Menu

قراءة في تجربة حركة القوميون العرب والتجربة الناصرية

فلسطين بين سايكس – بيكو وصفقة القرن ج18

حاتم استانبولي

انطبعت هاتان التجربتان بدور محوري لكل من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والدكتور جورج حبش ؛ شخصيتان لعبتا دورًا مهمًا في إطار الحركة الناصرية وحركة القوميين العرب وعلاقتهما وتاثيرهما المتبادل في مراحل صعود الحركة القومية أو تراجعها والمتغيرات التي اتسمت بها كل من الحركة القوميون العرب والناصرية؛ الظاهرتان حملتا قواسم مشتركة أسهمتا في تلاقي أهداف كل منها.

من حيث المنشأ التاريخي فقد ظهرتا في ذات المرحلة التاريخية، حيث لعب التآمر الذي أدى إلى جريمة النكبة الفلسطينية دورًا حاسمًا في موقف وسلوك كل منهما، ولكن في مكانين وموقعين مختلفين لعب المكان والموقع دورًا رئيسيًا في لقاءهما لاحقًا في إطار الحركة القومية العربية، حيث أصبحت حركة القوميين العرب ذراعًا للناصرية في المجتمعات العربية لمجابهة الاتجاهات التي تعارضت وتصارعت مع الناصرية وحركة القوميين العرب، ولكن موقع جمال عبد الناصر في السلطة وما تتطلبه من مواقف ودور أوسع من الحركة اعطى الناصرية، وما شكلته سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا من انجازات انعكست على البنية الاجتماعية المصرية في إعادة اصطفاف القوى وتوزيعها لمصلحة تحالف الفلاحين مع برجوازية الدولة الوطنية الذي جاء نتيجية لاجراءات التأميم للشركات الخاصة التي كان يلعب رأس المال الخارجي؛ دورًا رئيسيًا فيها مما استدعى العدوان الثلاثي المباشر على مصر، هذا العدوان وإذا ما أضفنا له قرار بناء السد العالي شكلا عملان حاسمان لإعادة تموضع مصر في خريطة الصراع الإقليمي والدولي، وبدأت مرحلة جديدة تأخذ مصر فيها ملامح رئيسها عبد الناصر وتعززت الناصرية بعد قرار القيادة المصرية بشان اعادة توزيع الاراضي ورفع يد الإقطاع وتحويل ملكية الأراضي للفلاحين.

العامل المشترك الأهم أن الظاهرتين رفضتا الحزبية كشكل لتنظيم القوى الاجتماعية وأبقت نواة حركة الضباط الأحرار في مصر؛ صاحبة القرار وقيادة حركة القوميين العرب صاحبة القرار في الحركة؛ كلاهما غيب الجانب الديمقراطي الشعبي الذي هو ضمانة لتطور الظاهرة وأبقاها في إطار الرغبوية الفردية بشكل متفاوت لكل منهما الرغبوية التي تصادمت مع حركة الواقع في إطار المتغيرات لتراكم المصالح داخل إطار القوى المتصارعة داخل كلا الظاهرتين.

في الجانب الأيديولوجي لم يحدد أي من الزعيمين نهجًا أيديولوجيًا ليكون منهجًا ناظمًا للظاهرة في إطار حركتها، وبذلك أصبحت الأحداث والتعاطي بردات الفعل اليومي معها هو المحرك لمواقف كل منهما؛ غياب الناظم الأيديولوجي والمعيار السياسي كان سببًا في تراكم الأخطاء التي أدت إلى الأزمة البنيوية التي حكمت الظاهرتين وأدت إلى التعاطي بردات فعل تجريبية عندما أدركت الناصرية أن تحقيق شعار الوحدة العربية هو من التعقيد الذي يرتبط ليس فقط بالشعور القومي وإنما له أبعاد اقتصادية بنيوية اجتماعية، كان هذا الاستنتاج قد جاء بعد أن فشلت الوحدة المصرية السورية التي لم تكن تملك شروط ومتطلبات النجاح.

أما حرب اليمن وهزيمة حزيران، فقد كان وقعهما ثقيلًا على الناصرية وحركة القوميين العرب وأدت إلى حالة من الجفاء وردات الفعل التي انعكست على بنية الحركة أدت إلى تراجعها وأدركت أن تغييب خصوصية النضال الوطني الفلسطيني كان خطأ سياسيًا وتنظيميًا، هذه الهزيمة أدت إلى قرار تحويل الفرع الفلسطيني للحركة إلى الجبهة الشعبية التي كان تأسيسها من مجموعة من الفصائل والقوى والشخصيات في فترة أعلن فيها عن انطلاقة حركة فتح التي كانت الخلفية المعرفية لنواتها منحدرة من جماعة الإخوان المسلمين، وفي سياق انطلاقة الثورة الفلسطينية انضم إليها العديد من التنظيمات والشخصيات الفلسطينية والعربية، مما جعل نواتها تتأثر بهذا الضخ البشري الذي يحمل تعدد ثقافي ومعرفي (حركة الأنصار للشيوعيين والبعثيين) أثر على بنية الحركة واتساعها وساهم بذلك إعلان الجبهة الشعبية التزامها بالماركسية، مما أدى إلى انضمام حواضن وشخصيات قومية إلى حركة فتح، هذه التغيرات أدت إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة التي سأتناولها في القسم الثاني من هذا الجزء.

حركة القوميون العرب:  
 أسست من نواة طلابية كانت تدرس في الجامعة الأمريكية وتأثرت بفكر كل من قسطنطين زريق وساطع الحصري؛ الأول كتب عن النكبة والثاني عن القومية العربية (من حديث الدكتور جورج حبش في كتاب صفحات من مسيرتي ص 10 و11).

قومية ساطع الحصري:

كل المؤرخون أجمعوا (أبرزهم خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 3، ط 15 بيروت: دار العلم للملايين، 2002، ص 70 ) على أن ساطع الحصري كان عضوًا نشطًا في تركيا الفتاة، ومن ثم في الاتحاد والترقي التي نادت بالتتريك والقومية الطورانية إلا أنه بعد هزيمة الدولة العثمانية؛ انتقل إلى سورية ليناصر حكم الملك فيصل الذي عين ملكًا عليها.

الملك فيصل الذي واجه معارضة فرنسية، مما استدعى الغزو العسكري وهزيمة الجيش السوري في معركة ميسلون، بعد أن فشل ساطع الحصري الذي أرسله الملك فيصل للتسوية مع الجنرال الفرنسي غورو الذي أبلغه أن تعيين الملك فيصل ملكًا على سورية يخالف اتفاقيات سايكس – بيكو؛ ساطع الحصري اعتبر أن القومية العربية ولدت مع الثورة العربية الكبرى في خلاف واضح مع ميشيل عفلق الذي اعتبر أن القومية العربية موجودة قبل الإسلام وفي إطارها ظهر الإسلام. كما كان ساطع الحصري متناقضًا مع فكر انطوان سعادة الذي كان يعطي أهمية محورية للمكان بحدوده الإدارية الجغرافية (الهلال الخصيب) مع سورية الكبرى في إبراز فكرته القومية السورية.

اعتمد ساطع الحصري على بعد محوري واحد للقومية هو البعد اللغوي الذي وحد التاريخ الثقافي واستثنى عامل الدين الذي لعب دورًا مهمًا في انتشار اللغة العربية وفرضها على المجتمعات التي خضعت للحكم الإسلامي تحت ما يسمى بالفتوحات الإسلامية، والاستثناء الذي جعل اللغة العربية تنتشر بسرعة وبلا عوائق في المجتمعات هو السمة الإلهية التي غُلِفَتْ بها اللغة العربية كونها لغة القرآن، هذا جعل اللغة العربية تحظى بمرتبة أعلى عن اللغات المحلية السائدة ما قبل الفتوحات الإسلامية، مما ساهم في طمس التاريخ الثقافي وإعطاء سمة إسلامية عامة للمجتمعات التي خضعت للحكم الإسلامي وطبعها بطابعه الثقافي الديني.

عدم إعطاء الجانب الديني الإسلامي دورًا في تعميم اللغة العربية ودورًا في وحدة السوق الاقتصادية في مراحل صعود الدولة الإسلامية وامتدادها وما رافقها من تشكيلات إدارية لإدارة حكم الولايات الإسلامية، هذا جعل الفكر القومي في موقع متصادم مع السمة الدينية العامة وخلق ظروفًا للتحريض والتصادم مع الفكر القومي الذي استند على الإرث التاريخي العربي للإسلام الذي كان يتموضع في حاضنته المجتمعية الإسلامية التي تحمل تعددًا قوميًا.

بعد انتقال الخلافة من بغداد إلى اسطنبول وسيطرة المجموعات القومية غير العربية على القرار الخلافي وإبعاد ممثلي القبائل العربية عن جوهر القرار الإسلامي؛ بدأ التعارض يتصاعد حتى وصل إلى أن تخرج القبائل العربية من تحت العباءة الدينية لتتحالف مع الاستعمار الفرنسي والانكليزي لدحر الخلافة الإسلامية العثمانية وإنهائها وتحويلها إلى دولة تركيا بحدودها القائمة وفرض عليها شروطًا قاسية لمئة عام، هذا التحول الذي نتج عن انهيار الخلافة الإسلامية العثمانية خلق مشاعر متضاربة في المجتمعات العربية الإسلامية، خاصة بعد أن تكشفت أطماع الاستعمار الانكليزي والفرنسي في تقاسم ولايات الخلافة العثمانية ونواياهم في تحقيق الحلم الصهيوني في إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين وتبديد الحلم بإقامة دولة إسلامية تعيد المركز العربي للخلافة للهاشمية في الجزيرة العربية.

الفراغ الذي نتج عن انتهاء نفوذ الخلافة الإسلامية وانهيارها وتأسيس تركيا الأتاتوركية فتح الطريق لتنامي التيارات القومية وتيار (الإسلام السياسي حركة الإخوان المسلمين).

التركيز على عامل اللغة كعامل حاسم في خلق الثقافة الواحدة (الحصري) واعتبار أن القومية العربية سبقت الإسلام (عفلق) جعل الفكر القومي يتعارض مع حركة التاريخ التي لعب فيه الفكر الإسلامي دورًا في تعميم اللغة وأصبحت لغة القرآن هي المعيار للغة العربية. اللغة والدين الإسلامي لا يمكن التعامل معهما بشكل منفصل وإنما بعلاقة جدلية متداخلة في إطار الزمان والمكان، أما الحديث عن مفهوم القومية (الحديث) بأنها ظهرت قبل الإسلام بدلالة اللغة وانتشارها هذا يتعارض مع جوهر المفهوم القومي الذي ظهر في سياق مرحلة التطور الرأسمالي في أوروبا الذي لعب فيه العامل الاقتصادي دورًا حاسمًا في تحديد الإطار للمفهوم القومي وأخضع عامل الدين واللغة لمصلحة تطور حركة رأس المال، هذا المفهوم الذي أصبح عائقًا في مرحلة تطور الرأسمالية لصفتها الإمبريالية وتصادمت مع الإطار الوطني والقومي في مرحلة تشابكت فيها المصالح الرأسمالية المتعددة القوميات التي ذابت فيها الفوارق القومية لحساب مصلحة المصالح الرأسمالية وأصبح دور اللغة ثانويًا والتاريخ المشترك تحكمه المصالح الرأسمالية، وفي كثير من الأحيان أُعيدَ إلى صفحات التاريخ الثقافي الفلوكلوي.

أما عن أن دور اللغة كعامل حاسم للمفهوم القومي، هنا يحضر سؤالًا مشروعًا: لماذا لم تظهر القومية الكندية أو الأمريكية أو الأسترالية؟ هذه الدول تعرف نفسها على أنها مجتمعات متعددة الثقافات والقوميات، بالرغم من أن عامل اللغة السائدة هو واحد وتاريخ سمة مجتمعاتها (التي قامت على أنقاض المجتمعات الأصلية التي قضت عليها) إلى حد ما واحدة. وينسحب هذا السؤال على مجتمعات أمريكا اللاتينية: لماذا لم تلعب اللغة الإسبانية عاملًا حاسمًا في تشكيل شعورًا قوميًا للمجتمعات الناطقة بالإسبانية؟ وهذا ينسحب أيضًا على المجتمعات الناطقة بالبرتغالية؟

الغزو الإسباني والبرتغالي فرضا هاتان اللغتان على مجتمعات دول أمريكا اللاتينية وساهم في تغييب الثقافات واللغات السائدة.

إن طرح شعار الوحدة القومية استنادًا لمفهوم ساطع الحصري أو لتجربة بسمارك في ألمانيا أو غاريبالدي في إيطاليا لا يتوافق مع تطور البنية الاجتماعية الاقتصادية للمجتمعات التي كانت تتسم بها مجتمعات شرق الأردن والجزيرة العربية بسيادة  القبلية والعشائرية، في حين كانت المجتمعات في مصر وسورية وفلسطين عبارة عن تداخل بين الإقطاع الريفي مع برجوازية مدنية صناعية محدودة، تتمركز في المدن الكبرى.

وفي هذا السياق، فإن طرح شعار الوحدة بدون تحديد طابعها ومكوناتها وشروطها والقوى الاجتماعية التي ستتوجه لها الحركة جعل الشعار من حيث الشكل جذابًا، ولكن من حيث الجوهر يحمل بذور أزمته؛ طرح الوحدة بمنظور وحدة الأنظمة كمدخل لتحرير فلسطين كان يحمل خطأً منهجيًا أُلحِقَتْ وأُلغِيَتْ فيه الخصوصية الفلسطينية في مرحلة كانت أَحوَجْ فيه لإبراز مستوى وعمق وتعدد طابع الجريمة التي ارتكبت بحق المجتمع الفلسطيني الذي شُتِتَ ومُزِقَتْ أشلائه الحقوقية والثقافية والتاريخية ورُمِيَتْ في بقاع ٍ مختلفة؛ إمعانا في محاولات إلغاء وإلحاق منهجي لهويته القانونية كمجتمع وأفراد لكي لا يتسنى لهم ملاحقة المجرم الحقيقي الذي أوغل في جريمته على مدى أكثر من 72 عام.

المصطلح وأهميته في عكسه لسمة المرحلة أو التفكير وصحته

إن الخلط بين الاشتراكية كنظام اقتصادي اجتماعي وبين الماركسية كمنهج فلسفي (يتضمن منهج قائم على أساس القوانين الموضوعية والخاصة لتطور المجتمعات والعلوم الإنسانية) علمي للتفكير والتحليل كان سائدًا وما زال، والربط بين التجربة ال لينين ية والسوفييتية في تحديد موقف من الماركسية والمنهج الديالكتيكي في التحليل والتفكير من سمات المرحلة السابقة منذ بداية الخمسينات وما زال البعض يعتمد هذا المعيار.

هنالك خلاف مهم بين الاشتراكية والشيوعية والمنهج الماركسي العلمي المادي المعتمد في تحليل الظواهر الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية، والأهم أن تراجع أو انتهاء التجربة الاشتراكية في بلد أو عدة بلدان ليس مرده إلى خلل في المنهج الديالكتيكي الذي اعتمده ماركس في كتاباته الاقتصادية أو انجلس في الاجتماعية.

اللينينية تجربة ملموسة كانت خاضعة لظروف خاصة، بمستوى اختلاف تطور المجتمعات السوفييتية، حيث اعتمد لينين المنهج الدياليكتيكي في إطار تحديد إطار صراعه السياسي والاجتماعي في روسيا القيصرية وقدم نموذجًا خاصًا للتجربة الاشتراكية في روسيا ووحد قومياتها في إطار نظام السوفييتيات وتعبيراتها الاقتصادية والصناعية والزراعية والمالية.

القوى التي أطلقت على نفسها أحزاب وقوى شيوعية في الوطن العربي كان تيمنًا بالتجربة السوفييتية، وليس نتيجة لدراسة واقعها الملموس التي كانت مجتمعاتها خاضعة للاستعمار المباشر، حيث مهمة التحرر الوطني هي السمة التي كانت تحكم المرحلة، وليس مهمة إقامة الاشتراكية والشيوعية في مجتمعات عشائرية وقبلية لا تملك امكانياتها وإرادتها وهويتها المعرفية التي تناثرت في إطار الصراع بين مفهومي الإسلام والقومية.

في هذا السياق، فإن الموقف من الماركسية بناء على موقف الاتحاد السوفييتي من قيام دولة إسرائيل كان موقفًا خاطئًا، حيث كما أشرت أن هنالك خلافًا بين الاشتراكية كنظام اجتماعي والماركسية كمنهج للتحليل والتقييم.

أدى هذا الموقف لفتح الصراع مع الأحزاب (الشيوعية) بدلاً من القوى اليمينية التابعة التي وظفت الخلاف القومي -الشيوعي -الإسلامي لمصلحتها في إطار المجابهة الأشمل.

مصطلح الاستعمار العثماني

هذا المصطلح الخاطئ حيث أن الخلافة العثمانية هي مرحلة من مراحل حركة الإسلام السياسي من حيث موقعها في السلطة، وتصارع القوى داخل إطار الظاهرة الإسلامية؛ من حيث تراجع نواتها العربية لمصلحة العثمانية الطورانية.

إن انتقال السلطة كان طوعيًا ومقبولًا إلى حد ما من قبل القوى الاجتماعية التي حكمها الإطار الديني الإسلامي بمفهومه الشمولي في إطار صراعها وتحالفها، لهذا فإن الممارسات التي حكمت السلوك العثماني، يجب أن تقرأ، في إطار حركة التقدم والتراجع في ميزان صراع القوى الاجتماعية في الظاهرة الإسلامية، بين الاتجاهات السلفية والحداثية والاتجاهات الفكرية الدافعة والمعيقة المعبرة عنهما في مرحلة صعودها وتراجعها.

عدم قراءة التجربة الإسلامية بما لها وما عليها، خاصة من قبل الناصرية والبعثية من موقع دورهما المقرر في السلطة السياسية وإبراز الجوانب القيمة فيها والاتجاهات الفلسفية والعلمية التي أدت دورًا هامًا في التطور الإنساني وإدانة الاتجاهات الأكثر رجعية التي تعتمد الإلغاء والقتل للإبداع والانفتاح. أدى إلى سيادة المهادنة الفكرية، ومساهمته في تعميم الفهم السطحي؛ القائم على أساس الانتقائية، وإخراج النص الديني من سياقه التاريخي؛ من حيث ضرورته الزمانية والمكانية. هذه المهادنة والقراءة السطحية للتجربة السياسية الإسلامية، نمت في ظلها، القوى الأكثر رجعية التي استثمرت فيها القوى الخارجية، وأعادت إنتاج الفكر السلفي في أبشع أشكاله، ليكون مجالًا للاستثمار السياسي الخارجي، لتقويض وتفتيت المجتمعات العربية، التي ما زال الدين له دورًا رئيسيًا في تكوينها الثقافي والنفسي.

النكبة الفلسطينية

إن مصطلح النكبة، لا يعبر عن ما تعرض له الشعب الفلسطيني، من جريمة مركبة من حيث جانبها الحقوقي الشخصي والجمعي والوطني والديمقراطي والسياسي والقانوني؛ الجريمة المركبة تتعارض مع القانون الحقوقي الإنساني الذي يتنافى مع إلغاء الهوية السياسية القانونية للمجتمع الفلسطيني والوطني التي تمت من خلال عملية الإلغاء والالحاق التاريخي ومصادرة وسرقة الإرث الثقافي التاريخي للفلسطينيين؛ الجريمة الإنسانية التي دمرت المجتمع الفلسطيني وأخرجته من العملية التاريخية الإنتاجية ليعيش القسم الأكثر منه في مخيمات اللجوء في حالة من الإنكار والنسيان والفقر منذ أكثر من 72 عامًا، هذه الجريمة التي تمت في وضح النهار ومرتكبيها معروفون وأدوات الجريمة ما زالت قائمة والضحية ما زالت تطالب بحقوقها القانونية التاريخية.

إن اختصار الجريمة بمصطلح النكبة لا يتوافق مع حجم وأثر انعكاساتها على ما حدث للشعب الفلسطيني منذ أكثر من72 عامًا؛ من إلغاءٍ وإلحاقٍ وسرقة معلنة للحقوق الوطنية والفردية والجمعية، ناهيك عن إلغاء الهوية الشخصية الفلسطينية في إطارها القانوني الشخصي شاركت فيها قوى ونظم عابرة للقارات والإقليم، هذه الجريمة التي اشترك في تنفيذها وبوعي مجموعة عابرة للدول الاستعمارية وتوابعها، حيث حرصت على خلق الظروف المؤاتية لمسرح الجريمة وعملت تدريجيا على مدى 72 عامًا في محاولة لإلغاء آثارها القانونية والحقوقية وتحميل وتعميم مسؤولية وقوعها.

إن أكبر الأخطاء التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني هو إلغاء الهوية القانونية للشخصية المدنية الحقوقية للإنسان الفلسطيني التي اعترفت بها الأمم المتحدة وأنشأت وكالة الأونروا كإطار قانوني دولي لحماية حقوق العودة للفلسطينيين التي أخذت من عمان مركزًا رئيسيًا لها، هذا الاعتراف الذي لم يبنَ عليه من قبل الأنظمة العربية في إطار اعتبارها مهمة لحكوماتها من أجل الضغط لعودة الفلسطينيين، بل استخدم من قبلها في الاستثمار السياسي والمالي.

أنظمة سايكس - بيكو تعاملت مع اللجوء من موقع المساومة على حق اللجوء؛ من حيث الاستثمار المالي والسياسي بعنوان اللجوء، ولم تعمل على المطالبة القانونية لإعادة اللاجئين الفلسطينيين، بل بالعكس، فإن قضية اللاجئيين أصبحت تدخل في إطار إعادة تشريع للنظم السياسية، بقدر ما كانت توغل في قمع وإلغاء وإلحاق اللاجيء الفلسطيني، وبقدر ما كانت تتلقى دعمًا سياسيًا وماليًا وعسكريًا ثمنًا لهذه المواقف، وأبقت الموضوع الفلسطيني حيًا في الإطار الخطابي الرنان الذي كان لا بد منه من أجل تشريع نفسها جماهيريًا.

تغييب الخصوصية الفلسطينية؛ إن كان من قبل القوى الإسلامية أو القومية ووضعها في إطار سياسي يحمل مصطلح الصراع العربي الإسرائيلي أو الصراع الإسلامي اليهودي؛ فهذا الخطأ المنهجي لا يعكس جوهر القضية الفلسطينية كونها قضية تحرر وطني فلسطيني، وإنما وضعها النظام الرسمي العربي في إطار الخلاف على تشريع نظمهم السياسية من جهة، وحدود الدولة اليهودية من جهة أخرى التي انبثقت عن اتفاقية سايكس بيكو والقرار التنفيذي ووعد بلفور الذي تضمن التزام العمل من أجل إقامة الوطن القومي اليهودي.

هزيمة 1967 تركت أثرًا كبيرَا على حركة القوميين العرب والناصرية؛ أدت إلى التباعد، حيث جرت تحولات في حركة القوميين العرب؛ أدت إلى تفككها، والناصرية بدأت تحتضر بسبب عوامل داخلية، أهمها عدم تمكنها من تأسيس أداة سياسية ومنظومة قانونية في الدولة المصرية تحمي وتعمل على تطوير الظاهرة وتحويلها من ظاهرة مرتبطة بشخصية الرئيس عبد الناصر إلى حركة سياسية وطنية ديمقراطية شعبية، حيث كانت كل الظروف مهيئة لإقامتها خلافًا لتنظيم الاتحاد الاشتراكي الذي أسس في 1963 بشكل فوقي؛ بعيدًا عن عكس الحالة الاجتماعية المصرية بكل تحولاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. والأهم أن الناصرية من موقعها في السلطة السياسية، لم تتناول إعادة قراءة التجربة السياسية الإسلامية التي تتوافق مع المعطيات العلمية البحثية في كل مرحلة من مراحل الحكم الإسلامي وانتقال خلافته بين كل من المدينة ودمشق وبغداد وإسطنبول، هذه التحولات التي لعب المكان والقوى الاجتماعية التي كانت الخلافات القبلية تلعب دورًا رئيسيًا في الصراع على السلطة السياسي.

تراجع الناصرية وتفكك حركة القوميين العرب أدى الى انتقال مركز العمل القومي إلى دمشق وبغداد الذي حكمهما الخلاف بين تيارات البعث وحواضنهما، حيث لم تستطع البعثية من توحيد صفوفها وإنتاج تجربة وحدوية مشتركة للعراق وسورية لأسباب متعددة ومركبة؛ تداخل فيها الخلاف حول المفهوم القومي والديني والمذهبي عاملًا في تقويضها.

لكل ما سبق، فإن فشل تجربة القوميين العرب؛ إن كانت في تعبيرها الناصري أو البعثية أو حركة القوميين العرب في تحقيق أيًا من الشعارات التي رفعتها: الوحدة أو الحرية أو التحرر أو الثأر أو الاشتراكية؛ مرده إلى عدم قراءة واعية لواقع المجتمعات العربية وإطارها المعرفي الذي غلفها لما يقارب من 1400 عام. فالرغبوية والارتجالية الانفعالية والعفوية تصادمت مع حركة التاريخ الذي أعاد وفرض قوانينه الخاصة به التي تعكس الواقع في إطار حركته التاريخية وانعكاسها في منظومة الوعي الجمعي التي لم تأخذها القوى القومية كقاعدة في قراءتها وتحديد مهماتها الملموسة الوطنية التحررية بتعبيراتها الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية والمجتمعية.

لقد طرحت شعار القومية متجاهلة شروط متطلباته الاقتصادية والاجتماعية؛ من حيث تبلور مصالحها التي لم تصل لمرحلة المصالح القومية، من حيث المكان. أما من حيث الزمان، فقد طرحت الشعار في مرحلة بداية تراجعه كضرورة رأسمالية، حيث كانت الرأسمالية في مرحلة انتقالها وتموضعها الإمبريالي التي تلعب فيه الشركات العابرة للحدود القومية والوطنية وأصبحت صيغة الدولة الرأسمالية أداة لحماية مصالح الشركات الكبرى وبناتها وحفيداتها التي ضاعت بينها الحدود القومية والوطنية وتناقضت مع المفهوم القومي والوطني. بين هذه التخوم والانتقالات، بين القومي والوطني والعولمة؛ استطاعت الحركة الصهيونية أن تحقق حلمها في وضع اللبنة الأولى للدولة اليهودية التي كانت ضرورة رأسمالية؛ تداخل في تحقيقها مصالح رأس المال الصهيوني في إطار دور رأس المال العالمي، وفي هذا الإطار تفهم التحالفات الجديدة التي لا تعير للغة أية أهمية وتعيد الاستثمار في العباءة الدينية لإعادة تشريع تحالفاتها الرأسمالية. إن تحالف رأس المال معياره تحقيق تراكم ثرواته من جهة، وسيطرته السياسية من جهة أخرى، لتأمين الحماية  لسيطرة قوانينه الجديدة التي تسعى لإنهاء كل ما له علاقة بالوطنية والقومية، وبهذا تعيد حركة التاريخ مفهوم الصراع الاجتماعي إلى صراع بين المستغلين (بفتح الغاء) والمستغلين (بكسر الغاء)، وبين فتح الغاء وكسرها تتحدد الفواصل بين الفقر والغنى وبين الحق والباطل وبين العدالة الاجتماعية وقمعها، ومفهوم الحرية والتحرر من جهة، وبين الاحتلال الاحلالي بأشكاله وتعبيراته المختلفة؛ إن كانت ثقافية أو سياسية إلغائية أو الحاقية.

بين فتح الغاء وكسرها تتوضح المعالم القومية الجديدة المشتركة لإعلان تزاوج رأس المال الصهيوني مع رأس المال النفطي، بلا أية وساطة عابرة ترسم لمرحلة تاريخية جديدة؛ يراد منها إعادة رسم وانتقال لمراكز رأس المال في إطار وحدة صراعها بين الصاعدة والآفلة.

وبناء على هذه التطورات، فإن القضية الفلسطينية تكتسب أهمية تاريخية وآنية ومستقبلية، في إنها هي الحد الفاصل بين كسر الغين وفتحها، وهي المعيار لها من حيث الحد الفاصل للانتقال من الباطل إلى الحق أو الانتقال من الحق للباطل، والحد الفاصل للتعارض بين مصالح النظم التابعة وبين جماهيرها التي تعاني من تغول رأس تحالف رأس المال على جوانب حياتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.