Menu

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج14

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

ما أطلق على تسميته حركة التحرر العربية

قبل الخوض في هذا العنوان؛ أرى من الضروري أن أؤكد على حيز المكان والزمان اللذان حكما هذا العنوان عادة ما يطلق على أن هذا العنوان محكوم بمكانية ما أصطلح على تسميته الوطن العربي؛ من المحيط إلى الخليج، والزمان إطاره ما بعد انتهاء الخلافة العثمانية وتراجعها إلى حدود ما يعرف بالدولة التركية القائمة الآن؛ الخلافة العثمانية التي هزمت في الحرب العالمية الأولى ووزعت ولاياتها التي كانت تمتد من المحيط إلى الخليج، بين الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي. هذه الولايات العثمانية تحولت إلى (دول) (باستثناء مصر التي كانت ظروف التطور التاريخي يعطيها استثناء طالما تم التعامل معها على أنها تمتلك كل متطلبات الدولة في إطار الخلافة التي تصارعت معها في حربين ما بين 1829 إلى 1841، وكانت النتيجة في الحربين انتصارًا لمصر (محمد علي) وهزيمة للأستانة التي كان التحالف الأوروبي ينقذها دائمًا، والعراق الذي كان أول دولة تحصل على استقلالها من الاستعمار البريطاني. إن هذه (الدول) رسم الاستعمار حدودها الجغرافية بدقة، بحيث لا تمتلك أيًا منها أية إمكانية للتطور الذاتي، لكي يبقى قرارها السيادي والسياسي والاقتصادي؛ مرتبطًا بسياسات الاستعمار المباشر ومن بعده غير المباشر، أي النظم و(الدول) التي أعلن إنشائها واستقلالها ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، أما الجزائر واليمن كانتا استثناء، حيث انتزعت استقلالها عبر ثورة شعبية مشهودًا لها؛ أسست نظامًا سياسيًا وطنيًا في الجزائر، أما اليمن فقد عانى من تقسيم يحصد آثاره حتى الآن.

لقد وضع لهذه (الدول) نظم ما قبل إعلان الدولة واستقلالها الشكلي التي أخذت شرعيتها من المُستعمِر الذي شكل لها إطارًا يجمعها سمي باسم الجامعة العربية التي كانت إطارًا يجمع هذه النظم لدعم تشريع نفسها ولتأكيد الاعتراف المتبادل بالحدود الجغرافية التي رسمها الاستعمار لنظمهم الذي أراد تقويض إمكانية قيام وحدة أو تعاون خارج إطار وصايته، وخاصة وحدة اقتصادية بين مجتمعاتها التي كانت أصلًا موحدة تحت الحكم العثماني؛ المجتمعات بكل تلاوينها كانت ترى شعار الوحدة يحقق تكامل امكانياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت قائمة على مدار مئات السنين. إن هذه النظم التي أُسست لها دول؛ خاضت صراعها مع مجتمعاتها المحلية لتشريع نظمها القبلية والعشائرية والعائلية التي عقدت حلفًا مع كل من الاستعمار الفرنسي والبريطاني و(الإيطالي في  ليبيا ).

لقد ترافق إعلان استقلال هذه النظم مع إعلان قيام المُستعمِر الاحلالي في فلسطين بإعلان دولته اليهودية؛ من خارج سياق التطور التاريخي للتشكيلة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة وبنيتها الاجتماعية، هذه السمة العامة التي حكمت المنطقة التي كانت تعبر عن التناقض بين متطلبات المجتمعات الجمعية وبين النظم التي أقيمت على أساس قبلي وعشائري وعائلي المرتبطة بسياسة المصالح الاستعمارية.

وفي هذا السياق، يسجل أن شعار حق تقرير المصير لم يتحقق لمجتمعات المنطقة، بل فرض عليها مصيرًا استعماريًا أخذ أشكالًا وتعبيرات مختلفة؛ تبعًا لكل مجتمع، ولم تتحقق الوعود الغربية لإقامة دولة عربية مقابل دعم قبائلها للاستعمار (البريطاني- الفرنسي) في إنهاء حكم الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أو في وقوفها إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، بل استعاضت عن ذلك في إنشاء نظم لم تأخذ شرعية شعبية، بل جعلتها أداة تصادم مع تطلعات المجتمعات العربية في الوحدة التي تنامت فيها المشاعر القومية التي تعارضت مع مصالح نظم الحكم التي أنشأها الاستعمار. هذه النظم التي ازدادت أهمية استمرارها لضمان المصالح الاستعمارية، بعد اكتشاف النفط الذي رأت فيه الدول الرأسمالية الغربية حاجة ضرورية لاستمرار تنمية مجتمعاتها، هذه الحاجة أصبحت ضرورة استعمارية لبقاء هذه النظم العائلية العشائرية القبلية (الطائفية اللبنانية) مسيطرة على مجتمعات المنطقة وربطتها بمعاهدات واتفاقيات اقتصادية وسياسة عنوانها الحماية مقابل تقاسم الثروات الباطنية وتشريع الفكرة الصهيونية الاحلالية في فلسطين.

إن شعار حق تقرير المصير للشعوب الرازحة تحت الاحتلال أو الوصاية الاستعمارية، لم يجد له حيزًا في منطقتنا، بل خضع مصيرها ومستقبلها للمصلحة الاستعمارية الغربية التي كانت ترى أن أي فسحة ديمقراطية أو تحررية؛ ستشكل خطرًا على مصالحها لهذا دعمت استمرار حكم النظم التابعة التي حرص الاستعمار على تلبية شروط متطلبات استمرارها. هذا الواقع الذي تشكل بعد الحرب العالمية الاولى والثانية حكمه تناقض مركب بين الاستعمار وأدواته المحلية من نظم تابعة أبرزها الكيان الاستعماري الاحلالي في فلسطين والقوى الاجتماعية وقواها السياسية التي حكم حركتها مهمتين متشابكتين حملت شعارين رئيسيين التنمية (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والقانونية) والتحرر بشقيه الاجتماعي والتحرري الوطني من الاستعمار وهيمنته.

المرجعية المعرفية للقوى الاجتماعية وقواها حكمها ثلاث اتجاهات الديني والقومي واليساري، العنوان الاول الدين السياسي وخلفيته المعرفية وأدواته ووسائله.

 1- دور الدين السياسي المسيحي: لم تلعب الكنيسة المسيحية بكافة طوائفها دورًا سياسيًا، بل حرصت على أن يكون دورها رعوي تحت مظلة النظام السائد هذا المظهر العام لدور الكنيسة والاستثناء كان أن خرجت منها بعض الشخصيات الدينية التي تمردت على المرجعية الكنسية البابوية، ولعبت دورًا وطنيًا أثر على دور الكنسية في بلاد الشام. أما في مصر فقد لعبت الكنيسة القبطية دورًا هامًا في الوحدة الوطنية ودعم الاتجاه القومي الناصري، في حين قامت بعض الشخصيات الدينية المسيحية؛ دورًا سلبيًا في مواجهة الاستعمار الفرنسي، بل اعتبرته مخلصًا لها (المارونية السياسية).

وفي هذا الصدد، فإن الكثير من الشخصيات الوطنية والثقافية (المسيحية) لعبت دورًا محوريًا في تأسيس الاتجاهان القومي واليساري.

2- دور الدين السياسي الإسلامي:

 سقوط الخلافة العثمانية التي كانت تشكل المرجعية الدينية والسياسية للمجتمعات الإسلامية في المنطقة بكافة خلفياتها المذهبية والعرقية؛ نتج عنه فراغًا مرجعيًا سارعت القوى الاستعمارية إلى الدفع  لتعبئة هذا الفراغ، خاصة أن بعض قادة الانتفاضات التي حصلت لمواجهة الاستعمار البريطاني في العراق وفلسطين والفرنسي في سورية وشمال إفريقيا والإيطالي في ليبيا؛ قادها شخصيات دينية إسلامية وبخلفيات مذهبية وعرقية مختلفة؛ دفعت الاستعمار البريطاني للتفكير في دعم تأسيس حركات دينية سياسية لملء الفراغ الذي تركه خروج الخلافة ومرجعيتها التي كانت عاملًا مرجعيًا موحدًا لكافة المذاهب والتيارات الدينية الإسلامية.

اتجاهان رئيسيان حكما الدين السياسي الإسلامي هما الوهابية والإخوان المسلمون وتفريخاتهم:

 1- الإخوانية الوهابية التي ظهرت كمرجعية دينية لآل سعود الذين خاضوا معاركهم القبلية للسيطرة على الجزيرة العربية بمساندة الاستعمار البريطاني كان لا بد لهذا الصراع من تغطية أخلاقية مستندة إلى الدين الاسلامي السائد في الجزيرة العربية، هذه السيادة التي كانت مستندة الى التعاليم الإسلامية العامة من صلاة وزكاة وحج وجهاد استخدم كأداة في قتال القبائل العربية الأصيلة التي اعتبرت خارج المنظومة الدينية (الوهابية)؛ الإخوانية الوهابية التي عقدت اتفاقًا لتقاسم السلطة مع آل سعود، بحيث يهيمنوا على المرجعية الدينية، في حين السلطة السياسية ينفرد بها آل سعود، حيث قامت العلاقة بين تحالف الثنائية الدينية والسياسية (الوهابية السعودية) التي حظيت بدعم ورعاية خارجية؛ تصاعدت إلى حماية مطلقة للثنائية مع الاكتشافات النفطية التي كان السيطرة عليها ضرورة استعمارية.

الإخوانية الوهابية اعتبرت مرجعية دينية وحيدة لمجتمعًا مغلقًا؛ ساهمت في غلق الأبواب أمام أية امكانية لتطوير الفكر الإسلامي وأبقته في إطار معرفي سطحي يعتمد على تفسيرات رجال الدين الوهابيين الذين وظفوا المقولات الدينية خدمة للسلطة السياسية، هذا الاتجاه (الإخوانية الوهابية) وجد دعمًا خارجيًا استعماريًا؛ استثمره في مواجهة القوى الوطنية التحررية محليًا وإقليميًا ودوليًا.

الإخوانية الوهابية حرصت على إبقاء المجتمع في الجزيرة العربية (الذي كان يعاني من تفشي الأمية)؛ أسير توجهاتها الفكرية المغلقة واعتمدت المعايير الإسلامية السلفية التي ترفض أي عملية تطوير للفكر الإسلامي، بما يتوافق مع تطورات العصر هذا السلوك انعكس في غياب تام للحركة الثقافية العامة؛ إن كانت أدبية أو فنية أو ثقافية ومنع مشاركة المرأة في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والإدارية ووظفت الامكانيات المالية لنشر الفكر الوهابي خارج حدود شبه الجزيرة العربية.

كل هذه السياسات والسلوكيات كانت دائمًا تلقى دعمًا وتشجيعًا؛ من قبل القوى الاستعمارية التي كانت ترى في استمرار حالة التخلف والجهل المعرفي لمجتمعات شبه الجزيرة فرصة لاستمرار استغلال ونهب لثروات مجتمعاتها. ومع التقدم الحضاري الإنساني وازدياد الحريات السياسية والاجتماعية في الدول الغربية أصبحت الدول الاستعمارية تحت ضغط مجتمعاتها تطالب النظم العائلية القبلية لإحداث بعض التغييرات الشكلية في مجتمعاتها لكي تتوافق من حيث الشكل مع التطور العصري، هذه التغييرات لم تمس جوهر المرجعية المعرفية المستندة للفكر الديني للوهابية.

إن أية تغييرات لا تطلق عنان الديمقراطية؛ عبر سيادة حرية الرأي والمشاركة واحقاق العدالة المجتمعية هي تغيّرات شكلية يراد منها تحسين شروط استمرار النظم العائلية المستندة إلى القبلية والعشائرية والطائفية بأشكالها المذهبية. الكويت كانت استثناء، حيث حظيت بحياة برلمانية أعطاها دورًا سياسيًا مميزًا ليس على مستوى الخليج، بل على المستوى العربي انعكس في مواقفه الوطنية من القضايا العربية.