عندما عاد الزعيم التاريخي جمال عبد الناصر عن تنحّيه عن المسؤولية، على اثر الهزيمة العسكرية للعام 1967، رفع شعار «ازالة آثار العدوان» هدفاً استراتيجياً للمعركة العسكرية التي أخذ يعيد بناء القوات المسلحة المصرية على أسس حديثة استعداداً لها، بقصد تحرير اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان.
هكذا، فان شعار ازالة «آثار العدوان»، كان يعني بشكل غير ملتبس إزالة آثار هزيمة 1967 فقط. لكن رحيل عبد الناصر، وخوض معركة الردّ بقيادة أنور السادات، أحدث تحولاً سلبياً خطيراً في شعار إزالة آثار العدوان، فجعله يعني عملياً، كما أوصلت اليه اتفاقية «كامب دافيد» بين مصر واسرائيل، استرداد صحراء سيناء فقط، منقوصة السيادة الوطنية، وتخلّي مصر وجزء كبير من العرب، مقابل ذلك، عن مصير قطاع غزة والضفة الغربية والجولان، إضافة الى ما هو أشد خطورة من كل ذلك، وهو التنازل المجاني عن حقوق شعب فلسطين في وطنه التاريخي، وهي الجريمة التي ارتكبها المجتمع الدولي، استغلالاً لتخاذل عربي موصوف.
لقد كانت القواعد الرئيسية للحياة السياسية الدولية، والقوانين الأساسية المنظمة لهذه الحياة التي تضمنتها وثائق منظمة الأمم المتحدة، تقضي في النصف الثاني من اربعينيات القرن المنصرم، منح حق تقرير المصير لسكان فلسطين، بعد إزالة الاستعمار البريطاني، الذي استقر كغنيمة بريطانية في نهاية الحرب العالمية الاولى.
ولو سمحت النزاهة الأخلاقية الدولية (إضافة الى وزن الدول العربية يومها) بأعمال هذا الإجراء الطبيعي والقانوني والأخلاقي، لأدّى تقرير المصير يومها (أي قبل كارثة 1948) الى قيام دولة عربية لفلسطين، تكون غالبية سكانها من العرب، وفيها أقلية من المهاجرين اليهود، الذين انتقلوا اليها قسراً من شتى ارجاء العالم في تخطيط مسبق لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي يعتبر قانونياً واخلاقياً النقيض القسري لحق سكان فلسطين الاصليين بتقرير مصيرهم بعد انتهاء الاحتلال البريطاني.
هذا الخلط بين نتائج حرب 1948 ونتائج حرب 1967، تحوّل الى قاعدة في السياسة العامة للأنظمة العربية المتراجعة عن الحق العربي الأصلي، وقد بدأ هذا الخلط بالخطيئة التاريخية التي ارتكبها انور السادات بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، متنازلاً عن العداء التاريخي لمصر العربية للكيان الإسرائيلي.
ثم جاءت المبادرة العربية للحل التي أقرّتها جامعة الدول العربية في اجتماعها في بيروت العام 2002، تتويجاً لهذا الخلط بل التنازل التاريخي.
وعندما قامت ثورتا «25 يناير» و «30 يونيو» في مصر، لم تكن الآمال المعقودة عليهما تصل إلى حدود التفاؤل بالعودة المصرية عن الخطأ التاريخي، وإلغاء المفعول القانوني لاتفاقيات «كامب دافيد» التي وقعت في غفلة من الزمن، لكن الآمال كانت تصل على الأقل إلى إلغاء مفعول هذا الخطأ التاريخي، حتى من غير إلغاء نصوصه رسمياً.
إن التصريح الذي اقترح به الرئيس السيسي حل قضية فلسطين عن طريق تعميم اتفاقية كامب دافيد عربياً، يبعث على قلق حقيقي بتجديد مصر العربية لتكريس التنازل المجاني عن حقوق عرب فلسطين في وطنهم التاريخي، وهي الجريمة التي ارتكبت في العام 1948، ثم استكملت في العام 1967.
المصدر: السفير

