ما يجري في الضفة الغربية بما في ذلك القدس ، هذه الأيام يقدم على نحو واضح ملامح المشهد السياسي بين استراتيجيتين وسياستين متصادمتين، إن لم يكن اليوم على نحو حاسم فإن الأمور تتجه نحو ذلك.
التصعيد الإسرائيلي على الأرض، يستجيب عملياً للرسالة التي قدمها بنيامين نتنياهو خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي تعامل خلاله باستهتار واضح مع ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واستغرق القسم الأكبر من خطابه في الحديث عن الخطر الإيراني.
نتنياهو يدير ظهره لعملية السلام، وللحقوق الفلسطينية، ويدير ظهره للمجتمع الدولي، وهو مطمئن إلى توفر الحماية الامريكية الكاملة، التي عبر عنها الرئيس باراك أوباما، في خطابه أمام الأمم المتحدة، وتجاهل فيه كلياً القضية الفلسطينية، وكان الأجدر به أن يعلن أمام العالم فشل جهود بلاده بسبب انحيازها الكامل للسياسة والمصالح الإسرائيلية.
إذاً ثمة اصطفاف لدى مراكز الفعل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إسرائيل مدعومة كلياً من قبل الولايات المتحدة، فيما أوروبا الموحدة تقف على مسافة بين الطرفين هي اقرب إلى إسرائيل ، ولذلك فإن فعلها يتسم بالتردد، وعلى الجانب الآخر يقف الفلسطينيون، بدون قرار حاسم، يحدد تحالفاتهم على المستوى الدولي، بالرغم من توفر الخيارات ونقصد الدور الروسي والدور الصيني.
على الجانب الإسرائيلي تتحرك كل عناصر الفعل العدواني بقدرٍ عالٍ من الانسجام والتكامل في تنفيذ المخططات التي تعكس الأطماع الصهيونية، فالمستوطنون يصعدون اعتداءاتهم في الضفة ضد الفلسطينيين والمتطرفون اليهود في القدس، وكل ذلك بحماية ومشاركة فاعلة من الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية.
على الصعيد الفلسطيني ثمة انقسام وفوضى، وأدوات مهترئة ضعيفة تحولت إلى عبء على الشعب في غياب استراتيجية وطنية موحدة أو حتى الحد الأدنى من الوضوح لدى القيادة الفلسطينية إزاء الخيارات والسيناريوهات القادمة وكيفية مواجهتها، وماهية البدائل التي يمكن اللجوء اليها لخوض الصراع المفتوح الذي تتجه نحوه الأوضاع، حتى ولو بعد حين.
يختلف الفلسطينيون حول السياسة، وحول التمثيل، وحول أشكال خوض الصراع، إلى الدرجة التي تعمق أزمة الثقة بين الطرفين الرئيسيين في الحركة الوطنية وهما فتح وحماس وإلى الحد يلقي بعلامة استفهام كبيرة حول إمكانية اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، شاملة تتوفر لها كل الظروف المناسبة ما عدا العامل الذاتي.
الوضع الحالي يقف عند حدود إرهاصات، تؤشر إلى مرحلة قادمة يطغى خلالها الصراع والاشتباك المفتوح، ولكن اذا كان فشل عملية السلام، قد وفر عامل الجرأة في التأثير نحو مواقف جذرية فهل تتوفر الجرأة لخوض معركة إعادة توحيد المؤسسة الفلسطينية وسلطة القرار والبرنامج؟
سيظل كل شيء محكوما بالشك إلى أن تعطي القيادات السياسية الفلسطينية الأولوية المطلقة لإعادة بناء وتقوية العامل الذاتي.

