Menu

الأمن المائي المصري: شراكة أو عدوان

خاص بوابة الهدف

تصر النخب المتتابعة على حكم أثيوبيا على سياسات عدائية تجاه شعوب المنطقة، ذلك رغم اشتراك أثيوبيا والشعب الحبشي إجمالًا مع الأمة العربية وشعوب المنطقة في المعاناة من الهجمة الاستعمارية المستمرة على المنطقة، والقوى المهيمنة عالميًا وما تطرحه من مقولات أو تنتهجه من سياسات تجاه شعوب المنطقة، والتي لا تستثني الشعوب الإفريقية من هجمتها أو دوائر استهدافها.

اصطناع أحزمة صديقة للقوى الاستعمارية تحيط بالمنطقة العربية، هو جزء من رؤية قديمة تحاصر فيها الدول العربية وشرايين اتصالها وإمداداتها الحيوية، بواسطة مجموعة من التحالفات التي ينتجها المعسكر الاستعماري والعدو الصهيوني مع الدول المحيطة بالمنطقة العربية؛ أثيوبيا وإيران وتركيا كانت دائمًا مرشحة للعب هذه الأدوار، ولكن التحولات التاريخية قادت تدريجيًا لانحسار هذه الرهانات في مواضع وتمددها في مواضع أخرى؛ فسنوات المد التحرري الثوري كانت ذهبية بالنسبة للبلدان العربية وعلاقاتها مع دول وشعوب القارة الإفريقية، وأعطت دول عربية مركزية مثل مصر ثقلًا استراتيجيًا إضافيًا في القارة، وعلى النقيض من ذلك كان انكسار الحركة الثورية، خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وقبل ذلك ما أسست له اتفاقية كامب ديفيد من إلحاق مصر بالفلك الأمريكي وإطفاء محركات سياساتها الإفريقية النشطة، مما  أفسح المجال أمام التمدد الاستعماري وخصوصًا الصهيوني في القارة.

إن تحول الدور الصهيوني في القرن الإفريقي من السلوك العصاباتي القائم على التسلل والاختراق وتمويل بعض النزاعات المسلحة، لدور اللاعب المهيمن على بعض الملفات وفي سياسات بعض الدول؛ لم يكن التحول الوحيد الذي نتج عن هذه العملية، بموازاة ذلك أو على نحو متصل به تصاعدت السياسات العدائية تجاه الدول العربية لدى عديد من النخب الإفريقية الحاكمة، وباتت منطقة القرن الإفريقي مصدر لتهديدات متزايدة تطال الدول العربية، ليس بداية بتقسيم السودان وليس انتهاء بأزمة سد النهضة.

إن تعطيش مصر والسودان وشعبهما هو عدوان على الأمة العربية، وتجاوز لكل مفاهيم حسن الجوار والشراكة في التاريخ والمصير بين شعوب المنطقة، كذلك إن ازدهار الشعب الحبشي وتحسين فرصه المستقبلية في العيش برفاهية وإخاء وسلام مع شعوب المنطقة، هو مهمة تحررية وإنسانية لا يجب أن يتنكر لها أي عربي، لكن ذلك لن يتم أبدًا في سياق المطامع والمساعي الاستعمارية، أو مخططات الهيمنة والابتزاز، هذه حدود المعادلة الفاصلة بين موقف الشراكة والدعم للمشروع الأثيوبي ورؤيته كجزء من مساعي شعوب المنطقة للنهوض من براثن الاستعمار والإفقار، وبين الحرب بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؛ فحدود العلاقات بين الدول لا يجب أن تخضع للمنطق الاستعماري وحسابات المصالح الضيقة فحسب، بل للمصلحة الكبرى والعليا المتمثلة في المصير المشترك والبحث عن مستقبل أفضل لسائر هذه الشعوب المقهورة.