لم تقدم جماعة الاخوان المسلمين أية رؤية سياسية برنامجية؛ تطرح فيها مواقفها؛ إن كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ولم توضح الجماعة طرقها من أجل تحويل فكر الجماعة ورؤية إمامها حسن البنا وقائدها سيد قطب للوصول إلى الحكم الإسلامي، إلا ما يفهم من شعارهم أن القرآن وسنة الرسول وحد السيف هما المعيار والسلوك، وإذا ما اعتمد ولي الأمر معيارهم للدين الإسلامي؛ فإنهم خلفه وفق هذا المعيار الذي يفهموه على أنه مشاركتهم في البنية السياسية والبيروقراطية للنظام وإعطائهم المرجعية الدينية.
اعتمدت الجماعة في حركتها وفعلها السياسي على الناظم الفكري الذي طرحه إمامهم حسن البنا وقائدهم سيد قطب اللذان يعتبران أن كل ما هو خارج فكرهم؛ إما كافرًا أو مرتدًا أو مضللًا، وفي هذا السياق؛ فقد وظفوا الإرث الإسلامي الذي امتد لمئات السنين إلى رصيدهم، واعتبروا أنفسهم هم القاضي الذي ينفذ حكم الله على الأرض.
اعتماد المعيار الفكري الديني في السلوك السياسي للجماعة؛ نقل الدين من وظيفته الأخلاقية الرعوية، إلى وظيفة سياسية؛ تحكمها المصالح المادية النفعية التي تحولت لأداة سياسية، تستخدم في مواجهة القوى الاجتماعية الأخرى التي تسعى إلى العدالة الإنسانية؛ من حرية ومساواة ومشاركة، بعيدًا عن اللون أو المعتقد أو الدين أو الجنس.
هذا السلوك السياسي الذي معياره الموقف من تطبيق المفاهيم الإخوانية للإسلام؛ أدخل الجماعة موضوعيًا في تحالف وصراع مع الحركات السياسية وبعض النظم السياسية في المنطقة؛ التحالف مع النظم الملكية والرأسمالية (الإمبريالية) التي تتلاءم بنيتها الفكرية مع فكر الجماعة، ومنها من اتخذ من الجماعة أداة لتشريع ولايته ومجابهته مع القوى الوطنية التحررية والصراع مع القوى والنظم العقائدية القومية والاشتراكية التي كانت تفصل ما بين الدين والسياسة الدنيوية.
انتهاء الحرب العالمية الثانية والانتصار الذي حُقِقَ على النازية الذي لعب الاتحاد السوفييتي دورًا حاسمًا فيه؛ أدى إلى نشوء النظم الاشتراكية التي اعتمدت الفكر الاشتراكي العلمي الذي أسس لشكل جديد للصراع العالمي بين القوى الاشتراكية التحررية التي دعمت القوى الوطنية التحررية العالمية، وبين القوى الاستعمارية الرأسمالية بما فيها (الاحتلال الاحلالي الإسرائيلي) التي دعمت القوى والنظم الرجعية الديكتاتورية التي كانت تعتمد الدين كوسيلة لتبرير حكمها وسيطرتها على مجتمعاتها ومنها نظم سايكس – بيكو.
جماعة الإخوان المسلمون؛ بحكم بنيتها المعرفية وجدت نفسها موضوعيًا في الجبهة المعادية للمنظومة الاشتراكية وحلفائها وحركات التحرر الوطني المعادية للاستعمار، ووظف دورها المركب والمزدوج في استثمار البعد الديني لشعوب المنطقة؛ من أجل التحريض على القوى الوطنية التحررية بإعطاء أولوية لشعار استعادة الحكم الإسلامي من جهة، ومن جهة أخرى استثمروا في فقر المجتمعات الإسلامية؛ تحت شعار الإسلام هو الحل، لمحاربة الكفر والترويج لقدر الفقراء المكتوب وتفريغ غضبهم اتجاه مُستَغِليهم بشعار أن لهم الآخرة والكفار لهم الدنيا، ووظفوهم في معاركهم بالوكالة عن القوى الاستعمارية الرأسمالية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. وعلى أساس دورهم ضد الكفر بنيت تحالفاتهم السياسية ووظف دورهم السياسي المجتمعي لمواجهة نفوذ القوى الوطنية التحررية واصطفوا في تحالف مع النظم الرجعية في مواجهة الحركات الوطنية التحررية، وصارعوا النظم التي أعلنت موقفًا وطنيًا تحرريًا ضد الهيمنة الأمريكية وحلفائها الإقليميين والدوليين ودعموا حروب التنظيمات (الجهادية) في أفغانستان وروجوا للانضمام لهم تحت شعار أولوية محاربة الكفار؛ في زمن كانت الثورة الفلسطينية، تخوض أشرس معاركها مع الاحتلال الاحلالي في فلسطين.
لقد صارعوا النظم الوطنية في مصر والجزائر وسوريا والعراق واليمن الجنوبي وليبيا، حتى إنهم تخلوا عن إخوانهم في حركة فتح ونفوا صفة (المجاهدين) عنهم، وكفروا من هم خارج إطار حركة فتح، ودخلوا في صراع مع الكفار (الجبهة الشعبية والشيوعيون) في بداية السبعينيات، خاصة في قطاع غزة، عندما كانت الجبهة الشعبية هي القوة الحاسمة في القطاع، وواجهوا الشيوعيين الفلسطينيين، وهاجموا مقر الهلال الأحمر واعتدوا على الدكتور حيدر عبد الشافي أوائل ثمانينيات القرن المنصرم، في وقت كان شارون حاكمًا عسكريا لغزة؛ شارون الذي غذا الصراع ببعده الديني لتوظيفه ضد الجبهة الشعبية والشيوعيين لتقويض الحاضنة الوطنية الشعبية لتحويلها لحاضنة دينية؛ كون الاحتلال الاحلالي يعي جيدًا أن معركته مع القوى الوطنية التقدمية هي معركة على المدى الاستراتيجي خاسرة، ومعركته على أساس ديني هي معركة رابحة، هذه الاستراتيجية التي بنى سياساته الميدانية على أساسها.
إن سلوك الإخوان في مواجهة القوى الوطنية التقدمية التحررية؛ ينبع من رؤيتهم لأولوية الصراع مع الكفار، وليس مع الاحتلال والاستغلال الرأسمالي، وبذلك تموضعوا عن وعي وقناعة فكرية في الجبهة المعادية لحركة التحرر العربية والعالمية.
دوليًا: اصطفوا في الخانة الأمريكية في محاربة النظام القومي الناصري وهادنوا نظام أنور السادات الذي وصف بالرئيس المؤمن الذي أخرج معتقليهم من السجون وأعطى لهم حرية الحركة؛ ضمن ضوابط اتفق معهم عليها في صيف عام 1971، في استراحة الرئاسة بجناكليس في الإسكندرية (حسب ما ورد في مقال قصة السادات مع الإخوان في صحيفة اليوم السابع) وانقلبوا عليه وغطوا اغتياله. وحاربوا النظام الوطني في سوريا وحرضوا عليه مذهبيًا ومارسوا عمليات عسكرية ضد الجيش العربي السوري (جريمة مدرسة كتيبة المدفعية في حلب) في حزيران 1979، وعادوا وأعلنوا الجهاد ضد النظام الوطني في سورية، وكانوا غطاء دينيًا لممارسات التنظيمات التكفيرية السورية في ما شهدته من أحداث مأساوية منذ عام 2011.
مارس الإخوان المسلمون وبشكل علني موقفًا جهاديًا معلنًا ضد الدولة السورية بكل مقوماتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وكشفوا الداخل السوري للخارج، وخاصة للعدو الإسرائيلي الذي استثمر في تفريخاتهم من أجل تقويض الدولة السورية وتحويلها لدويلات؛ بهدف إنهاء الصيغة القانونية للدولة السورية التي جابهته في حروب ال1967 و1973 وما نتج عنها من احتلال للجولان الذي أعلنت عن ضمه. كما شرعوا التدخل التركي في الشمال السوري، بل شاركوا فيه في ممارسة علنية وعملية لأولوية الديني على الوطني؛ بهدف تفتيت الدولة السورية. تفتيت الدولة السورية وإنهائها يعطي إسرائيل مبررات إنهاء الوضع القانوني للجولان، باعتبار أن الصفة القانونية للدولة التي حاربتها قد انتهت، وهنالك أوضاع جديدة؛ تمخضت عن الصراع السوري -السوري، يعطيها حق ضم الجولان المحتل ويسقط كبند عن جدول أعمال مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة؛ تحت عنوان الصراع في الشرق الأوسط، بما يخص الملف السوري؛ تحت ذريعة انتهاء مبرراته بتدمير الصيغة والشخصية القانونية للدولة السورية التي حاربتها واحتلت اراضيها والقرارات الدولية التي تخصها؛ سقطت بسقوط وغياب الطرف الذي يشمله القرار ويجب التعاطي مع الأوضاع الجديدة التي ستترتب على تفتيت الدولة السورية، وسيكون الجولان الثمن والهدية المقدمة للاحتلال لدعمه القوى الإخوانية وتفريخاتهم التكفيرية، هذا الهدف الإسرائيلي البعيد الذي جعلها تستثمر في حرب الإخوان المسلمين السوريين وتفريخاتهم الذين لاقوا دعمًا من إخوانهم المصريين والأردنيين والتونسيين والمغاربة والأتراك.
عندما تسلم مرسي الرئاسة في مصر؛ دعا لمؤتمر لعلماء الإخوان المسلمين الدوليين في استاد القاهرة، وفي مقدمتهم القرضاوي والعريفي وأعلن من على منصته الجهاد في سوريا، في إعلان واضح لموقف الإخوان الذي يصطف في ذات الخندق مع الجهود الأمريكية – الأوروبية – الإسرائيلية لإسقاط الدولة السورية؛ من أجل إعادة رسم خريطة المنطقة على قاعدة الإمارات الإسلامية التي ستعطي مبررًا دينيًا ليهودية الدولة الصهيونية؛ الإخوان كانت لهم فرصة لترجمة مواقفهم المعارضة للتطبيع واتفاقية كامب ديفيد، برفضها والتحلل من نتائجها، لكنهم لم يفعلوا، بل قدموا رسائل لإسرائيل والإدارة الامريكية؛ تؤكد التزامهم بالمعاهدات المبرمة ومنها اتفاقية كامب ديفيد، وبهذا سقطوا بالامتحان الوطني المتعلق بمواقفهم وهم خارج السلطة، وجاء موقف حكومة إخوان المغرب؛ بقرار تطبيعها ليوضح موقف الإخوان المسلمين إذا ما استلموا السلطة، وليؤكد أن مواقفهم وهم خارج السلطة هي للاستهلاك السياسي وليمتص ويحرف بوصلة النضال الوطني التحرري.
أما موقف إخوان الأردن، فقد انكشف سياسيًا؛ من خلال دعمهم السياسي والديني الذي عبر عنه بالمظاهرات التي خرجت في شوارع عمان والاعتصامات الرمضانية أمام السفارة السورية؛ تاييدًا وطلبًا لشعار إسقاط النظام السوري والدولة السورية؛ الدولة السورية وجيشها الذي وضع امكانياته العسكرية والسياسية لخدمة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وقدم لحركة حماس فرع الإخوان (الفلسطيني) التسهيلات شبه المطلقة على أراضي الدولة السورية؛ إن كانت من خلال تدريبهم وتقديم الدعم اللامحدود لحماس في سوريا ولبنان وغزة وفتح أبواب طهران لهم على مصراعيها لإعطائهم أولوية الدعم السياسي والعسكري والمادي. كل هذا الدعم انقلبت عليه الاتجاهات الأكثر يمينية ورجعية في حركة حماس، وأعطت أولوية لموقف الدوحة التي عملت بالتنسيق مع الرياض للدفع من أجل تقويض أسس الدولة السورية وتفكيك جيشها، هذا اعتراف جاء على لسان أداة هندسة الحرب على سورية الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء ووزير خارجية قطر (مقابلة الشيخ حمد مع التلفزيون القطري في 27 تشرين اول 2017).
قطر التي اعتُمِدَت مركزًا مرجعيًا للإخوان المسلمين وحركة حماس، بعد أن تخلت عنهم العاصمة الأردنية عمان التي كانت قد باركت نشأتهم؛ بقرار من رحم حركة الإخوان المسلمين في الأردن وبلاد الشام، حسب تصريح الدكتور رحيل الغرايبة الرئيس السابق للمكتب السياسي للإخوان في الأردن في مقابلته معBBC في (برنامج المشهد في يونيو 2019). فلقد رَحَلَت عمان قادتهم إلى قطر التي أوجدت لهم موقعًا في خطط الإدارة الديمقراطية الأمريكية لتقويض وفكفكة النظم المعادية لخططها والضغط من أجل إعادة تركيب أو إنتاج النظم الحليفة أو الصديقة، بعد أن اعتمدت قطر؛ من قبل إدارة بيل كلينتون كوكيل حصري للإخوان المسلمين وتفريخاتهم.
أما في الجزائر، فقد خاضت تفريخات الإخوان (الجماعات التكفيرية) حربٌ ضروس ضد الدولة الجزائرية وجيشها في التسعينيات؛ سميت بالحرب العشرية السوداء، في محاولة لتقويض النظام الوطني التحرري للجمهورية الجزائرية، مستفيدين من الممارسات الخاطئة لبعض اتجاهات النظام في المجال الاقتصادي وقرارهم بإلغاء نتائج الجولة الأولى للانتخابات في عام 1991 الذي انعكس سلبًا على الوضع السياسي والاقتصادي والمعيشي للجزائريين، حيث سادت البطالة بين الشباب الذي استُغِلَ ووظِفَ غضبه باتجاه محاربة الدولة ومؤسساتها والمجتمع المدني؛ عبر عمليات الاغتيال للمدرسين والموظفين والفنانين والأكاديميين وأفراد الشرطة والجيش وأبناء القرى بدعوى أنهم داعمين للنظام.
وفي ليبيا كانوا أداة لتنفيذ الخطة السعودية القطرية الإماراتية؛ بدعم فرنسي وغطاء أمريكي لتقويض وإسقاط النظام الليبي الذي نتج عن إسقاطه حالة من الفوضى وتغييبًا متعمدًا للمرجعية القانونية للدولة التي كان يراد من تغييبها؛ نهب ثرواتها وأرصدتها واستثماراتها الخارجية الموزعة في الدول الغربية.
أما عن دورهم في العراق، فكانوا جزء من التحالف الأمريكي لإسقاط الدولة العراقية، وكانوا جزءًا من تشكيلة بريمر الحاكم الأمريكي ما بعد احتلال العراق، وعين أحد قادتهم نائبًا للرئيس العراقي (طارق الهاشمي).
اما في اليمن، فكانوا دائمًا أداة للنظام السعودي؛ من أجل دعم النظام القبلي لمحاربة اليمن الجنوبي سابقًا، واستمر الدور التحالفي مع النظام السعودي لمجابهة القوى المناهضة للهيمنة السعودية الأمريكية.
أما علاقتهم مع النظم الخليجية، فكانت تقوم على أساس التحالف، ما داموا خارج السلطة السياسية، ومتعارضة إذا وصلوا للسلطة (تجربة مرسي)، والمظهر العام؛ كان الاستثمار في دورهم وتوظيفه سياسيًا ومذهبيًا لمصلحة سياسة النظم الخليجية، في صراعها مع النظم القومية والوطنية وصراعها المذهبي مع المذاهب الإسلامية الأخرى.
أما في الأردن، فقد كانوا وما زالوا جزء من منظومة النظام منذ بداياته وخاضوا معاركه السياسية، ضد القوى الوطنية في الخمسينيات، ومارسوا دورًا في إعطاء مشروعية دينية لممارسات النظام في ظل الأحكام العرفية، وما بعد الإصلاحات الديمقراطية تغير دورهم ووظفوه في إطار جبهوي سياسي؛ دخلوا من خلاله الحياة النقابية والسياسية، ولكنهم حافظوا على موقعهم التحالفي في الإطار الذي رسم لهم ووظفوا دورهم السياسي خارجيًا، في دعم القوى التكفيرية التي حاولت إسقاط الدولة السورية، واعتبروا أن مهمة إسقاط الدولة السورية أولوية على مجابهة الاحتلال الاحلالي في فلسطين. وبحكم التركيبة البنيوية التنظيمية التي عكست تركيبة بنية المجتمع الأردني، فقد ظهرت تعارضات وظفها النظام في تفتيت جبهتهم وترويض من حاول الخروج عن الإطار (محاولة الترويج من قبل بعضهم للانقضاض على النظام بالتحالف مع بعض الاتجاهات البيروقراطية بعد نجاحهم في مصر وتونس) الذي حدد لهم في خريطة العمل السياسي، حيث كان دورهم دائمًا يقوم على أساس تقويض أية إمكانية لعمل جماعي جدي لمناهضة الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الاحلالي في فلسطين، وحصر الشعار في معارضة التطبيع الشعبي الذي أخذ بالتآكل تدريجيًا، وغيب نهائيًا في النقابات المهنية التي سيطروا عليها؛ بدعم واضح من بعض اتجاهات بيروقراطية فاعلة في النظام. فلقد أفرغوا النقابات الأردنية من محتواها الديمقراطي وألحقوها بمنظومة الدولة البيروقراطية، في عملية ممنهجة؛ قاموا بها لتحويل النقابات المهنية لإطار بيروقراطي في إطار منظومة النظام لتطويع الوعي المجتمعي وإعطاء أولوية للديني على الوطني.
أما في المغرب، فقد كان الإخوان المسلمون جزء من المنظومة الملكية الحاكمة وأعطوه الغطاء الديني في كل ممارساته القمعية السياسية والاجتماعية والقانونية، وكانوا الأكثر تعبيرًا عن جوهر موقف الإخوان من الاحتلال الاحلالي في فلسطين، حيث باركوا وشاركوا الخطوات التطبيعية؛ من خلال مشاركة حزبهم؛ حزب العدالة والتنمية، في حكومة قرار التطبيع مع الاحتلال الاحلالي الإسرائيلي، في خطوة؛ تشكل انكشافًا للدور السياسي الإخواني وشكل إحراجًا لفروع الإخوان المسلمين الأخرى، وخاصة حركة حماس.
أما في تونس، فكان دور النهضة واضحًا، في تعطيل إمكانية أخذ موقف في البرلمان التونسي؛ يجرم التطبيع مع المحتل الاحلالي الإسرائيلي، وشكل غطاء لبعض الاتجاهات المطبعة، وتغطية سياسية ودينية لتشجيع الشباب التونسي في الانخراط بالحرب على سورية، وكانت تونس في عهدهم مكانًا لعقد المؤتمرات الدولية للتآمر على الدولة السورية.
أما في فلسطين، فقد جاء تأسيس حركة حماس؛ بقرار من جماعة الإخوان في الأردن وبلاد الشام، وتحت أعين النظام في الأردن، في فترة صعود انتفاضة النضال الوطني التحرري في الضفة والقطاع التي حققت اختراقًا مهمًا في الرأي العام العالمي، وحصلت نتيجتها القضية الفلسطينية على دعم سياسي وشعبي عابر للقارات والشعوب بكافة عقائدها السياسية والدينية والقومية. انطلاقة حماس من خارج منظمة التحرير الفلسطينية؛ بشعارات أعطت بعدًا دينيًا للصراع مع الاحتلال الاحلالي؛ شكل انعطافًا للنضال من الوطني إلى الديني. فلقد حماس حصلت على دعم خليجي لافت، حيث أسقطت الجوهر الوطني التحرري للقضية الفلسطينية، وقدمت الديني على الوطني، مما أخرج وحَيّدَ الكثير من القوى الاجتماعية الداعمة للقضية الفلسطينية؛ إن كانت فلسطينيه أو عربية أو عالميه، وعممت أجواء خصبة للتحريض الصهيوني على الشعب الفلسطيني وقضيته، تحت عنوان الصراع الديني بين اليهودية والمسيحية والإسلام، هذا الذي وجد تعاطفًا من قبل الاتجاهات المسيحية الصهيونية الجديدة الناشئة التي بنت مواقفها على أساس اولوية التحالف مع اليهودية ضد الإسلام، وكانت إدارة ترامب التعبير الأبرز عن هذا الاتجاه، وما نتج منها من سياسات عدائية للشعب الفلسطيني، وتشريع الأحقية الدينية اليهودية للقدس وفلسطين.
حركة حماس اختصرت الصراع الفلسطيني على الأماكن المقدسة، واعتبرت أن معركة الأقصى لها أولوية على معركة التحرر الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال الاحلالي، وهذا ترك الباب مفتوحًا لتسوية قائمة على أساس الأحقية الدينية للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس خصوصًا؛ فهذا الفخ السياسي نصبه الاحتلال لتشريع الاعتراف الديني بيهوديته الدينية، بعد أن أخذ المشروعية السياسية من الاتجاه الأكثر يمينية في منظمة التحرير الفلسطينية، هذا الاتجاه اليميني العابر للتنظيمات؛ فتح الأبواب مشرعة للاعتراف الرسمي العربي بشرعيته السياسية؛ الشرعية المتبقية الذي يسعى الاحتلال الاحلالي الإسرائيلي في فلسطين الحصول عليها، هي الشرعية الدينية التي تتطلب قوة دينية فلسطينية بغطاء ديني عربي، لتقوم بعقد التسوية الدينية، وفي هذا الإطار، يجب أن تفسر كل الضغوط التي يراد منها تطويع الاتجاهات التي تطورت مواقفها وأعطت بعدًا وطنيًا للصراع؛ داخل حركة حماس، بفعل الانخراط المباشر في مواجهة الاحتلال، وما نتج عنها من تغييرات في بعض المفاهيم السياسية التي بدأت تغلب الوطني على الديني، في إطار المواجهة الشاملة مع الاحتلال الاحلالي، بتأثير التفاعل بين القوى الفلسطينية، وأبرزها الجهاد الاسلامي التي تعطي أولوية للوطني في الإطار الديني؛ بهذا الصدد يجب التذكير بأن المعايير التي خضعت لها حركة فتح منذ نشأتها، حيث كان أكثرية قادتها، قد جاءوا من رحم الإخوان المسلمين، وأن التغيّرات التي طرأت عليهم وعلى الحركة؛ كانت نتيجة انخراط قوى اجتماعية تحمل هوية معرفية قومية ويسارية، في بنية حركة فتح؛ أدت إلى تغييرات في البنية السياسية والمعرفية للحركة، وأبعدها عن الإخوان المسلمين وجوهر فكرهم الديني والسياسي، ولكن لم يقطع الصلة بهم.
إن التطور والتفاعل داخل حركة حماس يحكمها الآن ذات المعايير التي حكمت تطور حركة فتح، وبالنتيجة فإن النتائج السياسية التي ستصل لها الحركة ذاتها التي وصلت لها حركة فتح؛ إذا ما تغلبت الاتجاهات الأكثر يمينية والمدعومة خليجيًا، وبالتحديد قطريًا، مع الاحتفاظ بالإطار الديني الذي يراد توظيفه للوصول إلى التسوية الدينية؛ فتحويل الصراع الوطني إلى صراع ديني بالجوهر؛ يخدم الفكرة الدينية الصهيونية التي تستخدم الدين وإرثه؛ منطلقًا مرجعيًا يشرع احتلالها الاحلالي في فلسطين ويلغي الحقوق الوطنية التاريخية للشعب الفلسطيني وينقل الصراع من بعده الحقوقي الوطني إلى البعد الديني الذي يستثمره الصهاينة ويروجوا له على أساس الأولوية الزمانية والمكانية لليهودية ويعتمدوا الروايات التوراتية، كأساس مرجعي في حقهم لتشريع احتلالهم الاحلالي وجرائمهم وحقهم في مصادرة الأراضي والقتل والاعتقال والاغتيال الميداني للأطفال والشابات والشباب الفلسطيني. وفي السياق ذاته، فإن موقف الحركة الإسلامية داخل ما يصطلح على تسميته بالخط الأخضر حَرَفَ النضال الوطني التحرري الفلسطيني؛ عندما حصروا معاركهم في حدود معركة الأقصى، وعندما شَرَعَ بعض قادتها الحرب على سورية، في موقف يتلاقى مع سياسة الاحتلال الاحلالي في دعمه للقوى التكفيرية والإخوانية في سورية، بالإضافة إلى إعطاء أولوية للصراع مع القوى التقدمية الفلسطينية التي واجهت الاحتلال بامكانياتها المحدودة منذ 1948 على الصراع مع الأحزاب الصهيونية.
إن الصراع الديني هو أسوأ الصراعات الإنسانية، حيث يصادر ويخطف الحق الإلهي في الحساب والثواب؛ من قبل مجموعة سياسية إنسانية؛ تشرع سلوكها على أساس أنها ممثلة الله على الأرض وتحكم بسيفه وتستخدم عدالته للترويج لمصالح فئة سياسية.
في نهاية النهار؛ تحسب القوى الدينية وأبرزها الإخوانية؛ مكاسبها المادية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية، بناء على توزيع المصالح النفعية الدنيوية على قادتها والمتنفذين فيها وحواضنهم التي تصبغها بصبغة دينية ومشروعية Yلهية.

