقي، بل على مبررات أساطيرية دينية مضحكة، كما استمر الأمر بدعم جرائم هذا الكيان على الرغم من وضوح استحالة استمراره بفعل قوة هوية الشعب الفلسطيني وتمسكه بوطنه التاريخي الأبدي. إن دعم "إسرائيل" وحده يبين مدى وهم وزيف النظام الديمقراطي الغربي؛ فالديمقراطية والعدالة والإنسانية كائن واحد في جوهرها ولا يمكن فصل الإنسانية عن العدالة مثلاً، ذلك أن لا إنسانية بلا عدالة وقانون منصف، ولا عدالة بلا إنسانية. هذا الأمر أثر أيضاً على النظرة للمرأة وحقوقها التي تتراجع ليس فقط في دول تحكمها أنظمة شمولية غير ديمقراطية، بل يتجلى ذلك واضحاً ساطعاً في الولايات المتحدة ذاتها، وإذا ما قارنا بين فترة السبعينيات والثمانينيات مثلاً والسنوات الراهنة نجد تراجعاً على مستوى حقوق المرأة لا تقدماً، وذلك ما يتم تغطيته بمشاركات كاريكاتورية، كما أن وضعها الاجتماعي والاقتصادي تراجع بصورة لافتة وازداد شكل الاستغلال الدعائي والجندري والعنصري والطبقي لها، هذا ما تطلب بالتالي رسمَ ديكور ديمقراطي لها للتغطية على ذلك، ولكي يتم ضرب عصفورين بحجر عمد كل من الديمقراطيين والجمهوريين لتجهيز امرأة في كل فترة لسد حاجة وسائل الإعلام، فكانت كونداليزا رايس الإفريقية الأصل، والتي هُيئت لتحقيق مآرب العنصريين البيض، وكانت هيلاري كلينتون ونانسي بيلوس لإظهار دور زائف للمرأة في المجتمع والسياسة الأمريكية.
فترة ترامب الرئاسية كانت تجلياً لا لبس فيه للحلم الوهمي الأمريكي، الذي لا يملك من الحقيقة والواقعية سوى القوة؛ قوة تقول بوقاحة لمشايخ الخليج العربي التابعين: "ادفعوا الأموال أو نعزلكم" وعندما يدفعون المال يتم رفع إثم قتل خاشقجي، في تهشيم واضح للقانون الجنائي المحلي والدولي، ويتم فرض "صفقة القرن" على الفلسطينيين لدعم الصلف والعدوان والاستيلاء على الأراضي، حتى تلك التي نسميها الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان، والأونسكو كانت سلبية مهيمن على مساراتها، كما ويتم افتتاح سفارة للولايات المتحدة في العاصمة الفلسطينية.. كل ذلك لم يكن لولا خراب العقل الثقافي الأمريكي الذي تغلفه المصالح الاقتصادية ولا شيء آخر، ويعززه تفكير ديني متخلف الأصل والفروع، ويختلط بعنصرية عرقية.
لم تكن فترة ترامب سوى انعكاساً لخراب هذه المنظومة الثقافية للبشرية وأسطعها سيبرز حتماً في الولايات المتحدة، حيث سلطة المال والسلاح تمسح أية اعتبارات أخلاقية. من هنا، كان من الطبيعي أن يظهر ديكتاتور ديمقراطي مودرن على شاكلة ترامب ذي الصورة الشعبوية، كما من الطبيعي أن يقتحم أنصاره وشيعته مبنى الكابيتول أثناء اجتماع مقرر لأعضاء الكونغرس، ويسيل دم أثناء العنف، فيتراجع ترامب، ليس بسبب صحوة أخلاقية، بل لإدراكه الفشل في فرض الإرادة، وعاد لتغطيته بخطاب الحرية والديمقراطية منتظراً جولة تسيّب أخرى، كما ويدين المشاغبين الذين حرضهم قبل ساعات قليلة!
هذا كله يعبر في محصلته عن الوجود في مربع نقطة ما بعد الذروة، سعياً إلى الانحدار الذي يعلمنا التاريخ بوضوح أنه يشكل نقطة ما قبل السقوط، فكل الامبراطوريات سقطت وتلاشت تلقائياً بذات الطريقة تقريباً مع اختلافات شكلانية، ذلك أن الدول تشبه حياة البشر (ولادة/ مراهقة/ شباب/ نضوج/ شيخوخة/ ثم موت)، هكذا هي المسألة، والحل الوحيد لمنع سقوط وتلاشي وتقسيم الولايات المتحدة هو ابتكار نظام ديمقراطي حقيقي قائم على العدالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخروج من ثقافة العنصرية، وتأييد الإرهاب العالمي بحسب ما تتطلبه مصالح الطبقة الحاكمة.
السؤال المفتوح على مصراعيه الآن هو: كيف يمكن بناء نظام ديمقراطي حقيقي يدعم في الوقت ذاته دولة أقيمت على دولة أخرى بناءً على قناعات بأن الرب يهوده يأمر بذلك؟! وهل يمكن أن تكون سلفياً وعلمانياً ديمقراطياً في آن معاً؟!
إن من يرتكب جريمة ضد فلسطين المظلومة فمن السهل أن يرتكب جريمة ضد بلده، والعكس وارد أيضاً، لهذا أبى ترامب إلا أن يسيل دم الأمريكيين ويوجه صفعة لاستقرار شعبه قبل رحيله.
متظاهرون قالوا بأنهم سعداء لأنهم أجبروا أعضاء الكونغرس على الفرار وهو ما يدل على سخط الأمريكيين وكراهيتهم لأغضاء الكونغرس، بل وللمؤسسة ذاتها.
بما أن ترامب نتاج للديمقراطية الأمريكية فيمكن اعتبار فشلها في صفقة القرن التي رفضها بشجاعة كل الفلسطينيين، وفشله اتجاه التعاطي مع إيران، والعلاقة الغامضة مع تركيا، وخطط العراق و سوريا والصين المضطربة، وكذلك فشل هذه الديمقراطية أيضاً في أن تكون ديمقراطية للشعب الأميركي ذاته، فهذا يعني بأن الولايات المتحدة دخلت أتون النفق المظلم، وذلك من أهم دروس التاريخ.

